أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٥ حزيران من كل عام

١
بالمختصر المفيد :

بالمختصر المفيد ودون لف ودوران ، فإن اليمين الإسرائيلي واليمين الإسرائيلي المتطرف هو المسؤول الوحيد عما جرى ويجري منذ انتفاضة الأقصى ٢٨ / ٩ / ٢٠٠٠ ، وقد بدأ التحضير لما وصلنا إليه منذ أن اغتال اليمين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ( إسحق رابين ) .
لو أنجز حل الدولتين فلربما تحقق ما حلم به رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ( شمعون بيريس ) وهو " شرق أوسط جديد " ، ولكن اليمين الإسرائيلي ، باعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي ( بنيامين نتنياهو ) عمل على إفشال حل الدولتين وسعى بقوة لفصل الضفة الغربية وقطاع غزة عن بعضهما البعض ، قاصدا إقامة دولة يهودية من البحر إلى النهر وأكثر ، ومن تتبع بعض المقابلات مع وزير المالية الإسرائيلي ( بتسلوئيل سموتريتش ) سمع أنه يطمح بدولة من النيل إلى الفرات ، وطمح هو وبن غفير وبنيامين نتنياهو إلى تفريغ قطاع غزة والضفة الغربية من السكان حتى لا يتحقق التوازن السكاني . ألم يطلب نتنياهو نفسه من الرئيس المصري المرحوم حسني مبارك استقبال سكان قطاع غزة في شبه جزيرة سيناء ؟ ألم يطلب من الملك عبدالله أن يهيء مخيمات تستقبل سكان الضفة الغربية ؟
أنا ساذج سياسيا ، وهذا هو فهمي ، . لا تلوموا المقاومة وأرجو ممن له رأي مغاير الا يزج باسمي في أي منشور يدرجه يتبنى رأيا مختلفا ، عدا أنني لست معنيا بمهاجمة إيران أو حزب الله ! لتنسحب إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة وتعيد اللاجئين الفلسطينيين إلى مناطقهم في الداخل الفلسطيني حتى أتبنى رأيا مختلفا .
لقد كتبت في العام ١٩٩٣ ، ضد اتفاقية اوسلو ، كراسا عن الأدب الفلسطيني واتفاقية السلام وذهبت إلى أنها -
- لم تنجز دولة فلسطينية
- لم تنه الاستيطان
- لم تعد اللاجئين .
١٥ / ٦ / ٢٠٢٥

٢
خبر الصباح :

قتلوه ثم شوهوا جثته بجيب عسكري حتى يقولوا إنه حادث دهس .

في 1981عندما استشهد ماجد أبو شرار كتب محمود درويش :
" وحث السير إلى بلد فقدناه بحادث سير ".

وأما مظفر النواب فقد كتب :
" وقديما قيل : مأرب بالجرذ لقد سقطت ."

من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟ ( درويش )

أبانا الذي في هيئة الأمم المتحدة:بارك شعبه المختار .
ما دامت فلسطين أرضا مباركة فلماذا تضم جثث المباركين والمختارين وشعب الله وحشرات الله والغوييم والأغيار ،و.....المؤمنين والملحدين وأكلة لحم الخنزير ولحم البشر؟
أجهزوا عليه بالجيب وقالوا :
- حادث سير ،
وفي 1956صرخ شدمي الضابط الاسرائيلي :
- احصدوهم ،
ودفع قرشا وخرج من السجن .
أبانا الذي في السماوات......إلخ..إلخ

٣
15/6/2016 ( حزيران الذي لا ينتهي )11 (
( تشوش الذاكرة ) :
هزم الجيش الأردني وخلف معسكراته ومخافره وراءه . نهب ما نهب وما لم ينهب غدا باعثا للفضول . قبل حزيران أقيم معسكر مؤقت للجيش قرب المخيم . خيام وآليات نقل ودبابات ، والحرب وشيكة ، وثمة طائرتا ( هوكر هنتر ) تقومان بطلعات جوية . ثمة زوامير خطر ، ورجال دفاع مدني ، من شباب المخيم ، وثمة كشافة يتجولون يعطون التعليمات .
تحرك الجيش وذهب الى أماكن أخرى تاركا بعض المخلفات التي أثارت فضول بعض الشباب وأراد قسم منهم أن يعدها لأيام قادمة ، ربما من أجل المقاومة . وفجأة انقلبت أحوال المخيم . ثلاثة شباب في السابعة عشرة من أعمارهم يعبثون بقنبلة تنفجر بهم . مات أحدهم ، وأصيب أخر إصابة خفيفة ، فيم فقد الثالث نظره وبتر مرفق يده . والجيش الذي انسحب لم يسحب معه بعض مخلفاته . هل تركها خطأ ؟هل تركها قصدا ليقاوم المقاومون ؟هل...؟
صار أبو علي ، أجمل شباب المخيم ، عنترة العبسي المحب ، صار معاقا ، وغدا صديقا لكثيرين يساعدونه في تسيير أموره . وربما احتاج مساحة خاصة لكتابة قصة طويلة .
ها هي الحرب تعني الخسران . شاب من أجمل شباب المخيم ، الأنيق ذو الشعر الناعم الاملس اللامع المتزيي باجمل الثياب ، المحب العاشق ، ها هو يشوه .
ثمة خسارات كثيرة ، وثمة مفقودون ، وبعد اثني عشر عاما ، مساء ، ينتظر الناس عودة أم زياد من عملها في المدينة ، ليخبروها إن زوجها الذي فقد في الحرب عاد؟
هل عاد الفرواني ؟ وسأكتب من وحي هذه الحادثة قصة "هل هو الفرواني" ؟
الحرب لم تنته . من قال ان الحرب انتهت .
أبو علي عاد إلى يافا ، بلده ، فقد تزوج من هناك ، وأنجب ولكنه يرى البحر بأذنيه ، لا بعينيه ، وأحيانا اسأله : هل أنت راض يا أبا علي؟
أحيانا يجيب بنعم ، وأحيانا كثيرة يجيب : لا. ويافا بلا يافاويين ليست يافا .
15 / 6 / 2016

٤

الخلاصة:بعد 10 سنوات من الانقسام ما زلنا في الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 - 1939.
حسيني ونشاشيبي . خيانات وثورة بائسة . وأنا الملوم .

٥
نابلس في رمضان :

خس وفجل ونعنع وبقدونس وخبز بحبة البركة وعصائر أشكالها مختلفة ؛ براميل نيلية وعبوات بلاستيكية ، و قطايف وأسواق مكتظة في ساعات المساء وشبه مهجورة في ساعات الصباح .
نابلس في رمضان سوق تجاري وسوق خضرة وصاجات مقالي وبعض مكتبات لا يرتادها أحد يقرأ أصحابها القرآن الكريم، وبالقرب منهم أصوات مقريء القرآن .
و...ونابلس في رمضان معاقون يطلبون مساعدات وصدقات افطار و...و..
صدقة لأيتام أو هي مقر زكاة أموال متنقل .
وأما المقاهي فتزدهر ليلا .
15/ 6 /2017.

٦
قراءات في روايات عربية

" الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين ... لعبة الشكل ، المابعد " : (1)

بقلم : عادل الأسطة ( 15 / 6 / 2018)

مدخل :

ربما تعود فكرة " المابعد " في الأعمال الأدبية إلى منهج ( برونتير ) في القرن التاسع عشر .
كان منهجه يقوم على أساس دراسة المؤلف - بفتح اللام لابكسرها - في ضوء المؤلفات السابقة وتحديد موقعه منها .
ربما يعترض محبو الأدب العربي والمنحازون إلى التراث العربي فيتوقفون أمام مقولات نقدية لنقاد عرب قدامى أدركوا بفطرتهم سؤال " المابعد " ، كأن يتوقفوا أمام مقولة الشاعر " ما أرانا نقول إلا معادا مكرورا " ليقولوا إنها مقولة كانت تعبر عن سؤال " المابعد " ، فالشاعر أدرك ببصيرته أن اللاحق إن لم يضف إلى السابق إنما يقول ما قيل .
وبعض الشعراء العرب كتب شعرا منطلقا من سؤال " المابعد " . لقد حاول أن يكتب شيئا جديدا مختلفا .
وماذا بعد بدء القصيدة بالوقوف على الأطلال ؟
وماذا بعد تكرار الصورة والمفردة بمعناها القاموسي ؟
وكانت قضية القديم والجديد قضية أساسية من قضايا النقد الأدبي عند العرب . كأنها في صلبها هي سؤال المؤتمر ، ولكن فيما يخص الشعر لا فيما يتعلق بمناهج نقدية يركز المؤتمر عليها .
في القرن السادس الهجري شغل شاعر عربي هو ابن سناء الملك بقضية الجديد والإبداع والابتداع ، فكان همه الأساس أن يصطاد لفظة لم يستخدمها شاعر من قبل ، فوقع ، بسبب الرغبة في التجديد والتجاوز ، فيما وقع فيه .
لفت الشاعر نظر الناقد المصري عبد العزيز الأهواني ، فألف فيه كتابه ذا العنوان الدال " ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر " ورأى الأهواني أن إلحاح الشاعر على التجاوز قادت شعره إلى التكلف فالعقم .
والحقيقة أن المبدع يسعى باستمرار إلى التجديد والابتكار . لقد نعت بالمبدع لأنه يسعى إلى شيء جديد لم يسبق إليه ، ولا شك أن البحث عن الجديد شغل فكر كتاب كبار فخاضوا فيه وتأملوا لأجله الآداب العالمية حتى يبدوا رأيهم فيه ، ومنهم من خلص إلى أن التجاوز ليس دائما بالأمر السهل ، مع أنه شرط كل نتاج أصيل .
تأمل الأديب الألماني ( غوتة ) صاحب فكرة " الأدب العالمي " وصاحب " الديوان الشرقي - الغربي " نتاج الأدباء العالميين الكبار وما أضافه اللاحق للسابق - إن أضاف - وخلص إلى الرأي الآتي :
" إن الأدباء الكبار ليسوا أدباء كبارا لأنهم أتوا بأشياء جديدة ، وإنما هم أدباء كبار لأنهم أبرزوا الأشياء كما لو أنها تظهر لأول مرة .
إن البحث عن الجديد والنفور من النموذج والتقليد فكرة ألحت على نازك الملائكة في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " وقد رأت أن من أسباب ميلها وميل الشاعر العربي إلى التجديد والبحث عن ما بعد الشكل التقليدي فكرة تجاوز المألوف والخروج عن النمط . وهذا جعلها وبدر شاكر السياب يبحثان عن شكل جديد للقصيدة العربية .

وماذا عن " المابعد " في الرواية العربية ؟
قبل أن أخوض في الإجابة عن السؤال في الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين لا بد من الإتيان عليها ، ولو بإيجاز ، في رواية القرن العشرين ، وهنا يمكن التوقف أمام روائيين بارزين هما نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف .

أولا: نجيب محفوظ :
في كتابه " نجيب محفوظ ... يتذكر " ( 1980 ) يسأل جمال الغيطاني نجيب محفوظ عن الشكل الذي يكتب فيه وإن كان يقلد الشكل الروائي الأوروبي ، ويجيب محفوظ بأنه مع نضوج تجربته لم يعد يقلد الشكل الروائي الأوروبي ولا شكل المقامة في الأدب العربي . لقد أخذ بعد أن أصبحت ثقته بنفسه أكبر يبحث عن النغمة التي يكتب بها من داخل ذاته ( ص 71 ) ويرى " أن الشكل الأوروبي للرواية كان مقدسا ولكن نظرته - أي محفوظ - تغيرت مع تقدم العمر ، و " ربما كانت ثرثرة فوق النيل ، واللص والكلاب ، محاولة لكسر الشكل التقليدي في الرواية العربية ".
يدرك محفوظ أن التغير كان في شكل الرواية العربية لا العالمية ، فالرواية من وجهة نظره جنس أدبي أوروبي . ويذهب إلى أنه حتى وهو يقلد الشكل الأدبي الأوروبي كان يحاول خلق شيء مختلف ( ينظر ص 72 ) .
ولكن هاجس التجديد والمابعد لديه لم يكن هاجسه الأساس ، فهاجسه الأساس كان تاسيس فن الرواية في الأدب العربي وترسيخه .
إن سؤال " المابعد " لم يكن في بداية مسيرته يؤرقه . وكما يقول حين يسأل عن كتابة الرواية الواقعية في حين كان الأوروبيون يشنون عليها أعنف الهجوم " وكنت أكتب وفق منهج اقرأ السخرية منه ، اقرأ نعيه " ( ص 42 ) والسبب له "وللواقع الذي أعبر عنه لم يكن عولج معالجة واقعية بعد حتى أقدم على استخدام الأساليب الأدبية الحديثة التي كنت اقرأ عنها وقتئذ " ( ص42 ) .
والخلاصة أن سؤال " المابعد " على صعيد الرواية العربية والعالمية لم يقلق محفوظ إلا في فترة متاخرة ، وتحديدا بعد كتابة " الثلاثية " و " أولاد حارتنا ".

ثانيا: عبد الرحمن منيف :

في ربيع 1972 انتهى عبد الرحمن منيف من كتابة روايته " شرق المتوسط " ونشرها في العام 1975 .
لم يكن منيف في ذلك الوقت كاتبا روائيا معروفا جيدا ، فلم يكن أصدر روايات لافتة . وكان سياسيا أكثر منه أدبيا ولم تكن صدرت له إلا رواية أو روايتان ، بل إنه لم يقدم في حياته على نشر روايته الأولى " أم النذور " التي صدرت بعد وفاته .
وعلى الرغم مما سبق فإن سؤال " المابعد " في الرواية العربية ألح عليه مبكرا ، وهو ما بدا في " شرق المتوسط ".
لقد أرقه هاجس التجديد ، فقد اختفى وراء بطله رجب ، ليثير السؤال ، ولم يقتصر على الشكل وحسب ، فقد تعداه إلى الموضوع .
ويخيل إلي أن بطله ما كان ليجرؤ على إثارة السؤال لولا قراءته الرواية العربية ، وربما العالمية .
إن منهج ( برونتير ) تتبدى خلاصته في رواية منيف هذه على لسان بطله .
يريد رجب أن يكتب رواية جديدة في موضوعها وفي أسلوبها وفي لغتها أيضا ، وهو يميل إلى الرواية لا إلى الشعر ، فالرواية جنس أدبي مختلف ، وهي ليست مجرد مشاعر وأحاسيس.
يركز ( برونتير ) في منهجه على " اللون " ، على موقع المصنف في لونه وموقع اللون بين الألوان الأخرى - يعني ما هو موقع رواية ما في عالم الرواية ؟ وما هو موقع الرواية بين الأجناس الأدبية الأخرى ؟ ثم ما موقع الأديب في أدبه القومي ؟ وما هو موقع روايته الجديدة في مسيرته الروائية ؟
ولولا أن منيف مطلع على الرواية والشعر لما أثار ، على لسان بطله ، الاسئلة التي أثارها بخصوص الشعر والرواية وجدة الموضوع والشكل .
" أفكر أن أكتب أشعارا وروايات ، ولدي أفكار كثيرة ، ولكن ما أرغب فيه شيء جديد تماما. " ( ص134 ) و
" يبدو لي أن الشعر لا يمكن أن يكتبه إلا انسان واحد ، لأنه سيل من الأحاسيس الداخلية ، في لحظات هاربة ...... كيف يجب أن تكون الرواية ؟ أريدها أن تكون جديدة ، بكل شيء : أن يكتبها أكثر من واحد ، وفيها أكثر من مستوى ، وأن تتحدث عن أمور مزعجة ، وأخيرا ألا يكون لها زمن " ( ص134 ) .
كما لو أن اقتراح رجب لموضوع الرواية وشكلها هو في صميم تفكير أديب عربي ، مطلع على فني الشعر والرواية والتجديد فيهما ، يثير في الوقت نفسه سؤال " المابعد " - وماذا بعد ؟

الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين ... لعبة الشكل وال " مابعد " :

آخر رواية عربية قرأتها هي رواية الكاتب الجزائري واسيني الأعرج " مي ليالي إيزيس كوبيا ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية " 2018 .
وقد لجأ مؤلفها إلى حيلة فنية أعادتني إلى ما لا يقل عن عشر روايات عربية صدر عدد منها في القرن العشرين وصدر أكثرها في القرن الحادي والعشرين ، ما جعلني أثير سؤال " المابعد " : وماذا بعد ؟ بل إنني أخذت أتساءل : أيهما أسبق الشكل أم المضمون ؟ وكما يعرف نقاد الأدب فإن هناك اختلافا بينا واضحا ببن المنهجين الاجتماعي الماركسي والبنيوي قبل أن يلم شملهما في منهج واحد هو المنهج البنيوي التكويني .
كان أصحاب المنهج الاجتماعي الماركسي يؤمنون بأولوية المحتوى حتى عد هذا عليهم مأخذا فالتفتوا إلى الشكل ، ويذهب أصحاب المنهج البنيوي إلى القول بأن الأولوية هي للشكل ، وعليه فإنهم لا يهتمون بما يقال بل ب " كيف " يقال " ليس المهم الحكاية ، بل كيف تروى ".
وأنا أقرأ رواية " مي ليالي إيزيس كوبيا " لم ألتفت كثيرا للحيلة الفنية ، فقد رأيت أنها غدت مألوفة ولا جديد فيها . لقد أعادتني إلى شكل مطروق وغدا تكراره مملا إلى حد ما ، ومن المؤكد أن الأشكال الروائية محدودة أصلا . ثمة أشكال محصورة وثمة عشرات آلاف الروايات كتبت عليها ، وهذا يدفع القاريء إلى الالتفات إلى المحتوى وجماليات اللغة وعنصر التشويق ، وأما الشكل فقد اعتاد عليه .
والآن ومن الآن فصاعدا ستغدو طريقة البناء ، وسيغدو الشكل الروائي ، لي ، غير ذي بال ، ولكن ما لا يؤرقني يؤرق المبدع ، فهو يريد أن يتميز ، وهو دائما معني بالاختلاف والبحث عن الجديد : " وماذا بعد ؟ " و " بم يختلف جديدي عن قديمي حتى يقدم القاريء على متابعتي ؟ " ولا يتساءل : هل أضاف جديدا ؟ " أو يكرر: " لم يأت بجديد شكلا !! ".

بدايات هذه الحيلة :

يمكن الإشارة إلى ثلاث روايات صدرت في القرن العشرين لجأ أصحابها فيها إلى الحيلة التي ظهرت أكثر في القرن الحادي والعشرين وغدت لافتة ولا جديد فيها بحيث يغدو سؤال " المابعد " مشروعا : وماذا بعد ؟
أول رواية هي رواية اميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " 1974.
في الرسالة الأخيرة من الرواية ، وعنوانها " للحقيقة والتاريخ " يكتب المؤلف أن الرسائل التي قرأناها بأنها " كانت ترد عليه مدموغة في بريد عكا . ولذلك ظل يبحث في عكا عن مصدرها حتى قادته قدماه إلى مستشفى الأمراض العقلية داخل السور على شاطيء البحر "
ويتساءل الذي تلقى الرسائل : " من يكون سعيد أبو النحس المتشائل ، هذا "
هنا لا نعرف من هو صاحب الرسائل ، ولكننا في رواية منيف " شرق المتوسط " نعرف من هو صاحب الفكرة والأوراق. إنه السجين السياسي رجب .
كتبت " شرق المتوسط " في 1972 ونشرت في 1975 ولم يكن اميل حبيبي بالتأكيد اطلع عليها ، ولكن ثمة ما هو متشابه بين الروايتين فيما يخص مؤلف آخر للرواية غير الكاتب الحقيقي- أي غير حبيبي ومنيف ، وهو سعيد أبو النحس المتشائل في رواية الأول ورجب في رواية الثاني. ثمة حيلة إذن .
هل تختلف رواية منيف " الآن هنا .. أو شرق المتوسط مرة أخرى "1991 - وهي الجزء الثاني من رواية " شرق المتوسط " ؟
في الصفحة 146 من الرواية نقرأ ما يقصه طالع العريفي عن تجربته في السجن . إن السرد هنا يتم من خلال الضمير الأول ، ويكون طالع هذا توفي وهناك من قام بنشر أوراقه التي كتبها عن تجربته في السجن .
في ص 144 نقرأ :
" وهكذا ، بعد أن تعرفت على سامي أيوب ، وعرفت أشياء كثيرة ........ فقد أصبحت أقرب إلى حالة التمزق والجنون ، ولا أملك تفسيرا لما يقال وما يجري على الأرض ، في الواقع ، وهذا ما دفعني لأن أتكلم ،لأن أنشر بعض الأوراق "
و
" أعرف أن المسألة لا تخلو من خطورة ، لكن أقول لنفسي لقهر المتردد: يجب أن تكون الحقيقة ملك الجميع ، لأنها وحدها قاربنا الأخير للإنقاذ ، ثم إن الكثيرين يملكون حقائق ومعلومات أخطر مما لدي ، ولا بد أن يتجرأوا ذات يوم على قولها ، أو على كتابتها وايداعها لدى أصدقاء ، وحين تعرف ،حين تنشر ، فإن أشياء كثيرة سوف تتغير " .
ما تجدر الإشارة إليه هو أنه بعد وفاة منيف بأربعة عشر عاما خرج من أدعى أن الكاتب سرق الرواية وأن طالع العريفي هو شخصية حقيقية قص قصته على المؤلف شفويا ( حول ذلك انظر مقالي في موقع رمان : " عبد الرحمن منيف : كلام متأخر حول انتحال مفترض " ) .
ومع أن الكتابة عن تجارب ذاتية في ورقة علمية تبدو غير مستحبة إلا أنني سأشير هنا إلى نص انجزته في العام 1997 عنوانه " خربشات ضمير المخاطب ".
في هذا النص لجوء إلى حيلة فنية تتمثل في أن الكاتب جرد من نفسه شخصا آخر وأعطى مخطوطه الذي أنجزه إلى ذاته الثانية لتنشر هذه الذات المخطوط بعد أن تقدم له وتعلق عليه وتكتب له خاتمة.
إن ذات صاحب المخطوط وكاتب النص هما في النهاية شخص واحد ، على غرار رواية حبيبي الذي اعترف في آخر لقاء معه في أيار 1995 إلى انه حين كتب روايته " المتشائل " كان يكتب عن نفسه (ينظر مجلة " مشارف " / أيار 1996 ).

في القرن الحادي والعشرين :

تبدو ظاهرة اللعب الفني والحيلة واضحة أكثر وأكثر في رواية القرن الحادي والعشرين ، ويبدو عدد الروايات التي صدرت خلال الاثنتي عشرة سنة الأخيرة ضعف ما صدر في العقود الثلاثة السابقة ، وربما احتاج الأمر إلى مساءلة ، وربما احتاج إلى البحث عن الأسباب .
في العام 2004 صدرت الترجمة العربية لرواية ( دان براون ) " شيفرة دافنتشي" ( ترجمتها سمة محمد عبد ربه وصدرت عن الدار العربية للعلوم / بيروت وكتب على غلافها " الرواية التي ترجمت أكثر من 50 لغة وبيع منها 8 ملايين نسخة ) .
في هذه الأثناء بدأ اسم ( امبرتو ايكو ) وعنوان روايته " اسم الوردة " يشيع ، كما بدأت كتب ( ايكو ) التنظيرية تنقل إلى اللغة العربية . ( في العام 2000 ترجم سعيد بنكراد كتاب ( ايكو ) " التأويل بين السيميائيات والتفكيكية " وفيه يأتي المؤلف على روايته " اسم الوردة " وعلى رواية أسبق اعتمد فيها مؤلفها على تحقيق مخطوط ) والسؤال هو : هل كان لرواية ( ايكو ) ورواية ( دافنتشي ) تأثير على الروائين العرب ؟
سوف تصدر من العام 2006 حتى العام 2018 روايات عربية عديدة يلجأ أصحابها إلى حيل مشابهة لحيلة الكاتبين المذكورين في رواية كل منهما ، لدرجة أن بعض قراء رواية الكاتب المصري يوسف زيدان " عزازيل " 2008 قالوا فيها إنها النسخة العربية لرواية ( براون ) أو النسخة العربية لرواية " شيفرة دافنتشي ".
سوف استعرض ، بإيجاز ، الروايات العربية الصادرة منذ العام 2006 لكي أبرهن على ما أذهب إليه .

٧
واسيني 13 : " مي : سؤال الهوية "

في بداية المخطوطة الافتراضية ( رقم 2 /القسم الأول ) تعرف مي هويتها على النحو الآتي :
" أنا مي .
ماري إلياس زيادة . ولدت في 1886 ، من خلطة دينية ومكانية غريبة ، أم فلسطينية أرثوذكسية ، نزهة معمر ، من مرتفعات الجليل الساحرة وقناديلها العاشقة ، وأب ماروني لبناني ، إلياس زخور زيادة ، من ضيعة شحتول ، التي تزداد كل يوم ارتفاعا لتقترب أكثر من سماء الله " ( 56 ) .

وحين ينسب طه حسين نفسه إلى أرض الكنانة وينسب مي إلى " بلدها لبنان " تجيبه بالآتي :
" لا سيد طه حسين ، أعطيت كل شيء لبلدي مصر ، أنا شامية صح ، لكن هذه البلاد أعطتني كل شيء وأنا عدت لأموت فيها واصطف بجانب والدي وأمي " ( 319 ) .
ووالد مي من لبنان وأمها من الناصرة ، وأقاموا في مصر ،فهل هي شامية أم مصرية ؟
وبعد اتفاقية ( سايكس - بيكو ) هل هي لبنانية أم فلسطينية ؟
كان مصطلح " بلاد الشام " " في حينه شائعا وأخذ اسم فلسطين يشيع ، أكثر وأكثر ، منذ وعد بلفور .
في لبنان ، وهي في العصفورية ، كان اللبنانيون ينعتونها ب " المجنونة المصرية " وهي كانت تنشد الخروج من العصفورية لتعود إلى مصر وتدفن إلى جانب والديها هناك .
كانت علاقة مي علاقة وثيقة بالأدباء والكتاب والمفكرين وفتحت صالونها لهم ولم تمانع في إقامة علاقة ودية مع العقاد أو مع الرافعي . ببساطة لم تلتفت إلى النزعة الإقليمية التي بدأت تظهر لدى بعض أدباء مصر ومنهم من دعا إلى دراسة الأدب اعتمادا على النزعة الإقليمية .
هل مي مصرية أم شامية ؟ وإذا كانت شامية فهل هي لبنانية أم فلسطينية ؟
مي ، حسب اللغة ، كاتبة عربية .صحيح أنها كتبت بلغات أخرى ولكنها أقامت علاقات مع الأدب العربي والأدباء العرب وفضلت الموت في مصر .

٨
جوخة 27 :
جوخة الحارثي : نهايات سوداوية

لو نظرنا إلى نهايات حياة أبرز الشخصيات في الرواية ، فماذا نجد ؟
ابتداء أشير إلى أن نهاية الرواية أقرب إلى نهايات الواقعية النقدية الغربية ،ولا يمكن الزعم بأن نهاية الرواية نهاية تفاؤلية على الرغم من أن الشخصية الساردة فيها ، وهي شخصية رئيسة ترجع دون أن تبتل .
تنتهي الرواية بالفقرة الآتية :
" أظلمت الدنيا ، سمعت صوت سيارتي وهي تنطلق مبتعدة ، لمحت لندن خلف المقود ، حملت محمدا بين ذراعي ، وفكرت أنه مثل السمكة ، اقتربت من البحر الهائج ، وغصت فيه حتى صدري ، حين فتحت ذراعي انزلق محمد مثل السمكة ، ورجعت دون أن ابتل " .
يفقد عبدالله ابنه أو أنه هو يغرقه بقصد ، وينجو .
ولكن حين يمعن المرء النظر في مآل شخصيات كثيرة ، فماذا يلحظ ؟
هنا يمكن التوقف أمام الشخصيات الآتية :
والدة عبدالله ، ونجية القمر ، وظريفة ، وابن عزان الذكر ، وحبيب ، بل ومصير والدة ظريفة عنكبوتة وأولادها .
تحتفي والدة عبدالله وتربيه ظريفة ، ويقتل معاذ اخو سالمة نتيجة انفجار قنبلة تحت قدميه في أثناء مهمة استكشافية في حرب الجبل الأخضر ، وتعيش أمه بعد فقدان ولدها الوحيد عشر سنوات ميتة في عداد الأحياء لا تتذوق طعما جميلا للحياة ، ويختفي حبيب زوج ظريفة ولا تعرف عنه شيئا وإن ارتاحت لفقدانه ، وتكون نهاية ظريفة نهاية مأساوية فقد استفحل السكري في جسدها وبتروا ساقيها وتخلى عنها أقرباؤها وجيرانها ، فمن سيجر هذا الجسد الضخم بلا قدمين ؟ والوحيد الذي لان هو مدير المستشفى فتركها نزيلة دائمة تخدمها الممرضات .
مصير نجية القمر البدوية العاشقة لم يكن أفضل حالا .تختفي هذه وتكثر الأقاويل حول اختفائها ، ومن هذه الأقاويل أن أخاها الذي عملت على شفائه متفرعة له حتى يصح ويتخلص من كساحه هو الذي قتلها ، بعد أن دربه الناس على إطلاق الرصاص و " أفهموه أن أخته عار عليهم كلهم ، وعلموه كيف يتحكم بالمسدس ، ودفنوا جثمانها سرا بالليل تحت عرق الرمل " .
ومات سنجور في الأربعين من عمره بالسل وكان خلف بنتين ماتتا بالسل أيضا وصبيا تزوج وأنجب صبيانا وبنتا واحدة قبل أن ينضم لعصابات قاطعة للطريق ويختفي ، لتنشأ ابنته عنكبوتة بعد أن بيع إخوتها جميعا " يتيمة في بيت الشيخ سعيد الذي استلم للتو مقاليد المشيخة من أبيه وهو لما يصل السادسة عشرة من عمره المديد جدا " .
كما لو أن لا شيء يفرح . وحتى لندن خلعت خطيبها ، وصديقتها حنان تعرضت للاغتصاب وخولة انفصلت عن زوجها ناصر ، وناصر طردته صديقته الأجنبية ، وعلي بن خلف رجع من لندن بلا شهادة و ... و .. ويا لوحشة الطريق !
ربما يبدو استخدام مصطلحات نقدية تعود إلى حقبة ما قبل ثمانينيات القرن الماضي ، ربما يبدو استخدامها الآن مستهجن ، وربما ما عاد يستخدمها إلا النقاد الذين تربوا على نقد الستينيات من القرن العشرين ، ولكن رواية " سيدات القمر " تفرض نفسها وتسترجع تلك المصطلحات النقدية .
٢٠١٩

٩
النقد بين الاحتضار وتسويق الأعمال الأدبية :

عادل الاسطة

( ملتقى الرواية الثاني )

مرة قرأت السؤال الآتي :
هل من ضرورة للنقد ؟
والسؤال الذي قرأته بالعربية قرأته بالألمانية أيضا
Ist die Kritik notwendig?
والمطلوب مني هو أن أتحدث عن احتضار النقد ، واحتضار النقد يقود إلى مقولات فلسفية وأدبية كنت قرأتها في كتاب ( ألن روب غرييه ) " نحو رواية جديدة " ( ت. مصطفى ابراهيم مصطفى ، القاهرة ، د.ت ) ومن هذه المقولات :
- موت الله
- موت المؤلف
- موت الشخصية في العمل الروائي .
وأعتقد أننا حين نثير السؤال السابق وهو :
- هل هناك ضرورة للنقد الأدبي؟
نضيف إلى مقولات موت الله وموت المؤلف وموت الشخصية في العمل الروائي مقولة موت الناقد .
لقد اقترح علي أن أتحدث عن احتضار النقد ودور النقد في تسويق الأعمال الأدبية .
إن قراءة في العنوان المقترح تجعل القسم الثاني منه " دور النقد في تسويق الأعمال الأدبية " يلغي القسم الأول " احتضار النقد " - طبعا إذا أقررنا بأن للنقد دورا في تسويق الأعمال الأدبية .
أشير ابتداء إلى أن دال " النقد " دال واسع فضفاض جدا ، فتحته يمكن أن نتحدث عما لا يقل عن عشرة إلى خمسة عشر منهجا نقديا تزدهر وتخبو وتجد لها متلقين يتفاوتون فيما بينهم .
وإذا ما ألقى المرء نظرة على تاريخ النقد الأدبي فإنه يلحظ أن هناك مناهج نقدية ازدهرت وذوت وأخرى ما زال لها حضور .
نستطيع أن نتحدث عن نقد ( سانت بيف ) و ( هيوبوليت تين ) و ( برونتير ) والنقد الوضعي والنقد النفسي والنقد التأثري ، وكله نقد غير نصي باستثناء ( برونتير ) تقريبا ، ونستطيع أن نتحدث عن النقد البنيوي والتفكيكي والأسلوبي ونظرية التلقي ، وهذه كلها نقد نصي تهمل ما هو خارج النص ، وقد حل النقد النصي ، لحين ما زال قائما ، محل النقد غير النصي ، ولكن ماذا يقال اليوم عن النقد البنيوي والتفكيكي والأسلوبي ؟ بل ومن يقرأ ، اليوم وأمس ، الدراسات النقدية التي ينجزها النقاد الذين يطبقون هذه المناهج النقدية ؟
مرة قرأت للدكتور المصري عبده الراجحي دراسة عن الأسلوبية نشرها في عدد من أعداد مجلة " فصول /يناير ١٩٨١ /المجلد الأول ، العدد الثاني " المخصصة لمناهج النقد الأدبي الحديث ، وأثار فيها العديد من الأسئلة ، وخلص في كتابته إلى ملاحظتين منهما الفقرة الآتية :
" أن الباحثين الذين يتصلون بالدرس اللغوي الحديث ومناهجه يطبقون على بحث الأسلوب طريقة الإحصاء تطبيقا شاملا بحيث ينتهي العمل العلمي دون أن نجد نفعا فيما تحتاجه النصوص من تفسير "( ص ١٢١ )
ومرة قرأت في كتاب " البنيوية وما بعدها : من ليفي شتراوس إلى دريدا " ( الترجمة العربية أنجزها د.محمد عصفور وصدرت عن عالم المعرفة في الكويت في شباط ١٩٩٦ ) أن هذا النوع من النقد لا يلتفت إليه إلا قلة لصعوبته واختلافه عن النقد الفرنسي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين حيث كان الوضوح سمته الأساسية ، وهو عموما ما عرفناه في نقد طه حسين في كتبه الأربعة التي أفاد فيها من النقد الفرنسي والفكر والفرنسي والمنهجية الفرنسية . وإذا ما قارن المرء نقد طه حسين بنقد ناقد عربي آخر درس في فرنسا نفسها في سبعينيات القرن الماضي وأفاد من النقاد الجدد ، وأعني هنا الناقد الفلسطيني فيصل دراج ، لمس الفرق واضحا بين نوعين من النقد ، كان للأول حضوره بين القراء ، وغدا الثاني يخص نخبة القراء ولا يخرج منه حتى طلاب الدراسات العليا بالكثير . لقد قررت مرة بعض دراسات فيصل دراج على طلبة الدراسات العليا فوجدوا صعوبة في استيعابها ، وكان نقده لا يختلف عن النقد الفرنسي في ستينيات القرن العشرين . إن الغموض هو أهم ما يسم ذلك النقد ( هنا أشير إلى ملاحظة ثانية أهم من الأولى فيم يخص نقد فيصل دراج وهي احتفاؤه باللغة احتفاء لافتا حيث ينصرف ذهن المتلقي عن المعنى إلى بلاغة اللغة وطلاوتها ) .
ثمة نقد ونقد إذن ، وأعتقد أن النوعين مازالا حاضرين في الساحة الأدبية العربية المعاصرة ، وأرى أن هناك مجلات ما زالت رسالتها لا تختلف عن رسالة المجلات التي كان طه حسين ينشر فيها ، وهي ترمي إلى التواصل مع جمهور واسع من القراء ، وفي المقابل هناك مجلات متخصصة جدا تنشر لنخبة النخبة ولا تقرأ ما ينشر فيها إلا نخبة النخبة ومنها ، بل وعلى رأسها مجلة " فصول "المصرية . ويقابل النقد الذي ينشر فيها النقد الذي ينشر في الصحف والمجلات وغالبا ما يوجه لقراء الصحف متوسطي الثقافة ويجد فيه هؤلاء متنفسا .
مثل مجلة فصول ومثل النقد الذي نشره فيصل دراج النقد البنيوي الشكلاني ؛ التنظيري والتطبيقي الذي يصدر عن أساتذة جامعيين في المغرب العربي - المغرب وتونس إلى حد كبير . وإذا طلب مني أن أحدد فأشير إلى نقاد أجلهم وأقدرهم وأفيد شخصيا منهم ، وعلى رأسهم محمد مفتاح وسعيد يقطين .
صحيح أن ما يكتبه هذان الناقدان مهم وجديد وتنظيري وتأسيسي ، ولكنه نقد تكاد تقتصر قراءته على طلبة الدكتوراه - إن استوعبوه - وعلى نخبة المتخصصين - إن استوعبوه استيعابا كاملا ودقيقا .
وإذا ما قارن المرء بين متلقي نقد طه حسين والعقاد وحسين مروة ومحمود أمين العالم وبين متلقي نقد سعيد يقطين ومحمد مفتاح يرى الفرق واضحا .
إن متلقي نقد الفئة الأولى كان من قراء المجلة ؛ متخصصين وغير متخصصين ، في حين أن قراء الفئة الثانية هم نخبة النخبة .
هل يثير أي كتاب جديد يصدر لنقاد الفئة الثانية ما كانت الكتب الجديدة لنقاد الفئة الأولى تثيره ؟

القسم الثاني :

هل يسهم النفد في تسويق الأعمال الأدبية ؟
أود إيراد الملاحظات والأسئلة الآتية :
- لماذا يهدي الكتاب نسخا من كتبهم للنقاد؟
- لماذا تهدي دور النشر نسخا من كتبها الصادرة حديثا للصحف والمجلات ؟
وغالبا ما تحيل هذه الصحف وتلك المجلات الكتب المهداة إليها إلى كتاب الأعمدة المتخصصين ومحرري الصفحات .
- كم من كتاب اشتريته أنا أو اشتريته أنت بعد قراءة دراسة أو مراجعة نقدية له ؟
الآن أنا شخصيا أخوض تجربة جديدة في النقد الأدبي تتمثل في تسخير وسائل التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك ) للتواصل مع القراء ، فماذا ألاحظ ؟
أشير ابتداء إلى أن ما أكتبه من نقد على صفحات التواصل الاجتماعي هو ضرب من مواصلة كتابة النقد الصحفي بل والنقد الذي ينشر في مجلات ، ويمكن أن أوضح ذلك لمن يستفسر .
كتبت على صفحات التواصل الاجتماعي عن روايات عربية فازت بجائزة الرواية العربية وجائزة مان بوكر العالمية للرواية ؛ كتبت عن روايتي ربعي المدهون " السيدة من تل أبيب " و " مصائر "وروايتي يحيى يخلف الأخيرتين " راكب الريح " و " اليد الدافئة " وعن رواية واسيني الأعرج Waciny Laredj " مي . ليالي ايزيس كوبيا " وعن رواية الياس خوري Khoury Elias "أولاد الغيتو ٢ : نجمة البحر " وعن رواية Jokha alharthi - جوخة الحارثي سيدات القمر " التي فازت بجائزة مان بوكر العالمية ، كتبت عن هذه الروايات ، وغيرها ، بصورة يومية وعلى مدار أسابيع ولاحظت تفاعل القراء مع الكتابة تفاعلا لافتا ومغيدا ، فقد أفدت الكثير من ملاحظاتهم ، وعرفت مدى تأثير ما أكتب في ترويج الأعمال الأدبية التي كتبت عنها ، فهناك قراء كثر سألوني عن الرواية وإمكانية الحصول عليها ، وحين سألت بعض أصحاب المكتبات إن باعوا نسخا من الروايات المكتوب عنها ، أجابوا بالإيجاب . لقد حقق ال " فيس بوك " ما تحققه الصحيفة في هذا المجال .
والسؤال هو :
- لو سألنا دور النشر عن طباعة كتب النقد وتوزيعها ، فماذا تقول ؟
إن إجابة دور النشر يمكن أن تعطي مؤشرا إلى اتجاه النقد وأين يسير .
مرة في عمان أخذت اسأل عن كتب دراسات عن أشعار الشاعر مظفر النواب ، فقد كنت مشرفا على رسالة ماجستير حول طبعات أعماله وتلقيها نقديا ، وسألت في المكتبات التي أتردد عليها فلم أعثر ، وقيل لي إن كتب الدراسات سوقها ضعيف والاهتمام أكثر ما يكون بالكتب المقررة والروايات ، وكان علي أن أذهب إلى المكتبات القليلة التي تركز على كتب الدراسات .
في مكتبات نابلس مثلا سألت عن المهتمين بمجلة " فصول " المصرية ، فأجابني صاحب المكتبة بأن خمسة قراء فقط يقتنونها أنا أقتني نسختين منها ، ولكن من يقرأ ما ينشر في هذه المجلة سوى المتخصصين . في نابلس جامعة فيها قسم لغة عربية وقسم لغة انجليزية يتجاوز أعضاء الهيئة التدريسية فيهما الأربعين ، وإذا أضفنا إليهم حملة الماجستير والدكتوراه في المدينة فإن عددهم يتجاوز المائة ، هذا إذا لم نذكر عدد المهتمين بالأدب من شعراء وقصاصين وروائيين ، ومع ذلك يباع من المجلة العدد المذكور .
إن اعتمدنا توزيع مجلة "فصول " مقياسا لازدهار النقد واحتضاره فيمكن القول بلا تردد إن النقد يحتضر . ولكن هل النقد ينشر في المجلة فقط ؟ ثم إن مجلة " فصول " ليست المجلة الوحيدة التي ينشر النقد على صفحاتها . هناك مجلات أخر ، وإلى جانب المجلات هناك الصحف الورقية التي مازالت تصدر ، وعلى صفحاتها نشر نقاد كبار مقالات نقدية حققت انتشارا واسعا .
قد يقول قائل الآن إن الصحافة الورقية في طريقها إلى التلاشي ومع احتجابها سيتراجع النقد الأدبي في الصحافة وقد يختفي . قد .
ولكن كما أن الكتاب الالكتروني يحل محل الكتاب الورقي ، فإن النقد في الصحف والمجلات الالكترونية سيجد له مكانا ومتسعا ، وهناك مجلات أدبية متخصصة في النقد تصدر الكترونيا ومنها مجلة " الكلمة " التي يصدرها الناقد المصري صبري حافظ .
سوف أتحدث عن تجربة شخصية أخذت أمارسها من أعوام قليلة وهي كتابة النقد في ال "فيس بوك " .
أنا أنشر مقالا أسبوعيا في جريدة الأيام الفلسطينية ، ومنذ ثلاثة أعوام أخذت أنشر مقالا ثانيا في موقع " رمان " ، وهو موقع الكتروني ، وعملت على إعادة نشر المقالين على صفحتي ، وعلى الرغم من طولهما إلا أنني لاحظت إقبالا من القراء على قراءتهما ، وحقق انتشارهما حضورا معقولا ، ولم أكتف بهذا ، فقد أخذت أقرأ روايات معينة وصرت أدون رأيي النقدي فيها يوميا على مدار شهر أو أربعين يوميا ، ثم قمت بجمعها معا لتشكل دراسة نقدية لها سماتها الخاصة ، وغالبا ما يطلبها مني الدارسون لقراءتها ، وقد قمت بإدراجها على موقع جامعة النجاح الوطنية ، وغدا الموقع مرجعا للمهتمين .
ما أود قوله هو إن النقد الأدبي مازال يحقق حضورا حتى لو كانت مؤشرات دور النشر تقول عكس ذلك .
وأعتقد أنه مادامت هناك جامعات وطلاب يدرسون الأدب ، ومادامت هناك نصوص أدبية فإن النقد سيظل يلازمها وسيظل قراء الأدب ودارسوه بحاجة إليه .
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

١٠
جوخة الحارثي 28 :
جوخة الحارثي : حول العنوان



هناك دراسة للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة تناول فيها سيميائية الخطاب الروائى العماني معتمدا على رواية "سيدات القمر نموذجا " ، وتوقف أمام دال العنوان والعتبات وسيميائية الأسماء ، ويمكن للقاريء أن يعود إليها فهي مدرجة على الإنترنت .
هنا سوف أقدم قراءتي للعنوان ، وقد تتشابه مع ما ذهب إليه صاحب الدراسة وقد لا تتشابه .
أشير ، ابتداء ، إلى أن دال قمر تردد في الرواية بكثرة على النحو الآتي :
- ص37 " آنسه اكتمال القمر وهو يطلع ظلالا أليفة على الكثبان الرملية " - القمر كوكب في السماء .
- ص38 " أنا نجية وألقب بالقمر ، و أريدك أنت " " لقد لاحت له تحت ضوء القمر كأنها من الحور العين "
- ص39 وقد تكرر الدال ست مرات لنعت نجية به ؛ منها ما تنعت نجية نفسها به ، ومنها نعت صديقتها حزينة لها " تعرف أنها تلقب بالقمر " وتخاطبها صديقتها بالقمر لا باسمها نجية
- ص 40 يتكرر الدال مرتين .
- ص41 " ولما تفتحت أنوثتها ووصل خبر عبيرها القاصي والداني لقبها الناس بالقمر ، استهزأت بخطابها الكثيرين وتفرغت لأخيها وثروتها "
- ص 78 " هل بدأ الناس يحسون بالقمر ! .. نجية القمر " - إشارة إلى علاقتها بعزان المتزوج .
- ص102 و 103 و 105 و 153 و 163 و 164 " رأس عزان في حجر القمر " " همست القمر " "غصت القمر بريقها " " تساءلت القمر " " تساقط الدمع من عيني القمر " "ضمها عزان بقوة .. آه يا نجية ... يالقمر " " يا قمري "" وخلاخيل القمر الفضية " والدال في كل ما ورد واضح . إنه دال مجازي .
- ص176 " يا أسماء إنه يستند على أسطورة قديمة : كان الناس جنسا واحدا : ذكرا وأنثى في الوقت نفسه وهم أبناء القمر ، لكل إنسان أربع أيد وأربع أرجل ورأسان ، ولكن الآلهة خافت من نفوذ هؤلاء الناس فشطرتهم شطرين وبقي مكان السرة في البطن تذكيرا لهم بهذا الانفصال ، وهكذا أصبح الناس جنسين ويبحث كل شطر عن شطره الضائع ليتحد به من جديد " /حديث خالد وزوجته أسماء عن رأي ابن حزم في "طوق الحمامة "
- ص 182 كتابة عن الأبراج السماوية
" كان زحل مستقيما وكان الرجل الواقف وحيدا في الصحراء مستعدا.
أعد دخن زحل : الزعفران ، وقشور الكتان ، ووسخ الصوف ومخ السنور . كان قد تأكد من قبل أن الطالع برج متقلب ، والقمر أيضا في برج متقلب ، وزحل والمريخ ناظران إلى القمر ، تنفس الرجل الصعداء ، ومض بخاطره وجه المرأة في الظلام خارجة من بيته وهو يناديها بعروس الفلج .
أصبح زحل الآن في وتد السماء ناظرا إلى النيرين ، وأسقط النيرين بعضهما عن بعض .
مزج الرجل الدخن : الزعفران والقشور والمخ ووسخ الصوف و أحرقه بخورا بين يديه ، ثم ارتدى ثيابه مستعدا للاتصال بزحل .... حتى " ص183 " " إلا قطعت نجية بنت شيخة عن عزان بن ميا بحق هذه الأرواح الروحانية ، وفرقت بينهما كافتراق النور والظلمة ، وألقيت بينهما العداوة والبغضاء كعداوة الماء والنار..."
- ص198 مما كتبه القاضي يوسف بن عبد الرحمن حيث تقرأ أسماء على مسمع أبيها :
" اعلم أن الكواكب كلها تفرغ جواهرها في القمر ، والقمر يفرغها في الماء ، ومن الماء ينقسم في الجواهر كلها ، والقمر هو الخازن لما في العلو والسفل ، وينقل من الأعلى إلى الأسفل ، والقمر أشبه الكواكب بأمور الدنيا ولشدة مشابهته بها صار دليلا على كل الأمور ، واحفظ حال القمر فإن صحته صحة كل شيء وفساده فساد كل شيء ، وذهاب القمر إلى كوكب يقوي ما يدل عليه ذلك الكوكب ، وانصراف القمر عن كوكب يضعف ما يدل عليه ذلك الكوكب ، وإذا كان القمر زائد النور متصلا بالمريخ فهو أجود ما يكون ، وإذا كان القمر ناقصا في النور واتصل بزحل أو ذهب إليه فهو أردى ما يكون "
- ص 208 عبدالله وهو في الطائرة ينتظر وصوله إلى فرانكفورت يتذكر نفسه في حجر مربيته ظريفة " في الحوش الشرقي من البيت الكبير ، عيوني مفتوحة على القمر المكتمل في السماء، وظريفة تمسد شعري وتحكي :
كانت عنزة تسكن ... "
وربما كان السؤال الأول هو : من هن سيدات القمر ؟ وهل دال القمر هنا دال حقيقي أم أنه دال مجازي ؟ هل القمر في العنوان هو الكوكب في السماء أم أنه شخص بعينه ؟ فالدال ورد في الأدب العربي القديم وفي القرآن مستخدما تارة استخداما حقيقيا وطورا استخداما مجازيا ، ( إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر .. ) و :
أمانا أيها القمر المطل
فمن جفنيك أسياف تسل "
و:
غاب قمير كنت أهوى غيوبه
وروح رعيان ونوم سمر "
وفي الرواية ورد أول ما ورد بمعناه الحقيقي ، فعزان كان عائدا في ليلة اكتمل فيها القمر إلى بيته ، وآثر المشي لا ركوب سيارته التي ركنها عند البدو ، وفي أثناء عودته تعرضت له نجية الفتاة البدوية التي شبهت لجمالها بالقمر ، وأخذ الناس ينادونها بالقمر لا باسمها ، وفي الصفحات 37 حتى 41 يستخدم دال القمر للدلالة عليها أكثر من استخدام اسمها نجية . هل نجية هي سيدة القمر لأنها ظهرت في الليل لعزان واعترضت طريقه وكل من تسلك سلوكها في الليالي المقمرة تكون سيدة من سيدات القمر . إن كانت نجية ومن يشبهنها هن سيدات القمر فهن إذن النساء الجميلات الحرات اللاتي لا يخضعن إلا لإرادتهن ، وهن بذلك النساء القويات المعتدات بأنفسهن .هذا احتمال ، وأن أخذنا به فلا ضرورة لاجتهادات أخرى ، ولكن العلاقة بين العنوان والنص لتحديد معنى العنوان لا تنتهي إلا بنتهاء قراءة النص قراءة عميقة وجادة ومفكر فيها .
ولو افترضنا أن نجية هي المقصودة بالعنوان فإن السؤال هو من هن السيدات اللاتي تدور في فلكهن ؟
في حديث الفنان خالد مع زوجته أسماء يأتيان على كتاب ابن حزم الأندلسي " طوق الحمامة في الألفة والألاف " وما قاله عن المحبين وأن كل نصف يبحث عن نصفه ، فقد كان الاثنان أصلا روحا واحدة انشطرت إلى شطرين ، ثم أخذ كل نصف يبحث عن نصفه.
يروي خالد لزوجته أسطورة قديمة تقول إن الناس هم أبناء القمر ، وأن الانسان الواحد كانت له أربعة أيدي وأربعة أرجل ثم انقسم إلى شطرين ، وأن كل شطر أخذ يبحث عن نصفه الآخر . هكذا يكون خالد وأسماء عادا حين تزوجا إلى ما كانا عليه .
العلاقة بين عزان ونجية القمر فاحت رائحتها وأحس بها الآخرون وتركت أثرها على علاقته بزوجته وبناته لدرجة أنه لم يكترث كثيرا لخطبة أسماء وزواجها ، فقد آثر السهر مع عشيقته على عرس ابنته . هذا الذي وصلت إليه العلاقة بين رب الأسرة وأسرته دفع بالعائلة إلى اللجوء إلى السحر لفك علاقة عزان بنجية وهنا يستعان بالأجرام السماوية .
حين يمرض عزان ويصاب بالحمى بعد انفصاله عن نجية القمر التي اختفت يطلب من ابنته أسماء أن تقرأ له قصيدة المتنبي التي مطلعها :
" ليالي بعد الظاعنين شكول
طوال وليل العاشقين طويل "
ثم يشير بيده إلى كتاب / دفتر قديم للقاضي يوسف ويطلب من ابنته أن تقرأ له في صفحة محددة توقف أمامها من قبل .
النص الذي ورد في كتاب/ دفتر القاضي يوسف يتحدث عن علاقة الأجرام السماوية بالقمر ، وأعتقد أن ما ورد عن القمر بالأجرام اقترابا وابتعادا تعبير مجازي عن حالته هو ونجية القمر . اقتربت منه فصح جسده واستقام ، ثم اختفت من حياته فاصابته الحمى .
٢٠١٩

١١
عنوان رواية جوخة الحارثي " سيدات القمر " واختارت له المترجمة عنوانا آخر هو " أجرام سماوية " ، وإذا نظرنا في سيرة حياة جوخة وفي العنوان مترجما فإننا نجد اختلافا واضحا .
الترجمة في سيرة جوخة ترجمة حرفية والمترجمة اختارت " أجرام سماوية ".
الليلة سوف أشغل نفسي بالعنوان ، علما بأن هناك دراسة لأستاذ جزائري تناول فيها سيميائية الخطاب في رواية جوخة الحارثي .
٢٠١٩

١٢

ذاكرة أمس ٩١ :

نهاية عصر الكمامات والإثارة وبداية الروتين والملل

في ألمانيا بدأت الحكومة تدعو إلى نهاية عهد الكمامات ، فقد تلقى ٤٠ مليون مواطن الجرعة الأولى من اللقاح وتلقى ٢٠ مليونا منهم الجرعة الثانية ، وعليه فلم يعد ثمة ضرورة إلا للكمامات الطبية ، فماذا ستفعل الحكومة الألمانية بفائض الكمامات لديها ؟
آخر شريط فيديو ساخر شاهدته كانت مدته ١٥ ثانية ، وفيه يسأل مواطن خليجي صغيرته السؤال الآتي :
- لنفرض دخلنا إلى الجنة وتزوجنا الحور العين ، دخلك نساؤنا ماذا نفعل بهن ؟
والصغيرة تجيب :
- نعطيهن للكفار دفع بلاء عنا .
فهل ستتبرع ألمانيا بفائض الكمامات للعرب دفع كورونا عن الألمان ؟ أم ستتبرع بها لإعمار قطاع غزة أسوة ب ( ألتر ليفي ) الذي كتبت عنه قبل يومين ؟
عموما فإن كثيرين منا ألقوا بالكمامة في الزبالة قبل إعلان الحكومة الألمانية عن انتهاء مفعولها ، وكنا بذلك السباقين ف" شمس العرب تسطع على الغرب " ، وحين تداولت وسائل الإعلام العالمية ردة فعل القضاء الفرنسي على صفع مواطن فرنسي رئيس فرنسا لعدم التزامه بوضع الكمامة ، وأصبنا ، نحن العرب ، بنزعة مازوخية تحتقر الذات العربية ، إذ ماذا سيكون مصير مواطن عربي يصفع رئيس دولته على الملأ ؟ وجدتني صرت ملكيا بطريقة عفوية لا إرادية وقلت :
- إن الملك الأردني عبد الله بن الحسين كان أسبق من القضاء الفرنسي ، فلم يعدم المرأة الأردنية حين قالت إنها تحب أباها أكثر مما تحب الملك ، بل إنه اتصل بها وطمأنها وأخبرها أن ما قالته من حقها .
ولولا أن والده المرحوم الملك حسين كان يسلك مثل سلوكه مع معارضيه ومحاولي الانقلاب عليه ، فيعينهم وزراء ، لرددت المثل " ثلثا الابن لأخواله " .
هل حقا أعدم الرئيس العراقي المرحوم صدام حسين ، كما أقرأ في أخبار الفيس بوك ويوتيوبوهاتها ، المواطنة العراقية التي انتقدت ملابسه التي يرتديها ؟ ومؤخرا شاهدت ما فعله برفاقه من أعضاء اللجنة المركزية لحزب البعث العراقي في قاعة الخلد يوم تولى رئاسة الجمهورية . لقد أعدمهم بحجة التآمر مع الرئيس حافظ الأسد الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي السوري .
في زمن انتشار الوباء والحث على ارتداء الكمامة ربط كثيرون بين الكمامة والحمامة " كمامتك تحمي حمامتك " ولقد ظلت الحمامات سالمات استعدادا لموقعة الحور العين القادمة .نجا العرب والمسلمون والألمان وغير الألمان ونجت الحمامات و ... .
وأنا أسير أمس في السوق الشرقي التقيت بصديق قديم لي سألني إن كنت تطعمت ، وأخبرني أنه تطعم للتو وكانت أمس أسعار الكرز بانخفاض ، وكان البائعون يصرخون :
- جولاني يا كرز
و
- لبناني يا كرز
ويبدو أننا مع تراجع حدة الوباء ومع هدوء جبهة الحرب ، يبدو أننا عدنا إلى حياتنا الرتيبة المملة التي ستفتقد عنصر الإثارة ، ويبدو أنني يجب أن أتحرر من لازمة " ذاكرة أمس " فقط ، لا من الكتابة .
١٥ حزيران ٢٠٢١

١٣
ليلة حزيرانية ليلاء في نابلس :

منذ أربع ساعات و مآذن المدينة تبث وتنادي وتكبر ونحن نصغي إليها لمعرفة ما يجري ، فما تجود به علينا وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي نادر شحيح قليل هزيل لا يشفي غليلا .
المدينة تقتحم ليلا ، وأول أمس ، الثلاثاء ، اقتحم مخيم بلاطة في عز الظهيرة وأيدي المقاومين لما تنبسط .
إن جاؤوا نهارا تتفتق أذهانهم عن حيل وإن اقتحموا ليلا اندفعوا بعشرات المجنزرات والدوريات والمصفحات .
قتل وهدم وإغلاق شقق ومصادرة أراض وبؤر استيطانية جديدة ، عدا إحياء بؤر قديمة تم تجميدها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ما جدوى أن ننعت الاحتلال بالعنصرية والوحشية ووصفه بأنه احتلال إحلالي استيطاني وحشي ..
صوت القرآن من المآذن يعلو : ( إنا خلقنا الإنسان في كبد ... أيحسب أن لا يقدر عليه أحد ... وهديناه النجدين ... )
الفلسطيني في كبد والإسرائيلي يحسب أن لا يقدر عليه أحد .
قصار السور تقرأ فيبعث صوت القاريء في القلوب بعض طمأنينة ( ونفس وما سواها ) و ( والشمس وضحاها و ... ) و ( لسوف يعطيك ربك فترضى ).
و :
- أتحسبها الأندلس ؟
- ولكنها طائر في يد مزقتها الرماح ولم تنبسط .
وما زالت اليد تدق ولم تنبسط .
إنه حزيران الذي لا ينتهي .
١٥ / ٦ / ٢٠٢٣

١٤
غزة ( ٢٥٣ ) :
سرقوا تراث الفلسطينيين والآن يسرقون حركات المقاومين في الميدان

سرق الإسرائيليون من الفلسطينيين تراثهم : قرص الفلافل وصحن الحمص والزي الشعبي الذي ألبسوه لمضيفات طائراتهم ، بل واستعاروا منهم الشتائم فصاروا يشتمون بالعربية و ... و ... وسرقوا الوطن كله ولم يكتفوا .
قبل أيام كتبت تحت عنوان " تحشيش غزاوي أم يهودي ؟ " متوقفا أمام تحويرهم حديثا نبويا يأتي على قتال المسلمين لليهود ، وأطرف شريط شاهدته أمس كان لجندي إسرائيلي في محور فيلادلفيا يسير ركضا على الرمال حافيا تسير وراءه دبابة .
المشي حافيا أو بشبشب زنوبيا كان من أبرز سلوكات المقاومين الفلسطينيين منذ بداية الحرب الدائرة حاليا وصار مادة للتندر والتهكم على الجيش الإسرائيلي المدجج بأحدث الأسلحة والمرتدي جنوده ملابس مكلفة وواقية من الرصاص ، بل وحفاضات أيضا . بل إن الموازنة ، بين تكلفة سلاح المقاومة متمثلا بالياسين 5 وتكلفة دبابة الميركفاه ، كثرت وترددت على ألسنة العامة والخبراء العسكريين على السواء .
ماذا أراد الجندي الإسرائيلي بسلوكه المقلد أن يقول ؟
هل أراد أن يسخر. ؟
هل أراد أن يقول إننا ، حتى على محور فيلادلفيا ، مطمئنون ، فلا ألغام مزروعة نخافها ولا أنفاق نؤسر فيها ؟
بعض الغزيين يدعون الله أن لا يقبل من المسلمين حجهم ، ومنهم من ينكت قائلا :
التكبير في مكة والأضاحى في غزة - طبعا من البشر ، فغزة كلها كما يقولون ساخرين ليس فيها سوى عجل واحد وعشرة خرفان وأسعار كل ذبيحة بالدولار وبالعلالي .
تجاوز عدد الأضاحي منذ بداية الحرب الأربعين ألف مواطن ، عدا الجرحى - إن عدوا - وقد بلغ عددهم الخمسة وثمانين ألفا ، وعلينا ألا ننسى عدد الشهداء في الضفة الغربية ولبنان .
أغلب الظن أن ( ثيودور هرتسل ) لو بعث من قبره ورأى ما جرى منذ ١٩٤٨ حتى يومنا ، أغلب الظن أنه سيتراجع عن مشروعه " الدولة اليهودية " وسيدعو إلى اندماج اليهود بالشعوب التي يقيمون معها . وكله بثمنه .
١٥ / ٦ / ٢٠٢٤ .

١٥
غزة 618 :
الجوع الكافر مرة رابعة وخامسة :

ارتقى منذ فجر اليوم ستة وعشرون مواطنا غزاويا أكثرهم كان يبحث عن الرغيف حتى لو سرقة . منهم من نجح ومنهم لم ينجح فعاد خائبا ، ومن أغرب ما قرأت ما ورد في صفحة شاب غزاوي ضد الحرب منذ بدايتها ، وحين يكتب يكتب تحت درجة الصفر ويستخدم كلمات ما أنزل الله بها من سلطان . يشتم ويشتم ويشتم . من الزنار وتحت ، ولا يختلف عنه بعض من يعلقون على منشوراته . اليوم قرأت له منشورا مهذبا مؤدبا حكى فيه أنه بعد سرقة الطحين كزدر وقرر شراء كيلوين ثلاثة ، على أساس أن سعر الكيلو بأربعين شيكلا تقريبا ، وحين سأل أجابه التجار من بائعي الطحين المسروق بأن السعر تسعة وأربعون شيكلا ووصل إلى ثلاثة وخمسين . ليس هذا هو المهم في منشوره .
عندما كان كاتب المنشور يتمشى اقتربت منه امرأة زوجها في الأسر . كانت المرأة تطعم أطفالها من التكايا ، وأحيانا كانت تطلب المساعدة ، فيراودها المسؤولون عن نفسها ولا تستجيب . لم تطلب من صاحب المنشور سوى كيلوين من الطحين . ولقد ترك كلامها أثرا في نفسه ، والحمدلله أن منشوره كان مهذبا جدا ، بخلاف منشوراته الأخرى ، وأنا أقرأ في التعليقات قرأت تعليق ام ايمن الصوص وهي نشطة تكتب مشاهداتها باستمرار ، ولاحظت أنها أبدت بالمنشور إعجابها ، فتشجعت وكتبت .
الشاب أحمد ابو العنين لم يقل في شريط فيديو شيئا ينفي . ذهب أحمد ليحصل على كيس طحين فلم يوفق في السرقة ، فعاد ليشاهد مباراة رياضية وعتب على من يلومه حين ينشد مساعدة من خارج قطاع غزة .
هل تتذكرون ما كتبه محمود درويش في قصيدته " نخاف على حلم " من ديوانه " ورد أقل " ١٩٨٤ :

" نخاف على حلم ، لا تصدق كثيرا فراشاتنا
وصدق قرابيننا إن أردت ، وبوصلة الخيل صدق ، وحاجتنا للشمال
رفعنا إليك مناقير أرواحنا ، أعطنا حبة القمح يا حلمنا
.....
....
نخاف عليك ومنك نخاف . اتضحنا معا . لا تصدق إذن صبر زوجاتنا
سينسجن ثوبين ، ثم يبعن عظام الحبيب ليبتعن كأس الحليب لأطفالنا
نخاف على الحلم منه ومنا . ونحلم يا حلمنا . لا تصدق كثيرا فراشاتنا " .
Qqq
وكنت كتبت مطولا عن دال الفراشة في شعر الشاعر وربطت بينه وبين الزوجة .
١٥ / ٦ / ٢٠٢٥q

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى