عيسى مخلوف - نصوص

١

الذين يولدون ليموتوا فقط.
ليموتوا قبل أن يولدوا.
ليكشفوا الحقيقة الساطعة: هشاشة العالم، والقسوة التي تحكمه، والصمت الدولي.
في بعض الدول، الحياة سنوات، وفي بعضها الآخر، أيّام ودقائق.
الولادات، هنا، ليست بداية حياة، بل مجرّد نجاة قصيرة الأمد.
لا لغة تقول ما يقوله الجرح والوجع والنزوح والمنفى.
لا لغة توازي قسوة أهوال الواقع.
لا لغة تستطيع أن تومئ إلى فتاة صغيرة لا نعرف إن كانت ضفيرتُها تنام أو تموت.
أكرّر:
ما جدوى اللغات كلّها حين لا تتمكّن كلمة واحدة من إزاحة هذا الرُّكام؟
ما جدوى الفكر والعلم والأدب والفنّ إذا كانت حُثالة النفس البشرية هي التي تتحكّم بهذا العالم؟
٢

كأَنّنا نقف اليوم أمام حيوان أسطوريّ هائل يريد أن يفكّك أسس العالم ويفترس مستقبله. أمّا البشريّة التي يتجاوز عددها ثمانية مليارات إنسان، فتبدو عاجزة عن الفعل، مستسلمة لقدرها.
لكن هذا ليس كلّ شيء...
ففي قلب هذا الظلام نفسه، يتشكّل ضوءٌ أقلّ صخبًا، لكنه أكثر عمقًا. لم يكن الوعي الإنساني يومًا مترابطًا كما هو الآن، ولم تكن القدرة على التعبير والمساءلة بهذه السعة، ولم تنشأ عبر التاريخ شبكاتُ تضامنٍ تعبر الحدود بهذا الاتساع.
صحيح أنّ “الوحش” قائم، لكن القوى التي تقاومه حاضرة أيضًا، غير أنّها لا تزال في حاجة إلى مزيد من حشد الطاقات، وإحكام التنظيم، وتوضيح الرؤى.
في هذا الأفق، تستعيد عبارة هولدرلين صداها العميق:
"حيث يشتدّ الخطر، ينمو أيضًا ما يُنقِذ".
٣

بطنُ المرأة /

المُخبِرون وحزبيّو الأنظمة الشموليّة وواضعو السيّارات المفخَّخة والضاغطون على أزرار التفجير خرجوا كلّهم من بطن المرأة.
*
الحربان العالميّتان صنعهما جنود جاؤوا من بطن المرأة.
*
مليءٌ حوضُ المرأة وكريم، منذ إلهات الخصوبة وحضارات ما قبلَ التاريخ.
*
الاسم الذي أطلقه الطيّار على القاذفة التي أسقطت القنبلة فوق هيروشيما في السادس من آب 1945 هو اسم والدته إينولا غاي.
*
هتلر وستالين خرجا، هما أيضاً، من بطن امرأة.
المجدليّة خرجَت، والسيِّدُ المسيح نفسه.
*
البحرُ أمواج.
كلُّ موجةٍ تشربُ من ماءِ سواها. هكذا بطنُ المرأة.
*
أملس كالحجر الأملس الذي في داخله ماء.
ينبوعُ اللَّحمِ الحَيّ. قُبَّةُ هلالٍ، ومن أسفلها تُشرِقُ الشمس.
ساعة خبيئة ترصد بدء التكوين وتستشرف نهايتَه.
*
هل فكّر ليوناردو دافِنشي في بطن المرأة التي كان يرسمها؟
*
هل يكفي أن نتحسَّس ظاهرَ البطنِ لنعرف ماهيته؟
يندمل جُرح السرّة أمّا جُرح الولادة فلا يندمل.
*
مصقولٌ بطنُ المرأة. منبسط وينحدر بسخاء. يُزَنِّره الضوء من الجهات. يخفي أمطاراً تقهقه وهي تتساقط. عاجيٌّ بياضه. نحاسيٌّ اسمراره. منحنى الليل حين يشتدّ سوادُه.
*
في متحف "أورسي" لوحةٌ بعنوان "أصل العالم".
لا يستكين فَرجُ المرأة هنا بل يزهو، لامبالياً يطفح ويفيض.
من عليائه يشرف على الولادة والموت. يومئ بأنّ الحقيقة الفعليّة توجد خارج هذه الثنائيّة.
*
مكانُ الولادة هو نفسه مكان الجنس.
اللذّة الجنسيّة مكافأة الطبيعة لمن يخدمها في تأمين استمراريّة النسل. وهي كالصَّدَقَة التي يرميها الغنيّ للفقير على أبواب الكنائس.
*
من البطن تبدأ الأمومة، وهي موجودة عند الحيوان والإنسان.
حتّى في الحجارة والنبات، لكنّ أعيننا غير كافية لرؤيتها.
الأمومة لا تقف عند حدّ.
*
جاء عن اليونيسيف أنّ الأشهر التسعة التي يعيشها ملايين الأطفال في العالم الثالث داخل بطون أمّهاتهم هي الأشهر الوحيدة التي يُمضُونَها بسلام، طَوالَ حياتهم.
*
لو لم تكن غريزةُ الحياة أقوى من غريزةِ الخوف من الموت لما كانت المرأةُ تُنجِب.


(من كتاب "مدينة في السماء").
أعلى