مذكرة إسلام آباد: هل ترسم واشنطن وطهران خرائط الشرق الأوسط الجديد؟

مذكرة إسلام آباد: هل ترسم واشنطن وطهران خرائط الشرق الأوسط الجديد؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في السياسة الدولية لا تُقاس أهمية الاتفاقات بما يُعلن عنها من بنود فحسب، بل بما تخفيه من تحولات في موازين القوى وما تؤسس له من وقائع جديدة على الأرض. ومن هذا المنطلق، فإن مذكرة التفاهم المتداولة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي قيل إنها وُضعت في إسلام آباد، تستحق التوقف عندها بوصفها وثيقة قد تؤشر إلى بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، تتجاوز حدود التهدئة العسكرية لتطال بنية النظام الإقليمي برمته.

فإذا كانت العقود الماضية قد شهدت إدارة الصراع بين واشنطن وطهران عبر العقوبات والحروب بالوكالة والضغوط العسكرية والاقتصادية، فإن المذكرة المسربة تعكس انتقالاً إلى مرحلة مختلفة عنوانها إدارة التوازنات والمصالح، لا إدارة المواجهة المفتوحة. وهو تحول لا يمكن فصله عن المتغيرات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها صعود الصين، وتراجع القدرة الأمريكية على الانخراط في نزاعات طويلة الأمد، واستنزاف المنطقة بسلسلة من الحروب التي لم تنتج استقراراً دائماً لأي طرف.

إن القراءة المتأنية لبنود المذكرة تكشف أن جوهرها لا يتعلق بالملف النووي الإيراني وحده، بل بإعادة هندسة البيئة الأمنية والسياسية في المنطقة. فوقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، والالتزام المتبادل بعدم استخدام القوة، وفتح مسار تفاوضي شامل، ليست إجراءات تقنية أو مؤقتة، وإنما تعكس إرادة سياسية لإعادة تعريف قواعد الاشتباك بين الطرفين بعد سنوات طويلة من التصعيد.

منطق التسويات بعد استنفاد الحروب

تؤكد التجارب التاريخية أن الحروب الكبرى تنتهي عادة عندما تصل الأطراف المتصارعة إلى قناعة مشتركة بأن كلفة الاستمرار في الصراع أصبحت أعلى من كلفة التسوية. ويبدو أن هذا ما حدث في الحالة الأمريكية الإيرانية.

فالولايات المتحدة تدرك أن أولوياتها الاستراتيجية باتت تتركز في شرق آسيا والمحيط الهادئ، حيث المنافسة مع الصين تمثل التحدي الأكبر لمكانتها الدولية. كما أن الانخراط في حرب إقليمية واسعة في الشرق الأوسط من شأنه أن يبدد الموارد الأمريكية ويعطل خطط إعادة التموضع الاستراتيجي.

في المقابل، تدرك إيران أن سنوات العقوبات والضغوط الاقتصادية تركت آثاراً عميقة على اقتصادها ومجتمعها، وأن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل مخاطر لا تقل خطورة عن تقديم تنازلات محسوبة في إطار تسوية تضمن رفع العقوبات وإعادة دمجها في الاقتصاد العالمي.

وعليه، فإن المذكرة تعكس نقطة التقاء بين حاجتين استراتيجيتين: حاجة أمريكية إلى الاستقرار، وحاجة إيرانية إلى الانفتاح الاقتصادي.

لبنان ومضيق هرمز: عناوين الأمن الإقليمي

اللافت أن الوثيقة تضع لبنان ومضيق هرمز في صلب التفاهمات، ما يؤكد أن أي اتفاق مستقبلي لن يكون مقتصراً على الملف النووي.

فإدراج لبنان ضمن بنود وقف العمليات العسكرية يعكس إدراكاً بأن الجبهة اللبنانية أصبحت إحدى أهم ساحات التأثير في معادلة الردع الإقليمية. كما أن الإشارة إلى ضمان سيادة لبنان ووحدة أراضيه تفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الترتيبات الأمنية التي قد تشهدها المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

أما مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، فيمثل أحد أهم مفاتيح الاستقرار الاقتصادي الدولي. ولذلك فإن ضمان أمن الملاحة وحرية التجارة البحرية ليس مطلباً أمريكياً أو إيرانياً فحسب، بل مصلحة عالمية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى من الشرق والغرب.

رفع العقوبات مقابل احتواء البرنامج النووي

تشير البنود المتعلقة بالعقوبات والبرنامج النووي إلى أن واشنطن ربما انتقلت من استراتيجية "منع إيران من امتلاك القدرات النووية عبر الضغوط القصوى" إلى استراتيجية "احتواء وإدارة البرنامج النووي عبر الرقابة والتفاهمات الدولية".

وفي المقابل، يبدو أن طهران مستعدة لتقديم التزامات تتعلق بمستويات التخصيب وآليات الرقابة الدولية، مقابل الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية واسعة النطاق.

وهذا التحول يعكس إدراكاً متبادلاً بأن الحلول العسكرية لم تعد قادرة على إنهاء الملف النووي، وأن الدبلوماسية أصبحت الخيار الأكثر واقعية للطرفين.

إسرائيل أمام معادلة جديدة

أكثر ما يلفت الانتباه في المذكرة هو الغياب شبه الكامل لإسرائيل عن بنودها، رغم أن الملف الإيراني كان لعقود أحد أهم محاور السياسة الإسرائيلية.

وهذا الغياب لا يعني بالضرورة استبعاد إسرائيل من الحسابات الأمريكية، لكنه يكشف أن واشنطن قد تكون بصدد إعادة ترتيب أولوياتها وفقاً لمصالحها الاستراتيجية المباشرة، حتى وإن تعارض ذلك مع بعض الرؤى التي يطرحها اليمين الإسرائيلي.

وقد يفسر ذلك حجم القلق الذي بدأ يبرز داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، والتي تنظر إلى أي تقارب أمريكي إيراني باعتباره تحولاً قد يحد من هامش الحركة الإسرائيلي في المنطقة.

القضية الفلسطينية... الغائب الحاضر

ورغم شمولية البنود المتداولة، فإن الغياب الكامل للقضية الفلسطينية يبقى المؤشر الأكثر إثارة للقلق.

فالتجارب السابقة أثبتت أن أي مشروع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط دون معالجة جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يظل مشروعاً ناقصاً، وقابلاً للانفجار عند أول أزمة كبرى.

لقد حاولت قوى دولية وإقليمية عديدة على مدى العقود الماضية بناء منظومات أمنية وتحالفات سياسية واقتصادية تتجاوز القضية الفلسطينية أو تهمشها، لكن الأحداث أثبتت مراراً أن فلسطين ليست ملفاً جانبياً، بل هي القضية المركزية التي تؤثر في استقرار المنطقة ومستقبلها.

ومن هنا، فإن أي تفاهم أمريكي إيراني، مهما بلغت أهميته، لن يكون قادراً على إنتاج سلام دائم ما لم يترافق مع معالجة عادلة للقضية الفلسطينية تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

الشرق الأوسط بين التسوية وإعادة التموضع

إن أخطر ما تكشفه مذكرة إسلام آباد ليس ما ورد فيها من بنود، بل ما تعكسه من تحولات في التفكير الاستراتيجي للقوى الفاعلة في المنطقة والعالم.

فنحن أمام مرحلة قد تشهد انتقال الشرق الأوسط من ساحة صراعات مفتوحة إلى ساحة تفاهمات وتوازنات جديدة، تُدار فيها المصالح عبر المفاوضات أكثر مما تُدار عبر الحروب. غير أن نجاح هذا التحول سيظل رهناً بقدرة الأطراف على تجاوز إرث الصراعات القديمة، ومعالجة الملفات المؤجلة التي لا يزال في مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة وإيران ستوقعان اتفاقاً نهائياً، بل ما إذا كان هذا الاتفاق سيكون مقدمة لنظام إقليمي أكثر استقراراً وعدالة، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع بأدوات مختلفة.

وحتى تتضح الإجابة، تبقى مذكرة إسلام آباد مؤشراً على أن الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، وأن خرائط النفوذ والتحالفات التي عرفتها المنطقة طوال العقود الماضية قد تكون في طريقها إلى إعادة رسم شاملة، لن يكون أحد بمنأى عن تداعياتها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى