هل المطلوب إصلاح السلطة أم إعادة صياغة دورها تحت سقف الاحتلال؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تطرح التطورات السياسية المتسارعة في المشهد الفلسطيني أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة، في ظل ما يُنقل عن شروط أمريكية–إسرائيلية لتحسين العلاقة مع السلطة الفلسطينية، تتعلق بملفات التعليم، وأموال المقاصة، وهيكلة الأجهزة الأمنية، وتقليص بعض مظاهر العمل الأمني، وفي مقدمتها إعادة النظر في الوحدات الخاصة داخل الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
هذه المطالب تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد الضفة الغربية تحولات ميدانية عميقة بفعل استمرار الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية، وطرح مشاريع الضم التدريجي، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية وسياسية حول طبيعة العلاقة بين الاتفاقيات السابقة والواقع الذي تفرضه إسرائيل على الأرض.
تناقض بين المطالب الأمنية والواقع الميداني
وفق ما يتم تداوله، فإن الجانب الأمريكي–الإسرائيلي يربط تحسين العلاقات مع السلطة الفلسطينية بإجراءات تتعلق بإعادة هيكلة المؤسسة الأمنية وتقليص مظاهر التسليح والتدريب، بحجة أن بعض الوحدات الأمنية الفلسطينية تجاوزت الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاقية أوسلو.
إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن اتفاق أوسلو لم يكن اتفاقاً أمنياً فقط، بل كان إطاراً سياسياً انتقالياً يفترض أن يقود إلى تسوية نهائية تنهي الاحتلال وتحقق قيام دولة فلسطينية مستقلة.
غير أن مسار الأحداث منذ توقيع الاتفاق عام 1993 أظهر أن الالتزامات الأمنية بقيت حاضرة، في حين تراجعت الالتزامات السياسية المتعلقة بإنهاء الاحتلال، مع استمرار التوسع الاستيطاني وتغيير الحقائق الجغرافية والديموغرافية في الضفة الغربية والقدس.
أوسلو وواي ريفر والخليل أمام واقع جديد
إن التصريحات والمواقف الإسرائيلية التي تدعو إلى تجاوز أو إنهاء العمل ببعض التفاهمات السابقة، ومنها اتفاق واي ريفر واتفاق الخليل، تعكس توجهاً داخل اليمين الإسرائيلي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الفلسطينيين بعيداً عن منطق التسوية السياسية.
فمنطقة الخان الأحمر، والقدس الشرقية، ومناطق واسعة من الضفة الغربية، أصبحت ساحات اختبار لمشروع السيطرة الإسرائيلية، سواء عبر الاستيطان أو مصادرة الأراضي أو إقامة بنى عسكرية وأمنية تعزز الوجود الإسرائيلي الدائم.
وهنا تظهر المفارقة: في الوقت الذي يُطلب فيه من السلطة الالتزام بقيود اتفاقيات مرحلية، تقوم إسرائيل، بحسب الرؤية الفلسطينية، بإعادة صياغة الواقع بما يتجاوز تلك الاتفاقيات.
البعد الاستراتيجي: إدارة الصراع أم إنهاؤه؟
تكشف هذه المعادلة عن اختلاف جوهري في الرؤية السياسية. فالجانب الإسرائيلي ينظر إلى العلاقة مع السلطة من منظور أمني يركز على ضبط الأوضاع ومنع التهديدات، بينما يرى الفلسطينيون أن أي إعادة ترتيب يجب أن تكون جزءاً من مسار سياسي ينهي الاحتلال ويضمن الحقوق الوطنية.
إن اختزال القضية الفلسطينية في ملفات أمنية أو إدارية يهدد بتحويل السلطة من مشروع سياسي مرتبط بالتحول نحو الدولة إلى مجرد إدارة مدنية تحت سقف السيطرة الإسرائيلية.
كما أن استمرار الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية يمثل تحدياً استراتيجياً خطيراً، لأن أي ترتيبات لا تعيد توحيد الجغرافيا والنظام السياسي الفلسطيني ستبقى معالجة جزئية للأزمة، ولا تقدم حلاً جذرياً للصراع.
المنظور القانوني الدولي
من الناحية القانونية، فإن الاتفاقيات المرحلية لا تلغي قواعد القانون الدولي المتعلقة بوضع الأراضي المحتلة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
فالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، يضع قيوداً على تصرفات قوة الاحتلال، كما أن المجتمع الدولي يعتبر الاستيطان في الأراضي المحتلة مخالفاً للقانون الدولي.
كما أكدت محكمة العدل الدولية في آرائها المتعلقة بالأراضي الفلسطينية المحتلة أن استمرار السيطرة والضم الفعلي يثير إشكاليات قانونية مرتبطة بعدم مشروعية استمرار الوضع القائم.
وعليه، فإن أي شروط سياسية أو أمنية تُفرض على الجانب الفلسطيني لا يمكن فصلها عن الالتزام بمبدأ أساسي: وهو أن الأمن لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحل السياسي، وأن الاستقرار الدائم لا يتحقق في ظل استمرار الاحتلال.
الإصلاح الفلسطيني ضرورة وطنية ولكن ضمن رؤية مستقلة
لا شك أن تطوير المؤسسات الفلسطينية، وتعزيز سيادة القانون، وتحسين الأداء الإداري والأمني، هي مطالب وطنية فلسطينية قبل أن تكون مطالب خارجية، لكن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد استجابة لشروط أمنية مفروضة من الخارج.
فالمطلوب هو إصلاح يعزز بناء الدولة والمؤسسات، ويحمي المشروع الوطني، وليس إعادة تعريف وظيفة السلطة بما يخدم استمرار واقع الاحتلال.
الخلاصة
إن المرحلة المقبلة تحمل صراعاً على طبيعة النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل القضية برمتها. فبينما تسعى إسرائيل إلى تثبيت معادلة أمنية تضمن السيطرة وإدارة الصراع، يبقى التحدي الفلسطيني هو الحفاظ على البعد السياسي والقانوني للقضية، وربط أي ترتيبات مستقبلية بإنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
إن استمرار إسرائيل في فرض الوقائع على الأرض، بالتوازي مع مطالبة الفلسطينيين بتقديم تنازلات إضافية، يهدد بإفراغ الاتفاقيات السابقة من مضمونها وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملف أمني، في حين أنها في جوهرها قضية شعب وحقوق وطنية وقضية قانون دولي.
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تطرح التطورات السياسية المتسارعة في المشهد الفلسطيني أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة، في ظل ما يُنقل عن شروط أمريكية–إسرائيلية لتحسين العلاقة مع السلطة الفلسطينية، تتعلق بملفات التعليم، وأموال المقاصة، وهيكلة الأجهزة الأمنية، وتقليص بعض مظاهر العمل الأمني، وفي مقدمتها إعادة النظر في الوحدات الخاصة داخل الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
هذه المطالب تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد الضفة الغربية تحولات ميدانية عميقة بفعل استمرار الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية، وطرح مشاريع الضم التدريجي، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية وسياسية حول طبيعة العلاقة بين الاتفاقيات السابقة والواقع الذي تفرضه إسرائيل على الأرض.
تناقض بين المطالب الأمنية والواقع الميداني
وفق ما يتم تداوله، فإن الجانب الأمريكي–الإسرائيلي يربط تحسين العلاقات مع السلطة الفلسطينية بإجراءات تتعلق بإعادة هيكلة المؤسسة الأمنية وتقليص مظاهر التسليح والتدريب، بحجة أن بعض الوحدات الأمنية الفلسطينية تجاوزت الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاقية أوسلو.
إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن اتفاق أوسلو لم يكن اتفاقاً أمنياً فقط، بل كان إطاراً سياسياً انتقالياً يفترض أن يقود إلى تسوية نهائية تنهي الاحتلال وتحقق قيام دولة فلسطينية مستقلة.
غير أن مسار الأحداث منذ توقيع الاتفاق عام 1993 أظهر أن الالتزامات الأمنية بقيت حاضرة، في حين تراجعت الالتزامات السياسية المتعلقة بإنهاء الاحتلال، مع استمرار التوسع الاستيطاني وتغيير الحقائق الجغرافية والديموغرافية في الضفة الغربية والقدس.
أوسلو وواي ريفر والخليل أمام واقع جديد
إن التصريحات والمواقف الإسرائيلية التي تدعو إلى تجاوز أو إنهاء العمل ببعض التفاهمات السابقة، ومنها اتفاق واي ريفر واتفاق الخليل، تعكس توجهاً داخل اليمين الإسرائيلي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الفلسطينيين بعيداً عن منطق التسوية السياسية.
فمنطقة الخان الأحمر، والقدس الشرقية، ومناطق واسعة من الضفة الغربية، أصبحت ساحات اختبار لمشروع السيطرة الإسرائيلية، سواء عبر الاستيطان أو مصادرة الأراضي أو إقامة بنى عسكرية وأمنية تعزز الوجود الإسرائيلي الدائم.
وهنا تظهر المفارقة: في الوقت الذي يُطلب فيه من السلطة الالتزام بقيود اتفاقيات مرحلية، تقوم إسرائيل، بحسب الرؤية الفلسطينية، بإعادة صياغة الواقع بما يتجاوز تلك الاتفاقيات.
البعد الاستراتيجي: إدارة الصراع أم إنهاؤه؟
تكشف هذه المعادلة عن اختلاف جوهري في الرؤية السياسية. فالجانب الإسرائيلي ينظر إلى العلاقة مع السلطة من منظور أمني يركز على ضبط الأوضاع ومنع التهديدات، بينما يرى الفلسطينيون أن أي إعادة ترتيب يجب أن تكون جزءاً من مسار سياسي ينهي الاحتلال ويضمن الحقوق الوطنية.
إن اختزال القضية الفلسطينية في ملفات أمنية أو إدارية يهدد بتحويل السلطة من مشروع سياسي مرتبط بالتحول نحو الدولة إلى مجرد إدارة مدنية تحت سقف السيطرة الإسرائيلية.
كما أن استمرار الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية يمثل تحدياً استراتيجياً خطيراً، لأن أي ترتيبات لا تعيد توحيد الجغرافيا والنظام السياسي الفلسطيني ستبقى معالجة جزئية للأزمة، ولا تقدم حلاً جذرياً للصراع.
المنظور القانوني الدولي
من الناحية القانونية، فإن الاتفاقيات المرحلية لا تلغي قواعد القانون الدولي المتعلقة بوضع الأراضي المحتلة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
فالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، يضع قيوداً على تصرفات قوة الاحتلال، كما أن المجتمع الدولي يعتبر الاستيطان في الأراضي المحتلة مخالفاً للقانون الدولي.
كما أكدت محكمة العدل الدولية في آرائها المتعلقة بالأراضي الفلسطينية المحتلة أن استمرار السيطرة والضم الفعلي يثير إشكاليات قانونية مرتبطة بعدم مشروعية استمرار الوضع القائم.
وعليه، فإن أي شروط سياسية أو أمنية تُفرض على الجانب الفلسطيني لا يمكن فصلها عن الالتزام بمبدأ أساسي: وهو أن الأمن لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحل السياسي، وأن الاستقرار الدائم لا يتحقق في ظل استمرار الاحتلال.
الإصلاح الفلسطيني ضرورة وطنية ولكن ضمن رؤية مستقلة
لا شك أن تطوير المؤسسات الفلسطينية، وتعزيز سيادة القانون، وتحسين الأداء الإداري والأمني، هي مطالب وطنية فلسطينية قبل أن تكون مطالب خارجية، لكن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد استجابة لشروط أمنية مفروضة من الخارج.
فالمطلوب هو إصلاح يعزز بناء الدولة والمؤسسات، ويحمي المشروع الوطني، وليس إعادة تعريف وظيفة السلطة بما يخدم استمرار واقع الاحتلال.
الخلاصة
إن المرحلة المقبلة تحمل صراعاً على طبيعة النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل القضية برمتها. فبينما تسعى إسرائيل إلى تثبيت معادلة أمنية تضمن السيطرة وإدارة الصراع، يبقى التحدي الفلسطيني هو الحفاظ على البعد السياسي والقانوني للقضية، وربط أي ترتيبات مستقبلية بإنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
إن استمرار إسرائيل في فرض الوقائع على الأرض، بالتوازي مع مطالبة الفلسطينيين بتقديم تنازلات إضافية، يهدد بإفراغ الاتفاقيات السابقة من مضمونها وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملف أمني، في حين أنها في جوهرها قضية شعب وحقوق وطنية وقضية قانون دولي.