دلالات تصريحات أحمد الشرع بشأن حزب الله ولبنان: مقاربة سورية جديدة أم إعادة تموضع إقليمي؟

دلالات تصريحات أحمد الشرع بشأن حزب الله ولبنان: مقاربة سورية جديدة أم إعادة تموضع إقليمي؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع بشأن لبنان وحزب الله اهتماماً سياسياً وإعلامياً واسعاً، لما حملته من رسائل تتجاوز الإطار الثنائي السوري – اللبناني، لتلامس مجمل التحولات التي تشهدها المنطقة في مرحلة ما بعد سنوات طويلة من الحروب والصراعات الإقليمية.

ففي مقابلة تلفزيونية، أكد الشرع استعداده للجلوس مع حزب الله على طاولة الحوار إذا كان ذلك يخدم مصلحة سوريا ولبنان، مشدداً في الوقت ذاته على أن الحزب ارتكب خطأً عندما انخرط في الحرب السورية، وأن دمشق لا ترغب في فتح صفحة جديدة من الصراعات، بل تسعى إلى معالجة الملفات العالقة عبر الحوار والحلول السياسية.

هذه التصريحات تكتسب أهمية خاصة لأنها تأتي في لحظة إقليمية دقيقة تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى، وتصاعد الجهود الدولية والإقليمية لاحتواء الأزمات الممتدة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الأزمة اللبنانية وتداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة.

منطق الدولة بدلاً من منطق المحاور

يمكن قراءة تصريحات الشرع باعتبارها تعبيراً عن توجه سوري جديد يركز على مفهوم الدولة ومؤسساتها باعتبارها الإطار الوحيد الشرعي لإدارة الأمن والسياسة، وهو ما انعكس في حديثه عن صعوبة بناء الدول التي تمتلك داخلها قوى عسكرية خارج إطار المؤسسات الرسمية.

وفي هذا السياق، لا تبدو الرسالة السورية موجهة إلى حزب الله وحده، بل إلى مختلف القوى السياسية والعسكرية في المنطقة، ومفادها أن مرحلة الصراعات المفتوحة واستنزاف الدول قد أثبتت محدودية قدرتها على تحقيق الاستقرار، وأن الأولوية باتت لإعادة بناء المؤسسات الوطنية وترسيخ الاستقرار الداخلي.

تجاوز إرث الحرب السورية

لم يتجاهل الشرع الإرث الثقيل الذي خلفته الحرب السورية، إذ أشار بوضوح إلى وجود "جرح سوري كبير" نتيجة مشاركة حزب الله في القتال داخل الأراضي السورية. غير أن أهمية التصريحات تكمن في أنها لم تتوقف عند حدود استحضار الماضي، بل انتقلت مباشرة إلى الحديث عن آليات معالجة تداعياته.

وهنا يبرز توجه سوري يقوم على الفصل بين الحسابات التاريخية ومتطلبات المرحلة الراهنة، بما يسمح بإدارة الخلافات السياسية والأمنية دون الانزلاق إلى منطق الثأر أو المواجهة الدائمة.

هذا النهج يعكس إدراكاً متزايداً بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر استمرار النزاعات القديمة، بل من خلال بناء تفاهمات جديدة تستجيب للمتغيرات السياسية والاستراتيجية الجارية.

رسائل طمأنة إلى الداخل اللبناني

حملت تصريحات الشرع أيضاً رسائل واضحة إلى مختلف المكونات اللبنانية، وخصوصاً الطائفة الشيعية، عندما أكد أن خسارة أي مكوّن لبناني تمثل خسارة للمنطقة بأسرها.

ويعكس هذا الخطاب حرصاً سورياً على تجنب أي مقاربات ذات طابع طائفي أو إقصائي، والتأكيد على أن معالجة الأزمات اللبنانية يجب أن تتم ضمن إطار الشراكة الوطنية والحوار الداخلي، وليس عبر سياسات الاستبعاد أو الغلبة.

كما أن دعوته إلى حماية البيئة الشيعية في لبنان وعدم تعريضها لمزيد من المخاطر توحي بوجود قناعة متزايدة لدى العديد من الأطراف الإقليمية بأن استمرار الحروب والصدامات يفرض أثماناً باهظة على المجتمعات المحلية قبل أن يفرضها على القوى السياسية نفسها.

نهاية مرحلة الوصاية وبداية مرحلة الشراكة

من بين أكثر العبارات دلالة في تصريحات الشرع تأكيده أن "سوريا لن تكون داخل لبنان"، وأن دورها المستقبلي سيكون إيجابياً ومقتصراً على دعم الاستقرار والحوار.

ويحمل هذا الموقف اعترافاً ضمنياً بأن طبيعة العلاقة السورية اللبنانية تشهد تحولاً جوهرياً مقارنة بالمراحل السابقة، حيث تسعى دمشق إلى تقديم نفسها كشريك في دعم الاستقرار الإقليمي لا كطرف يسعى إلى إدارة الشأن اللبناني أو التأثير المباشر في توازناته الداخلية.

ومن شأن هذا التوجه، إذا ما تُرجم إلى سياسات عملية، أن يفتح الباب أمام صياغة علاقات أكثر توازناً بين البلدين تقوم على الاحترام المتبادل للسيادة والمصالح المشتركة.

البعد الإقليمي والدولي

لا يمكن فصل تصريحات الشرع عن المتغيرات الإقليمية والدولية الأوسع. فحديثه عن الاتصالات مع الولايات المتحدة، وإشارته إلى اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوقف الحرب في لبنان، يعكس رغبة سورية في تقديم نفسها كطرف قادر على المساهمة في جهود التهدئة والاستقرار.

كما أن التركيز على التنمية والإعمار والحلول الاقتصادية والاجتماعية بدلاً من الخطاب العسكري التقليدي يعكس تحولاً أوسع تشهده المنطقة، حيث باتت الأولويات ترتبط بإعادة بناء الاقتصادات الوطنية ومعالجة الأزمات المعيشية أكثر من ارتباطها بالصراعات الأيديولوجية والعسكرية.

لبنان بين ضرورات الحوار وتحديات الواقع

تكشف تصريحات الشرع عن قناعة متزايدة بأن الأزمة اللبنانية لم تعد قابلة للمعالجة عبر الأدوات التقليدية أو الحلول الجزئية، بل تتطلب مقاربة شاملة تعالج الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في آن واحد.

كما تعكس إدراكاً بأن استمرار الانقسامات الداخلية والتجاذبات الإقليمية سيؤدي إلى تعميق الأزمات القائمة، في حين أن الحوار الوطني الشامل يبقى الخيار الأكثر واقعية لتجنب مزيد من التدهور.

خلاصة

تشير تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ملامح مقاربة سورية جديدة تجاه لبنان وحزب الله تقوم على الحوار بدلاً من المواجهة، وعلى دعم مؤسسات الدولة بدلاً من منطق المحاور، وعلى البحث عن تسويات سياسية مستدامة بدلاً من إدارة الأزمات بالقوة.

ورغم أن ترجمة هذه المواقف إلى سياسات عملية ستبقى رهناً بالتطورات الإقليمية وتعقيدات المشهد اللبناني الداخلي، فإنها تعكس اتجاهاً واضحاً نحو إعادة تعريف الدور السوري في المنطقة ضمن إطار أكثر براغماتية وارتباطاً بمفاهيم الاستقرار والتنمية والشراكة الإقليمية.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تبدو هذه الرسائل جزءاً من مرحلة جديدة تسعى فيها دول المنطقة إلى البحث عن مسارات أقل كلفة وأكثر قدرة على إنتاج الاستقرار بعد عقود من الصراعات المفتوحة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى