أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٣ حزيران من كل عام

١
في مديح عادل اﻷسطة :
أمس في السادسة مساء كان عادل اﻷسطة وسط المدينة يسير وحيدا يتأبط أغراضه متجها صوب الحافلة العمومية التي تتجه جهة الحي الشعبي الذي يقيم فيه وهو حي المساكن الشعبية الشرقية . قرب المول القريب من الدوار أبصرته عجوزان كانتا تحضران أمسياته الثقافية . تبادل الثلاثة التحيات وسألتاه عن صحته وهمته وعزيمته وآخر نشاطاته الثقافية .
طبعا أجابهما وسألهما عن أخبارهما وأعلمهما أنه افتقدهما وافتقد حضورهما في الندوات .
المسنتان سألتاه عن رأيه في اﻷوضاع ، ولما كان لا ييأس ، فقد قال :
- اﻷمور تسير وإن لم يكن كما نتمنى .
المرأتان سألتاه إن كان أمر الوطن يعنيه أصلا .
سيبتسم عادل اﻷسطة .
من هو الذي يروج عنه أنه عدمي وأن أمر الوطن لا يعنيه . ألمجرد أنه كتب رواية " الوطن عندما يخون " يغدو عدميا ؟ إذن ما تفسير مساهماته في الحركة الثقافية و....و...و..وما تفسير إصراره على البقاء في وطن متداع وكل ما فيه في انحدار ؟
يسير عادل اﻷسطة في اتجاه وتسير العجوزان في اتجاه .
هل مدحتاه ؟ هل كررتا رأيا سابقا فيه ؟
من هي المطربة التي تغني : " لا قبلك حبيبي ولا بعدك حبيبي ؟" .
ربما تذكر عادل اﻷسطة بعض ندواته ! ربما !
خالد مشعل الآن مع غادة عويس على الجزيرة . وأنا أصغي وأخربش وأفكر في مقال اﻷحد .
٢٠١٤
٢
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
المشروع الصهيوني وجنة الله الموعودة :
أعادني شريط فيديو يصور ما آل إليه معبر رفح بعد احتلاله ، بثه الإعلام العبري ، في ١٩ / ٦ / ٢٠٢٤ ، إلى نصوص أدبية صهيونية وعبرية وفلسطينية أتت على أرض فلسطين تحت الحكمين ؛ الأول الحكم العربي والإسلامي خلال مئات الأعوام والثاني الحكم اليهودي الصهيوني الإسرائيلي منذ ١٩٤٨ ، علما بأن الدعاية للمشروع الصهيوني قامت على أكذوبة " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " التي تنقض نفسها بنفسها ، فالنصوص الأدبية التي تحكي عن أرض بلا شعب تذهب إلى أن العرب الذين قطنوا فيها ، بعد ترك اليهود لها ، حولوها إلى أرض قفراء جرداء ؛ لأنهم لا يعرفون إلا التخريب والهدم والتصحير .
الأعمال الأدبية الصهيونية المكتوبة بغير العبرية عديدة ؛ منها " أرض قديمة جديدة " ل.( ثيودور هرتسل ) و " لصوص في الليل " ل ( آرثر كوستلر ) و "اكسودس" ل ( ليون أوريس ) ، ومثلها الأعمال الأدبية الصهيونية الإسرائيلية المكتوبة بالعبرية مثل " خربة خزعة " ل ( يزهار سميلانسكي ) ، والأعمال الأدبية الفلسطينية أيضا عديدة ، وقد كتبت وفي خلفية كتابها الفكرية العديد من الأعمال الأدبية الصهيونية المشار إليها وغيرها ، ولطالما أسهبت في الكتابة في الموضوع .
ما كتبته سابقا هو ما استدعاه شريط الفيديو المذكور في الأسطر الأولى . لقد ذكرني بتلك الأعمال وما كتبته عنها ، ولكنه ذكرني أكثر وأكثر بالترجمة العربية لرواية هرتسل والصور المرفقة بها ، وقد بلغ عددها ٤٦ صورة .
الصورة تذكر بالصورة ، وصورة ما كان عليه معبر رفح قبل الحرب وما آل إليه ، كما في الشريط ، تستحضر الصور التي أرفقتها ، بقصد ، الجهة المسؤولة عن الترجمة العربية لرواية هرتسل .
من الصور التي زينت بها الترجمة :
- صورة لميناء يافا سنة ١٨٩٨ ، وثانية لباخرة ثيودور هرتسل في ميناء حيفا ، وثالثة لمدينة القدس ، ورابعة لمظاهرة شارك فيها عرب ويهود كتب تحتها " من مظاهر الإخوة اليهودية
- العربية في هذه البلاد ، و ٣ صور لنساء عربيات في مؤتمر نسائي ، وصورة لإحدى رياض الأطفال في قرية الطيبة ، وصورتان متقابلتان : منظر عام لمرج يزراعيل قبل استيطانه و العفولة المدينة التي نشأت في قلب المرج بعد استيطانه ، وصور لكنيس وكنيسة ( البشارة في الناصرة ) والمعبد البهائي عباس في حيفا وصورة لمسجد السلام ، وكتبت عبارة من الرواية " ولكن الكنس والمساجد والكنائس تقوم جنبا إلى جنب ، وصورة لمستنقع كتب تحتها : تجفيف مستنقعات الحولة و " من الذي جفف المستنقعات ؟ " ، وصورتان متقابلتان ؛ الأولى لغور الأردن جنوبي بحيرة طبرية كما كان عليه في سنة ١٩٠٩ ، والثانية للمكان نفسه كما هو عليه في ١٩٦٦ ، وكتب تعليق نصه " ان كبار السن من بينكم يعرفون ما كان عليه منظر هذا المكان قبل ٢٠ سنة " ، وصورة للميناء الجديد في أشدود وصورة لاستخراج النحاس بالقرب من خليج ايلات ، وثلاث صور لتل أبيب في ١٩٠٩ ، حيث تم وضع حجر الأساس لها ، وصورة لبلديتها في ١٩١٠ بجانب خزان الماء الأول ، وصورة لها سنة ١٩٦٧ ، وصورة لترعة في مشروع المياه القطري وكتب فوقها " لقد صنع إيمان مهندسي الماء هذه العجائب " ، وصورتان لشارع في القدس ؛ الأولى وهو مقفر والثانية وهو مزدهر - أي قبل الاستيطان وبعده .
وكان القصد من وراء إدراج الصور هذه هو تأكيد الفكرة الصهيونية المتعلقة بتحويل فلسطين من أرض قفراء جرداء صحراوية إلى جنة وإظهار أن اليهود يعمرون ما خربه العرب .
منذ بداية الحرب الدائرة حاليا ، وتدمير ٧٠ بالمائة وأكثر من قطاع غزة ، أخذ بعض الغزاويين يعرضون صورا لمدينتهم كما كانت عليه قبل ٧ أكتوبر وأخرى لما صارت إليه بعد التاريخ المذكور !
كان القطاع عامرا مزدهرا حافلا بالحياة وحوله الجيش الإسرائيلي بسلاحه البري والبحري والجوي إلى مكان لا تصلح الحياة فيه . دمرت المباني السكنية والمشافي والجامعات والبرلمان والشوارع والبنية التحتية كلها .
شريط الفيديو الذي بثته وسائل الإعلام العبرية لصيرورة معبر رفح هو نقض للرواية الصهيونية كلها على مدار مائة وعشرين عاما ، وهو يدحض الأكذوبة التي حفلت بها أدبياتهم وحاولوا من خلالها إقناع العالم بها على أنها حقيقة ، وأعتقد أنه لن يبقى هناك من سيصدق تلك الأدبيات مهما اجتهدت إسرائيل في التزييف ولي عنق الحقيقة .
على مدار ٧٦ عاما جعلت إسرائيل حياة الفلسطينيين جحيما ولم تكتف بتدمير قراهم وتهجيرهم ، بل واصلت ملاحقتهم في المنافي لتواصل تدمير ما بنوه هناك وبلا رحمة .
عندما تبدي صفية زوجة سعيد . س في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " دهشتها مما رأته من عمران وزراعة يرد عليها زوجها :
" - كان بإمكاننا أن نجعلها أفضل بكثير "
وقد عمر أهل قطاع غزة ، منذ خروج المحتلين في ٢٠٠٥ ، القطاع فبنوا ، على الرغم من الحصار ، المباني وأقاموا المشافي والجامعات والأبراج وشقوا الطرق وزرعوا المساحة الضيقة وصدروا الورود والأزهار ، وحتى في إسرائيل (؟) نفسها كان للعمال الفلسطينيين إسهام كبير فيما تبدو عليه ، وهذا ما كتبه إميل حبيبي في " المتشائل " .
معبر رفح وما كان عليه قبل أربعين يوما وما فعلته به الدبابات والطائرات الإسرائيلية خلالها ، كما بدا في شريط الإعلام العبري ، خير شاهد على تحويل فلسطين إلى جنة - أي والله .
( الأربعاء والخميس والجمعه ١٩ و ٢٠ و ٢١ / ٦ / ٢٠٢٤ )
دفاتر الأيام الفلسطينية ٢٣ / ٦ / ٢٠٢٤
عادل الاسطة
٣
المستوطنون ..... " بشر مثلنا " :
من منكم يذكر عبد الكريم سمارة شقيق عادل سمارة ؟
كان عبد الكريم أصدر قبل عشرين ثلاثين سنة مجموعة قصصية عنوانها " بشر مثلنا "، وأهداني نسخة منها .
لا أعرف ما هي أخبار عبد الكريم الآن !
هذا الصباح قلت :
- اليهود بشر مثلنا ، وما قاله الرئيس أبو مازن كتبه عبد الكريم سمارة .
ولأن اليهود بشر ، وأخص الإسرائيليين والمستوطنين ، فقد فعلوا بالفلسطينيين ما فعلوا ، وغدت احوالنا عال العال : " شتات وقتلى وموتى وجرحى والإقامة في مخيمات سورية ولبنان والأردن وفلسطين المحتلة العام 1967 و..و.. وأخيرا في الدول الاسكندنافية ".
بالله عليكم هل يحن اللاجئون المقيمون في السويد والدنمارك وكندا واستراليا والنرويج إلى فلسطين ومخيمات لبنان وسورية ؟ .
لقد كانت المخيمات معبرا للسويد والدنمارك ، وكان عليهم احتمال 40 _ 50 سنة من العذاب حتى يتعودوا على الوقوف يوم القيامة ، وفي النهاية فرجت عليهم ودخلوا الجنة .
هذا الصباح كانت أخبارنا حيص بيص ، لا تغيظ عدوا ولا تسر صديقا ، وكل ذلك لأن المستوطنين بشر . قتلى وموتى وجرحى وحصار واقتحام و...و... والفلسطينيون في رام الله يشتبكون مع رجال الشرطة الفلسطينية بسبب تنسيقهم الأمني مع البشر .
أغاني فيروز من أجيال كانت هذا الصباح عن القدس والعودة و... و .. .
٢٠١٤
٤
المرحومة يسرى صلاح ورب ضارة نافعة :
في العام 1980تقدمت بطلب للعمل في جامعة النجاح ، موظفا في مكتبة الجامعة ، وكان علي أن أتقدم لامتحانين ، في الثقافة العامة وفي علم المكتبات ، وكان أن حصلت على الرقم 1 من 64 متقدما ، واخترت ، لنجاحي ، لمقابلة لجنة ، مكونة في حينه من رئيس الجامعة الدكتور كايد عبد الحق وبعض اعضاء مجلس الأمناء ، ولم اختر للوظيفة ، وعين بدلا مني صديقي مهيب المصري الذي لم يتقدم للامتحان . وحين سألت الدكتور شوكت الكيلاني عن سبب عدم توظيفي أجابني بأنهم يريدون أن يثبتوا الموظفين في أماكن عملهم ، وكنت موظفا . ابتسمت لإجابته وقلت له :
- ولكن صديقي مهيب موظف أيضا .
المرحومة يسرى صلاح والمرحوم موسى الجيوسي قالا لي شيئا آخر . قالا لي إنهما يفضلان أن أتابع دراستي العليا لأعود إلى الجامعة عضو هيئة تدريس ، ولما كان للمحامي صلة بمنظمة التحرير وبصندوق الطلبة الفلسطينيين ، فقد أحضر لي طلب حصول على منحة ، وكان أن حصلت على قبول من الجامعة الأردنية ، والذي ساعدني في الحصول على منحة من الصندوق هو الدكتور محمود السمرة ، فقد ساءت أحوالي المادية ولم يتبق معي ما يمكنني من دفع الرسوم ، علما بأنني عملت في مكتبة الجامعة الأردنية وفي جريدة أردنية ايضا .
الآن أتذكر المرحومة يسرى صلاح والمرحوم موسى الجيوسي . لقد أرادا أن يبررا عدم توظيفي وإعطاء الوظيفة لغيري بحرصهم على أن أكون في مكان آخر يمكن أن أفيد فيه أكثر .
أعتقد أنني ، من حيث لم يقصدا ، حققت لهما ما تطلعا إليه ، وأعتقد أنني أكثر عضو هيئة تدريس في الجامعة أفاد الطلاب الذين يدرسهم ، على الأقل في الكليات الإنسانية ، وتحديدا في الدراسات العليا .
٢٠١٥
٥
الأستاذ الدكتور محمود السمرة :
لم أتتلمذ على يد الدكتور محمود السمرة في مرحلة البكالوريوس ، وإن كنت أراه في كلية الآداب ، حيث كان عميدها . كنت أراه رجلا صارما نادرا ما ابتسم ، وكان تجوله في مبنى الكلية يحسب له من الطلاب والمدرسين ألف حساب .
في مرحلة الماجستير حضرت محاضراته في مساق النقد الأدبي ، واتفقت معه على أن يكون مشرفا لي على الرسالة ، فقد راق له البحث الذي كتبته لمساق النقد واقترح علي أن أتوسع فيه ، لأكتب فيه رسالة الماجستير ، وهذا ما كان .
لم يرق خياري للدكتور عبد الرحمن ياغي الذي كان يتوقع أن أكتب الرسالة معه ، وقد عاتبني بعد ذلك ، لاعتقاده أنني أقرب إلى فكره من فكر الدكتور السمرة .
كنت أتردد على مكتب الدكتور السمرة بين فترة وأخرى وكان يستقبلني استقبالا حسنا ، وقد فعل هذا مع طلابه كلهم ، وكانت علاقته بهم ودية جدا ، لدرجة أنه دعاهم ، مرارا ، إلى منزله لتناول الطعام معه .
ما دفعني للكتابة حقيقة شيء آخر مختلف .
في الماجستير كنت موعودا بمنحة لم تأت ، وكان علي أن أتدبر الأقساط التي لم أكن أملكها ، وعرفت أن الدكتور أمين محمود - او محمود أمين ، فقد اختلط الاسم علي - مسؤول عن صندوق الطلبة الفلسطينيين في الكويت ، وقد راجعته في أمر منحة ما ، فأخبرني أن المنح تقتصر على طلبة درجة البكالوريوس . وأظنه هو الذي اقترح علي أن أراجع د . محمود السمرة ، أو أنه أحد زملائي ، فقد عرفت من أحدهم ، ولعله د . مشهور حبازي ، حصل العام السابق على منحة محترمة .
ذهبت إلى الدكتور محمود أشرح له وضعي ، فقال لي :
- لو كنت أتيت الأسبوع المنصرم ، فقد كان بحوزتي ثلاثة آلاف دينار جاءتني من الكويت لاساعد بها الطلبة ، وقد وزعتها .
المهم انني أخبرته عن أحوالي وعما جرى معي بخصوص منحة صندوق الطلبة الفلسطينيين في بيروت ، وقد سألني عن المسؤول عنه ، فأخبرته أنه الدكتور محمد يوسف نجم . ابتسم الدكتور وقال لي :
- إنه صديقي ،
وكتب له رسالة وأعطاني إياها وطلب مني أن أرسلها أنا شخصيا ، ولم تمر فترة من الوقت حتى جاءني الرد بالإيجاب ، وقرر الصندوق منحي 1100دولار أميركي ، كقرض .
في تلك الأيام كان علي أن أذهب إلى الغرفة التجارية في عمان مصطحبا كفيلا ، وهذا ما لم أستطع توفيره . يومها كنت أعرف الشاعر محمد القيسي ، فطلبت منه أن يوقع على الطلب ، دون العودة إلى الغرفة التجارية ، وأرسلت الطلب وكلي اعتقاد أن المبلغ لن يرسل ، فالإجراءات لم تكتمل .
ذات صباح كنت أتابع رسائل الطلبة الواردة ، ولاحظت اسمي من بينها ، فلي رسالة مسجلة ، وإذا بها من صندوق الطلبة الفلسطينيين وقد حول لي الدفعة الأولى ، وأظن أن ثقة الدكتور نجم بالدكتور السمرة كانت عالية جدا ، وقد لاحظت هذا من خلال نص الرسالة التي كتبها د . السمرة إلى زميله وصديقه ، وكانت دون استخدام الألقاب ، كما لو أن د . السمرة يتحدث مع صديق عزيز جدا جدا .
هكذا أسعفني د.السمرة واستطعت أن أدفع رسوم الفصل ورسوم الرسالة .
غير أن ما لاحظته وأنا أتردد على مكتبه أن الرجل كان أكاديميا بالدرجة الأولى .
كانت الجامعة الأردنية تخصص مقاعد لأبناء القوات المسلحة ، وأخرى للمحافظات والألوية ، وثالثة ل ... ورابعة ل .. وكان هذا يؤثر على مستواها العلمي والأكاديمي ، ولم يكن هذا يروق للدكتور السمرة ، وربما كان يتقبله على مضض ، ولأنه ( مكره أخوك ..) .
وأنا في مكتبه ، ذات نهار ، وكانت أتته مكالمة بخصوص مقاعد كذا وكذا ، قال لي هامسا :
- إما جامعة وإما ..
ولم يكمل ، وقد عرفت مقصده . وسأتذكر لاحقا ما كتبه د.فيصل دراج عن د .إحسان عباس وواقع الأكاديميين الفلسطينيين في العالم العربي .
يضطر الأكاديمي الفلسطيني أن يلتزم الصمت غالبا ، خوفا على مركزه ، ولأن البدائل أمامه محدودة .
ما ينبغي أن يذكر ، والمرء يكتب عن د.السمرة ، أنه واحد من الأساتذة الذين كانوا ينفقون سنة التفرغ العلمي حيث يجب أن تنفق .
لم يكن الرجل عبدا للمال ، فلم يكن يسعى لإنفاق هذه السنة للعمل في جامعة أخرى .
كان يجلس في البيت ويؤلف الكتب ، وقد لاحظته ، في سنوات التفرغ ، مرارا في مكتبة الجامعة الأردنية ، يبحث عن المصادر والمراجع ، وكان يخبرني أنه يعكف على إنهاء كتاب أو كتابين ، فالعمل الإداري لا يترك له مجالا للكتابة ، هو الذي كان نشيطا جدا ، يوم كان في الكويت ، فمن لا يعرف مقالاته في مجلة العربي .؟!
منح الله د . محمود السمرة الصحة والعافية ، وآخر مرة زرته فيها في بيته كانت في العام 2009 حيث شاركت في مؤتمر اللسانيات واللغة في الجامعة الأردنية ، واتفقنا أن أزوره ثانية ، وأحضر له بعض كتبي ، ولكني ..
كم أنا كسول وعاق .
٢٠١٥
٦
23./.6 / 1967
( حزيران الذي لا ينتهي ) 19
( تشوش الذاكرة )
سماسرة عمل :
ساسير في شوارع المخيم مع رجال أتوا ليسألوا عن عاملات .
لم أكن أعرف أنهم سماسرة عمل ، ولم تكن أفكار التطبيع وعدمه شائعة . غدا أكثر الرجال بلا عمل ، علما بأن عملهم كان ، من قبل الاحتلال ، عملا موسميا .
أكثر رجال المخيم يعملون في الكسارات أو في الأشغال العامة أو عمال نظافة في وكالة غوث اللاجئين ، وهناك بعض نسوة كن ممرضات في عيادة المخيم ، أو كن موظفات في قسم الرعاية ، يطبخن ويقدمن الوجبات لأطفال المخيم ، وثمة معلمات في مدرسة الوكالة ، ونادرا ما كانت نساء المخيم يعملن . كن ربات بيوت يطبخن وينجبن ويربين اولادهن وحسب .
فجأة جاء سماسرة العمل وأخذوا يسالون عن نساء عاملات ، وكنت دليلهم ، أقودهم في زقاق المخيم ، وندخل البيوت لنسأل عن فتيات عاملات . المصانع الإسرائيلية بحاجة إلى العمال ، والفقر ابن حرام ، والدول العربية انهزمت بعد أن هزمت الفلسطينيين من جديد .
في تلك الأيام أخذت بعض النسوة تعمل في المصانع الإسرائيلية ، وكان هذا موضع استهجان:نساء يعملن في مصانع اليهود.لقد ضاع الشرف العربي ثانية وهذه هي الهزيمة .
في روايتها " الصبار " كتبت سحر خليفة عن ردود أفعال الناس إزاء العمل في المناطق المحتلة في العام 1948 ، وكان الناس يقولون :
- العمل في اسرائيل خيانة .
وقد انقسم الناس إلى قسمين ، منهم من أخذ يعمل ، لأنه يريد أن يعيش ، فلا فرص عمل ، ومنهم من رأى في العمل خيانة وتعاونا مع المحتلين .
كان السماسرة يقدمون عروضا مغرية للنساء ، حتى يقدمن على العمل ، ويتعهدوا بالمحافظة عليهن ، وأنهم سيقلونهم من المخيم وسيعيدونهم إليه ، وأن النساء بحفظ الله ورعايته ، وبدأت الشاحنات تأتي فجرا وتعود مساءو. شاحنات أشبه بشاحنات نقل الجنود ، وكان عذاب هؤلاء العمال ومعاناتهم المزدوجة ، وغربتهم القومية ، ذا حضور في بعض الأدبيات ، وحين كتب إميل حبيبي " المتشائل" 1974 أتى على وضعهم المأساوي ، وسارت سحر خليفة على خطاه ، ثم كتب غريب عسقلاني قصته " الجوع " 1978، وستظل حياة هؤلاء العمال موضوعا خصبا للأدباء يخوضون فيه .
قبل أربع خمس ست سنوات قرأت الكاتبة سعاد العامري ، من جامعة بير زيت ، وصاحبة الكتاب المتميز " شارون وحماتي " في حمام الشفاء ، في مدينة نابلس ، فصلا من كتابها الثاني " مراد "، ولكي تكتبه ، وموضوعه حياة العمال في ظل انتفاضة الاقصى ، فقد ارتدت ملابس الرجال ، وتسللت إلى فلسطين المحتلة 1948 ، مع العمال ، لتعيش تجربتهم في المعاناة ، وكانت سحر خليفة فعلت ، من قبلو، الشيء نفسه حين كتبت الجزء الثاني من روايتها " الصبارز" وعنوانه " عباد الشمس ".
الآن اتذكر انني سرت مع السماسرة ، لكي أدلهم على البيوت التي يمكن أن يعثر فيها على فتيات عاملات .
يا لوعيي البائس في حينه ، او يا لحياتنا في المخيم ، ومن بعد سنجد أنفسنا ادلاء لزوار أجانب قدموا إلى المخيم ليتعرفوا على حياة أهله .
23/6/2016
٧
( 24/6/1967 )
( حزيران الذي لا ينتهي ) 20
( تشوش الذاكرة ) :
" الفرح عندما يخون مع الاعتذار لمحمود درويش "
ما زلت أتذكره جيدا .
( غ.ق ) صاحب محل زيت سيارات . قبل الهزيمة أخذت أعمل في محل بيع قطع سيارات لشخص أظن أن اسمه وصفي يعيش . كان أبي يتعامل معه ، وفي إجازة المدرسة قال لي :
- اقض العطلة في هذا المحل .
كان ذلك قبل عام الهزيمة بعام ، وكان أبي يجلس في محل ( غ.ق ) المقابل ، والجميع يتحدث في السياسة وتحرير فلسطين القريب ، ويوم ذهب الملك حسين إلى القاهرة ، قبل الهزيمة بأيام ، واتفق مع عبد الناصر ، موقعا اتفاقية دفاع مشترك ، خرج أهل نابلس عن بكرة أبيهم إلى الشوارع يحيون البطلين ، فقد تحقق لهم ما أرادوا قبل فترة وجيزة " بدنا الوحدة باكر باكر ،مع هالأسمر عبد الناصر " ، وتناسى الناس تظاهراتهم ضد الملك الاردني ، إثر أحداث السموع ، وتناسوا تخوينهم له.
كان ( غ.ق ) متحمسا للحرب ، وهتف بحياة عبد الناصر ، وكنت ألاحظ مقدار فرحه باللقاء ، ومقدار حبه لعبد الناصر . كما لو أن الرجل كان مستعدا لأن يضحي بنفسه ، كما لو أنه على استعداد لحمل السلاح والذهاب إلى أرض المعركة فورا . ولم يكن الوحيد المتحمس لهذا ، فأبي ترك عمله ، قبل الحرب بأيام ، وانضم إلى مجموعة المتدربين الذين انتظموا في طوابير ، في الصباح ، وتدربوا على حمل السلاح . لم يكن يخطر ببال أي منا أنه قد يستشهد ، مخلفا وراءه ثمانية أبناء مع زوجة . كل شيء في سبيل يافا يهون .
فجأة أخذ الناس يتحدثون عن ( غ.ق ) ، فقد أخذ يستورد زيت السيارات من اسرائيل ، واختلفت أحواله وأصبح يلعب بالنقود ، والرجل ناصري الميول نسي ميوله أو تناساها في سبيل الحصول على لقمة العيش ، مثله مثل آخرين ، ومثل بعض الشرطة الذين عادوا إلى وظائفهم ، واستبدلوا نجمة بتاج ، وأخذوا يداومون في مقر الشرطة ، وكان من بينهم ( أبو ع.ح ) ، وقد كثرت حوله الأقاويل وانتشرت ايضا حول سلوكه الشائعات ، وبعد أشهر قليلة ، سينتشر في المدينة خبر مقتل عملاء ، كان ( غ.ق ) و( أبو .ع.ح )منهم .
في المساء كانت أصوات الرصاص تلعلع ، وأحيانا ، ونحن نيام في غرف المخيم واطئة السقف ، كنا نرى لمعان الرصاص يكاد يلامس أسطح الغرف ، وقد فكر أبي في ترك المخيم ، والإقامة في المدينة .
24/6/2016
٨
ذهب تفاؤل السياب في أنشودة المطر سدى:
الليلة قرأت نصوصا للدكتور د. عاطف الدرابسة غلب عليها نزعة التشاؤم فتذكرت بدر شاكر السياب.
حلم السياب بمستقبل أفضل لبلده العراق وأنهى قصيدته "أنشودة المطر " بقدر من التفاؤل: "ويهطل المطر".
درسنا القصيدة قبل 45 عاما وتفاءلنا لتفاؤل السياب.
في 1991 أمطرت أميركا العراق بالصواريخ وفي 2003 امطرتها ب"الديموقراطية " وكانت النتيجة أن العراق غدا دولة عظمى اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا وعلميا و..وكله.
ماذا سيكتب السياب لو ألقى نظرة من قبره على العراق الحالي؟ أم أنه سيكتفي بقراءة قصيدة محمود درويش "فرس للغريب "؟.
ماذا لو لاحقت الحكومات العربية المتهربين منا من الضرائب مثل اسبانيا؟
23/ 6/2017
٩
خطيب الجمعة من مقر الرئاسة ليس محمود الهباش .
لقد ذكرني الخطيب ب ( برنارد اوسياندر ) صديقي الألماني في جامعة بامبرغ ، ومنه استوحيت شخصية ( برنو ) في روايتي " تداعيات ضمير المخاطب "( 1993 ) .
الخطبة عن رمضان - أعني شهر رمضان لا صديقي رمضان/ الجامعة ولا طالبي رمضان . ( طبعا مدح الخطيب القيادة لأنها مدت يديها للمارقين بالمصالحة ولكن نتنياهو هنا وهناك لا يستجيب . لعنة الله على هتلر وستالين وفرانكو وموسوليني ) .
23/ 6/2017.
١٠
حمصيص :
جاي على بالي طبخة حمصيص وصحن هندبة مع صحن حبة رمانة قبل أن تشتعل الحرب العالمية الخامسة بين السعودية وقطر .
اليوم نظفت شبابيك البرندة ومسحت الشقة وأنهيت قراءة بحثين .
23/ 6/2017
١١
واسيني 24 :
" الشرق / الذكورة"
حين درس الناقد جورج طرابيشي العلاقة بين الشرق والغرب في الرواية العربية في القرن العشرين ، وتناول أسماء معروفة هي توفيق الحكيم " عصفور من الشرق " ، ويحيى حقى " قنديل أم هاشم " ، وسهيل ادريس " الحي اللاتيني " ، والطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال " اختار لكتابه عنوان " شرق وغرب ، رجولة وأنوثة ".
يفتخر الشرقيون وهم في الغرب برجولتهم ، ولأنهم مهزومون أمام الغرب الذي غزاهم في عقر دارهم ، فإن الرجال الشرقيين في أوروبا يغزون النساء الأوروبيات ، وهذا ما بدا واضحا لدى مصطفى سعيد بطل رواية " موسم الهجرة إلى الشمال ".
لا نلحظ سلوكا مشابها لسلوك مصطفى في رواية واسيني ، ولكن اقتران الشرق بالذكورة يبدو لافتا في غير مكان من الرواية .
إن الأدباء الشرقيين الوارد ذكرهم في الرواية يبدون في تعاملهم مع مي شرقيين بامتياز .
الوحيد من الأدباء الذي سلوكه مشابه لسلوك مصطفى سعيد هو جبران الذي تذكر مي أسماء عشيقاته .
إن شرقية الرجال الشرقيين وذكورتهم تبدو في علاقتهم مع المرأة ومع مي نفسها ، وهذا ما سأتوسع فيه في مقالة خاصة .
" في هذه الناحية ، يكاد كلهم لا يصلحون ، لا أحد منهم كان قادرا على رؤية نفسه في مرآة العمر الهارب ، مزهوا بثقافته التي وضعته في الصفوف الأولى ، وذكورته السخية
- هي هزيمة متنكرة في جلباب الذكورة المنكسرة .
".( 112 )
٢٠١٨
١٢
المانيا واللحظة الأخيرة :
هؤلاء الألمان لا ييأسون . لا يكلون ولا يملون .
في اللحظة الأخيرة أحرز ( كروز ) هدف الفوز .
أعرفها ألمانيا ولهذا لم أراهن على فريق عربي .
" أنا من هناك ولي ذكريات " والكلام لمحمود درويش وهو في باريس يعبر عن أنه من فلسطين .
استعير سطر درويش وأنا في نابلس لأعبر عن حنين إلى ألمانيا : " أنا من هناك ولي ذكريات ".
في 1990 كنت في ألمانيا وشجعت الفريق الألماني ففاز .
لم أحزن لخروج الفرق العربية وهزيمتها النكراء ، فأنا أعرف مستوى أساتذة الجامعات العربية : إنهم لا يتقنون التهديف ولا التمرير ولا ركلات الجزاء . لسان حالهم دائما أن هناك فرقا أضعف منا
"- هل الهند وهي تعد مليارا ، ومثلها الصين ، هل شاركت في مباريات كأس العالم ؟ "
" فما أطال النوم عمرا
ولا قصر في الأعمار طول السهر " .
23/6/2018
١٣
جوخة ٣٥ :
جوخة الحارثي : ابن حزم وانقسام الأرواح
يحضر التراث العربي القديم في " سيدات القمر " حضورا لافتا ، وقد كلفت أحد طلابي في مساق الماجستير " موضوع في الأدب الحديث " أن يكتب فيه بحثه .
حين يقرأ المرء السيرة الذاتية لجوخة الحارثي فإنه يعرف أنها أعدت رسالة الدكتوراه في جامعة ادنبرة في بريطانيا في الأدب القديم ، وأنها تدرس في جامعة السلطان قابوس بن سعيد ، وهكذا لا يستغرب حضور التراث الأدبي العربي ؛ شعرا ونثرا أدبيا وأدب رحلات ، في روايتها ، ويبقى هنا السؤال عن توظيفها توظيفا فنيا .
هل وظفت الروائية مخزونها المعرفي في الرواية توظيفا فنيا أم أن ما ورد من مقطوعات لشعراء قدماء معروفين وللشاعر العماني أبو مسلم البهلاني كان استعراضيا وكان له قصد هو تذكير القاريء الملم بهذه الأشعار أو تثقيف القاريء الذي لا يعرفها .
كانت الرواية العربية في نشأتها تحفل بالنماذج الشعرية ، وواصل روائيون كثر النهج نفسه ولكنهم اختلفوا عن الروائيين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في أن الروائيين الجدد كانوا أكثر نجاحا في جانب توظيف الموروث توظيفا فنيا ، ويخطر ببالي هنا اميل حبيبي في " المتشائل " ١٩٧٤ وممدوح عدوان في " أعدائي " ٢٠٠٠ .
وفيما رأيت فإن الكاتبة توظف النصوص المقتبسة إلى حد كبير توظيفا فنيا وتوظيفا اقتضاه السياق .
لن أعالج هذا الجانب بالتفصيل وسوف أترك معالجته للطالب معتصم غوادره أبو عيد ، ولكني سأتوقف أمام الكتابة عن فكرة انشطار الأرواح التي تكرر حضورها في مواطن عديدة من الرواية لتكون محور حديث بين زوجين أو محبين انسجما معا كما لو انهما كان جسدا واحدا انشطر ثم اتحد ثانية ، وقد أوردت من قبل الكتابة عن الأسطورة القديمة التي تقول إن البشر كانوا أبناء القمر وكان الانسان يتشكل من رأسين وأربع أيدي وأربع أرجل ثم شطرته الآلهة إلى شطرين تحسبا .
ترد الكتابة عن فكرة الانشطار في الصفحات ٣٦ و ١٥٦ و ١٧٧ ، وربما تكون وردت في صفحات أخرى .
في ص٣٥و٣٦ سرد عن مكتبة البيت التي احتوت غالبا كتبا تراثية مثل " العقد الفريد " و" زهر الآداب " و " كليلة ودمنة " وثمة اقتباس من الأخير ، وهنا ثمة سرد عن " الكتيبات الإنجليزية " التي كانت ميا قد اشترتها من " مكتبة العائلة في مسقط قبل أن تتزوج ، لا أحد يستطيع قراءتها ، لكن ميا دأبت على تصفحها " - مع أن ميا لا تتقن الإنجليزية وإن عرفتها ، ولكنها معجبة بالانجليز ، ولذا سمت ابنتها البكر لندن لا سالمة .
تتصفح أسماء الكتب وتقلب الوريقات القليلة التي بقيت من كتاب لا تعرف اسمه و آثرت إبعاده عن الكتب التالفة وتقرأ النص الذي حفظته رغم أنها لم تفهمه تماما : " وزعم بعض المتفلسفين أن الله جل ثناؤه خلق كل روح مدورة الشكل على هيئة الكرة ثم قطعها أيضا فحمل في كل جسد نصفا ، وكل جسد لقي الجسد الذي فيه النصف الذي قطع من النصف الذي معه كان بينهما عشق للمناسبة القديمة ، وتتفاوت أحوال الناس في ذلك على حسب رقة طباعهم " .
الوريقات في كتاب انجليزي فهل وردت الفقرة المقتبسة فيه ؟
في ص١٥٥ وما بعدها سرد عن زواج أسماء وعرسها يذكر أمها سالمة بعرسها هي .
تتأمل أسماء عينيها في المرآة وتختلج في ذهنها فكرة أنها على وشك أن تتحد بشطرها المفصول عنها منذ بدء الخليقة ، وأنها استعادت نصها المفضل عن كون الناس أشطارا مقسومة ، فلا يرتاح كل شطر ويكتمل حتى يتحد بشطره الآخر " ، وخين تتزوج وتقيم مع خالد في بيت وتكون في لحظة انسجام يأتيان على الفكرة نفسها ويقول خالد إن النص ورد في كتاب عربي قديم " لعله طوق الحمامة " وتهمس أسماء لخالد :
" وأنا شطرك المنفصل عنك " .
إن تكرار هذه الفكرة دفعني للتفكير في علاقات الشخصيات في الرواية ببعضها وفي ظاهرة الاتصال والانفصال ، وإلى التساؤل عن مدى صحة الفكرة .
لقد لاحظت أن العلاقات بين كل اثنين يلتقيان تنتهي غالبا بالانفصال . خولة/ناصر و ظريفة/حبيب و لندن/ أحمد و أن كثيرا من العلاقات التي ظلت قائمة شكليا كانت علاقات نفور وهجران مثل علاقة عزان بزوجته سالمة ، وحتى علاقة ميا بزوجها لم تقم على الحب ، فالنصف الآخر الذي رغبت ميا فيه هو علي بن خلف .
الموضوع يستحق أن يفكر فيه أكثر .
٢٣حزيران ٢٠١٩
١٤
ملل القراء :
أوحى لي بعض القراء بأنهم شعروا بالملل من كتابتي عن رواية جوخة الحارثي " سيدات القمر " .
مع أنني لم أكتب عن بنية الزمن وطريقة السرد وأحاول ربط الرواية بالواقع الفلسطيني ؛ الاجتماعي والأدبي ، إلا أنني ألحظ عدم رغبة قسم من القراء في متابعة الكتابة .
شخصيا أجرب طريقة جديدة في نقد الأعمال الأدبية لا تعرفها الساحة الأدبية العربية ، ومن ناحية ثانية أواصل طريقة طه حسين في نقل الأدب من قاعات المحاضرات إلى خارج أسوار الجامعة ، ثم إنني في هذا الفصل أكتب ما أقوم بتحضيره لمساق ماجستير .
إن الكتابة اليومية هي نوع من التحضير لما ألقيه على طلاب المساق الأربعة ولذلك أذكر أسماءهم كما لو أنني أرسل لهم المادة .
معتصم غوادره أبو عيد نوال الستيتي Asma'a Al-Hashem Enshirah Insherah Yousef .
إن الكتابة تخصهم أيضا ، فهي استكمال لما ألقيه عليهم وأناقشهم فيه ، ثم إنهم ينبهونني إلى هفوات أقع فيها .
الكتابة هذه مشروع كتاب أصلا وقد يكون عنوانه " ثلاثة روائيين عرب : النقد الجديد النقد الفيسبوكي .
Khoury Elias Waciny Laredj و جوخة الحارثي مثالا ، وقد أضيف اسما رابعا هو علي المقري Ali Al Muqri
عسى ولعل .
- الياس خوري ، أولاد الغيتو ، نجمة البحر .
- واسيني الأعرج ، مي، ليالي ايزيس كوبيا
- جوخة الحارثي " سيدات القمر "
- علي المقري " حرمة " .
٢٣ حزيران ٢٠١٩
١٥
الست كورونا :
إغلاق عابر ( ٤ )
ازدادت أعداد المصابين فقلت أيام الإغلاق واقتصرت على يومين يقيدان حركة السكان ، وظلت المساجد والصالات العامة والمقاهي والنوادي مغلقة إلى أمد .
أمس لم أخرج من البيت إلا في الثامنة مساء ، فقد بقيت أراقب العمال الذين واصلوا " زفزفة " واجهتين من واجهات عمارة العائلة التي أقيم فيها ، وقد رأى ابن أخي أن يكتب على مدخلها عبارة " مملكة آل الاسطة " فحمدت الله أن شقتي لها مدخل خاص .
مملكة " آل الاسطة " ولقد ابتسمت كثيرا ، علما بأن أبي منذ كان شابا في يافا كان يلقب ب " الملك " وكأن أبي شابا وسيما وله - رحمه الله - صديقات يهوديات تغنين به ولم يتغن بهن - خلافا لمحمود درويش - وغالبا ما كان يردد أغاني عبرية تغنيها فتاة .
أمس استغللت الإغلاق الشامل لأنظف ، ما استطعت ، بقايا علقت بالدرج والساحة وتناولت بقايا طعام بائت ، وأدركت أن السلطة الفلسطينية التي أنشأت صندوق " وقفة عز " لمساعدة المتضررين من سياسة الإغلاق قررت مبلغ ال ٧٠٠ شيكل بعد دراسة عميقة تهدف فيما تهدف إليه تعليم الناس الاقتصاد في العيش ؛ لأن الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة ، وهذا لا ينطبق على المسؤولين الكبار وأبنائهم فلكي يفكروا جيدا يجب أن " يتبحبحوا " أكثر من اللازم .
المقبلون على الزواج ما زالوا يخوضون في أمر زواجهم ويتساءلون عن فرحة العمر ومكان الاحتفال وتكاليف القاعة ، ويشكون من ارتفاع أجرة القاعات وما شابه .
من المؤكد أن مشهد الكمامات سيكون اليوم لافتا أكثر . إنه زمن الكمامات وإغلاق الصالات والقاعات والمتنزهات والمساجد - في أوروبا والعالم المسيحي تبدو الكنائس غالبا تصفر فيها الريح - وزمن منع التجمعات العامة .
صديقي أبو حسين طلب مني قبل ثلاثة أيام أن أعلمه إن تم عقد ندوات ثقافية حتى يحضر إليها .
آخر مؤتمر شاركت فيهما عقد في تشرين الثاني ٢٠١٩ ، وكان يفترض أن أشارك في آذار ٢٠٢٠ في مؤتمر جامعة الزيتونة ، وآخر ندوة تحدثت فيها كانت في شباط ٢٠٢٠ حيث تحدثت لأول مرة في متحف محمود درويش منذ تأسيسه ، وغالبا ما يكون الحضور بالمئات - دقوا على الخشب - ولذلك أعدهم على أصابع يدي وقد أحتاج إلى يد من يقدمني .
" موجة ومرت " يمكن القول عن إغلاق الكورونا الأخير
٢٣ حزيران ٢٠٢٠
١٦
ذاكرة أمس ٩٩ :
ثمة ( دون كيشوت ) فلسطيني أو إسرائيلي
لم أكترث أمس كثيرا لقطف العنب الذي فقدته قدر اكتراثي لعدم انتباهي . جلست ظهرا في باب الساحة أتأمل الجالسين ونهايات الدول ونسيت ظرف العنب أو أنه سقط من يدي . من المؤكد أنه مر في باب الساحة جنود دول كثيرة ؛ من الفرنجة إلى العثمانيين فالإنجليز فالعراقيين فالأردنيين فالإسرائيليين .
من كان من بين هؤلاء يقوم بدور ( دون كيشوت ) أم تراهم كلهم مثلوا هذا الدور واندحروا وبقي سكان المدينة ؟
في الحروب الفلسطينية الإسرائيلية منذ ١٩٤٨ حتى الآن ثمة ( دون كيشوت ) أيضا ، وثمة ( سانشو بانزا ) يضحك على سيده . وربما نسأل :
- من هو ( سانشو بانزا ) المعاصر ؟
اختار إميل حبيبي لبطله سعيد أبي النحس المتشائل نهاية تبعث على الضحك ، تجسدت في موافقته الجلوس على الخازوق . هل كان سعيد حقيقة أم خيالا ؟
غرفة الإعدام في عكا التي حولتها دولة إسرائيل إلى متحف لا تذكر العرب إطلاقا ، حتى الذين شنقهم الإنجليز فيها ، ما جعل إميل حبيبي يبدي دهشته أمام المسؤولين لهذا ، وما جعله يتساءل :
- من يكون سعيد أبو النحس المتشائل هذا ؟
وأنهى روايته بتساؤل ثان هو :
" فكيف ستعثرون عليه ، يا سادة يا كرام ، دون أن تتعثروا به؟"
مشيرا إلى تساؤلات القادة الصهيونيين عن وجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني وإنكارهم له .
خاض الفلسطينيون حتى الآن حروبا عديدة ولم ينجحوا في تحرير بلادهم ، وفي المقابل شنت دولة إسرائيل عليهم حروبا عديدة أيضا دون أن تهزم إرادتهم ، فلم يستسلموا ولم يرفعوا الأعلام البيض مقرين بالهزيمة النهائية .
هل يبدو الطرفان واهمين في حربهم التي لم تنته ؟
يخيل إلي أننا وهم معا لسنا مختلفين عن ( دون كيشوت ) ، فكلانا يعيش في الماضي يريد أن يبعثه من جديد . الإسرائيليون يريدون بعث الهيكل ودولة يهودية خالية من العرب ، والفلسطينيون ينتظرون اللحظة لرؤية السفن تقل ستة ملايين يهودي إلى أوروبا وأمريكا ، وأوروبا وأمريكا تضم في أراضيها مسلمين ويهودا ومسيحيين وبوذيين وهندوسا ولادينيين و... .
من منا ، نحن واليهود ، سيكون ( سيرفانتيس ) عصره ويكتب لنا عملا كلاسيكيا عن ( دون كيشوت ) المعاصر ؟
انتهت الممالك الصليبة وانتهت الإمبراطورية العثمانية وغربت شمس الإمبراطورية البريطانية وفقدت المملكة الأردنية الهاشمية نصف مملكتها وخرج جنود دولة إسرائيل من مدن الضفة الغربية وقطاع غزة ولا شيء يبقى على حاله ، ومع ذلك تواصل إسرائيل الحرب من أجل دولة يهودية .
هل خطر ببالي أنني أنا هو ( دون كيشوت ) في علاقته بمحيطه ؟ أم أن محيطي هو ( دون كيشوت ) في تعامله معي ؟ ومن المؤكد أنني بعد سنة أو سنتين أو عشر سنوات سألقى مصير الدول والامبرطوريات . والفقرة الأخيرة هي من شر البلية حقا ، فمن أنا حتى أضع نفسي إلى جانب السابقين ؟
انتهت مباراة انجلترا وتشيكوسلوفاكيا بفوز الإنجليز وتصدر مجموعتهم . ترى هل أدرك الإنجليز أن الرياضة أجدى لهم من الاستعمار ؟ فمتى ستدرك إسرائيل هذا ؟
٢٣ حزيران ٢٠٢١
عادل الاسطة
١٧
غزة ٢٦١ :
مجزرة مخيم الشاطيء أمس
قبل يومين نعت رئيس الوزراء الإسرائيلي جيشه بأنه الأكثر طهارة . نغمة ليست جديدة ، فغالبا ما كررها المسؤولون الإسرائيليون منذ عقود .
مثلا زعم رئيس الوزراء أنه مقابل كل مقاوم فلسطيني قتل قتل مواطن فلسطيني فقط .
أمس أرادت القوات الإسرائيلية اغتيال قائد بارز في كتائب القسام وكانت النتيجة أن ارتقى ٤٨ مواطنا إن لم يزدادوا .
لماذا يقتلنا الإسرائيليون بهذه الوحشية ؟ لماذا يسترخصون أرواحنا ؟
أقرأوا الفقرة الآتية من رواية ( يزهار سميلانسكي ) " خربة خزعة " ١٩٤٩ :
" لا أعرف لماذا تملكني شعور بالوحدة المقيتة فجأة . كان من الأفضل لو أنني تركت كل شيء في تلك اللحظة وذهبت إلى البيت . المعارك . العمليات . المهمات . كانت كلها غريبة عني ، وكل أولئك العرب القذرون ، المتسللون لإحياء نفوسهم القاحلة في قراهم المهجورة ، أصبحوا مقيتين مقيتين إلى حد الغضب ، فما الذي نريده منهم ؟ أي دخل لنا ؟ لشبابنا وأيامنا العابرة بقراهم المملة المبققة المقفرة الخائفة ... "
هل استمر في الاقتباس ؟
الصورة إياها ترد أيضا على لسان الضابط والجنود في رواية عدنية شبلي " تفصيل ثانوي " ٢٠١٧ .
من المؤكد أن المهتم بالعلاقة بين الأدبين سيقارن بينهما .
كما لو أن سبعين عاما تفصل بين الروايتين لم تفعل شيئا ، علما بأن الزمن الروائي لكلتيهما هو الزمن نفسه ، ولكن الزمن المختلف هو الزمن الكتابي .
كان الله في عون أهل قطاع غزة وفي عون أهل الضفة الغربية وقد نقول بعد ٤٨ ساعة : وكان الله أيضا في عون أهل لبنان . هل ستقع الحرب في الشمال الفلسطيني ؟
لا بد من مشاهدة فيلم رومانسي حتى نهرب من الكوابيس ومن نظرات بدر دحلان وجحوظ عينيه .
٢٣ / ٦ / ٢٠٢٤
١٨
غزة 626 :
أي جبن هذا ؟
أدرجت للتو على جدار صفحتي شريط فيديو للمتحدث الإسرائيلي باللغة العربية ( أفيخاي درعي ) وهو يتجول في حي من أحياء تل أبيب دمرته الصواريخ الإيرانية .
يتساءل ( أفيخاي ) :
- أي جبن هذا الذي يرتكبه الإيرانيون ؟
إنهم - أي الإيرانيين - يقصفون الأحياء المدنية . يقصفون المدارس والمستشفيات ويقتلون المدنيين . قصف حقير بلا شرف . بلا أخلاق . بلا رجولة .
الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، وهي إسرائيل ، قصفت المدن والمخيمات والمشافي والمدارس في قطاع غزة بالورود والأزهار والرياحين و وأسقطت على أهلها ومن فيها الحلويات والفواكه المجففة والتمور ، ومن يقارن منظر الحي التل أبيبي بمدن ومخيمات قطاع غزة يرى الفارق بين السلوك الهمجي الإيراني والسلوك الحضاري الإسرائيلي .
الشرق لا يعرف سوى التدمير وتحويل الجنة إلى صحراء ، بخلاف الغرب الذي يحتل ليعمر ويحول الصحراء إلى جنة ، ولهذا اختار لنفسه كلمة " استعمار " .
عندنا مثل يقول " أسمع كلامك أصدقك أشوف فعايلك أتعجب " .
منذ بداية طوفان الأقصى دمرت إسرائيل ما يقارب ال ٨٠ بالمائة من المباني السكنية والمشافي والمدارس في قطاع غزة وشردت مليوني مواطن أقاموا ، حتى اللحظة ، في الخيام .
هل يرى ( أفيخاي ) ما يلم بأهل قطاع غزة يوميا وهم ذاهبون إلى مركز توزيع المساعدات للحصول على الطحين وبعض المعلبات ؟
يوميا يقتل العشرات ويجرح المئات و ... .
عاشت دولة إسرائيل دولة ديموقراطية وحيدة في هذا الشرق البائس !
وماذا سنكتب بعد ؟
صار الحنين إلى الماضي البسيط الفقير هاديء البال نوعا ما يظهر في بعض أشرطة فيديو يدرجها الغزيون . اليوم مثلا أدرج أحدهم صورة لصحني فول وحمص وبعض أقراص فلافل وعدة أرغفة وشرائح خيار وبندورة وكتب :
- من يصدق أن هذا كان بعشرة شواكل فقط ؟
النازحون في الخيام يشوون فيها ، وأب يودع اليوم أبناءه الثلاثة معا . ذهبوا ليتفقدوا بيتهم في بيت لاهيا ، فاصطاد الرجل الأبيض الهنود الحمر .
حالة تعبانة يا زبيبة !
٢٣ / ٦ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى