الإصلاح بين الإرادة الشعبية وضغوط المتطلبات الخارجية

الإصلاح بين الإرادة الشعبية وضغوط المتطلبات الخارجية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم يعد الحديث عن الإصلاح في الحالة الفلسطينية ترفاً سياسياً أو شعاراً إدارياً، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها تحديات داخلية متراكمة وظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد. غير أن أهمية الإصلاح لا تكمن في الإقرار بالحاجة إليه، وإنما في تحديد هويته ومنطلقاته وأهدافه، والإجابة عن سؤال جوهري: هل الإصلاح الجاري يستجيب للإرادة الشعبية الفلسطينية، أم أنه يأتي استجابة لضغوط واشتراطات خارجية فرضتها المؤسسات المالية والدول المانحة؟

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل ما يعيشه الشعب الفلسطيني من حرب مفتوحة على وجوده الوطني، سواء في قطاع غزة الذي يواجه كارثة إنسانية غير مسبوقة، أو في الضفة الغربية والقدس التي تتعرض لتصعيد استيطاني وتهجير ممنهج، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الفلسطيني أخطر مراحله نتيجة سياسات الاحتلال الإسرائيلي القائمة على احتجاز أموال المقاصة، وتقييد الحركة والتجارة، واستهداف مقومات الاقتصاد الوطني.

وفي ظل هذه الظروف، لا يجوز اختزال مفهوم الإصلاح في إجراءات مالية أو إدارية أو ضريبية، لأن الإصلاح الحقيقي في ظل الاحتلال يختلف جذرياً عن الإصلاح في الدول ذات السيادة الكاملة. فهو يرتبط أولاً بقدرة النظام السياسي على تعزيز صمود المواطنين، وحماية الحقوق، واستعادة الثقة، وتوحيد الجبهة الداخلية، وإعادة بناء المؤسسات على أسس المشاركة والشفافية وسيادة القانون.

لقد أصبح واضحاً أن جزءاً كبيراً من برامج الإصلاح المطروحة يتركز على إعادة هيكلة القطاع العام، وخفض النفقات، وفرض رسوم وضرائب مباشرة وغير مباشرة، وتقليص الالتزامات المالية للحكومة، وهي إجراءات قد تحقق أهدافاً مالية قصيرة الأمد، لكنها في المقابل تفرض أعباء إضافية على المواطن الذي يواجه أصلاً أوضاعاً اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة.

ولا يمكن اعتبار تحميل المواطن كلفة الأزمة الاقتصادية إصلاحاً بالمعنى الحقيقي، لأن جوهر الإصلاح يقوم على تحسين جودة الإدارة العامة، وتعزيز الإنتاج الوطني، ومكافحة الفساد، وترشيد الإنفاق، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وليس الاكتفاء بزيادة الإيرادات من جيوب المواطنين.

إن الإصلاح الذي ينطلق من اشتراطات خارجية دون توافق وطني واسع يظل إصلاحاً ناقصاً، لأنه يفتقر إلى الحاضنة الشعبية التي تمنحه الشرعية والاستدامة. فالإصلاح ليس برنامجاً محاسبياً، وإنما عقد اجتماعي جديد يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمواطن، ويعزز الثقة بالمؤسسات، ويضمن المشاركة في صنع القرار.

ومن هنا فإن غياب الحوار الوطني الشامل، واستمرار تعطيل أدوات الرقابة والمساءلة، وتأجيل تجديد الشرعية السياسية، كلها عوامل تحد من قدرة أي برنامج إصلاحي على تحقيق أهدافه، مهما بلغت دقته الفنية أو حظي بدعم خارجي.

ومن الناحية القانونية، فإن الإصلاح يجب أن يستند إلى أحكام القانون الأساسي الفلسطيني، الذي يكرس مبادئ سيادة القانون، والمساواة، وحماية الحقوق والحريات، كما ينبغي أن ينسجم مع الالتزامات الدولية لفلسطين، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يوجب على السلطات العامة حماية الفئات الأكثر ضعفاً، وعدم تحميلها أعباء اقتصادية غير متناسبة مع قدرتها على الاحتمال.

أما اقتصادياً، فإن الأزمة الفلسطينية ليست وليدة سوء الإدارة وحده، بل هي نتاج مباشر لاستمرار الاحتلال وسيطرته على الموارد والمعابر والحدود، الأمر الذي يجعل أي إصلاح اقتصادي حقيقي مرهوناً أيضاً بخطة وطنية تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي، ودعم الزراعة والصناعة، وتشجيع الاستثمار، وتقليل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات المالية المتكررة.

ولا يمكن فصل الإصلاح عن المشروع الوطني الفلسطيني. فالإصلاح الذي لا يترجم إلى تعزيز صمود المقدسيين، وحماية الأغوار، ودعم المخيمات، وإنقاذ قطاع غزة، وتمكين المواطنين من البقاء على أرضهم، يفقد أحد أهم أبعاده الاستراتيجية. فالمواطن الفلسطيني هو خط الدفاع الأول عن المشروع الوطني، وأي سياسات تزيد من معاناته الاقتصادية أو تدفعه إلى الهجرة أو الإحباط، تصب في نهاية المطاف في خدمة أهداف الاحتلال.

إن المرحلة الراهنة تتطلب رؤية إصلاحية وطنية شاملة تقوم على تجديد الشرعية السياسية، وترسيخ سيادة القانون، واستقلال القضاء، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإطلاق حوار وطني جامع، وإعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية، وربط كل برامج الإصلاح بهدف حماية الإنسان الفلسطيني وتعزيز صموده.

إن الإصلاح الذي يفرضه الخارج قد يحقق رضا المانحين، لكنه لن يحقق بالضرورة رضا المواطنين، ولن يبني دولة قادرة على مواجهة تحديات المرحلة. أما الإصلاح الذي تنطلق أولوياته من الإرادة الشعبية، ويوازن بين متطلبات الإدارة الرشيدة والعدالة الاجتماعية، ويضع المواطن في صلب العملية الإصلاحية، فهو وحده القادر على إعادة بناء الثقة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ مقومات الدولة الفلسطينية المنشودة.

واليوم، وفي ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من تحديات مصيرية، فإن الحاجة ليست إلى إصلاحات شكلية أو استجابة لإملاءات خارجية، بل إلى مشروع إصلاح وطني مستقل، يجعل الإنسان الفلسطيني محور السياسات العامة، ويصون كرامته، ويعزز صموده، ويهيئ المؤسسات الوطنية لمرحلة التحرر وبناء الدولة، باعتبار أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإرادة الشعبية، وينتهي بتحقيق المصلحة الوطنية العليا، لا بإرضاء مؤشرات المانحين أو الاستجابة لضغوطهم.

[email protected]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى