حسام الدين فياض - الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟

" تتقدم المجتمعات عندما تمتلك من الشجاعة الفكرية ما يكفي لمساءلة واقعها، لأن كل نهضة حقيقية تبدأ بسؤال جريء يفتح أبواب المراجعة، ويحرر العقل من الاطمئنان إلى ما اعتاده، ويمنح المعرفة دورها في بناء المستقبل لا في تبرير الحاضر " (الكاتب).

تمثل الحقيقة نقطة الانطلاق في أي بحث سوسيولوجي جاد، لأنها الغاية التي تمنح المعرفة معناها، لا الأداة التي تستخدم لإرضاء الجمهور أو كسب تأييده. فالباحث النقدي لا يعمل على إنتاج خطاب ينسجم مع الأهواء السائدة، ولا يسعى إلى تأكيد القناعات المسبقة، وإنما ينشغل بكشف البنى العميقة التي تنتج الظواهر الاجتماعية، حتى وإن جاءت نتائجه صادمة أو غير مريحة. ولهذا فإن وظيفة الباحث لا تتمثل في حمل الناس على الإيمان بما يكتب، بل في تقديم تفسير علمي يفتح أمامهم إمكانية إعادة النظر في المسلّمات التي اعتادوا التعامل معها بوصفها حقائق نهائية.

ويؤكد علم الاجتماع النقدي أن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس غياب المعلومات، بل هيمنة التصورات التي تتحول مع الزمن إلى يقين جماعي لا يخضع للمساءلة. ففي كثير من الأحيان تنتج السلطة، والإعلام، والعادات، والمصالح شبكات من المعاني تجعل الناس ينظرون إلى الواقع كما يراد لهم أن يروه، لا كما هو في حقيقته. وهنا تتجلى أهمية الباحث السوسيولوجي، لأنه لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يسائل مصادرها، ويحلل آليات إنتاجها، ويكشف المصالح الكامنة خلفها، ويعيد وضع ما يبدو طبيعياً داخل سياقه التاريخي والاجتماعي. لذلك لا تقاس قيمة البحث العلمي بقدرته على صناعة الإجماع، وإنما بقدرته على تحريك العقل النقدي وإثارة الأسئلة التي يخشاها الوعي السائد.

ويظل المجتمع أكثر قدرة على التطور عندما يحمي استقلال الباحث، ويمنح المعرفة حقها في النقد دون أن يشترط عليها أن تكون مطابقة للرغبات العامة أو للمواقف السياسية والثقافية المهيمنة. فالحقيقة العلمية لا تفرض نفسها بالإكراه، ولا تحتاج إلى التصفيق كي تكتسب مشروعيتها، وإنما تستمد قوتها من الأدلة، ومن صرامة المنهج، ومن قدرتها على تفسير الواقع بموضوعية. ولهذا فإن الباحث السوسيولوجي يؤدي رسالته كاملة عندما يضع الحقيقة أمام المجتمع بصدق وأمانة، ويترك للأفراد حرية قبولها أو رفضها أو مناقشتها، لأن وظيفة العلم أن ينير طريق الوعي، أما قرار السير في ذلك الطريق فيبقى مسؤولية المجتمع نفسه.

خلاصة القول، إن تقدم المجتمعات لا يتحقق بتكديس الدراسات، ولا بكثرة المفاهيم والنظريات، بل بامتلاك الشجاعة العلمية التي تجعل المعرفة قادرة على ملامسة الواقع كما هو، لا كما يرغب الناس في رؤيته. لذلك، اجعلوا من علم الاجتماع مشروعاً دائماً لتشخيص مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات، وللكشف عن أشكال التزييف الاجتماعي والسياسي قبل أن تستقر في الوعي الجمعي بوصفها حقائق لا تقبل النقاش. لا تنشغلوا بتبرير الواقع أو التكيف معه، بل انشغلوا بفهمه، وتفكيك بنياته، وكشف تناقضاته، واقتراح البدائل التي تعيد للإنسان حريته وكرامته وقدرته على الفعل. فالمجتمعات لا تتقدم لأن مشكلاتها أقل من غيرها، وإنما لأنها تمتلك باحثين يرفضون تحويل الأخطاء إلى مسلمات، ويرفضون الصمت عن الاختلالات مهما بلغت كلفة قول الحقيقة. وعندما يصبح الباحث السوسيولوجي حارساً للوعي لا موظفاً لدى الإيديولوجيا، وشريكاً في بناء المستقبل لا شاهداً محايداً على تراجع الحاضر، تتحول المعرفة من أرشيف للأفكار إلى قوة اجتماعية تصنع الإصلاح، وتمنح المجتمع القدرة على مراجعة ذاته، وتصحيح مساره، وبناء مستقبل يقوم على النقد المسؤول، لا على تكرار الأوهام أو إعادة إنتاجها.

---------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى