الدكتور زهير شاكر - اغتيال الفكر المبدع بين فوضى الادعاء وصراع الوعي

في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني، لا يكون الصراع الحقيقي بين فكرٍ وآخر بقدر ما يكون بين وعيٍ يُنتج المعرفة، وبيئةٍ تُحسن استقبالها أو تُسيء فهمها. وفي زمنٍ تتسارع فيه المعلومات وتتداخل فيه الأصوات، تتشكل حالة معرفية مضطربة تُربك ميزان التمييز بين الفكر الأصيل وبين الادعاء، وبين الإبداع الحقيقي وبين الضجيج العابر.
إنّ ما نشهده اليوم من تراجعٍ في حضور الفكر المبدع لا يعود بالضرورة إلى غيابه، بل إلى تحوّل الفضاء العام إلى مساحة مفتوحة تتجاور فيها المعرفة العميقة مع الخطاب السطحي، والعلم المنهجي مع الانطباع السريع. وفي مثل هذا السياق، لا يُقصى الفكر المبدع بإعلان صريح، بل يُهمَّش تدريجيًا تحت ضغط الاستسهال، وكثرة المتحدثين، وغياب المعايير الصارمة للتمييز المعرفي.
ومن الظواهر التي تفرض نفسها في هذا السياق ما يمكن تسميته بـ“مدّعي المعرفة”، وهم أولئك الذين يمتلكون حضورًا إعلاميًا أو لغويًا أكبر من امتلاكهم للعمق العلمي أو المنهجي. غير أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في وجودها فحسب، بل في قابلية بعض البيئات الثقافية لتضخيمها، حتى تغدو الأصوات العالية بديلاً عن الأصوات العميقة.
وفي المقابل، فإن توصيف الواقع بلغة التعميم الحاد أو الإدانة المطلقة لا يساهم في فهم الظاهرة بقدر ما يحجب أسبابها البنيوية. فالمسألة ليست صراعًا بين “فئات” بشرية متناقضة، بل هي اختلال في منظومة إنتاج المعرفة وتداولها، حيث تتراجع أدوات النقد العلمي لصالح الاستهلاك السريع والانبهار اللحظي.
إنّ أخطر ما يواجه الفكر المبدع اليوم ليس “العداء المباشر”، بل البيئة التي لا تمنحه الوقت الكافي للنضج، ولا تملك الأدوات الكافية لفرز قيمته. فالإبداع يحتاج إلى منظومة تحميه: تعليمٌ نقدي، وإعلامٌ مسؤول، ومجتمعٌ يقدّر العمق لا الضجيج.
ومن هنا، فإن مواجهة هذا الواقع لا تكون بتصعيد لغة الإدانة، بل بإعادة بناء الوعي الجمعي على أسس التمييز بين المعرفة الحقيقية والادعاء، وبين الفكرة التي تُنتج أثرًا مستدامًا، والكلمة التي تستهلك لحظة حضورها فقط.
وفي النهاية، فإن الفكر المبدع لا يُغتال بالخصومة المباشرة، بل يُضعف حين تفقد المجتمعات قدرتها على التمييز بين ما يُقال وما يُنتج، بين ما يُسمع وما يُبنى عليه مستقبل. لذلك تبقى مسؤولية النخب الفكرية والتربوية والإعلامية هي استعادة معيار القيمة، وإعادة الاعتبار للفكر بوصفه مشروعًا للوعي لا مجرد خطابٍ عابر في زمن الضجيج.


الدكتور زهير شاكر


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى