د. حسام الدين فياض - احترام مشاعر الآخر مرآة لمكانة الإنسان فينا

" طريقة تعاملك مع مشاعر الآخر تكشف مقدار احترامك لإنسانيته، فالمشاعر لغة صامتة لا يجيد قراءتها إلا من يدرك قيمة الإنسان في داخله، وفاقد الشيء لا يعطيه " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح أهمية مراعاة المشاعر والاحترام في بناء العلاقات الإنسانية، وبيان كيف يظهر الاحترام في السلوك اليومي وطريقة التعامل مع الآخرين، وما يترتب على ذلك من وعي بالعلاقة ونضج في التعامل داخل الحياة المشتركة.

يظهر احترام الإنسان للآخر في تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تكشف كثيراً عن طبيعة العلاقة وموقع كل طرف فيها. ومن أكثر هذه التفاصيل دلالة طريقة التعامل مع المشاعر، لأنها المساحة الأقرب إلى الإنسان والأكثر تعرضاً للتأثر بكلمة أو موقف أو تجاهل. ومن يستهين بما يؤلمك، أو يتعامل مع حزنك وكأنه أمر ثانوي، يكشف، من حيث لا يقصد، عن نمط أوسع في نظرته إليك. فالعناية بالمشاعر ليست مجاملة عابرة، بل صورة من صور الاعتراف بالآخر وقيمته وحدوده الإنسانية.

يتعامل الإنسان مع مشاعر من حوله وفق ما اكتسبه من خبرات وقيم وأنماط في التنشئة الاجتماعية. لذلك تختلف القدرة على الإصغاء والاحتواء من شخص إلى آخر، غير أن الاختلاف في التعبير لا يبرر الاستهانة بالأذى. قد يعجز المرء عن فهم كل ما يشعر به الآخر، لكنه يستطيع أن يدرك أن وراء الصمت ألماً، وأن وراء الانزعاج سبباً يستحق الإصغاء. عندئذ تتجلى قيمة النضج في العلاقات، فالمسألة ليست أن يشعر الإنسان بما يشعر به غيره، بل أن يمنح مشاعره مساحة من الاحترام حتى عندما لا يفهمها كاملة.

وتزداد دلالة ذلك في العلاقات التي يفترض أن تقوم على الثقة والقرب. فالإنسان لا يختبر اهتمام الآخر في لحظات الفرح وحدها، وإنما يختبره بصورة أعمق عندما يصبح التعامل مع ضعفه أو حساسيته أو انكساره جزءاً من الموقف. وحين يعتاد أحد الطرفين تجاوز مشاعر الآخر، تتغير طبيعة العلاقة تدريجياً، إذ يبدأ الطرف المتأذي في مراقبة كلماته، وإخفاء ما يزعجه، وتقليل توقعاته، ثم يتعلم أن يحتفظ بجزء من نفسه بعيداً عن العلاقة. عند هذه النقطة لا يكون التجاهل مجرد سلوك عابر، بل يصبح عاملاً يعيد تشكيل المسافة النفسية والاجتماعية بين الطرفين.

وتكشف هذه المسافة شيئاً أعمق من مجرد اختلاف في الطباع. فالعلاقات الإنسانية تستند، في جانب منها، إلى تبادل الاعتراف، وهذا الاعتراف يظهر في أن يرى الإنسان الآخر بوصفه شخصاً له إحساس وحدود واحتياجات، لا مجرد طرف يؤدي وظيفة في حياته. لذلك فإن من لا يبالي بمشاعرك في المواقف اليومية قد يجد صعوبة أكبر في مراعاة ما هو أكثر تعقيداً عندما تتداخل المصالح والمسؤوليات والحقوق. فطريقة الإنسان في التعامل مع التفاصيل الصغيرة غالباً ما تهيئ نمطه في التعامل مع القضايا الأكبر، لأن السلوك لا يبدأ من المواقف الكبيرة، وإنما يتشكل في العادات التي تتكرر حتى تصبح جزءاً من طبيعة العلاقة.

لذلك تصبح مراعاة المشاعر معياراً مهماً لفهم العلاقات، لا حكماً نهائياً على الأشخاص. فقد يخطئ الإنسان، وقد يسيء التقدير، وقد يتصرف بقسوة في لحظة انفعال، لكن الفارق يظهر في قدرته على مراجعة سلوكه حين يدرك أثره في الآخر. أما الاستمرار في التجاهل بعد وضوح الأذى، فينقل المسألة من مجرد سوء فهم إلى نمط من التعامل يحمل دلالة اجتماعية واضحة. فالعلاقة التي يشعر فيها أحد الطرفين أن مشاعره لا قيمة لها، تفقد بالتدريج أحد أهم شروط استقرارها، وهو الشعور بالأمان في التعبير عن الذات.

وفي نهاية المطاف، تبقى مراعاة المشاعر من أبسط صور المسؤولية الإنسانية، لأنها لا تحتاج إلى إمكانات كبيرة ولا إلى مواقف استثنائية، تحتاج إلى انتباه وإصغاء وقدر من الوعي بأن الإنسان قد يحمل داخله ما لا يظهر على ملامحه. وحين يدرك المرء ذلك، يصبح أكثر حرصاً في كلماته ومواقفه، وأكثر قدرة على بناء علاقات لا تقوم على الخوف من الأذى، بل على الثقة بأن الاختلاف لا يلغي الاحترام، وأن القرب لا يمنح أحداً حق الاستهانة بما يشعر به الآخر.

نصيحتي لك، اجعل لنفسك حضوراً يترك أثراً يتجاوز حدود العلاقة المباشرة، فالسلوك اليومي للأفراد يسهم بصمت في تشكيل المناخ الاجتماعي الذي يعيش فيه الجميع. واحرص أن تكون ممارساتك امتداداً لقيم تحترم الإنسان، وتصون كرامته، وتمنح الاختلاف مكانه الطبيعي في الحياة المشتركة. فالمجتمعات لا تبنيها القوانين والمؤسسات وحدها، بل تصوغها أيضاً التفاصيل التي تتكرر في علاقات الناس، حتى تتحول مع الزمن إلى ثقافة عامة. وما تزرعه في محيطك من احترام وإنصاف قد لا يظهر أثره فوراً، لكنه يشارك في تكوين مجتمع تصبح فيه الإنسانية ممارسة اجتماعية راسخة، لا مجرد قيمة نتحدث عنها.
------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى