العيباري عبدالمجيد (شيخ الملحون) - صيانة الذاكرة الوطنية من خطايا "الموسوعة " الى تعثر نستالجيا الملحون"

لا يمكن الحديث عن مواطنة حقة وفعلية دون استحضار الذاكرة الثقافية والأدبية التي تشكل الوجدان المشترك للأمة؛ فالتراث الأدبي ليس مجرد شواهد من الماضي أو ترف فكري للاستهلاك المناسباتي، بل هو الدعامة الأساسية التي تُبنى عليها الهوية الوطنية، والروح النابضة التي ترسخ قيم الانتماء والاعتزاز بالذات لدى الأجيال المتعاقبة. وحين يمتد الإهمال أو العبث إلى هذا التراث، فإن الأمر لا يتوقف عند حدود الإساءة للفن، بل يتحول إلى مساس مباشر بـ"الأمن الثقافي" وخلل بالمسؤولية الوطنية في صيانة معالم حضارتنا وصوت تاريخنا المشترك.
من هذا المنطلق، لم يكن اعتراف منظمة "اليونسكو" في دجنبر 2023 بإدراج شعر الملحون المغربي ضمن اللائحة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للإنسانية مجرد تشريف بروتوكولي؛ بل كان انتصاراً تاريخياً لجيل من الشيوخ، والناظمين، والباحثين الحقيقيين الذين فنوا أعمارهم في صيانة "ديوان المغاربة" وحمايته من الاندثار. هذا الاعتراف الدولي كان يفرض، بالضرورة، طفرة وطنية شاملة تخرج بالملحون من دائرة "المناسباتية" الضيقة إلى فضاء مأسسة علمية وتوثيق رصين يواكب هذه العالمية وضوابط المواطنة المسؤولة.

1783114824422.png

لكن، وكما هي العادة في كواليس المشهد الثقافي، سرعان ما تتحرك المصالح الضيقة ليقفز على واجهة الأحداث "دخلاء وسماسرة" لا تربطهم بالتراث إلا خيوط العلاقات الإدارية الممتدة داخل دهاليز الوزارات والأكاديميات. ومن رحم هذا التخبط، يبرز اليوم مشروع "أنطولوجيا الملحون" الجديد، ليعيد إلى الأذهان مسلسل الفضائح العلمية والتزوير التوثيقي الذي طال "موسوعة الملحون" السابقة الصادرة عن أكاديمية المملكة المغربية، مما يطرح علامات استفهام حارقة: إلى متى يستمر إقصاء أهل الذكر والتخصص؟
لغة الخشب الإدارية ومساسل التأجيلات
في تواصل مع بعض الجهات المشرفة على كواليس مشروع "الأنطولوجيا" الجديد، تُجابه التساؤلات المشروعة للمهتمين بلغة إدارية "خشبية" وجافة، تدعي أن العمل يسير بالتوازي مع المقتضيات الإدارية، وأن الصدور الرسمي تم تأخيره ليتزامن مع احتفالات الذكرى الخمسين لتأسيس الأكاديمية (بداية 2027).
لكن حقيقة الملف الصادمة تكشف أن حكاية "الذكرى الخمسين" ليست سوى شماعة وتبرير وليد اللحظة لمداراة سلسلة من الإخفاقات؛ فحسب مصادر مطلعة وثيقة الصلة بالكواليس، كان من المفروض تقديم هذا العمل وإخراجه للوجود في دجنبر 2024، غير أن الارتجالية فرضت تأجيله. ومجدداً، تمت برمجة المشروع ليرى النور في دجنبر 2025، ولقي نفس المصير من التعثر! واليوم، يُراد إقناع المهتمين بأن البرمجة الجديدة دُفعت إلى دجنبر 2026! هذا المسار الاستهلاكي للزمن لا يعكس تخطيطاً استراتيجياً، بل يوضح بالملموس حجم التذبذب والارتباط، وأن المسؤولين عن الملف في حالة هروب دائم إلى الأمام خوفاً من افتضاح ضعف المنجز.
الأرقام تصدمك حين تضعها في ميزان المقارنة التاريخية؛ فالمشروع الجاري طبخه في الكواليس المغلقة يهدف، بعد كل هذه التأجيلات، إلى تسجيل وإعداد قرابة 60 قصيدة فقط من عيون الملحون، في ظرف زمني يستهلك ثلاث سنوات كاملة من التماطل (من أواخر 2024 إلى غاية دجنبر 2026).
حين نستحضر تاريخ هذا الفن، نجد أن الراحل الأستاذ محمد الفاسي، في إطار مشروع "معلمة الملحون"، قد أحصى وجمع مئات الدواوين وآلاف القصائد (تتجاوز 5000 قصيدة) بإمكانيات ذلك الزمن البدائية وبجهد جهيد. فكيف لمؤسسات اليوم، بميزانياتها الضخمة، ولوجستيكها الحديث، وتدخلاتها النافذة، أن تعجز وتتأجل لثلاث سنوات متتالية من أجل إخراج جزء يسير لا يتعدى ستين قصيدة؟ الجواب يكمن في غياب الرؤية العلمية، وهيمنة منطق "الريع الثقافي" حيث يصبح تدبير الملفات حكراً على أشخاص يمتلكون شبكة معارف، بينما يفتقرون لأبسط الأدبيات المعرفية لـ"المرامة" و"القياس" وعلم العروض الخاص بهذا الفن الدقيق.
من الذاكرة: خطايا الموسوعة والتزوير العلمي
إن ما يعيشه الملحون اليوم من تخبط ليس وليد الصدمة، بل هو امتداد لتراكمات من الاستهتار العلمي؛ فقبل أشهر، رُفعت بيانات اعتراضية صريحة من باحثين متخصصين غيرةً على هويتنا، بعد أن اقتنوا "موسوعة الملحون" الصادرة عن الأكاديمية بمبالغ باهظة (1650 درهماً)، ليجدوا بين دفتيها تشويهاً وتزويراً يتنافى مع ميثاق الأمانة العلمية.
تلك الموسوعة حملت خروقات فادحة وقفت عليها لجان النقد والباحثون المغاربة بالأدلة الدامغة (وضمنها مراسلات رسمية وجهت للأكاديمية منذ ماي 2024 وظلت حبيسة الإهمال). ومن أبرز تلك الفضائح التوثيقية على سبيل المثال لا الحصر:
1. ديوان الشيخ إدريس بن علي (ص 396): نُسبت فيه قصيدة "ليلة القدر" إليه، بينما هي في الحقيقة روعة من روائع الشاعر الحاج أحمد سهوم ومثبتة في ديوانه (ص 327)، ومسجلة تاريخياً بصوت الحاج بن غانم في الإذاعة الوطنية سنة 1980.
2. ديوان سيدي قدور العلمي: أُقحمت فيه 12 قصيدة لا تعود إليه ونُسبت له دون وجه حق.
3. ديوان السلطان مولاي عبد الحفيظ: احتوى على قصائد معروفة لشعراء آخرين مثل "الفقيه العميري" نُسبت للسلطان زوراً، رغم أن تاريخ الملحون يعرف أن السلطان كان راعياً للشعراء وليس ناظماً لها.
هذا بالإضافة إلى الغياب التام للمنهج العروضي، والتلاعب بتوزيع الأشطر، وغياب أسماء الخبراء المتمكنين من لجان المراجعة والتحرير، مما حول الموسوعة العلمية إلى سرد أدبي مشوه. وبدل أن تستخلص الأكاديمية العبر وتفتح تحقيقاً علمياً نزيهاً، اختارت الاستمرار في نفس النهج الإقصائي عبر مشروع "الأنطولوجيا" الجديد.
سياسة الإقصاء والأخطب عزوط الثقافي
المفارقة الساخرة والمبكية في آن واحد، هي أن الشخصيات المهيمنة على مثل هذه المشاريع التراثية الكبرى غالباً ما تكون عابرة للتخصصات بقدرة قادر؛ فتجد أحدهم محسوباً على "رجل مسرح"، لكنه بقدرة العلاقات العامة يمتد كـ"أخطبوط ثقافي" تجده في الملحون، وفي المهرجانات الموسيقية، وفي اللجان العلمية، وهو لا يفرق في الملحون بين ميزان وميزان، ولا يعرف من قوافيه إلا ما تقع عليه عيناه في السطور.
هؤلاء "الدخلاء والمتسلطون" يعتمدون أسلوباً مزدوجاً في التعامل؛ يوزعون الابتسامات الصفراء وتحيات الصباح الروتينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي على الشيوخ والباحثين الحقيقيين، بينما يمارسون في الخفاء أشرس أنواع الإقصاء والتغييب لهم من التظاهرات الرسمية والمشاريع العلمية. والسبب واضح: حضور المتخصص الحقيقي والشاعر المتمرس يفضح جهل الدخيل، والتدقيق الأكاديمي الصارم يهدد "المصالح المالية والإدارية" التي تُطبخ في الغرف المغلقة.
واقع "أحلاهما مر" والأيام كشافة
أمام هذا الوضع المتذبذب والمزمن، يجد المشهد الثقافي المغربي نفسه اليوم أمام واقع مرير يلخصه المتابعون في خيارين، أحلاهما مر:
• الخيار الأول: إخراج هذه الأنطولوجيا أخيراً في موعدها المؤجل الجديد (2027)، ولكن "بِعللها ومصائبها وأخطائها العلمية والتوثيقية"، كمصير الموسوعة السابقة، نتيجة حتمية لتغييب الشيوخ وأهل التخصص الحقيقيين.
• الخيار الثاني: استمرار مسلسل التأجيلات إلى ما بعد 2026، مما يعرّي هدر المجهودات البشرية، وضياع الميزانيات المالية المرصودة دون أي طائل يذكر.
إن الكلمة الصادقة لا تحتاج إلى إذن كي تُقال، ولا إلى سلطة كي تبقى. نحن لا ندافع عن قصائد مغلوطة أو تسجيلات متعثرة فقط، بل عن غرس قِيَم مواطنة واعية تعتز بهوية وطنية وذاكرة ثقافية قرنية؛ فالملحون ليس تراثاً هامشياً أو غناء وتسلية، بل هو معجم لغتنا وسجل تاريخنا وعنوان حضارتنا المغربية الأصيلة، وحين نُساء في حفظه ونتركه لقمة سائغة في يد "سماسرة الثقافة"، فذلك إخلال بمسؤولية وطنية لا تُغتفر. من يملك سلطة القرار قد يُسكت الأصوات بالإقصاء، لكن لا يمكنه إخماد سلطة الحجة.. وسجلات التاريخ لا تُكتب بمنابر الحظوة، بل بما يُثبته التحقيق، ويميزه الزمن.





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى