ظل السرد الأردني لفترات يُقرأ من قبل مراكز النشر العربية الكبرى ضمن إطار المحلي الضيق أو ما يسمى " أدب الهامش و الأطراف " . وهو مصطلح يحمل دلالات نقدية واجتماعية وجغرافية، تشير إلى الأعمال الأدبية المنتجة بشكل موغل في المحلية الجغرافية بعيدا عن المركز وثقله . وقد ظلمت هذه القراءات كثيرا من الأعمال السردية الأردنية إذ بالغ أصحابها في التقليل من اتصال الهامش بالمركز ، لكن هذه النظرة انزاحت مع الزمن مع ظهور حركة أدبية أردنية ينطلق بعضها من العاصمة / المركز وبعضها من الأطراف والأقاليم ، يجمعها مشترك وعي كبير بفاعلية السرد وتأثيره مهما كان موقعه على الخريطة الأردنية . وفي ظل تشكل وعي جديد لدى السارد الأردني والمتلقي انعكس بالضرورة على النظرة النقدية ، أصبح التنوع الجغرافي المحلي الحاضن للإبداع الأدبي مقبولا وداعما لفكرة الصدق والعمق والبعد عن تنميط المركز وفرض ذائقة واحدة ورؤية متشابهة ، وهذا ما ميز السرد الأردني الحديث .
في هذ المقال سأحاول الاقتراب من الرواية الأردنية في عقودها الأخيرة لكشف التطور في الكتابة الروائية الأردنية من جهة والتحول في نظرة المحيط الأدبي والثقافي العربي لها .
لم تعد الرواية الأردنية تصنف ضمن الهامش أو المحلي الضيق، بل استطاعت عبر التراكمات الأدبية أن تصنع مركزها الخاص ، وتنطلق من الجغرافيا المحلية الموغلة في التاريخ وتتابع الحضارات عليها ،منفتحة على العالم والإنسان والمشترك .تجاوزت الرواية الأردنية التصنيفات الضيقة عبر ما قدمه المبدعون الأردنيون في مجال السرد والحكائيات لتثبت وجودها في المشهد الثقافي العربي والإنساني بفاعلية كبيرة . و قدمت خصوصية الجغرافيا الأردنية على امتدادها رافدا غنيا للسرد في الرواية والقصة والشعر أيضا ، وساهم تخييل المكان لدى كثير من الكتّاب الأردنيين في في إطلاق بصمة أردنية واضحة تنطلق نحو رحابة الأفق الإنساني . كان الروائي جمال ناجي ممن تعاملوا مع عمان / المركز برؤية "أنسنة " المكان التي حولت العاصمة إلى مركز ينفتح على الأطراف ويحتضن أفكارها ويصهرها في بوتقة المشترك الأردني ، واستطاع أيضا تصوير انفتاح المكان الأردني على المهاجر والوافد ( الغريب) وكيف استوعبت عمان الجغرافيا كل هذه الاختلافات التي يحمل كل منها صوته الخاص ، وأصبح الفضاء الفكري في هذه الجغرافيا مرنا قابلا لاحتواء الأفكار والعقول والآخر ، في ظل منعة الدولة بدا كل ما احتوته الجغرافيا الأردنية من تنوع في الأفكار قابلا للانصهار في فكرة الوعي والذائقة .
امتلك الأدباء الأردنيون قدرات إبداعية مكنتهم من تطويع الأسطورة لخدمة الفكرة الروائية ، منتجين لمفهوم جديد للمكان الأردني الذي يتجذر تاريخيا في الأرض وينطلق منها أدبيا وسرديا إلى أفق الاكتشاف ،وإذا كان المكان في المفهوم المتداول حدود تُحرس وتُصان ، فإنه يتحول في السرد الروائي الأردني الحديث إلى فضاء للذاكرة والإنسان لا تتصارع فيه الذات مع العالم بل تنطلق لاكتشافه والمساهمة في تشكيل وعيه . في أعمال مؤنس الرزاز تم هندسة المكان ليتحول من مجرد تفاصيل على الأرض إلى كائن يمور بالصراعات النفسية ويضج بالأسئلة من خلال ربط الذات / الإنسان بالعاصمة /المركز بوصفها فضاء لبحث أسئلة الهوية ، فعمان ليست مجرد شوارع وجبال وأزقة ودروب بل مرآة تعكس انكسارات الإنسان العربي، وتحتويها وتلامسها مستعينة بالتاريخ وضجيجه في الجغرافيا الأردنية الممتدة . في روايتيها " يحيى "و دفاتر الطوفان " قدمت الكاتبة الأردنية سميحة خريس صورة الجغرافيا التي تتجاوز الخرائط إلى الحكايات التي تصنع سردية مختلفة للأماكن تعتمد على المرويات الملحمية من خلال شخصية يحيى الكركي ، والمحفور في الذاكرة الحكائية الشعبية والبيوت القديمة بعد حادثة الطوفان عام 1938 ، وتفاصيل الجغرافيا العتيقة التي تعاند الاندثار فتتحدث وتشارك في صنع الحدث، هذا السرد وإن بدا محليا إلا أنه ينفتح على بعد إنساني عالمي في عدم الخضوع لمعايير تفرضها العولمة الجديدة على حساب هويات اليقين المتجذرة ، ولاحقا ظهر هذا الوعي في روايتها كايميرا 19 ، التي قدمت رؤية الذات من خلال ربطها بالأسطورة اليونانية لكائن هجين ، استعارت خريس رمزية الأسطورة لتوظفها في بعد روائي وسردي يكشف عن سيولة الإنسان والأفكار في ظل التحولات التي طرأت على العالم ، وفيها تتناول الروائية الأردنية شخصية تنطلق من جغرافيا عمان ومادبا ثم تعبر به الحكاية إلى مدن غريبة وجغرافيا مختلفة ، مستخدمة هذا التباين المكاني لإثارة أسئلة الفرد والجماعة من حيث : التمرد والهوية وتقلبات النفس البشرية وسط زخم من الأحداث الكونية التي تهز العالم مثل جائحة كوفيد .إذا تحدثنا عن مفهوم السردية الأردنية "أدبيا " فإننا نستدعي جهود من وضعوا اللبنات الأولى للسرد الأردني ، لأن الفراغ لا يصنع أثرا، ووجود الأثر التراكمي للمنجز الأدبي والثقافي الأردني لعقود خلت يشير إلى الرواد والأوائل الذين شغلتهم الجغرافيا كما شغلهم الإنسان المشتبك مع واقعه والعالم من حوله . ولا يمكننا الحديث عن السرد الأردني الحديث دون استحضار تيسير السبول الذي قفزت روايته " أنت منذ اليوم " على الأساليب السردية التقليدية ، وجربت الأدوات الإبداعية الحداثية في مجاولة للتوغل في علاقة الذات بالعالم ، والذات بالمكان سيما أنها جاءت في لحظة مفصلية من قلق فردي وجمعي مسكون بالوطن .
في الجيل اللاحق للرواد حاول السارد الأردني استيعاب ما يحدث حوله من تحولات اجتماعية وسياسية انعكست على الثقافة والسرد ، فكتب كثير منهم تحت مفهوم تفكيك الهوية وإعادة صياغتها في عالم متغير يسمح بالتأمل كما يسمح بالتعقيد ، قرأنا ذلك في أعمال جلال برجس وهزاع البراري وإبراهيم نصر الله وهاشم غرايبة ويحيى القيسي وغيرهم .
السردية الأردنية التي نوثقها ليست فقط سياسية أو جغرافية بالمفهوم التقليدي ، إنما هي تراكم إنساني لتغيرات الفرد والمجتمع ضمن الجغرافيا الأردنية من جهة والانفتاح على المشترك الذي يوحد الشعور الإنساني ، في هذه السردية الأدبية يقوم السرد بمفهومة الإبداعي بمهمة تحويل الشارع والحارة والزقاق والسوق والأرض المترقبة لمطر الموسم في القرى والمزارع والأحراش ، إلى " نص هوياتي " قابل للتأمل والفلسفة والتوثيق والمقروئية على مستوى المتلقي العربي. اليوم أثبتت أقلام المبدعين الأردنيين القدرة على المواءمة بين فكرة احتضان المكان والجغرافيا كتضاريس وتحولات عمرانية ،وبين مواجهة العالم وتحولات الهوية فيه ، وسيولة أفكاره والوقوف أمام موجة الرأسمالية الأدبية التي تريد تسليع آداب الشعوب وتراثها الفكري لصالح آلة الاقتصاد العالمي ، لقد تعلمنا ككتاب أردنيين أن المكان في نصوصنا يتعدى مفهوم جغرافيا الحجر والأرض إلى وصفه كائنا يتنفس ، ينمو لينفتح على ذاته والعالم مواكبا بوعي وإبداع يحفظ للمبدع الأردني جودة أدواته ، حيث يتحول المحراث في يد المزارع إلى أداة لتقليب الوعي في النصوص المسرودة ليأخذ السرد الأردني مكانه المستحق في الذاكرة الإنسانية والعالمية شاهدا موثوقا .
#زينب_السعود
#رواية_هاربة_من_ديزني_سيرة_الخزف_و_المهراس
#السردية_الأدبية_الأردنية
#وزارة_الثقافة_الأردنية
في هذ المقال سأحاول الاقتراب من الرواية الأردنية في عقودها الأخيرة لكشف التطور في الكتابة الروائية الأردنية من جهة والتحول في نظرة المحيط الأدبي والثقافي العربي لها .
لم تعد الرواية الأردنية تصنف ضمن الهامش أو المحلي الضيق، بل استطاعت عبر التراكمات الأدبية أن تصنع مركزها الخاص ، وتنطلق من الجغرافيا المحلية الموغلة في التاريخ وتتابع الحضارات عليها ،منفتحة على العالم والإنسان والمشترك .تجاوزت الرواية الأردنية التصنيفات الضيقة عبر ما قدمه المبدعون الأردنيون في مجال السرد والحكائيات لتثبت وجودها في المشهد الثقافي العربي والإنساني بفاعلية كبيرة . و قدمت خصوصية الجغرافيا الأردنية على امتدادها رافدا غنيا للسرد في الرواية والقصة والشعر أيضا ، وساهم تخييل المكان لدى كثير من الكتّاب الأردنيين في في إطلاق بصمة أردنية واضحة تنطلق نحو رحابة الأفق الإنساني . كان الروائي جمال ناجي ممن تعاملوا مع عمان / المركز برؤية "أنسنة " المكان التي حولت العاصمة إلى مركز ينفتح على الأطراف ويحتضن أفكارها ويصهرها في بوتقة المشترك الأردني ، واستطاع أيضا تصوير انفتاح المكان الأردني على المهاجر والوافد ( الغريب) وكيف استوعبت عمان الجغرافيا كل هذه الاختلافات التي يحمل كل منها صوته الخاص ، وأصبح الفضاء الفكري في هذه الجغرافيا مرنا قابلا لاحتواء الأفكار والعقول والآخر ، في ظل منعة الدولة بدا كل ما احتوته الجغرافيا الأردنية من تنوع في الأفكار قابلا للانصهار في فكرة الوعي والذائقة .
امتلك الأدباء الأردنيون قدرات إبداعية مكنتهم من تطويع الأسطورة لخدمة الفكرة الروائية ، منتجين لمفهوم جديد للمكان الأردني الذي يتجذر تاريخيا في الأرض وينطلق منها أدبيا وسرديا إلى أفق الاكتشاف ،وإذا كان المكان في المفهوم المتداول حدود تُحرس وتُصان ، فإنه يتحول في السرد الروائي الأردني الحديث إلى فضاء للذاكرة والإنسان لا تتصارع فيه الذات مع العالم بل تنطلق لاكتشافه والمساهمة في تشكيل وعيه . في أعمال مؤنس الرزاز تم هندسة المكان ليتحول من مجرد تفاصيل على الأرض إلى كائن يمور بالصراعات النفسية ويضج بالأسئلة من خلال ربط الذات / الإنسان بالعاصمة /المركز بوصفها فضاء لبحث أسئلة الهوية ، فعمان ليست مجرد شوارع وجبال وأزقة ودروب بل مرآة تعكس انكسارات الإنسان العربي، وتحتويها وتلامسها مستعينة بالتاريخ وضجيجه في الجغرافيا الأردنية الممتدة . في روايتيها " يحيى "و دفاتر الطوفان " قدمت الكاتبة الأردنية سميحة خريس صورة الجغرافيا التي تتجاوز الخرائط إلى الحكايات التي تصنع سردية مختلفة للأماكن تعتمد على المرويات الملحمية من خلال شخصية يحيى الكركي ، والمحفور في الذاكرة الحكائية الشعبية والبيوت القديمة بعد حادثة الطوفان عام 1938 ، وتفاصيل الجغرافيا العتيقة التي تعاند الاندثار فتتحدث وتشارك في صنع الحدث، هذا السرد وإن بدا محليا إلا أنه ينفتح على بعد إنساني عالمي في عدم الخضوع لمعايير تفرضها العولمة الجديدة على حساب هويات اليقين المتجذرة ، ولاحقا ظهر هذا الوعي في روايتها كايميرا 19 ، التي قدمت رؤية الذات من خلال ربطها بالأسطورة اليونانية لكائن هجين ، استعارت خريس رمزية الأسطورة لتوظفها في بعد روائي وسردي يكشف عن سيولة الإنسان والأفكار في ظل التحولات التي طرأت على العالم ، وفيها تتناول الروائية الأردنية شخصية تنطلق من جغرافيا عمان ومادبا ثم تعبر به الحكاية إلى مدن غريبة وجغرافيا مختلفة ، مستخدمة هذا التباين المكاني لإثارة أسئلة الفرد والجماعة من حيث : التمرد والهوية وتقلبات النفس البشرية وسط زخم من الأحداث الكونية التي تهز العالم مثل جائحة كوفيد .إذا تحدثنا عن مفهوم السردية الأردنية "أدبيا " فإننا نستدعي جهود من وضعوا اللبنات الأولى للسرد الأردني ، لأن الفراغ لا يصنع أثرا، ووجود الأثر التراكمي للمنجز الأدبي والثقافي الأردني لعقود خلت يشير إلى الرواد والأوائل الذين شغلتهم الجغرافيا كما شغلهم الإنسان المشتبك مع واقعه والعالم من حوله . ولا يمكننا الحديث عن السرد الأردني الحديث دون استحضار تيسير السبول الذي قفزت روايته " أنت منذ اليوم " على الأساليب السردية التقليدية ، وجربت الأدوات الإبداعية الحداثية في مجاولة للتوغل في علاقة الذات بالعالم ، والذات بالمكان سيما أنها جاءت في لحظة مفصلية من قلق فردي وجمعي مسكون بالوطن .
في الجيل اللاحق للرواد حاول السارد الأردني استيعاب ما يحدث حوله من تحولات اجتماعية وسياسية انعكست على الثقافة والسرد ، فكتب كثير منهم تحت مفهوم تفكيك الهوية وإعادة صياغتها في عالم متغير يسمح بالتأمل كما يسمح بالتعقيد ، قرأنا ذلك في أعمال جلال برجس وهزاع البراري وإبراهيم نصر الله وهاشم غرايبة ويحيى القيسي وغيرهم .
السردية الأردنية التي نوثقها ليست فقط سياسية أو جغرافية بالمفهوم التقليدي ، إنما هي تراكم إنساني لتغيرات الفرد والمجتمع ضمن الجغرافيا الأردنية من جهة والانفتاح على المشترك الذي يوحد الشعور الإنساني ، في هذه السردية الأدبية يقوم السرد بمفهومة الإبداعي بمهمة تحويل الشارع والحارة والزقاق والسوق والأرض المترقبة لمطر الموسم في القرى والمزارع والأحراش ، إلى " نص هوياتي " قابل للتأمل والفلسفة والتوثيق والمقروئية على مستوى المتلقي العربي. اليوم أثبتت أقلام المبدعين الأردنيين القدرة على المواءمة بين فكرة احتضان المكان والجغرافيا كتضاريس وتحولات عمرانية ،وبين مواجهة العالم وتحولات الهوية فيه ، وسيولة أفكاره والوقوف أمام موجة الرأسمالية الأدبية التي تريد تسليع آداب الشعوب وتراثها الفكري لصالح آلة الاقتصاد العالمي ، لقد تعلمنا ككتاب أردنيين أن المكان في نصوصنا يتعدى مفهوم جغرافيا الحجر والأرض إلى وصفه كائنا يتنفس ، ينمو لينفتح على ذاته والعالم مواكبا بوعي وإبداع يحفظ للمبدع الأردني جودة أدواته ، حيث يتحول المحراث في يد المزارع إلى أداة لتقليب الوعي في النصوص المسرودة ليأخذ السرد الأردني مكانه المستحق في الذاكرة الإنسانية والعالمية شاهدا موثوقا .
#زينب_السعود
#رواية_هاربة_من_ديزني_سيرة_الخزف_و_المهراس
#السردية_الأدبية_الأردنية
#وزارة_الثقافة_الأردنية