علي سيف الرعيني -| تمسك بصديقك الوفي !!

في كل مرحلة من مراحل الحياة نكتشف أن الناس ليسوا سواء فهناك من يقترب منك ما دامت مصلحته قائمة فإذا انتهت حاجته غاب وكأنك لم تكن يومًا جزءًا من حياته. وهناك من يشاركك لحظات الفرح، لكنه يتوارى عند أول اختبار. وبين هذا وذاك، يبقى الصديق الوفي عملة نادرة، تزداد قيمتها كلما ازدادت الحياة قسوة
وفيما أصبح العالم اليوم أكثر سرعة، وأكثر انشغالًا، حتى باتت العلاقات تُقاس أحيانًا بعدد الرسائل، وسرعة الردود، والمصالح المشتركة، لا بصدق المشاعر ولا بعمق الوفاء. تغيرت كثير من القيم، وضعفت الروابط التي كانت تجمع الناس، وأصبح البعض يبدّل أصدقاءه كما يبدّل عاداته، دون أن يدرك أن الصداقة الحقيقية لا تُبنى في يوم، ولا تُعوَّض بسهولة
الصديق الوفي ليس ذلك الذي يصفق لك عندما تنجح فحسب، بل هو الذي يقف إلى جانبك عندما تتعثر، ويصدقك حين يجاملك الآخرون، وينصحك عندما يراك تسير في طريق خاطئ، ويحفظ غيابك كما يحفظ حضورك. إنه الشخص الذي لا يتغير قلبه بتغير ظروفك، ولا تتبدل معاملته بتبدل مكانتك أو حالتك المادية
كم من إنسان ظن أن كثرة معارفه تعني كثرة أصدقائه حتى جاءت أزمة صغيرة، فاكتشف أنه كان محاطًا بالوجوه لا بالقلوب. وعندها فقط، أدرك أن صديقًا واحدًا وفيًا خير من مئات العلاقات العابرة التي تنتهي بانتهاء المصلحة
إن الوفاء إنما يقاس بالمواقف. فقد تعرف إنسانًا منذ أشهر قليلة، لكنه يثبت في الشدائد أكثر ممن عرفته سنوات طويلة. فالمواقف هي اللغة التي تكشف معادن البشر، وهي الميزان الحقيقي الذي يفرز الصديق من العابر، والمحب من المدّعي
لعل أخطر ما يهدد الصداقة في هذا العصر هو الانشغال الدائم، وسوء الفهم، وهيمنة العالم الرقمي على العلاقات الإنسانية. فكم من صديقين فرّقتهما كلمة لم تُفسر أورسالة لم تصل، أو كبرياء حال دون اعتذار بسيط كان كفيلًا بإعادة الدفء إلى العلاقة. لذلك فإن الحفاظ على الصديق الوفي يحتاج إلى اهتمام، وتواصل، وتسامح، وقدرة على تجاوز الهفوات الصغيرة
ومن الحكمة ألا نبحث عن الصديق الكامل، فالكمال ليس من صفات البشر. ابحث عن الإنسان الذي يخلص لك رغم نقصه، ويعترف بخطئه إذا أخطأ، ويفرح لنجاحك كما يفرح لنجاحه، ويحزن لألمك وكأنه ألمه. فهذا هو الكنز الحقيقي الذي لا يُشترى بالمال، ولا يُعوَّض مهما كثرت العلاقات.
إن المجتمعات القوية تُبنى أيضًا بروابط الثقة والوفاء والإخلاص. والصداقة الصادقة ليست علاقة بين شخصين فقط، بل مدرسة تُعلّم الوفاء، وتغرس الرحمة، وتمنح الإنسان سندًا نفسيًا يعينه على مواجهة تقلبات الحياة
بالاخير إذا كان في حياتك صديق وفي، فلا تفرّط فيه بسبب خلاف عابر أو سوء فهم مؤقت. حافظ عليه، واسأل عنه، وقدّر وجوده، وأخبره بين الحين والآخر أنه يعني لك الكثير. فالأيام تمضي، والوجوه تتغير والظروف تتبدل، لكن الصديق الحقيقي يبقى أحد أجمل النعم التي يهبها الله للإنسان وأحد أعظم الكنوز التي لا يعرف قيمتها إلا من فقدها !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى