يطرح الدكتور إياد البرغوثي في مقاله المتميز «النظام العربي.. جدلية القوة والضعف حين تعوّم الكرامة» المنشور في صحيفة القدس 6/9/2026، سؤالا يتجاوز التفسير التقليدي للضعف والعجز. فهو لا يتعامل مع ضعف النظام العربي باعتباره مجرد نتيجة لفشل في إنتاج القوة، وإنما يفتح احتمالا أكثر عمقا: ماذا لو كان الضعف نفسه، في بعض مستوياته، جزءا من آليات اشتغال النظام واستمراره؟
أهمية هذه المقاربة أنها تنقل النقاش من سؤال النتائج إلى سؤال الوظيفة:
هل ما يبدو ضعفا من منظور الدولة والمجتمع هو بالضرورة ضعف من منظور النظام؟ وهل يمكن أن تكون بعض أشكال التبعية أو التجزئة أو تعطيل مصادر القوة متوافقة، في ظروف معينة، مع مصالح النظام والنخب التي تدير الدولة؟
لكنني أعتقد أن هذا السؤال يحتاج إلى العودة خطوة أبعد، إلى ما قبل نشوء الأنظمة نفسها، بل إلى السؤال عن نشأة الدولة العربية الحديثة والمعمار الذي تشكلت داخله.
فإذا أردنا أن نفهم قوة الدول العربية وضعفها، فلا يكفي أن ننظر إلى أداء الأنظمة التي حكمتها بعد الاستقلال، وإنما علينا أن نسأل أولا: كيف تشكلت هذه الدول؟ ومن صاغ حدودها ووظائفها وشروط سيادتها؟ وهل كان تشكلها تعبيرا عن تطور طبيعي للمجتمعات العربية، أم جزءا من عملية أوسع لإعادة هندسة المنطقة بعد هزيمة الأمة في الحرب العالمية الاولى وتفكيك دولة الخلافة الإسلامية.
فالدولة العربية الحديثة لم تتشكل كلها بوصفها حصيلة تطور داخلي طبيعي للمجتمعات العربية، وإنما جاءت، في جانب أساسي منها، ضمن عملية إعادة هندسة استعمارية للمنطقة بعد الحرب العالمية الأولى. وكانت سايكس - بيكو 1916 إحدى محطاتها المبكرة، ثم جاءت معاهدة سان ريمو 1920 ونظام الانتدابات لتبلورا الإطار السياسي والقانوني لهذا المعمار، قبل أن تتبلور الكيانات العربية المستقلة لاحقا داخل حدود وبنى وعلاقات تشكلت إلى حد كبير خلال الحقبة الاستعمارية.
وفي هذا السياق جاء إنشاء الكيان الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ليضيف إلى المعمار الإقليمي بعدا إمبرياليا واستراتيجيا دائما، إذ أصبح وجوده جزءا من منظومة القوة والصراع الإقليمي والدولي في المنطقة. ومن ثم فإن إعادة تشكيل المنطقة لم تكن مجرد عملية تقسيم إداري للأراضي، وإنما كانت إعادة هندسة للحيز السياسي والاستراتيجي العربي بأكمله.
ومن هنا يصبح سؤال الدولة سابقا على سؤال النظام: ما الوظيفة التي صُممت الدولة الحديثة لأدائها داخل هذا المعمار؟
وفي هذا السياق أرى أن التمييز بين الدولة والنظام والنخب يحتاج إلى قراءة مختلفة. فهذه المستويات ليست بالضرورة متناقضة أو فاعلين منفصلين، بل يمكن النظر إليها بوصفها مستويات مترابطة ضمن البنية السياسية الفوقية: الدولة تؤدي وظيفة، والنظام يديرها، والنخب تتولى مواقعها داخلها وتتحرك وفق شروطها. لذلك فإن السؤال ليس فقط عمن يحكم الدولة، وإنما عن الوظيفة التي تؤديها الدولة داخل المعمار التاريخي الذي نشأت فيه.
ولذلك فإن العلاقة بينها ليست بالضرورة علاقة تناقض، بل قد تتداخل أدوارها ضمن تكامل وظيفي، من دون أن يلغي ذلك ما بينها من تناقضات ومصالح وصراعات.
وهنا تحديدا أرى أن مفهوم «نائب الفاعل» الذي يطرحه الدكتور إياد البرغوثي يحتاج إلى مزيد من التفكير. فإذا كان المقصود أن الأنظمة العربية مجرد وكلاء لفاعل خارجي، فقد يكون المفهوم غير كاف لتفسير الواقع. فنائب الفاعل يفترض وجود فاعل أصلي يحل محله، بينما قد تكون الصورة أكثر تعقيدا:
الدولة والنظام والنخب فاعلون بالفعل، لكنهم يمارسون فاعليتهم داخل بنية تاريخية تشكلت قبلهم وشكلت جزءا أساسيا من شروط فعلهم وحدود حركتهم.
وهذا التفريق لا يعني بأي حال إعفاء الأنظمة والنخب من المسؤولية. على العكس، فهو يجعل مسؤوليتها أكثر وضوحا؛ فالفاعل الذي يعمل داخل بنية موروثة يستطيع أن يتكيف معها، وأن يستفيد منها، وأن يعيد إنتاجها، بل وأن تتكون له مصالح خاصة في استمرارها.
وعند هذه النقطة قد يكون السؤال الأهم: إذا كان النظام والنخب فاعلين داخل هذه البنية، فمن هو المفعول به؟
هنا أعتقد أن المجتمع يجب أن يحتل مركز التحليل. فالمجتمعات العربية لم تكن صاحبة القرار في تشكيل المعمار السياسي والجغرافي الذي نشأت داخله دولها الحديثة، وإنما وجدت نفسها داخله ثم تعاملت معه، عبر مسارات تاريخية مختلفة، باعتباره الإطار القائم للدولة والسياسة. ومن ثم يمكن القول إن المجتمع ظل، إلى حد بعيد، المفعول به في هذه العملية التاريخية، بينما تولت الدولة والنظام والنخب موقع الفاعل داخل البنية.
وهنا يصبح مفهوم «نائب الفاعل» بحاجة إلى إعادة صياغة: المشكلة ليست بالضرورة أن النظام العربي نائب عن فاعل خارجي، وإنما أنه فاعل داخل بنية لم يكن المجتمع هو الذي صاغها. وهذه نقلة مهمة؛ لأنها تنقل النقاش من علاقة الوكيل بالموكل إلى علاقة الفاعل بالبنية التي تشكل مجال فعله وحدود حركته.
كما أنها تفتح سؤالا أكثر حساسية: هل كان الاستقلال العربي قطيعة مع المعمار الاستعماري، أم أن الاستقلال في كثير من الحالات أصبح إدارة وطنية لبنية موروثة؟
وهنا تتصل أطروحة البرغوثي حول «إنتاج الضعف» بسؤال أعمق: هل الضعف مجرد نتاج لممارسات الأنظمة، أم أن الأنظمة نفسها تعمل داخل بنية تاريخية أنتجت شروط الضعف، ثم أصبحت بعض النخب والأنظمة تشارك في إعادة إنتاجها؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن استعادة القوة لا يمكن أن تكون مجرد مشروع لبناء القدرات العسكرية أو الاقتصادية، ولا مجرد تغيير نظام سياسي بآخر.
فالمسألة أعمق من ذلك: إنها تتعلق باستعادة القدرة على إعادة تعريف وظيفة الدولة ومصالحها وموقعها داخل الإقليم والعالم. وهنا ينتقل النقاش من الدولة والنظام إلى المجتمع، بوصفه المجال الذي يمكن أن تُستعاد فيه الفاعلية التاريخية.
فما دام المجتمع في موقع المفعول به، فإن تغيير الواجهة السياسية وحده لا يكفي لإحداث تحول تاريخي حقيقي. أما إذا استطاع المجتمع أن يستعيد موقعه بوصفه فاعلا في إنتاج الدولة وتعريف وظائفها وتحديد مصالحها، فإننا نكون أمام انتقال من إدارة البنية الموروثة إلى محاولة إعادة تشكيلها. ولذلك ربما يكون السؤال الذي يمكن أن نضيفه إلى سؤال د. إياد البرغوثي هو: كيف ينتقل المفعول به إلى موقع الفاعل؟
فاستعادة الفاعلية العربية لا تعني فقط أن تصبح الدولة أقوى، أو أن يصبح النظام أكثر استقلالا، وإنما أن يستعيد المجتمع نفسه قدرته على التأثير في تحديد شكل الدولة ووظيفتها ومصالحها وعلاقاتها، وأن يصبح قادرا على مساءلة المعمار السياسي الذي تشكلت داخله هذه الدولة منذ أكثر من قرن.
وربما يكون التحول الحقيقي عندما يخرج المجتمع من موقع المفعول به، فلا يعود مجرد متلق لسياسات النظام، وإنما يصبح هو نفسه فاعلا في إنتاج الدولة وإعادة تعريف وظيفتها وموقعها التاريخي.
غير أن هذا الانتقال من موقع "المفعول به" إلى "الفاعل" لا يتأتى عبر الهبات الموسمية، بل عبر خوض معركة تراكمية تُفعل أدوات الفاعلية المجتمعية: عبر استعادة المجال العام الموازي وبناء مساحات التفكير المستقلة، وتفعيل المؤسسات الوسيطة (نقابية، أهلية، وفكرية) لبناء هامش حركة مستقل يمارس الضغط من أسفل إلى أعلى، وصولا إلى فرض عقد اجتماعي معرفي يُعيد تعريف وظيفة الدولة ومساءلتها بناء على المصلحة الجمعية والكرامة الوطنية لا على شروط البنية الموروثة.
ومن هذه الزاوية، ربما لا يكون السؤال النهائي: لماذا أصبح النظام العربي نائب فاعل؟ بل: كيف أصبح المجتمع العربي مفعولا به، وكيف يمكن أن يستعيد موقعه كفاعل في التاريخ؟
وهنا، في تقديري، يمكن أن تتوسع أطروحة البرغوثي من نقد ضعف النظام العربي إلى سؤال أعمق عن إنتاج الدولة، وإنتاج الفاعلية، وإعادة إنتاج البنية، وإمكان تجاوزها.
فالمسألة في جوهرها ليست فقط: من يمتلك القوة؟ بل: من يملك حق تعريف وظيفة الدولة، ومن يحدد المصلحة، ومن يصوغ البنية التي تتحرك داخلها الدولة، ومن يكون فاعلا فيها ومن يقع عليه الفعل؟
جريدة القدسجريدة القدس › ar › postsالنظام العربي.. جدلية القوة والضعف حين تُعَوّم الكرامة
أهمية هذه المقاربة أنها تنقل النقاش من سؤال النتائج إلى سؤال الوظيفة:
هل ما يبدو ضعفا من منظور الدولة والمجتمع هو بالضرورة ضعف من منظور النظام؟ وهل يمكن أن تكون بعض أشكال التبعية أو التجزئة أو تعطيل مصادر القوة متوافقة، في ظروف معينة، مع مصالح النظام والنخب التي تدير الدولة؟
لكنني أعتقد أن هذا السؤال يحتاج إلى العودة خطوة أبعد، إلى ما قبل نشوء الأنظمة نفسها، بل إلى السؤال عن نشأة الدولة العربية الحديثة والمعمار الذي تشكلت داخله.
فإذا أردنا أن نفهم قوة الدول العربية وضعفها، فلا يكفي أن ننظر إلى أداء الأنظمة التي حكمتها بعد الاستقلال، وإنما علينا أن نسأل أولا: كيف تشكلت هذه الدول؟ ومن صاغ حدودها ووظائفها وشروط سيادتها؟ وهل كان تشكلها تعبيرا عن تطور طبيعي للمجتمعات العربية، أم جزءا من عملية أوسع لإعادة هندسة المنطقة بعد هزيمة الأمة في الحرب العالمية الاولى وتفكيك دولة الخلافة الإسلامية.
فالدولة العربية الحديثة لم تتشكل كلها بوصفها حصيلة تطور داخلي طبيعي للمجتمعات العربية، وإنما جاءت، في جانب أساسي منها، ضمن عملية إعادة هندسة استعمارية للمنطقة بعد الحرب العالمية الأولى. وكانت سايكس - بيكو 1916 إحدى محطاتها المبكرة، ثم جاءت معاهدة سان ريمو 1920 ونظام الانتدابات لتبلورا الإطار السياسي والقانوني لهذا المعمار، قبل أن تتبلور الكيانات العربية المستقلة لاحقا داخل حدود وبنى وعلاقات تشكلت إلى حد كبير خلال الحقبة الاستعمارية.
وفي هذا السياق جاء إنشاء الكيان الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ليضيف إلى المعمار الإقليمي بعدا إمبرياليا واستراتيجيا دائما، إذ أصبح وجوده جزءا من منظومة القوة والصراع الإقليمي والدولي في المنطقة. ومن ثم فإن إعادة تشكيل المنطقة لم تكن مجرد عملية تقسيم إداري للأراضي، وإنما كانت إعادة هندسة للحيز السياسي والاستراتيجي العربي بأكمله.
ومن هنا يصبح سؤال الدولة سابقا على سؤال النظام: ما الوظيفة التي صُممت الدولة الحديثة لأدائها داخل هذا المعمار؟
وفي هذا السياق أرى أن التمييز بين الدولة والنظام والنخب يحتاج إلى قراءة مختلفة. فهذه المستويات ليست بالضرورة متناقضة أو فاعلين منفصلين، بل يمكن النظر إليها بوصفها مستويات مترابطة ضمن البنية السياسية الفوقية: الدولة تؤدي وظيفة، والنظام يديرها، والنخب تتولى مواقعها داخلها وتتحرك وفق شروطها. لذلك فإن السؤال ليس فقط عمن يحكم الدولة، وإنما عن الوظيفة التي تؤديها الدولة داخل المعمار التاريخي الذي نشأت فيه.
ولذلك فإن العلاقة بينها ليست بالضرورة علاقة تناقض، بل قد تتداخل أدوارها ضمن تكامل وظيفي، من دون أن يلغي ذلك ما بينها من تناقضات ومصالح وصراعات.
وهنا تحديدا أرى أن مفهوم «نائب الفاعل» الذي يطرحه الدكتور إياد البرغوثي يحتاج إلى مزيد من التفكير. فإذا كان المقصود أن الأنظمة العربية مجرد وكلاء لفاعل خارجي، فقد يكون المفهوم غير كاف لتفسير الواقع. فنائب الفاعل يفترض وجود فاعل أصلي يحل محله، بينما قد تكون الصورة أكثر تعقيدا:
الدولة والنظام والنخب فاعلون بالفعل، لكنهم يمارسون فاعليتهم داخل بنية تاريخية تشكلت قبلهم وشكلت جزءا أساسيا من شروط فعلهم وحدود حركتهم.
وهذا التفريق لا يعني بأي حال إعفاء الأنظمة والنخب من المسؤولية. على العكس، فهو يجعل مسؤوليتها أكثر وضوحا؛ فالفاعل الذي يعمل داخل بنية موروثة يستطيع أن يتكيف معها، وأن يستفيد منها، وأن يعيد إنتاجها، بل وأن تتكون له مصالح خاصة في استمرارها.
وعند هذه النقطة قد يكون السؤال الأهم: إذا كان النظام والنخب فاعلين داخل هذه البنية، فمن هو المفعول به؟
هنا أعتقد أن المجتمع يجب أن يحتل مركز التحليل. فالمجتمعات العربية لم تكن صاحبة القرار في تشكيل المعمار السياسي والجغرافي الذي نشأت داخله دولها الحديثة، وإنما وجدت نفسها داخله ثم تعاملت معه، عبر مسارات تاريخية مختلفة، باعتباره الإطار القائم للدولة والسياسة. ومن ثم يمكن القول إن المجتمع ظل، إلى حد بعيد، المفعول به في هذه العملية التاريخية، بينما تولت الدولة والنظام والنخب موقع الفاعل داخل البنية.
وهنا يصبح مفهوم «نائب الفاعل» بحاجة إلى إعادة صياغة: المشكلة ليست بالضرورة أن النظام العربي نائب عن فاعل خارجي، وإنما أنه فاعل داخل بنية لم يكن المجتمع هو الذي صاغها. وهذه نقلة مهمة؛ لأنها تنقل النقاش من علاقة الوكيل بالموكل إلى علاقة الفاعل بالبنية التي تشكل مجال فعله وحدود حركته.
كما أنها تفتح سؤالا أكثر حساسية: هل كان الاستقلال العربي قطيعة مع المعمار الاستعماري، أم أن الاستقلال في كثير من الحالات أصبح إدارة وطنية لبنية موروثة؟
وهنا تتصل أطروحة البرغوثي حول «إنتاج الضعف» بسؤال أعمق: هل الضعف مجرد نتاج لممارسات الأنظمة، أم أن الأنظمة نفسها تعمل داخل بنية تاريخية أنتجت شروط الضعف، ثم أصبحت بعض النخب والأنظمة تشارك في إعادة إنتاجها؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن استعادة القوة لا يمكن أن تكون مجرد مشروع لبناء القدرات العسكرية أو الاقتصادية، ولا مجرد تغيير نظام سياسي بآخر.
فالمسألة أعمق من ذلك: إنها تتعلق باستعادة القدرة على إعادة تعريف وظيفة الدولة ومصالحها وموقعها داخل الإقليم والعالم. وهنا ينتقل النقاش من الدولة والنظام إلى المجتمع، بوصفه المجال الذي يمكن أن تُستعاد فيه الفاعلية التاريخية.
فما دام المجتمع في موقع المفعول به، فإن تغيير الواجهة السياسية وحده لا يكفي لإحداث تحول تاريخي حقيقي. أما إذا استطاع المجتمع أن يستعيد موقعه بوصفه فاعلا في إنتاج الدولة وتعريف وظائفها وتحديد مصالحها، فإننا نكون أمام انتقال من إدارة البنية الموروثة إلى محاولة إعادة تشكيلها. ولذلك ربما يكون السؤال الذي يمكن أن نضيفه إلى سؤال د. إياد البرغوثي هو: كيف ينتقل المفعول به إلى موقع الفاعل؟
فاستعادة الفاعلية العربية لا تعني فقط أن تصبح الدولة أقوى، أو أن يصبح النظام أكثر استقلالا، وإنما أن يستعيد المجتمع نفسه قدرته على التأثير في تحديد شكل الدولة ووظيفتها ومصالحها وعلاقاتها، وأن يصبح قادرا على مساءلة المعمار السياسي الذي تشكلت داخله هذه الدولة منذ أكثر من قرن.
وربما يكون التحول الحقيقي عندما يخرج المجتمع من موقع المفعول به، فلا يعود مجرد متلق لسياسات النظام، وإنما يصبح هو نفسه فاعلا في إنتاج الدولة وإعادة تعريف وظيفتها وموقعها التاريخي.
غير أن هذا الانتقال من موقع "المفعول به" إلى "الفاعل" لا يتأتى عبر الهبات الموسمية، بل عبر خوض معركة تراكمية تُفعل أدوات الفاعلية المجتمعية: عبر استعادة المجال العام الموازي وبناء مساحات التفكير المستقلة، وتفعيل المؤسسات الوسيطة (نقابية، أهلية، وفكرية) لبناء هامش حركة مستقل يمارس الضغط من أسفل إلى أعلى، وصولا إلى فرض عقد اجتماعي معرفي يُعيد تعريف وظيفة الدولة ومساءلتها بناء على المصلحة الجمعية والكرامة الوطنية لا على شروط البنية الموروثة.
ومن هذه الزاوية، ربما لا يكون السؤال النهائي: لماذا أصبح النظام العربي نائب فاعل؟ بل: كيف أصبح المجتمع العربي مفعولا به، وكيف يمكن أن يستعيد موقعه كفاعل في التاريخ؟
وهنا، في تقديري، يمكن أن تتوسع أطروحة البرغوثي من نقد ضعف النظام العربي إلى سؤال أعمق عن إنتاج الدولة، وإنتاج الفاعلية، وإعادة إنتاج البنية، وإمكان تجاوزها.
فالمسألة في جوهرها ليست فقط: من يمتلك القوة؟ بل: من يملك حق تعريف وظيفة الدولة، ومن يحدد المصلحة، ومن يصوغ البنية التي تتحرك داخلها الدولة، ومن يكون فاعلا فيها ومن يقع عليه الفعل؟
جريدة القدسجريدة القدس › ar › postsالنظام العربي.. جدلية القوة والضعف حين تُعَوّم الكرامة