لم يبدأ هذا الحوار قبل أيام.
ربما بدأ قبل أكثر من خمسين عامًا.
كنا يومها طلابًا، وكانت الثورة الفلسطينية لا تزال تبحث عن طريقها بين حلم التحرير وضرورات السياسة، عندما دخل إلى قاموسنا تعبير بدا بسيطًا:
«برنامج مرحلي».
عشر نقاط فقط.
لكننا لم نكن نناقش عدد النقاط.
كنا نخشى شيئًا آخر: أن يدخل التكتيك من الباب، ثم يكبر داخل البيت، حتى يأتي يوم نجد فيه أن الاستراتيجية نفسها قد خرجت من النافذة.
مرت السنوات.
كبرنا.
غادرنا مقاعد الحركة الطلابية إلى أماكن كثيرة في الثورة والحياة. مرت بيروت وتونس والانتفاضة وإعلان الاستقلال وأوسلو والسلطة والانقسام وغزة، وتغيرت خرائط كثيرة، وبقي السؤال الفلسطيني يبحث عن مكانه.
ثم، قبل أيام، كتب صديقي القديم الدكتور عبد الرحمن بسيسو مقالًا عن الانتخابات الفلسطينية.
وجدتني أكتب له تعليقًا.
قلت إنني أشعر كأنني أمام فيلم فلسطيني غريب: الجميع يتدافع لاختيار الممثلين، وتوزيع الأدوار، وعقد التحالفات، وحجز المقاعد… بينما السيناريو لم يُكتب بعد، وربما لا أحد يعرف إن كانت الكاميرا ستدور أصلًا.
كنت أظن أنني أعلّق على مقال.
لكن عبد الرحمن رد.
ورددت.
ودخل آخرون إلى الحوار.
ثم، شيئًا فشيئًا، بدأ صندوق الانتخابات يتراجع إلى الخلف.
ظهر وراءه سؤال أكبر:
من يملك حق أن يقول إلى أين يذهب الفلسطينيون؟
ثم ظهر سؤال آخر:
من يمنح الشرعية لمن يتحدث باسمهم؟
وفجأة أعادني عبد الرحمن، بجملة واحدة، إلى ذلك الطالب الذي كنته قبل نصف قرن.
كتب لي:
«ولعلك تذكر موقفنا… من برنامج النقاط العشر يوم أُقرّ ونحن طلاب ومناضلين…»
نعم يا عبد الرحمن.
أذكر.
لكنني لم أكن أعرف، عندما بدأنا هذا الحوار، أن علينا أن نعود كل هذه المسافة إلى الوراء حتى نستطيع أن نسأل سؤالًا يبدو شديد البساطة:
من يكتب الصفحة الفلسطينية؟
عدت إلى مقال عبد الرحمن.
كان العنوان عن انتخابات «تُخاض، ولا تأتي»، لكنني كلما أعدت القراءة شعرت أن الانتخابات ليست بطلة النص. كانت أقرب إلى باب يقود إلى غرفة أخرى.
في الخارج، كان المشهد مألوفًا: قوائم تتشكل، تحالفات تُعقد، أسماء تتقدم وأخرى تتراجع، ومقاعد تُحسب قبل أن توضع الصناديق في أماكنها.
أما عبد الرحمن فكان ينظر إلى مكان آخر.
كان يسأل، في جوهر ما كتب:
ماذا بقي من السؤال الفلسطيني نفسه وسط كل هذا الضجيج؟
رد عبد الرحمن بأنني التقطت ما أراد قوله بين السطور، لكنه أضاف فكرة دفعت الحوار خطوة أخرى.
قال إن الانتخابات قد تؤدي الوظيفة المطلوبة منها حتى لو لم تصل إلى صناديقها. قد يكفي أن يبقى الفلسطينيون منشغلين بمن يتحالف مع من، ومن يدخل أية قائمة، ومن يحصل على أي مقعد، فيما يبقى السؤال الأكبر خارج الصورة.
توقفت عند هذه الفكرة.
لأنها تنقل النقاش من سؤال إجرائي:
هل ستجري الانتخابات أم لن تجري؟
إلى سؤال سياسي أكثر خطورة:
ماذا نفعل نحن بأنفسنا ونحن ننتظرها؟
فالاحتلال، في الوقت نفسه، لا ينتظر.
على الأرض تتغير الجغرافيا، ويتقدم الاستيطان، وتُفرض الوقائع بالقوة، وغزة تخرج من حرب مدمرة محملة بأسئلة الحكم والإعمار والسلاح واليوم التالي، بينما يتحول جزء كبير من نقاشنا السياسي إلى سؤال عمن سيدخل المجلس إذا وُجد المجلس أصلًا.
وهنا لم تعد صورة «الممثلين والسيناريو» كافية.
فالمشكلة ليست فقط أننا نختار الممثلين قبل أن نكتب الحكاية.
ربما المشكلة الأعمق هي أننا لم نسأل بعد:
من يملك حق كتابة الحكاية؟
وهنا بدأ الحوار يبتعد عن الانتخابات.
ويقترب من الشرعية.
لكن كلمة «الشرعية» نفسها لم تدخل الحوار بهدوء.
سأل الصديق نسيم عبد الرحمن عن علاقة الشرعية الفلسطينية القائمة بالاحتلال.
فرد عبد الرحمن بسؤال أشد قسوة:
«هل تراها علاقة ندية؟ وهل ترى إمكانية لوجود شرعية من أي نوع يمنحها احتلال؟ وهل لفاقد الشيء أن يعطيه؟»
توقفت عند العبارة.
الاحتلال لا يمنح الفلسطيني شرعيته.
لكنه يستطيع أن يمنع انتخابات، ويعتقل مرشحًا، ويغلق مدينة، ويقيد مشاركة القدس، ويفصل غزة عن الضفة، ويحول عملية انتخابية يفترض أن تكون حرة إلى سباق يجري والعداء مكبل القدمين.
كل ذلك يستطيع.
لكن هل يستطيع أن يقرر من هو الشرعي فلسطينيًا؟
إذا أجبنا بنعم، نكون قد منحناه شيئًا أخطر من السيطرة على الأرض:
حق السيطرة على مصدر إرادتنا السياسية.
فالاحتلال يستطيع أن يعطل ممارسة الشرعية، لكنه لا يستطيع أن يكون مصدرها.
وهذا ما أعادني إلى الانتفاضة الأولى.
لم تكن العودة هذه المرة إلى قاعة اجتماع طلابي، بل إلى الشارع.
إلى الحجر.
إلى الإضراب.
إلى اللجان الشعبية.
إلى قرية تعرف متى تغلق متاجرها، ومخيم ينظم يومه، وحي يتدبر ما يحتاج إليه، ومدرسة أُغلقت أبوابها فوجد التعليم طريقًا آخر إلى البيوت.
لم ينتظر الناس يومها أن تصبح فلسطين دولة مكتملة السيادة حتى يمارسوا إرادتهم.
ولم تصل إشارة البدء من تونس.
تحرك المجتمع.
ثم حملت الحركة رسالتها السياسية إلى القيادة.
كانت منظمة التحرير موجودة قبل الانتفاضة، وكانت لها شرعيتها التاريخية والنضالية والتمثيلية، لكن الانتفاضة فعلت شيئًا بالغ الأهمية: أعادت وصل الحامل السياسي بالمجتمع الذي يحمله، وجدّدت هذه العلاقة ورسختها.
كأن الشارع الفلسطيني، وهو يواجه الاحتلال، كان يقول:
هذه إرادتي.
وهذا عنواني السياسي.
وهؤلاء يتحدثون باسمي.
لم تمنح الانتفاضة الشعب شرعيته.
الشعب كان مصدر الشرعية.
وما فعلته الانتفاضة أنها كشفت، في لحظة نادرة من الوضوح، اتجاه حركتها:
من المجتمع إلى الحامل السياسي.
لا العكس.
وهنا دخلت إلى الحوار أصوات أخرى.
لم تعد المسألة بين عبد الرحمن وبيني وحدنا.
كتبت الدكتورة غانية ملحيس مداخلة التقطت فيها منطقة ربما كانت لا تزال غير مضاءة بما يكفي.
قالت، في جوهر ما كتبت، إن المجتمع لا ينبغي أن يحضر فقط عندما يحين وقت اختيار ممثليه؛ يجب أن يكون حاضرًا قبل ذلك، عندما يُحدد ما الذي سيمثله هؤلاء أصلًا.
توقفت عند الفكرة.
فنحن عادة نضع أمام المواطن قوائم وبرامج وأسماء، ثم نقول له:
اختر.
لكن ماذا لو كان السؤال الأسبق:
من رسم حدود الاختيار؟
ومن حدد السؤال قبل أن يصل المواطن إلى الصندوق؟
قد تكون الانتخابات نزيهة، وقد يكون الفرز دقيقًا، ومع ذلك يبقى سؤال الشرعية ناقصًا إذا اختار المجتمع الممثل ولم يشارك في تحديد ما الذي جاء هذا الممثل ليمثله.
فالشرعية ليست ورقة تسقط في صندوق ثم تغادر المجتمع لتسكن المؤسسة.
إنها علاقة مستمرة بين المجتمع، والمشروع، ومن يحمل المشروع باسمه.
ثم جاء أحمد زكارنة من باب آخر.
كان يعترف، مثلنا، بأن الانتخابات تحت الاحتلال ليست انتخابات دولة مستقلة، لكنه وضع أمام الحوار خشية تستحق التوقف:
إذا جعلنا إزالة الاحتلال وقيوده شرطًا مسبقًا لاستعادة حياتنا السياسية، فهل نكون، من حيث لا نقصد، قد أعطيناه حق تعطيل إرادتنا إلى أن يشاء؟
ثم وسع أحمد الصورة أكثر.
بينما ينشغل الجميع بـ«اليوم التالي في غزة»، كانت دولة الاحتلال تعمل في الضفة على شيء آخر:
إعادة رسم الجغرافيا نفسها.
ماذا لو نجح الفلسطينيون في إعادة بناء نظامهم السياسي، بينما ينجح الاحتلال في إعادة تعريف الأرض التي يفترض أن يمثلها هذا النظام؟
غزة في مركز مشاريع «اليوم التالي».
الضفة تتآكل.
القدس تُدفع خارج المشهد.
والفلسطيني في الشتات ينتظر أن يعرف أين يقع في الخريطة السياسية الجديدة.
عندها لم يعد السؤال:
هل ننتخب أم لا ننتخب؟
صار السؤال:
أي نظام سياسي نعيد بناءه؟ ولأي فلسطين؟
هنا بدا لي أن عبد الرحمن وأنا نصل إلى المكان نفسه، لكن من طريقين مختلفين.
عبد الرحمن يبدأ من المشروع.
يرى أن البوصلة ضاعت عندما ابتعدنا عن مشروع التحرير، وعن الميثاق الوطني قبل تعديله، وعن الوظيفة الأصلية لمنظمة التحرير. ولذلك فإن استعادة الشرعية عنده لا تنفصل عن استعادة الطريق الذي فقدناه.
أما أنا فأبدأ من مكان آخر.
من المجتمع.
لا لأنني أريد أن أمحو الميثاق أو الثورة أو مشروع التحرير من الذاكرة، بل لأن تجربة نصف قرن علمتني أن هناك سؤالًا يسبق حتى صحة المشروع:
من يملك حق أن يقول إن هذا هو مشروع الشعب؟
قد أكون أنا وعبد الرحمن متفقين على الجواب السياسي في أشياء كثيرة.
وقد نكون وقفنا معًا قبل نصف قرن دفاعًا عنه.
لكن اتفاقنا لا يجعلنا شعبًا.
وقناعتنا، مهما كانت صلبة، لا تمنحنا حق أن نستبدل بصوت الملايين صوتينا.
وهنا بدأت أرى أن العلاقة بين التحرير والشرعية ربما ليست علاقة مرحلتين.
ليس علينا أن نحرر الوطن أولًا، ثم نسأل المجتمع ماذا يريد.
وليس علينا، في المقابل، أن نجري انتخابات كيفما اتفق ثم نزعم أننا حررنا إرادته.
استعادة المجتمع لحقه في تحديد مشروعه واختيار حامله السياسي هي نفسها جزء من عملية التحرر.
فالاستعمار لا يحتل الأرض فقط.
إنه يحاول أيضًا أن يحدد الممكن، وأن يرسم حدود السؤال.
ولهذا فإن استعادة القرار ليست شأنًا إداريًا يأتي بعد التحرير.
إنها فعل من أفعال التحرر.
لكن عبد الرحمن لم يتركني طويلًا في الحاضر.
في رده عليّ، فتح فجأة بابًا قديمًا.
كتب:
«ولعلك تذكر موقفنا... من هذا البرنامج يوم أُقرّ، واحتجاجاتنا الحادة جدًا عليه يوم إقراره ونحن طلاب ومناضلين...»
اختفى الصندوق.
اختفت القوائم.
اختفت الانتخابات.
وعادت الصورة نحو نصف قرن إلى الوراء.
إلى برنامج النقاط العشر.
إلى الحركة الطلابية.
إلى شابين فلسطينيين كانا يخافان من كلمة بدت يومها بريئة:
التكتيك.
نعم يا عبد الرحمن.
أذكر.
وأذكر أن خوفنا لم يكن من عشر نقاط مكتوبة على ورق.
كان خوفنا من النقطة الحادية عشرة التي لم تكن مكتوبة:
أن يتحول التكتيك إلى استراتيجية.
لم نكن يومها نملك ما نملكه الآن من نصف قرن إضافي من الوقائع.
لم تكن أوسلو قد وُلدت.
ولم يكن الميثاق قد عُدّل.
ولم تكن هناك سلطة فلسطينية.
كنا طلابًا.
وكان السؤال أمامنا أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
إذا قبلت الثورة اليوم بهدف مرحلي باعتباره خطوة على طريق هدفها الأصلي، فمن يضمن أن الخطوة لن تصبح الطريق، ثم تصبح الطريق هي النهاية؟
اختلفنا يومها مع برنامج النقاط العشر.
وربما بدا اعتراضنا في نظر آخرين حماسة شباب لا يفهمون أن السياسة فن الممكن، وأن الثورة التي لا تعرف كيف تناور قد تخسر ما تستطيع تحقيقه وهي تنتظر ما لا تستطيع.
كان لهذا الكلام منطقه.
ولم يكن كل من دافع عن البرنامج متخليًا عن فلسطين، كما لم يكن كل من عارضه أكثر وطنية ممن قبله.
المشكلة بالنسبة إليّ لم تكن يومًا في النيات.
ولهذا، بعد سنوات، في بيروت، وجدت نفسي أستخدم تعبيرًا قاسيًا:
«الخيانة الموضوعية».
الكلمة الأولى ثقيلة.
وأعرف ذلك.
لكنني لم أستخدمها يومًا لأقول إن القيادة خائنة.
كنت قريبًا من رجال في الثورة، وعرفت بعضهم وعملت إلى جانب بعضهم، ولم تكن المسألة عندي محاكمة لوطنيتهم أو لتضحياتهم.
كنت أحاول أن أصف شيئًا آخر.
قد يتخذ الإنسان قرارًا وهو مقتنع بأنه يخدم هدفه، ثم تنتج حركة القرار وما يستدعيه من قرارات لاحقة نتيجة تناقض الهدف الذي بدأ منه.
يقدم تنازلًا باعتباره تكتيكًا.
ثم يحتاج التكتيك إلى تنازل آخر كي يعيش.
ويحتاج الثاني إلى ثالث كي لا يسقط ما قبله.
وبعد سنوات، لا يعود السؤال:
كم ابتعدنا عن الاستراتيجية؟
بل:
أين أصبحت الاستراتيجية أصلًا؟
مرت السنوات.
ولم يبق السؤال افتراضيًا.
جاءت محطات كثيرة، ولكل محطة ظروفها وحساباتها وموازين القوى التي أحاطت بها.
ثم جاء أوسلو.
وتأسست السلطة.
وقيل إن مرحلة انتقالية من خمس سنوات ستقود إلى تسوية نهائية.
ومرت السنوات الخمس.
ثم خمس أخرى.
ثم عشر.
ثم ثلاثون.
وفي الطريق، تغيرت بنود في الميثاق الوطني، وتراجع الهدف الذي كان يُقدَّم يومًا باعتباره الاستراتيجية، بينما أخذ الهدف المرحلي مكانًا مختلفًا في الخطاب والممارسة والسياسة.
لا أستعيد هذا التاريخ اليوم كي أقول:
ألم نقل لكم؟
ذلك سيكون أسهل استنتاج، وأفقره.
ولا أستعيده لكي أحاكم رجالًا اتخذوا قراراتهم في أزمنة وظروف وموازين قوى مختلفة، وكأنني أجلس اليوم خارج التاريخ وأملك كل الإجابات التي لم تكن متاحة لهم.
السؤال الذي يعنيني أصعب:
كيف استطاع قرار تكتيكي أن يكبر إلى هذا الحد من دون أن يعود السؤال الكبير إلى أصحابه؟
هنا تغير معنى «الخيانة الموضوعية» عندي مع الزمن.
لم تعد المسألة فقط أن التكتيك يمكن أن يأكل الاستراتيجية.
أصبحت أسأل:
من يملك أصلًا حق تغيير الاستراتيجية؟
هل تمنح الشرعية التاريخية والنضالية لأي قيادة تفويضًا مفتوحًا بأن تغير الهدف الذي مُنحت الشرعية من أجله؟
وماذا يحدث عندما يبدأ الحامل السياسي بتغيير الشيء الذي يحمله؟
عند هذه النقطة عاد إليّ مشهد الانتفاضة الأولى بصورة مختلفة.
قبل قليل، كنت أراها دليلًا على أن المجتمع يستطيع، حتى تحت الاحتلال، أن ينتج إرادة سياسية وأن يجدد لحامل سياسي شرعيته.
الآن رأيتها من الجهة الأخرى.
إذا كان المجتمع هو الذي قال لمنظمة التحرير، بالفعل السياسي والاجتماعي والوطني:
أنت عنواني.
فإن هذا التفويض لا يمكن أن يعني:
اكتبي عني إلى الأبد ما تشائين.
فالشرعية ليست شيكًا على بياض.
وهنا حدثت المفارقة التي لم أنتبه إليها عندما بدأ حواري مع عبد الرحمن.
قبل خمسين عامًا تقريبًا، كنت أخشى أن تكتب القيادة شيئًا جديدًا على صفحة الشعب من دون أن يعود القرار إليه.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أجد نفسي أدافع عن...
صفحة بيضاء.
ذلك الشاب الذي خاف على الميثاق وعلى استراتيجية التحرير يريد الآن صفحة بيضاء؟
نعم.
ولكن ليس لأنني أريد محو ما كُتب.
بل لأنني أريد أن أعرف:
من يمسك القلم؟
الصفحة البيضاء التي أتحدث عنها ليست أرضًا بلا تاريخ.
وليست دعوة إلى أن يستيقظ الفلسطيني صباحًا وينسى النكبة والثورة والميثاق والكفاح المسلح وبيروت والانتفاضتين وأوسلو والسلطة والانقسام وغزة.
فالذي سيجلس أمامها ليس إنسانًا خرج من فراغ.
سيأتي اللاجئ بذاكرة البيت الذي لم يعد إليه.
وسيأتي ابن المخيم بما ورثه وما عاشه.
وسيأتي من بقي في وطنه بتجربة الاحتلال والاستيطان والحواجز والسجون.
وسيأتي ابن غزة بما لم تعد اللغة نفسها تكفي لوصفه.
وسيأتي الفلسطيني في الشتات بأسئلته عن وطن ينتمي إليه، بينما لا يعرف متى كانت آخر مرة طُلب منه أن يقرر من يتحدث باسمه.
وسيأتي جيل لم يعش بيروت، ولا يعرف اجتماعاتنا الطلابية، وربما لم يقرأ برنامج النقاط العشر، لكنه يدفع ثمن قرارات اتخذت قبل أن يولد.
كل هؤلاء سيأتون إلى الصفحة.
وأمامهم نضع كل شيء.
الميثاق.
برنامج النقاط العشر.
أوسلو.
تجربة الكفاح المسلح.
الانتفاضة.
السلطة.
الانقسام.
غزة.
كل طريق سلكناه، وكل خطأ دفعنا ثمنه، وكل انتصار بقي في ذاكرتنا.
لا نمحو ميثاقًا.
ولا نلقنهم الإجابة.
نضع تاريخنا على الطاولة.
ثم نسألهم:
ماذا تريدون؟
أي فلسطين تريدون؟
ما الحقوق التي لا تقبلون التنازل عنها؟
ما معنى التحرير بالنسبة إليكم اليوم؟
ما المشروع الذي تريدونه؟
ومن هو الحامل السياسي الذي تمنحونه الحق في أن يتحدث باسمكم؟
هنا، ربما، تقع المسافة الدقيقة بين عبد الرحمن وبيني.
عبد الرحمن يخشى، وهو محق في أصل خشيته، أن ندخل إلى الانتخابات من دون بوصلة، فنمنح شرعية جديدة لمسار قديم، ونجد أنفسنا نعيد إنتاج أوسلو بأسماء جديدة.
وأنا أخشى شيئًا آخر إلى جانب خشيته.
أخشى أن نملك البوصلة نحن، ثم نقول للمجتمع:
هذه هي وجهتك.
عبد الرحمن يقول:
لنعُد إلى المشروع الذي فقدناه.
وأنا أقول:
لنضع المشروع الذي فقدناه أمام الشعب أيضًا.
ليس لكي يتخلى عنه.
وربما سيعيد اختياره بقوة أكبر مما نتوقع.
أنا شخصيًا أعتقد ذلك.
أثق أن شعبًا دفع كل هذا الثمن من أجل فلسطين لن يكتب على الصفحة البيضاء تنازله عنها.
لكن ثقتي بجوابه ليست سببًا كي أجيب عنه.
بل هي السبب الذي يجعلني لا أخشى أن أسأله.
وهنا فهمت العلاقة التي لم أكن أراها كاملة بين عبارتين تفصل بينهما عقود من حياتي:
«الخيانة الموضوعية».
و«الصفحة البيضاء».
الأولى كانت خوف شاب من أن تغير القيادة الطريق باسم الشعب.
والثانية هي محاولة الرجل نفسه، بعد نصف قرن، للإجابة عن ذلك الخوف.
ولم تعد إجابتي:
أعيدوا الطريق الذي أراه أنا صحيحًا.
بل:
أعيدوا القلم إلى صاحبه.
وعندما عدّل عبد الرحمن رده عليّ، وجدت جملة جعلتني أشعر أن الطريقين اللذين سلكناهما طوال الحوار بدآ يلتقيان.
كتب عن المجتمع الفلسطيني «بأكمله، وفي تمام لحمته، وفي شتى أماكن وجوده»، وقال إنه هو «مانح الشرعية للحامل السياسي الذي يشاء منحها إليه».
توقفت عند كلمة:
يشاء.
إذا كان المجتمع هو الذي يشاء، فلا يكفي أن نقول إننا نعرف مشيئته.
وإذا كان هو الذي يمنح، فلا يجوز أن نبقى نحن من يقرر لمن يمنح.
لقد وصلنا من طريقين مختلفين إلى الباب نفسه.
لكن الباب فتح على سؤال جديد:
كيف نجعل الشعب قادرًا بالفعل على أن يقول ماذا يشاء؟
هنا يصبح الكلام عن المجتمع أصعب.
فمن السهل أن نقول إن الشعب صاحب الشرعية.
لكن أين هو هذا الشعب عندما يأتي وقت القرار؟
هناك فلسطيني يعيش في القدس، وآخر في الخليل، وثالث بين خيمة وركام في غزة، ورابع في مخيم في لبنان، وخامس في الأردن، وسادس ولد في تشيلي ولم ير فلسطين إلا في صور العائلة.
كلهم فلسطينيون.
نحسبهم عندما نتحدث عن عدد الفلسطينيين في العالم.
نستحضرهم عندما نتحدث عن النكبة واللجوء وحق العودة.
ونقول إن منظمة التحرير تمثلهم جميعًا.
لكن عندما نصل إلى السؤال الأبسط والأخطر:
ماذا يريد هؤلاء؟
يبدأ حضورهم في التلاشي.
ولهذا يشغلني المجلس الوطني الفلسطيني أكثر مما تشغلني انتخابات المجلس التشريعي.
فالمجلس التشريعي، مهما بلغت أهميته، يتعلق بنظام سياسي يعمل فوق جزء من الأرض الفلسطينية وتحت الاحتلال.
أما المجلس الوطني، فيفترض أنه بيت الفلسطيني أينما كان.
إذا كان المجتمع الفلسطيني «بأكمله، وفي تمام لحمته، وفي شتى أماكن وجوده» هو الحامل الوطني، كما كتب عبد الرحمن، فإن الاختبار الحقيقي لهذه العبارة يبدأ هنا.
ماذا نفعل بصوت الفلسطيني عندما لا نستطيع أن نضع صندوقًا أمامه؟
الجواب الجاهز هو:
التوافق.
تتوافق الفصائل على الأسماء.
توزع المقاعد.
ثم يدخل الممثلون إلى المجلس باسم فلسطينيين لم يسألهم أحد.
قد يكون التوافق ضرورة في ظرف ما.
لكنه لا يستطيع أن يتحول من حل اضطراري إلى تعريف للشرعية.
لأننا عندها نقول إن المجتمع هو صاحب الشرعية، ثم نجعل الحامل السياسي نفسه يختار من سيمثل هذا المجتمع.
تنقلب الدائرة.
ويصبح الوكيل، بطريقة ما، شريكًا في اختيار موكله.
ربما هنا نحتاج إلى قدر من الجرأة في التفكير.
لا لكي نخترع ديمقراطية افتراضية على الهاتف.
بل لكي نسأل:
هل ما زلنا مضطرين، في القرن الحادي والعشرين، إلى التعامل مع استحالة وضع صندوق اقتراع في كل مكان باعتبارها استحالة لمعرفة رأي الفلسطينيين؟
اليوم يحمل ملايين الفلسطينيين وسيلة اتصال في جيوبهم، ويلتقون في فضاء واحد رغم أن الجغرافيا فرقتهم.
هذا لا يجعل فيسبوك برلمانًا.
ولا يجعل استطلاعًا إلكترونيًا انتخابات.
ولا يمنح نقرة على شاشة شرعية دستورية.
لكن بين أن نقول إن التكنولوجيا ليست صندوق اقتراع وبين أن نتصرف كأنها لا تتيح لنا سماع المجتمع، توجد مساحة هائلة لم نختبرها.
لماذا لا نسأله؟
ليس:
أي فصيل تؤيد؟
بل:
أي فلسطين تريد؟
ماذا يعني لك حق العودة؟
ما موقفك من الميثاق؟
من أوسلو؟
من المقاومة وأشكالها؟
ما وظيفة منظمة التحرير التي تريدها؟
ومن يجب أن يمثل الفلسطينيين؟
قد تختلف الإجابات.
بل يجب أن نسمح لها بأن تختلف.
وإلا فنحن لا نسأل الشعب؛ نحن نبحث عن طريقة أكثر حداثة لسماع صدى أصواتنا نحن.
هناك مسافة واسعة بين استطلاع إرادة المجتمع وبين الانتخابات الدستورية.
لكن سماع المجتمع يمكن، في الحد الأدنى، أن يكسر احتكار الحديث باسمه.
وعند هذه النقطة بدأت أرى أن السؤال الذي طرحه عبد الرحمن في وجهي:
«كيف نحرر الوطن؟»
وسؤالي:
«كيف يستعيد المجتمع سيادته على قراره؟»
قد لا يكونان سؤالين متنافسين أصلًا.
فأي تحرير يمكن أن يحدث إذا كان المجتمع الذي ندعي أننا نحرره لا يملك حق تحديد معنى حريته؟
وأي سيادة على القرار يمكن أن توجد إذا بقي المجتمع نفسه محاصرًا ومجزأً ومهددًا في أرضه ووجوده؟
هنا يلتقي التحرير بالشرعية.
مجتمع يستعيد قراره وهو يقاوم من أجل أرضه، ويقاوم من أجل أرضه لأنه يريد أن يكون صاحب قراره.
ربما كانت الانتفاضة الأولى أقرب لحظة فلسطينية رأينا فيها هذا التلازم حيًا.
كان المجتمع يمارس السياسة قبل أن يناقش تعريفها.
وهنا، بعد كل هذا الطريق، عدت إلى مقال آخر لعبد الرحمن.
لم يكن عن الانتخابات.
كان عن غزة.
عن التوحش الصهيوني الرأسمالي الاستعماري، وعن «دبلوماسية الصفقات العقارية».
كتبت له يومها أن مقاله لا يكتفي بتصوير الجريمة، بل يحاول الدخول إلى غرفة إنتاجها.
كان الركام في مقدمة الصورة.
لكن عبد الرحمن كان يحاول أن يرى خلفه.
من يريد الأرض بعد الركام؟
ومن يتخيل غزة بعد أن يمحو من مخططه الإنسان الذي عاش فيها؟
سألته يومها:
هل المطلوب إعادة إعمار غزة… أم إعادة اختراع غزة بعد محو أهلها من الصورة؟
رد عبد الرحمن بأنني قرأت المقال بعين المخرج.
وتحدث عن السينما.
وعن سنوات قبرص.
وعن فيلمي «راشيل كوري... ضمير أمريكي».
وعن الكاميرا التي لا تتوقف عند الركام، بل تبحث عن اليد التي تصنع المشهد خلفه.
لم أكن أعرف يومها أن الفكرة ستعود إليّ من طريق آخر.
ففي حوارنا عن الانتخابات فعلنا، بطريقة ما، الشيء نفسه.
كان الصندوق في مقدمة الصورة.
أبعدناه قليلًا.
فظهرت خلفه الشرعية.
ثم ظهر المشروع.
ثم، في عمق الصورة، ظهر المجتمع.
وهنا يلتقي المقالان في رأسي.
في غزة، هناك من يريد أن يرسم مستقبل المكان بينما أهله تحت الركام أو خلف أبواب الخيام.
وفي السياسة الفلسطينية، هناك من يرسم مستقبل المشروع، ويحدد سقفه، ويختار ممثليه، ثم يقول إن ذلك كله باسم الشعب.
المسألتان ليستا متماثلتين.
لكن خلفهما سؤال أخلاقي وسياسي واحد:
من يملك حق رسم مستقبل الإنسان من دون الإنسان؟
والآن فقط أفهم لماذا قادتني «الخيانة الموضوعية» إلى «الصفحة البيضاء».
كنت في شبابي أخشى أن تغير القيادة الطريق باسم الشعب.
وبعد نصف قرن، لا أريد أن أصحح الخطأ بأن أغير الطريق باسمه في الاتجاه المعاكس.
لا أريد أن أستبدل وصاية بوصاية.
ولا جوابًا جاهزًا بجواب جاهز آخر.
أريد شيئًا أبسط.
وأصعب.
أن نعيد القلم إلى صاحبه.
وهنا، يا عبد الرحمن، ربما وصل حوار بدأ قبل نصف قرن إلى النقطة التي كان يبحث عنها من دون أن يعرف.
لم يعد السؤال بيننا:
أيُّنا يملك الجواب الصحيح؟
ولا أي برنامج يجب أن ينتصر؟
ولا حتى هل تأتي الانتخابات أم لا تأتي؟
السؤال الذي بقي بعد أن تساقط كل ما حوله هو:
هل نثق بالشعب إلى الحد الذي يسمح لنا بأن نسأله فعلًا؟
فالقول إن الشعب مصدر الشرعية سهل ما دام الشعب فكرة مجردة.
أما الامتحان الحقيقي فيبدأ عندما يصبح لهذا الشعب صوت.
قد يأتي صوته مطابقًا لما نؤمن به.
وقد يفاجئنا.
وقد يراجع بعض ما اعتقدناه ثابتًا.
وقد يعيد تثبيت ما ظن البعض أنه مات.
عندها فقط نعرف إن كنا نريده صاحبًا للشرعية حقًا، أم صاحبًا لها ما دام يقول ما نريد سماعه.
أنا لا أخشى الصفحة البيضاء.
ليس لأنني أعرف ماذا سيكتب الفلسطيني.
بل لأنني أثق بأن شعبًا حمل فلسطين كل هذه المسافة، من النكبة إلى المخيم، ومن الثورة إلى الانتفاضة، ومن بيروت إلى غزة، ومن الوطن إلى أقصى المنافي، لا يحتاج إلى وصي يخبره لماذا بقي فلسطينيًا.
لدي توقعاتي.
ولدي قناعاتي.
وعبد الرحمن لديه قناعاته.
وغانية لديها أسئلتها.
وأحمد لديه مخاوفه.
والفصائل لديها برامجها.
والقيادة لديها حساباتها.
لكن الصفحة ليست لنا.
إنها له.
للفلسطيني الذي بقي.
والذي هُجّر.
والذي قاوم.
والذي تعب.
والذي وُلد في المخيم.
والذي وُلد بعيدًا ولم ير البحر الذي كان جده يراه من يافا.
للفلسطيني الذي قد يوافقني.
وللفلسطيني الذي قد يخالفني.
فإذا كنا نؤمن حقًا بأنه صاحب الشرعية، فعلينا أن نقبل النتيجة الأصعب لذلك الإيمان:
أن له الحق حتى في ألا يكتب ما نريد.
سأضع أمامه التاريخ.
الميثاق.
والثورة.
والأخطاء.
والانتصارات.
والهزائم.
وأوسلو.
والانتفاضات.
وغزة.
والمنفى.
والمفاتيح القديمة.
وكل ما بقي من الحكاية.
ثم أترك القلم على الطاولة.
وأتراجع خطوة إلى الخلف.
فهذه المرة، لا أريد أن أكون المخرج.
ولا أريد لعبد الرحمن أن يكون الكاتب.
ولا للفصيل أن يختار النهاية.
ولا للقيادة أن تكتب الحوار.
ولا للاحتلال أن يقرر أين تنتهي حدود الصورة.
أريد فقط أن تدور الكاميرا.
وأن يدخل صاحب الحكاية إلى الصورة.
يمد يده إلى القلم.
وينظر إلى الصفحة التي ظل آخرون طويلًا يكتبون عليها باسمه.
ثم يكتبها هو.
---
يحيى بركات
6 أيلول/سبتمبر 2026
ربما بدأ قبل أكثر من خمسين عامًا.
كنا يومها طلابًا، وكانت الثورة الفلسطينية لا تزال تبحث عن طريقها بين حلم التحرير وضرورات السياسة، عندما دخل إلى قاموسنا تعبير بدا بسيطًا:
«برنامج مرحلي».
عشر نقاط فقط.
لكننا لم نكن نناقش عدد النقاط.
كنا نخشى شيئًا آخر: أن يدخل التكتيك من الباب، ثم يكبر داخل البيت، حتى يأتي يوم نجد فيه أن الاستراتيجية نفسها قد خرجت من النافذة.
مرت السنوات.
كبرنا.
غادرنا مقاعد الحركة الطلابية إلى أماكن كثيرة في الثورة والحياة. مرت بيروت وتونس والانتفاضة وإعلان الاستقلال وأوسلو والسلطة والانقسام وغزة، وتغيرت خرائط كثيرة، وبقي السؤال الفلسطيني يبحث عن مكانه.
ثم، قبل أيام، كتب صديقي القديم الدكتور عبد الرحمن بسيسو مقالًا عن الانتخابات الفلسطينية.
وجدتني أكتب له تعليقًا.
قلت إنني أشعر كأنني أمام فيلم فلسطيني غريب: الجميع يتدافع لاختيار الممثلين، وتوزيع الأدوار، وعقد التحالفات، وحجز المقاعد… بينما السيناريو لم يُكتب بعد، وربما لا أحد يعرف إن كانت الكاميرا ستدور أصلًا.
كنت أظن أنني أعلّق على مقال.
لكن عبد الرحمن رد.
ورددت.
ودخل آخرون إلى الحوار.
ثم، شيئًا فشيئًا، بدأ صندوق الانتخابات يتراجع إلى الخلف.
ظهر وراءه سؤال أكبر:
من يملك حق أن يقول إلى أين يذهب الفلسطينيون؟
ثم ظهر سؤال آخر:
من يمنح الشرعية لمن يتحدث باسمهم؟
وفجأة أعادني عبد الرحمن، بجملة واحدة، إلى ذلك الطالب الذي كنته قبل نصف قرن.
كتب لي:
«ولعلك تذكر موقفنا… من برنامج النقاط العشر يوم أُقرّ ونحن طلاب ومناضلين…»
نعم يا عبد الرحمن.
أذكر.
لكنني لم أكن أعرف، عندما بدأنا هذا الحوار، أن علينا أن نعود كل هذه المسافة إلى الوراء حتى نستطيع أن نسأل سؤالًا يبدو شديد البساطة:
من يكتب الصفحة الفلسطينية؟
عدت إلى مقال عبد الرحمن.
كان العنوان عن انتخابات «تُخاض، ولا تأتي»، لكنني كلما أعدت القراءة شعرت أن الانتخابات ليست بطلة النص. كانت أقرب إلى باب يقود إلى غرفة أخرى.
في الخارج، كان المشهد مألوفًا: قوائم تتشكل، تحالفات تُعقد، أسماء تتقدم وأخرى تتراجع، ومقاعد تُحسب قبل أن توضع الصناديق في أماكنها.
أما عبد الرحمن فكان ينظر إلى مكان آخر.
كان يسأل، في جوهر ما كتب:
ماذا بقي من السؤال الفلسطيني نفسه وسط كل هذا الضجيج؟
رد عبد الرحمن بأنني التقطت ما أراد قوله بين السطور، لكنه أضاف فكرة دفعت الحوار خطوة أخرى.
قال إن الانتخابات قد تؤدي الوظيفة المطلوبة منها حتى لو لم تصل إلى صناديقها. قد يكفي أن يبقى الفلسطينيون منشغلين بمن يتحالف مع من، ومن يدخل أية قائمة، ومن يحصل على أي مقعد، فيما يبقى السؤال الأكبر خارج الصورة.
توقفت عند هذه الفكرة.
لأنها تنقل النقاش من سؤال إجرائي:
هل ستجري الانتخابات أم لن تجري؟
إلى سؤال سياسي أكثر خطورة:
ماذا نفعل نحن بأنفسنا ونحن ننتظرها؟
فالاحتلال، في الوقت نفسه، لا ينتظر.
على الأرض تتغير الجغرافيا، ويتقدم الاستيطان، وتُفرض الوقائع بالقوة، وغزة تخرج من حرب مدمرة محملة بأسئلة الحكم والإعمار والسلاح واليوم التالي، بينما يتحول جزء كبير من نقاشنا السياسي إلى سؤال عمن سيدخل المجلس إذا وُجد المجلس أصلًا.
وهنا لم تعد صورة «الممثلين والسيناريو» كافية.
فالمشكلة ليست فقط أننا نختار الممثلين قبل أن نكتب الحكاية.
ربما المشكلة الأعمق هي أننا لم نسأل بعد:
من يملك حق كتابة الحكاية؟
وهنا بدأ الحوار يبتعد عن الانتخابات.
ويقترب من الشرعية.
لكن كلمة «الشرعية» نفسها لم تدخل الحوار بهدوء.
سأل الصديق نسيم عبد الرحمن عن علاقة الشرعية الفلسطينية القائمة بالاحتلال.
فرد عبد الرحمن بسؤال أشد قسوة:
«هل تراها علاقة ندية؟ وهل ترى إمكانية لوجود شرعية من أي نوع يمنحها احتلال؟ وهل لفاقد الشيء أن يعطيه؟»
توقفت عند العبارة.
الاحتلال لا يمنح الفلسطيني شرعيته.
لكنه يستطيع أن يمنع انتخابات، ويعتقل مرشحًا، ويغلق مدينة، ويقيد مشاركة القدس، ويفصل غزة عن الضفة، ويحول عملية انتخابية يفترض أن تكون حرة إلى سباق يجري والعداء مكبل القدمين.
كل ذلك يستطيع.
لكن هل يستطيع أن يقرر من هو الشرعي فلسطينيًا؟
إذا أجبنا بنعم، نكون قد منحناه شيئًا أخطر من السيطرة على الأرض:
حق السيطرة على مصدر إرادتنا السياسية.
فالاحتلال يستطيع أن يعطل ممارسة الشرعية، لكنه لا يستطيع أن يكون مصدرها.
وهذا ما أعادني إلى الانتفاضة الأولى.
لم تكن العودة هذه المرة إلى قاعة اجتماع طلابي، بل إلى الشارع.
إلى الحجر.
إلى الإضراب.
إلى اللجان الشعبية.
إلى قرية تعرف متى تغلق متاجرها، ومخيم ينظم يومه، وحي يتدبر ما يحتاج إليه، ومدرسة أُغلقت أبوابها فوجد التعليم طريقًا آخر إلى البيوت.
لم ينتظر الناس يومها أن تصبح فلسطين دولة مكتملة السيادة حتى يمارسوا إرادتهم.
ولم تصل إشارة البدء من تونس.
تحرك المجتمع.
ثم حملت الحركة رسالتها السياسية إلى القيادة.
كانت منظمة التحرير موجودة قبل الانتفاضة، وكانت لها شرعيتها التاريخية والنضالية والتمثيلية، لكن الانتفاضة فعلت شيئًا بالغ الأهمية: أعادت وصل الحامل السياسي بالمجتمع الذي يحمله، وجدّدت هذه العلاقة ورسختها.
كأن الشارع الفلسطيني، وهو يواجه الاحتلال، كان يقول:
هذه إرادتي.
وهذا عنواني السياسي.
وهؤلاء يتحدثون باسمي.
لم تمنح الانتفاضة الشعب شرعيته.
الشعب كان مصدر الشرعية.
وما فعلته الانتفاضة أنها كشفت، في لحظة نادرة من الوضوح، اتجاه حركتها:
من المجتمع إلى الحامل السياسي.
لا العكس.
وهنا دخلت إلى الحوار أصوات أخرى.
لم تعد المسألة بين عبد الرحمن وبيني وحدنا.
كتبت الدكتورة غانية ملحيس مداخلة التقطت فيها منطقة ربما كانت لا تزال غير مضاءة بما يكفي.
قالت، في جوهر ما كتبت، إن المجتمع لا ينبغي أن يحضر فقط عندما يحين وقت اختيار ممثليه؛ يجب أن يكون حاضرًا قبل ذلك، عندما يُحدد ما الذي سيمثله هؤلاء أصلًا.
توقفت عند الفكرة.
فنحن عادة نضع أمام المواطن قوائم وبرامج وأسماء، ثم نقول له:
اختر.
لكن ماذا لو كان السؤال الأسبق:
من رسم حدود الاختيار؟
ومن حدد السؤال قبل أن يصل المواطن إلى الصندوق؟
قد تكون الانتخابات نزيهة، وقد يكون الفرز دقيقًا، ومع ذلك يبقى سؤال الشرعية ناقصًا إذا اختار المجتمع الممثل ولم يشارك في تحديد ما الذي جاء هذا الممثل ليمثله.
فالشرعية ليست ورقة تسقط في صندوق ثم تغادر المجتمع لتسكن المؤسسة.
إنها علاقة مستمرة بين المجتمع، والمشروع، ومن يحمل المشروع باسمه.
ثم جاء أحمد زكارنة من باب آخر.
كان يعترف، مثلنا، بأن الانتخابات تحت الاحتلال ليست انتخابات دولة مستقلة، لكنه وضع أمام الحوار خشية تستحق التوقف:
إذا جعلنا إزالة الاحتلال وقيوده شرطًا مسبقًا لاستعادة حياتنا السياسية، فهل نكون، من حيث لا نقصد، قد أعطيناه حق تعطيل إرادتنا إلى أن يشاء؟
ثم وسع أحمد الصورة أكثر.
بينما ينشغل الجميع بـ«اليوم التالي في غزة»، كانت دولة الاحتلال تعمل في الضفة على شيء آخر:
إعادة رسم الجغرافيا نفسها.
ماذا لو نجح الفلسطينيون في إعادة بناء نظامهم السياسي، بينما ينجح الاحتلال في إعادة تعريف الأرض التي يفترض أن يمثلها هذا النظام؟
غزة في مركز مشاريع «اليوم التالي».
الضفة تتآكل.
القدس تُدفع خارج المشهد.
والفلسطيني في الشتات ينتظر أن يعرف أين يقع في الخريطة السياسية الجديدة.
عندها لم يعد السؤال:
هل ننتخب أم لا ننتخب؟
صار السؤال:
أي نظام سياسي نعيد بناءه؟ ولأي فلسطين؟
هنا بدا لي أن عبد الرحمن وأنا نصل إلى المكان نفسه، لكن من طريقين مختلفين.
عبد الرحمن يبدأ من المشروع.
يرى أن البوصلة ضاعت عندما ابتعدنا عن مشروع التحرير، وعن الميثاق الوطني قبل تعديله، وعن الوظيفة الأصلية لمنظمة التحرير. ولذلك فإن استعادة الشرعية عنده لا تنفصل عن استعادة الطريق الذي فقدناه.
أما أنا فأبدأ من مكان آخر.
من المجتمع.
لا لأنني أريد أن أمحو الميثاق أو الثورة أو مشروع التحرير من الذاكرة، بل لأن تجربة نصف قرن علمتني أن هناك سؤالًا يسبق حتى صحة المشروع:
من يملك حق أن يقول إن هذا هو مشروع الشعب؟
قد أكون أنا وعبد الرحمن متفقين على الجواب السياسي في أشياء كثيرة.
وقد نكون وقفنا معًا قبل نصف قرن دفاعًا عنه.
لكن اتفاقنا لا يجعلنا شعبًا.
وقناعتنا، مهما كانت صلبة، لا تمنحنا حق أن نستبدل بصوت الملايين صوتينا.
وهنا بدأت أرى أن العلاقة بين التحرير والشرعية ربما ليست علاقة مرحلتين.
ليس علينا أن نحرر الوطن أولًا، ثم نسأل المجتمع ماذا يريد.
وليس علينا، في المقابل، أن نجري انتخابات كيفما اتفق ثم نزعم أننا حررنا إرادته.
استعادة المجتمع لحقه في تحديد مشروعه واختيار حامله السياسي هي نفسها جزء من عملية التحرر.
فالاستعمار لا يحتل الأرض فقط.
إنه يحاول أيضًا أن يحدد الممكن، وأن يرسم حدود السؤال.
ولهذا فإن استعادة القرار ليست شأنًا إداريًا يأتي بعد التحرير.
إنها فعل من أفعال التحرر.
لكن عبد الرحمن لم يتركني طويلًا في الحاضر.
في رده عليّ، فتح فجأة بابًا قديمًا.
كتب:
«ولعلك تذكر موقفنا... من هذا البرنامج يوم أُقرّ، واحتجاجاتنا الحادة جدًا عليه يوم إقراره ونحن طلاب ومناضلين...»
اختفى الصندوق.
اختفت القوائم.
اختفت الانتخابات.
وعادت الصورة نحو نصف قرن إلى الوراء.
إلى برنامج النقاط العشر.
إلى الحركة الطلابية.
إلى شابين فلسطينيين كانا يخافان من كلمة بدت يومها بريئة:
التكتيك.
نعم يا عبد الرحمن.
أذكر.
وأذكر أن خوفنا لم يكن من عشر نقاط مكتوبة على ورق.
كان خوفنا من النقطة الحادية عشرة التي لم تكن مكتوبة:
أن يتحول التكتيك إلى استراتيجية.
لم نكن يومها نملك ما نملكه الآن من نصف قرن إضافي من الوقائع.
لم تكن أوسلو قد وُلدت.
ولم يكن الميثاق قد عُدّل.
ولم تكن هناك سلطة فلسطينية.
كنا طلابًا.
وكان السؤال أمامنا أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
إذا قبلت الثورة اليوم بهدف مرحلي باعتباره خطوة على طريق هدفها الأصلي، فمن يضمن أن الخطوة لن تصبح الطريق، ثم تصبح الطريق هي النهاية؟
اختلفنا يومها مع برنامج النقاط العشر.
وربما بدا اعتراضنا في نظر آخرين حماسة شباب لا يفهمون أن السياسة فن الممكن، وأن الثورة التي لا تعرف كيف تناور قد تخسر ما تستطيع تحقيقه وهي تنتظر ما لا تستطيع.
كان لهذا الكلام منطقه.
ولم يكن كل من دافع عن البرنامج متخليًا عن فلسطين، كما لم يكن كل من عارضه أكثر وطنية ممن قبله.
المشكلة بالنسبة إليّ لم تكن يومًا في النيات.
ولهذا، بعد سنوات، في بيروت، وجدت نفسي أستخدم تعبيرًا قاسيًا:
«الخيانة الموضوعية».
الكلمة الأولى ثقيلة.
وأعرف ذلك.
لكنني لم أستخدمها يومًا لأقول إن القيادة خائنة.
كنت قريبًا من رجال في الثورة، وعرفت بعضهم وعملت إلى جانب بعضهم، ولم تكن المسألة عندي محاكمة لوطنيتهم أو لتضحياتهم.
كنت أحاول أن أصف شيئًا آخر.
قد يتخذ الإنسان قرارًا وهو مقتنع بأنه يخدم هدفه، ثم تنتج حركة القرار وما يستدعيه من قرارات لاحقة نتيجة تناقض الهدف الذي بدأ منه.
يقدم تنازلًا باعتباره تكتيكًا.
ثم يحتاج التكتيك إلى تنازل آخر كي يعيش.
ويحتاج الثاني إلى ثالث كي لا يسقط ما قبله.
وبعد سنوات، لا يعود السؤال:
كم ابتعدنا عن الاستراتيجية؟
بل:
أين أصبحت الاستراتيجية أصلًا؟
مرت السنوات.
ولم يبق السؤال افتراضيًا.
جاءت محطات كثيرة، ولكل محطة ظروفها وحساباتها وموازين القوى التي أحاطت بها.
ثم جاء أوسلو.
وتأسست السلطة.
وقيل إن مرحلة انتقالية من خمس سنوات ستقود إلى تسوية نهائية.
ومرت السنوات الخمس.
ثم خمس أخرى.
ثم عشر.
ثم ثلاثون.
وفي الطريق، تغيرت بنود في الميثاق الوطني، وتراجع الهدف الذي كان يُقدَّم يومًا باعتباره الاستراتيجية، بينما أخذ الهدف المرحلي مكانًا مختلفًا في الخطاب والممارسة والسياسة.
لا أستعيد هذا التاريخ اليوم كي أقول:
ألم نقل لكم؟
ذلك سيكون أسهل استنتاج، وأفقره.
ولا أستعيده لكي أحاكم رجالًا اتخذوا قراراتهم في أزمنة وظروف وموازين قوى مختلفة، وكأنني أجلس اليوم خارج التاريخ وأملك كل الإجابات التي لم تكن متاحة لهم.
السؤال الذي يعنيني أصعب:
كيف استطاع قرار تكتيكي أن يكبر إلى هذا الحد من دون أن يعود السؤال الكبير إلى أصحابه؟
هنا تغير معنى «الخيانة الموضوعية» عندي مع الزمن.
لم تعد المسألة فقط أن التكتيك يمكن أن يأكل الاستراتيجية.
أصبحت أسأل:
من يملك أصلًا حق تغيير الاستراتيجية؟
هل تمنح الشرعية التاريخية والنضالية لأي قيادة تفويضًا مفتوحًا بأن تغير الهدف الذي مُنحت الشرعية من أجله؟
وماذا يحدث عندما يبدأ الحامل السياسي بتغيير الشيء الذي يحمله؟
عند هذه النقطة عاد إليّ مشهد الانتفاضة الأولى بصورة مختلفة.
قبل قليل، كنت أراها دليلًا على أن المجتمع يستطيع، حتى تحت الاحتلال، أن ينتج إرادة سياسية وأن يجدد لحامل سياسي شرعيته.
الآن رأيتها من الجهة الأخرى.
إذا كان المجتمع هو الذي قال لمنظمة التحرير، بالفعل السياسي والاجتماعي والوطني:
أنت عنواني.
فإن هذا التفويض لا يمكن أن يعني:
اكتبي عني إلى الأبد ما تشائين.
فالشرعية ليست شيكًا على بياض.
وهنا حدثت المفارقة التي لم أنتبه إليها عندما بدأ حواري مع عبد الرحمن.
قبل خمسين عامًا تقريبًا، كنت أخشى أن تكتب القيادة شيئًا جديدًا على صفحة الشعب من دون أن يعود القرار إليه.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أجد نفسي أدافع عن...
صفحة بيضاء.
ذلك الشاب الذي خاف على الميثاق وعلى استراتيجية التحرير يريد الآن صفحة بيضاء؟
نعم.
ولكن ليس لأنني أريد محو ما كُتب.
بل لأنني أريد أن أعرف:
من يمسك القلم؟
الصفحة البيضاء التي أتحدث عنها ليست أرضًا بلا تاريخ.
وليست دعوة إلى أن يستيقظ الفلسطيني صباحًا وينسى النكبة والثورة والميثاق والكفاح المسلح وبيروت والانتفاضتين وأوسلو والسلطة والانقسام وغزة.
فالذي سيجلس أمامها ليس إنسانًا خرج من فراغ.
سيأتي اللاجئ بذاكرة البيت الذي لم يعد إليه.
وسيأتي ابن المخيم بما ورثه وما عاشه.
وسيأتي من بقي في وطنه بتجربة الاحتلال والاستيطان والحواجز والسجون.
وسيأتي ابن غزة بما لم تعد اللغة نفسها تكفي لوصفه.
وسيأتي الفلسطيني في الشتات بأسئلته عن وطن ينتمي إليه، بينما لا يعرف متى كانت آخر مرة طُلب منه أن يقرر من يتحدث باسمه.
وسيأتي جيل لم يعش بيروت، ولا يعرف اجتماعاتنا الطلابية، وربما لم يقرأ برنامج النقاط العشر، لكنه يدفع ثمن قرارات اتخذت قبل أن يولد.
كل هؤلاء سيأتون إلى الصفحة.
وأمامهم نضع كل شيء.
الميثاق.
برنامج النقاط العشر.
أوسلو.
تجربة الكفاح المسلح.
الانتفاضة.
السلطة.
الانقسام.
غزة.
كل طريق سلكناه، وكل خطأ دفعنا ثمنه، وكل انتصار بقي في ذاكرتنا.
لا نمحو ميثاقًا.
ولا نلقنهم الإجابة.
نضع تاريخنا على الطاولة.
ثم نسألهم:
ماذا تريدون؟
أي فلسطين تريدون؟
ما الحقوق التي لا تقبلون التنازل عنها؟
ما معنى التحرير بالنسبة إليكم اليوم؟
ما المشروع الذي تريدونه؟
ومن هو الحامل السياسي الذي تمنحونه الحق في أن يتحدث باسمكم؟
هنا، ربما، تقع المسافة الدقيقة بين عبد الرحمن وبيني.
عبد الرحمن يخشى، وهو محق في أصل خشيته، أن ندخل إلى الانتخابات من دون بوصلة، فنمنح شرعية جديدة لمسار قديم، ونجد أنفسنا نعيد إنتاج أوسلو بأسماء جديدة.
وأنا أخشى شيئًا آخر إلى جانب خشيته.
أخشى أن نملك البوصلة نحن، ثم نقول للمجتمع:
هذه هي وجهتك.
عبد الرحمن يقول:
لنعُد إلى المشروع الذي فقدناه.
وأنا أقول:
لنضع المشروع الذي فقدناه أمام الشعب أيضًا.
ليس لكي يتخلى عنه.
وربما سيعيد اختياره بقوة أكبر مما نتوقع.
أنا شخصيًا أعتقد ذلك.
أثق أن شعبًا دفع كل هذا الثمن من أجل فلسطين لن يكتب على الصفحة البيضاء تنازله عنها.
لكن ثقتي بجوابه ليست سببًا كي أجيب عنه.
بل هي السبب الذي يجعلني لا أخشى أن أسأله.
وهنا فهمت العلاقة التي لم أكن أراها كاملة بين عبارتين تفصل بينهما عقود من حياتي:
«الخيانة الموضوعية».
و«الصفحة البيضاء».
الأولى كانت خوف شاب من أن تغير القيادة الطريق باسم الشعب.
والثانية هي محاولة الرجل نفسه، بعد نصف قرن، للإجابة عن ذلك الخوف.
ولم تعد إجابتي:
أعيدوا الطريق الذي أراه أنا صحيحًا.
بل:
أعيدوا القلم إلى صاحبه.
وعندما عدّل عبد الرحمن رده عليّ، وجدت جملة جعلتني أشعر أن الطريقين اللذين سلكناهما طوال الحوار بدآ يلتقيان.
كتب عن المجتمع الفلسطيني «بأكمله، وفي تمام لحمته، وفي شتى أماكن وجوده»، وقال إنه هو «مانح الشرعية للحامل السياسي الذي يشاء منحها إليه».
توقفت عند كلمة:
يشاء.
إذا كان المجتمع هو الذي يشاء، فلا يكفي أن نقول إننا نعرف مشيئته.
وإذا كان هو الذي يمنح، فلا يجوز أن نبقى نحن من يقرر لمن يمنح.
لقد وصلنا من طريقين مختلفين إلى الباب نفسه.
لكن الباب فتح على سؤال جديد:
كيف نجعل الشعب قادرًا بالفعل على أن يقول ماذا يشاء؟
هنا يصبح الكلام عن المجتمع أصعب.
فمن السهل أن نقول إن الشعب صاحب الشرعية.
لكن أين هو هذا الشعب عندما يأتي وقت القرار؟
هناك فلسطيني يعيش في القدس، وآخر في الخليل، وثالث بين خيمة وركام في غزة، ورابع في مخيم في لبنان، وخامس في الأردن، وسادس ولد في تشيلي ولم ير فلسطين إلا في صور العائلة.
كلهم فلسطينيون.
نحسبهم عندما نتحدث عن عدد الفلسطينيين في العالم.
نستحضرهم عندما نتحدث عن النكبة واللجوء وحق العودة.
ونقول إن منظمة التحرير تمثلهم جميعًا.
لكن عندما نصل إلى السؤال الأبسط والأخطر:
ماذا يريد هؤلاء؟
يبدأ حضورهم في التلاشي.
ولهذا يشغلني المجلس الوطني الفلسطيني أكثر مما تشغلني انتخابات المجلس التشريعي.
فالمجلس التشريعي، مهما بلغت أهميته، يتعلق بنظام سياسي يعمل فوق جزء من الأرض الفلسطينية وتحت الاحتلال.
أما المجلس الوطني، فيفترض أنه بيت الفلسطيني أينما كان.
إذا كان المجتمع الفلسطيني «بأكمله، وفي تمام لحمته، وفي شتى أماكن وجوده» هو الحامل الوطني، كما كتب عبد الرحمن، فإن الاختبار الحقيقي لهذه العبارة يبدأ هنا.
ماذا نفعل بصوت الفلسطيني عندما لا نستطيع أن نضع صندوقًا أمامه؟
الجواب الجاهز هو:
التوافق.
تتوافق الفصائل على الأسماء.
توزع المقاعد.
ثم يدخل الممثلون إلى المجلس باسم فلسطينيين لم يسألهم أحد.
قد يكون التوافق ضرورة في ظرف ما.
لكنه لا يستطيع أن يتحول من حل اضطراري إلى تعريف للشرعية.
لأننا عندها نقول إن المجتمع هو صاحب الشرعية، ثم نجعل الحامل السياسي نفسه يختار من سيمثل هذا المجتمع.
تنقلب الدائرة.
ويصبح الوكيل، بطريقة ما، شريكًا في اختيار موكله.
ربما هنا نحتاج إلى قدر من الجرأة في التفكير.
لا لكي نخترع ديمقراطية افتراضية على الهاتف.
بل لكي نسأل:
هل ما زلنا مضطرين، في القرن الحادي والعشرين، إلى التعامل مع استحالة وضع صندوق اقتراع في كل مكان باعتبارها استحالة لمعرفة رأي الفلسطينيين؟
اليوم يحمل ملايين الفلسطينيين وسيلة اتصال في جيوبهم، ويلتقون في فضاء واحد رغم أن الجغرافيا فرقتهم.
هذا لا يجعل فيسبوك برلمانًا.
ولا يجعل استطلاعًا إلكترونيًا انتخابات.
ولا يمنح نقرة على شاشة شرعية دستورية.
لكن بين أن نقول إن التكنولوجيا ليست صندوق اقتراع وبين أن نتصرف كأنها لا تتيح لنا سماع المجتمع، توجد مساحة هائلة لم نختبرها.
لماذا لا نسأله؟
ليس:
أي فصيل تؤيد؟
بل:
أي فلسطين تريد؟
ماذا يعني لك حق العودة؟
ما موقفك من الميثاق؟
من أوسلو؟
من المقاومة وأشكالها؟
ما وظيفة منظمة التحرير التي تريدها؟
ومن يجب أن يمثل الفلسطينيين؟
قد تختلف الإجابات.
بل يجب أن نسمح لها بأن تختلف.
وإلا فنحن لا نسأل الشعب؛ نحن نبحث عن طريقة أكثر حداثة لسماع صدى أصواتنا نحن.
هناك مسافة واسعة بين استطلاع إرادة المجتمع وبين الانتخابات الدستورية.
لكن سماع المجتمع يمكن، في الحد الأدنى، أن يكسر احتكار الحديث باسمه.
وعند هذه النقطة بدأت أرى أن السؤال الذي طرحه عبد الرحمن في وجهي:
«كيف نحرر الوطن؟»
وسؤالي:
«كيف يستعيد المجتمع سيادته على قراره؟»
قد لا يكونان سؤالين متنافسين أصلًا.
فأي تحرير يمكن أن يحدث إذا كان المجتمع الذي ندعي أننا نحرره لا يملك حق تحديد معنى حريته؟
وأي سيادة على القرار يمكن أن توجد إذا بقي المجتمع نفسه محاصرًا ومجزأً ومهددًا في أرضه ووجوده؟
هنا يلتقي التحرير بالشرعية.
مجتمع يستعيد قراره وهو يقاوم من أجل أرضه، ويقاوم من أجل أرضه لأنه يريد أن يكون صاحب قراره.
ربما كانت الانتفاضة الأولى أقرب لحظة فلسطينية رأينا فيها هذا التلازم حيًا.
كان المجتمع يمارس السياسة قبل أن يناقش تعريفها.
وهنا، بعد كل هذا الطريق، عدت إلى مقال آخر لعبد الرحمن.
لم يكن عن الانتخابات.
كان عن غزة.
عن التوحش الصهيوني الرأسمالي الاستعماري، وعن «دبلوماسية الصفقات العقارية».
كتبت له يومها أن مقاله لا يكتفي بتصوير الجريمة، بل يحاول الدخول إلى غرفة إنتاجها.
كان الركام في مقدمة الصورة.
لكن عبد الرحمن كان يحاول أن يرى خلفه.
من يريد الأرض بعد الركام؟
ومن يتخيل غزة بعد أن يمحو من مخططه الإنسان الذي عاش فيها؟
سألته يومها:
هل المطلوب إعادة إعمار غزة… أم إعادة اختراع غزة بعد محو أهلها من الصورة؟
رد عبد الرحمن بأنني قرأت المقال بعين المخرج.
وتحدث عن السينما.
وعن سنوات قبرص.
وعن فيلمي «راشيل كوري... ضمير أمريكي».
وعن الكاميرا التي لا تتوقف عند الركام، بل تبحث عن اليد التي تصنع المشهد خلفه.
لم أكن أعرف يومها أن الفكرة ستعود إليّ من طريق آخر.
ففي حوارنا عن الانتخابات فعلنا، بطريقة ما، الشيء نفسه.
كان الصندوق في مقدمة الصورة.
أبعدناه قليلًا.
فظهرت خلفه الشرعية.
ثم ظهر المشروع.
ثم، في عمق الصورة، ظهر المجتمع.
وهنا يلتقي المقالان في رأسي.
في غزة، هناك من يريد أن يرسم مستقبل المكان بينما أهله تحت الركام أو خلف أبواب الخيام.
وفي السياسة الفلسطينية، هناك من يرسم مستقبل المشروع، ويحدد سقفه، ويختار ممثليه، ثم يقول إن ذلك كله باسم الشعب.
المسألتان ليستا متماثلتين.
لكن خلفهما سؤال أخلاقي وسياسي واحد:
من يملك حق رسم مستقبل الإنسان من دون الإنسان؟
والآن فقط أفهم لماذا قادتني «الخيانة الموضوعية» إلى «الصفحة البيضاء».
كنت في شبابي أخشى أن تغير القيادة الطريق باسم الشعب.
وبعد نصف قرن، لا أريد أن أصحح الخطأ بأن أغير الطريق باسمه في الاتجاه المعاكس.
لا أريد أن أستبدل وصاية بوصاية.
ولا جوابًا جاهزًا بجواب جاهز آخر.
أريد شيئًا أبسط.
وأصعب.
أن نعيد القلم إلى صاحبه.
وهنا، يا عبد الرحمن، ربما وصل حوار بدأ قبل نصف قرن إلى النقطة التي كان يبحث عنها من دون أن يعرف.
لم يعد السؤال بيننا:
أيُّنا يملك الجواب الصحيح؟
ولا أي برنامج يجب أن ينتصر؟
ولا حتى هل تأتي الانتخابات أم لا تأتي؟
السؤال الذي بقي بعد أن تساقط كل ما حوله هو:
هل نثق بالشعب إلى الحد الذي يسمح لنا بأن نسأله فعلًا؟
فالقول إن الشعب مصدر الشرعية سهل ما دام الشعب فكرة مجردة.
أما الامتحان الحقيقي فيبدأ عندما يصبح لهذا الشعب صوت.
قد يأتي صوته مطابقًا لما نؤمن به.
وقد يفاجئنا.
وقد يراجع بعض ما اعتقدناه ثابتًا.
وقد يعيد تثبيت ما ظن البعض أنه مات.
عندها فقط نعرف إن كنا نريده صاحبًا للشرعية حقًا، أم صاحبًا لها ما دام يقول ما نريد سماعه.
أنا لا أخشى الصفحة البيضاء.
ليس لأنني أعرف ماذا سيكتب الفلسطيني.
بل لأنني أثق بأن شعبًا حمل فلسطين كل هذه المسافة، من النكبة إلى المخيم، ومن الثورة إلى الانتفاضة، ومن بيروت إلى غزة، ومن الوطن إلى أقصى المنافي، لا يحتاج إلى وصي يخبره لماذا بقي فلسطينيًا.
لدي توقعاتي.
ولدي قناعاتي.
وعبد الرحمن لديه قناعاته.
وغانية لديها أسئلتها.
وأحمد لديه مخاوفه.
والفصائل لديها برامجها.
والقيادة لديها حساباتها.
لكن الصفحة ليست لنا.
إنها له.
للفلسطيني الذي بقي.
والذي هُجّر.
والذي قاوم.
والذي تعب.
والذي وُلد في المخيم.
والذي وُلد بعيدًا ولم ير البحر الذي كان جده يراه من يافا.
للفلسطيني الذي قد يوافقني.
وللفلسطيني الذي قد يخالفني.
فإذا كنا نؤمن حقًا بأنه صاحب الشرعية، فعلينا أن نقبل النتيجة الأصعب لذلك الإيمان:
أن له الحق حتى في ألا يكتب ما نريد.
سأضع أمامه التاريخ.
الميثاق.
والثورة.
والأخطاء.
والانتصارات.
والهزائم.
وأوسلو.
والانتفاضات.
وغزة.
والمنفى.
والمفاتيح القديمة.
وكل ما بقي من الحكاية.
ثم أترك القلم على الطاولة.
وأتراجع خطوة إلى الخلف.
فهذه المرة، لا أريد أن أكون المخرج.
ولا أريد لعبد الرحمن أن يكون الكاتب.
ولا للفصيل أن يختار النهاية.
ولا للقيادة أن تكتب الحوار.
ولا للاحتلال أن يقرر أين تنتهي حدود الصورة.
أريد فقط أن تدور الكاميرا.
وأن يدخل صاحب الحكاية إلى الصورة.
يمد يده إلى القلم.
وينظر إلى الصفحة التي ظل آخرون طويلًا يكتبون عليها باسمه.
ثم يكتبها هو.
---
يحيى بركات
6 أيلول/سبتمبر 2026