عصام الدين أحمد صالح - ورشة الرواية بالإسكندرية: حين يتغير المكان وتبقى الحكاية

ماذا يبقى من ورشة أدبية حين تفقد المكان الذي احتضن بدايتها؟
ربما يبقى ما هو أبعد من المكان نفسه: الذاكرة التي صنعتها، والكتّاب الذين مروا بها، والخبرة التي انتقلت من جيل إلى آخر.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربة «ورشة الرواية» بالإسكندرية، التي بدأت نحو عام 2016 في أتيليه الإسكندرية بمبادرة من الأديب الراحل أحمد إبراهيم، وبمشاركة الدكتور أحمد فرح نائبًا له، والأديبة والشاعرة هناء سليمان التي أسهمت منذ البدايات في التأسيس والمراجعة اللغوية والاستاذ مصطفى السباعى منسقا. لم تكن الفكرة درسًا في تقنيات السرد بقدر ما كانت مساحة يتعلم فيها الكاتب من النص ومن النقاش ومن الآخرين.

Messenger_creation_B69E4BDF-1944-4C45-85FD-DD54B92ED4F8.jpeg

على مدى سنواتها الأولى، كان من بين أبناء الرعيل الأول أحمد صالح ومصطفى السباعي، اللذان واصلا طريقهما في الكتابة والنشر، وظلت صلتهما بالورشة امتدادًا لذاكرة البدايات. ولم تكن قيمة التجربة فيما دار داخل جلساتها فقط، وإنما فيما بقي منها في كتابات من مروا بها.
ثم جاءت جائحة كورونا، كان كثيرون يظنون أن التوقف سيكون نهاية الورشة، لكن ذلك لم يحدث، فتوقفت اللقاءات مؤقتًا، قبل أن تستأنف نشاطها. ولم يطل الأمر حتى واجهت الورشة اختبارًا آخر أكثر قسوة؛ إذ انتهت علاقتها بمقر أتيليه الإسكندرية في ظل الأزمة التي شهدها المكان، فانتقلت مؤقتًا إلى مركز الجيزويت، قبل أن تستقر منذ عام 2023 في بيت ثقافة 26 يوليو.
كان يمكن لتغير المكان أن يعني نهاية التجربة أو بداية مختلفة تمامًا، لكنه كشف شيئًا آخر: أن الورشة لم تكن مرتبطة بجدرانها الأولى بقدر ارتباطها بما نشأ بينها وبين أعضائها من صلة. ظل أبناء البدايات على ارتباط بها، وظلت أعمالهم الأولى شاهدة على مرحلة من تاريخها، فيما واصلت هي استقبال أصوات جديدة.

Messenger_creation_5EA71542-54F1-4913-A2C7-B2C163639A52.jpeg

وفي تلك المرحلة أيضًا تغير وجه القيادة. فقد اضطر أحمد إبراهيم، بسبب ظروفه الصحية، إلى الابتعاد عن إدارة الورشة بعد سنوات التأسيس، وانتقلت المسؤولية إلى رفيق البدايات د. أحمد فرح، وإلى هناء سليمان. ثم انضمت الأستاذة سماح فراج إلى فريق الإدارة، حاملة فكرة «التأسيس الجديد» التي أعادت تنظيم العمل، قبل أن تنضم د. نجلا سعيد إلى الفريق، لتحصل على منصب النائب ويحصل الاستاذ احمد صالح على منصب المنسق لتتسع دائرة المسؤولية بين خبرة البدايات ورؤية التجديد.
وهكذا لم يكن انتقال الورشة من مكان إلى آخر انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل رافقه انتقال في الأدوار والأجيال أيضًا: مؤسس يترك موقعه، ورفاق يكملون الطريق، ووجوه جديدة تدخل المشهد، ورعيل أول لا ينقطع عن المكان الذي بدأ منه.
اليوم تلتقي الورشة كل أربعاء في بيت ثقافة 26 يوليو. وما زالت الكتابة السردية في قلب نشاطها، لكن اللقاء لم يعد مقصورًا على تعلم تقنيات الرواية؛ فالورشة تفتح نصوص أعضائها للنقاش، وتتيح اختبار الأفكار والأساليب، كما تناقش أعمالًا سردية منشورة لأبناء الورشة ولمبدعين مصريين وعرب.

وهذا ربما هو المعنى الأهم في حكايتها: أن الورشة لم تحافظ على وجودها لأنها ظلت كما كانت، بل لأنها استطاعت أن تتغير دون أن تفقد فكرتها الأولى. تغير المكان، وتبدلت المسؤوليات، وغاب المؤسس عن موقعه، ودخلت أسماء جديدة، لكن بقيت الفكرة التي بدأت من أجلها التجربة: أن الكاتب يحتاج إلى فضاء يقرأ فيه نصه بصوت آخر، ويختبره أمام النقد، ويجد من يساعده على اكتشاف صوته.
من أتيليه الإسكندرية إلى مركز الجيزويت، ومنه إلى بيت ثقافة 26 يوليو، تبدلت الأمكنة، لكن الحكاية لم تنقطع. وربما لهذا تبدو «ورشة الرواية» اليوم أقل شبهًا بمكان محدد، وأكثر شبهًا بذاكرة أدبية تنتقل من جيل إلى جيل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى