مقالي اليوم في صفحات ايام الثقافة في جريدة الايام هو نص المداخلة التي القيتها في25\6\2013 بحضور الكاتب العربي الجزائري واسيني الاعرج في مديتة نابلس لتوقيع روايته الجديدة(مملكة الفراشة).
٢٠١٣
٢
أنا والجامعة : جامعة الحصار والانتصار ( ٤١ ) :
لم تكن الظروف التي مرت بها جامعات الأرض المحتلة بعامة ظروفا سهلة وميسرة ، فقد عانت من الاحتلال حيث كانت الحواجز في أيام كثيرة قبل العام ١٩٩٤ تحول دون سير الدراسة بانتظام ، فكلما تظاهر الطلاب معبرين عن موقف سياسي يدعو إلى إنهاء الاحتلال ويؤيد سياسات منظمة التحرير الفلسطينية كانت الحواجز تقام على الطرق المؤدية إلى الجامعة . مجرد دورية فيها خمسة جنود تحول دون وصول سبعة آلاف طالب إلى قاعات تدريسهم وتعيدهم من حيث أتوا ، غير آبهة بما يعانونه ويكابدونه من مشقة الوصول ومن التكاليف التي يدفعها أولياء الأمور من دم القلب ، وهكذا لم تنتظم العملية التعليمية ولم ينتظم العام الدراسي ، فلم تكن تعرف متى يبدأ العام الدراسي ومتى ينتهي ، خلافا للجامعات في دول العالم كله .
ومن المؤكد أن الأمور لم تكن غالبا تمر بانتظام ، فأحيانا كان الطلاب يشتبكون بالحجارة مع قوات الاحتلال وقد ينجم عن ذلك جرحى وقتلى ، بل إنه نجم ولكني للأسف لا أملك إحصائية ولا قائمة بأسماء الطلاب الذين جرحوا أو استشهدوا ، ولا أظن أن الجامعة لا تملك مثل هذه الإحصائية ، ولكن عددا من الطلاب الذين علمتهم في الجامعة أو في المدرسة استشهدوا في مقاومة الاحتلال .
مرة كتبت قصة عنوانها " أين ذهب فيصل ؟ " وفيصل فيها هو أحد طلابي الذين استشهدوا في مقاومة الاحتلال . لم يكن فيصل الوحيد فهناك غيره عديدون ولكنه الوجيد الذي خصصته بقصة قبل استشهاده .
في صيف العام ١٩٩٢ حوصرت الجامعة لمدة يومين ، ولحسن الحظ أو لسوئه أنني قبل أن تحكم عليها السيطرة غادرتها بساعة لأسافر إلى القدس وأحرر صفحة "الشعب الثقافي " في جريدة " الشعب " المقدسية ، وكنت أغامر بالذهاب إلى القدس ، فلم يكن يسمح لنا بدخولها إلا بتصريح يصعب الحصول عليه . عدت بعد عودتي من ألمانيا إلى المشاركة في العمل الثقافي وإلى المساهمة في العمل الصحفي وتحديدا في الجريدة نفسها مع اختلاف ظروف العمل واختلاف ظروف علاقة سلطات الاحتلال بالمدينة المقدسة ودخول أهل الضفة الغربية وقطاع غزة إليها .
حوصرت الجامعة في صيف ذلك العام لمدة أيام عانى فيها آلاف الطلبة من قنابل الغاز المسيل للدموع ومن قلة النوم والطعام معاناة كبيرة ، وإن لا تكاد تذكر قياسا لمعاناة الفلسطينيين بعامة في عام النكبة وحرب أيلول والحرب الأهلية في لبنان وحروب غزة ولاحقا معاناة أهل مخيم اليرموك والمخيمات الفلسطينية في سوريا .
أطلق على الجامعة منذ ذلك اليوم اسم " جامعة الحصار والانتصار " وصار الاسم يتكرر باستمرار كما لو أنه لازمة مضافة إلى اسم الجامعة أو عنوان فرعي لها .
حقا إن الجامعة حوصرت وفك حصارها ولكني غالبا ما كنت أرى في إطلاق هذا الوصف عليها ضربا من المبالغة التي لا ضرورة لها ، فالجامعة إن حوصرت ، وقد حوصرت لأيام ، فعلام انتصرت وما هو الانتصار الذي حققته .
أحيانا كثيرة نستخدم مفردات كبيرة لإنجازات صغيرة جدا ، ونطرب لهذه المفردات ويبدو أنها تعبر عن خلل في تفكيرنا أو أنها ضرب من التعويض عما نفتقده .
مرة كتب الشاعر الشهيد علي فودة :
" بقلبي أريحا
وكنا نحن ولو مرة
لانتصار "
ومن قبله كتب شاعر أندلسي :
" مما يزهدني بأرض أندلس
ألفاظ مقتدر فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا هيئة الأسد "
وأعتقد أن إطلاق هذا الوصف على الجامعة لحصار استمر بضغة أيام كان في غير موضعه ، وغالبا ما كنت أعبر عن امتعاضي وأنا أصغي إلى مذيعي إذاعة الجامعة وبعض مسؤوليها وبعض الدكاترة يرددونه دون أن يفكروا فيه حقا وفي حصار لا يكاد يذكر إذا ما نظرنا إلى حصار بيروت في ١٩٨٢ أو إلى حصار غزة بعد العام ٢٠٠٧ وفي أثناء الحروب عليها .
حكايات الجامعة كثيرة وعديدة وحكايات الإعلام فيها تحتاج إلى إمعان نظر فيها أيضا .
مرة خاطبت مذيعة الشباب والشابات في الجامعة وقالت للأولين يا شباب إذا أردتم أن تتشبشبوا ف... واعترضت على لغتها وكتب على الفيس ، فما كان من المذيعة والعاملين معها إلا أن هاجموني مرارا بحجة أنني ألحقت بها ضررا كان يمكن أن يؤدي إلى فصلها من عملها .
وكنت أتساءل :
- لماذا لا يتعب إعلاميونا على أنفسهم ؟ لماذا لا يهتمون بلغتهم ؟ لماذا لا يثقفون أنفسهم ؟
ومن مآخذي عموما على الجامعة وجامعات الأرض المحتلة أنها غالبا ما تلجأ إلى سياسة مديح الذات والافتخار بإنجازاتها كما لو أنها تسلك سلوك شعراء النقائض في الشعر العربي ؛ مبالغة في مدح الذات وهجاء مبطن يقلل من قدرات الجامعات الأخرى ، وفيما عرفته فإن افتتاح برنامج الدكتوراه في جامعة النجاح الوطنية قصد من ورائه السبق للتفاخر بأن الجامعة فيها برامج دكتوراه ، مختلفة بذلك عن غيرها ومتميزة عنها أيضا .
٢٠٢٠
٣
أساء الشاعر لنفسه وما زالوا يسيئون إليه :
أساء الشاعر لنفسه ، ذات نهار ، حين غدا صبيا أو مثل الصبيان ، ونزل إلى مستوى أخلاقي متدن في الخصومة ، مستوى خانته ثقافته كلها ولم تسعفه لأن يرتقي إلى مستوى شاعر إنسان .
أنا احترم الشاعر - كنت وما زلت - ولم أرد أن أنزل إلى مستوى الخصومة اللاخلاقي ، فلقد آثرت احترام نفسي - هكذا أعتقد .
الآخرون الذين تمسحوا بالشاعر - أكثرهم شويعرون وأشباه كتاب - الآخرون واصلوا الانحدار بتكرار كلام الشاعر .
لماذا ؟
لأنهم يعرفون قاماتهم الشعرية والأدبية . إنهم أقزام شعريا وأدبيا و ..و ..أخلاقيا .
صباح الخير يا وطن .. كاس .. ك يا وطن او ك ...ا ..سك يا ...وطن
٢٠١١
٤
كأنني أمس رأيتها :
أمس شاركت في ندوة في مركز خليل السكاكيني .
من أعادني 22 عاما إلى الوراء ، إلى ألمانيا ؛ الى بامبرغ ؟
كأنني أمس رأيت ( يوهان ماير ) .
أمس تذكرت ( صافو )
" صباي لم يعد
في شبابه
وأنت "
سلام ..سلام .
٢٠١٢
٥
حسن حميد واتهامي بأنني كاتب تقارير :
قبل أربع سنوات تقريبا كتبت عن رواية حسن حميد " مدينة الله " كتابة لم ترق له ، فقد تساءلت : كيف يكتب كاتب رواية مكان عن مكان لم يقم فيه .
وأنا أقرأ رواية ربعي المدهون " السيدة من تل أبيب " لاحظت أن حاجز حوارة يقع على مدخل قلقيلية وأن الفلسطينية التي تقطن في رام الله ستقطع الحاجز وهي مسافرة إلى بيت لحم . آمل ألا أكون أخطات . وجل من لا يسهو .
وأنا أقرأ الرواية الممتازة للكاتبة ليلى اﻷطرش لاحظت هفوات لافتة . وقد أرسلت للكاتبة متسائلا . وآمل أن تشير الكاتبة في الطبعة الثالثة إلى ما نبهتها إليه .
طبعا لا أقصد الإساءة أو التشهير قدر ما أدافع عن آراء نقدية أتبناها وأقلها أن يتمثل الكاتب المكان الذي يكتب عنه بخاصة إذا كانت روايته رواية مكان ، بل وأن يتمثل المرحلة التي يكتب عنها .
ما زلت أصر على أن رضوى عاشور لم تكتب رواية غرناطة وإنما كتبت رواية عن فلسطين .
٦
كل شيء هاديء في العالم العربي :
كل شيء هاديء في العالم العربي .
اﻷوضاع مستقرة في سورية والعراق واليمن ومصر ، واﻷردن حولت سيوفها إلى محاريث ودباباتها إلى تراكتورات وألغت وزارة الدفاع وحولت أفراد الجيش العربي إلى مزارعين يزرعون الصحراء بالنخيل ، وأمريكا قررت بيعها القمح وأشجار النخيل بأسعار رمزية فهي دولة حليفة .
موظفو الإسعاف المدني في سورية ماتوا من الكسل وقلة اﻷعمال والطائرات السورية ما عاد لها فعل ولهذا قررت الدولة صهرها في مصنع الصلب لإرسالها إلى غزة لإعادة إعمارها .
ليس ما سبق إلا بعضا من كثير على استقرار اﻷوضاع . هكذا سمعت من مذيعة قناة الجزيرة سلمى الجمل . أسعد الله صباح سلمى . فكل شيء على ما يرام حتى لو قال دريد لحام / غوار عكس ما سبق .
٢٠١٥
٧
( حزيران الذي لا ينتهي ) 37 :
( وغزة لا تبيع البرتقال ، لأنه دمها المعلب )
زارتنا عمتي رئيسة ، بعد حزيران ، ولم نرد لها الزيارة إلا عندما تزوجت ابنة عمي رجلا من غزة .
كانت ابنة عمي ، وهي فتاة ذات شخصية ولها قرارها ، تعرفت على شاب من غزة ، وقررا الارتباط معا ، ووافق عمي ، بعد أن أخبرته عمتي وجدتي أن الشاب محترم ومن عائلة محترمة ، ولما أقيم العرس ، في بيته ، وجدنا أنفسنا في غزة لنشارك في الاحتفال .
كانت غزة ، إثر الهزيمة قد بدأت تقاوم مقاومة لافتة ، وهذا ما كتب عنه الشاعر معين بسيسو في كتابه " يوميات غزة " وفي مسرحيته " شمشون ودليلة " ، على الرغم من أنه لم يكن مقيما في المدينة . وما كتبه معين لم يكتبه ، في حينه ، أي مواطن من غزة ، ذلك أنه لم تكن فيها حركة أديبة أو صحافة ، وظل الأمر على هذا ، حتى النصف الثاني من 70 ق 20 ، حيث بدأ بعض الشباب يخربشون قصصا وقصائد تعد نواة لحركة أدبية .
أقلنا خطيب ابنة عمي في ( باص )ه الصغير الذي يتسع لثمانية تسعة ركاب ، وسرنا ، مساء ، عبر الخليل وبئر السبع ، حتى لا تحرر له مخالفة ، إن أوقفته الشرطة الإسرائيلية ، وكنا فرحين بالزيارة ، على الرغم مما كنا نسمعه عن أوضاع المدينة هناك .
كانت المقاومة مشتعلة ، وشاعت يومها مقولة أن غزة ، نهارا ، تحت سيطرة الاحتلال ، وأنها تحت سيطرة المقاومة ليلا ، ووصلنا إلى المدينة ليلا ، كأننا لا نريد أن ندخلها محتلة . وأخذ خطيب ابنة عمي يشير إلى رجال المقاومة .
لقد كانوا يسيرون في الليل وبأيديهم سلاحهم غير مبالين ، فلم تكن قوات الاحتلال الإسرائيلي تتحرك ليلا بسهولة ، خوفا من الكمائن التي كانت تعد لها .
كانت غزة مختلفة عن مدن الضفة ، وقد أرجع الأمر الى الفارق بين طبيعة النظامين ؛ الملكي الأردني ،والجمهوري الناصري ، ففي حين سلم النظام الأردني ، قبل الحرب بقليل ، بعض المتطوعين ، بنادق قديمة ، كان النظام الناصري درب مجموعات من شباب غزة واعطاهم أسلحة أحدث من البنادق العتيقة.
وصلنا ،ليلا ، إلى بيت الشاب وبدأنا نحتفل بالعرس الذي سيقام بعد يوم أو يومين .
في غزة زرت المخيم الذي كانت تقيم فيه عمتي ، وسرت على رمال البحر ، فقد كان بيتها قريبا من الشاطيء ، وعرفت شارع عمر المختار ، وكان بيت خطيب ابنة عمي قريبا منه ، ولاحظت حيا راقيا ، في بيوته تكثر أشجار الحمضيات ، وكانت الحديقة لافتة .
في ليلة من الليالي القليلة التي أنفقتها هناك ذهبت إلى النوم مبكرا ، ثم سمعت جلبة وضجة ، فهبطت من الغرفة التي كنت فيها ، لأعرف الخبر . لقد جاء رجال المقاومة ليلا ليسألوا عن صديق لخطيب ابنة عمي ، وكان السلاح معهم ، وأقسموا بشرف الثورة أنهم لن يمسوه بأذى .
كان الرجل من رجال المقاومة ، ويبدو أنهم شكوا في أمر تعاونه مع الاحتلال ، وجاؤوا ليحققوا معه ، ولكنهم لم يلقوا القبض عليه ، فقد فر هاربا ، وغادر إلى الضفة ، واستقر في مدينة طولكرم ، ويبدو أن حذرهم منه كان في مكانه .
في تلك الأيام غدت مدينتا طولكرم وقلقيلية مدينتين منشودتين لغزاويين كثر ، تركوا مدينتهم وجاؤوا ليقيموا فيهما ، وغدا أكثر هؤلاء عمالا في فلسطين ، وقسم منهم أخذ يأتي إلى نابلس ليقيم فيها .
كانت تلك الزيارة زيارة لا تنسى ، وستظل المقاومة ، في غزة ، مشتعلة حتى قام شارون بتنفيذ خطته القائمة على هدم البيوت وتوسيع المساحات بين بيوت المخيمات ، وحين نجح في خطته ، وضعفت المقاومة بدأ الغزيون يعملون في فلسطين ، وحدث ما حدث في الضفة قبل أربع سنوات ، وانقسم المناضلون فيما بينهم : أيجوز العمل في مصانع الاحتلال أم لا يجوز ؟وشغلت هذه الفكرة ذهن القاص غريب عسقلاني ، فكتب حولها بعض قصص ، وأبرزها قصة " الجوع " التي ظهرت في مجموعته " الخروج عن الصمت " 1979 .
سأزور غزة ثانية في 70 ق 20 لأشارك في نشاط أدبي ، مع كتابها الجدد ، وكانوا من أبناء جيلي تقريبا ، وسأبيت في بيت الكاتب المرحوم محمد أيوب في خان يونس بصحبة الكاتب المرحوم محمد كمال جبر، ( سأعرف أن محمد أيوب من يافا ، وأنه من مواليدها ، وأن له أبناء عم في مخيم عسكر القديم ) وستتوطد الصلة مع كتاب آخرين منهم غريب عسقلاني ( ابراهيم الزنط ) والمرحوم زكي العيلة الذي زرته في بداية 80 ق 20 وكنت ذاهبا ، مع نادي مخيم بلاطة ، لمشاهدة مباراة بين نادي المخيم وناد غزي ، وفي مخيم جباليا اصطحبنا زكي إلى جورة أبو راشد التي استوحى منها بعض قصص مجموعته الثانية " الجبل لا يأتي " 1983 ، و كان قدم لها المرحوم الشاعر سميح القاسم باعتبارها نموذجا لأدب المقاومة .
وسيظل ما كتبه محمود درويش ، في ديوانه " محاولة رقم 7 " 1974، عن غزة لافتا " وغزة لا تبيع البرتقال ،لأنه دمها المعلب /
وفي غزة اختلف الزمان مع المكان "
ولا ينسى قاريء الأدب الفلسطيني ما ورد عن شهداء غزة ، في رواية إميل حبيبي " المتشائل "عن تحرك شواهد قبور الشهداء ، في حينه .
حين كنا صغارا لم نكن نخاف . ببساطة لم أكن ، وأنا صغير ، جبانا ، وهذا ما لم أظل عليه ، ويبدو أن المرء ، كلما كبر ازداد خوفا وجبنا .
" وغزة لا تبيع البرتقال ، لأنه دمها المعلب " ، وقبل سنوات قليلة كان لي جار اسمه أبو نزار ، وقد استقر في نابلس ، ولما سألته عن بيارات البرتقال في غزة ، أجابني حزينا : " هو بقي بيارات برتقال في غزة . في غزة بشر . بشر فقط "
لم تبع غزة برتقالها ولكنها أخذت نقصه وتجتثه لتقيم مكانه مباني جديدة لأبنائها ممن هم في سن الزواج ، ولا بد من غرفة جديدة للعريس ، كما كتب حمدي الكحلوت أحد كتاب القصة في 70 ق 20 . " والبلاد إذا سمنت وارمة " على رأي مظفر النواب ، فكيف إذا كانت غزة ؟ وكيف إذا كان هناك احتلال ولاجئون و....و...
9 / 7 / 2016
٨
( حزيران الذي لا ينتهي ) 38 :
( يخرج الحي من الميت ، ويخرج الزمار من بيت الطبال )
أنتمي إلى عائلة عمالية بالدرجة الأولى ، من جهة أبي ، ومن جهة أمي أيضأ ، فلم يكن ، في العائلة ، ثمة نابغة حقق نجاحا في العلم يمكن أن يكون لي مثالا .
كان جدي لأبي ، في يافا ، بائع كعك ، وأما جدي لأمي ، فقد ترك نابلس ، إلى يافا ، ليعمل ، هناك ، منجدا ، وكان ، كما عرفت ، منجدا جوالا . وأما أبي وأعمامي فكانوا عمالا في الميناء أو سائقي سيارات ، باستثناء عمي الكبير فقد كان ذا صوت مميز ، في الغناء وفي قراءة القرآن ، ولقب ب ( بلبل فلسطين ) لأنه غنى ، في يافا ، مع محمد عبد الوهاب ، ثم إنه ، بعد نكبة 1948 وفراق زوجته له ، اتجه نحو الكيف واقترب من الجنون . وأما أخوالي فكان أحدهم ضابطا في الشرطة ، زمن الأردن ، وكان الثاني سائقا ، وامتاز بأنه صاحب نكتة يرويها بذكاء وبأسلوب آسر ، وأما الثالث فكان صاحب سبع صنائع والبخت ضائع ، وهو ميال إلى المرح .
ولما كان أبي ، ومثله اعمامي ، يخلفون كل عام أو عامين ، فقد أسفرت المسابقات القائمة على التنافس عن أسرة كثيرة العدد ، ولما كانوا لاجئين يقيمون أولا في الخيام ، وثانيا في غرف من الباطون تفصل بينها مسافات ، فلم أجد لي غرفة أدرس فيها ، مثل بقية أسر اللاجئين ، وهكذا غدوت أدرس في الشوارع ، مثلي مثل أبناء المخيم أكثرهم ، وظل أحدهم مضرب مثل حتى اليوم ، فقد حصل على المرتبة الاولى في المملكة - أيام كانت الضفة الغربية جزءا من الأردن ، وكانت دراسته تتم في الشوارع ، وتحت عمود كهرباء ، وغدا واحدا من أشهر الأطباء في الولايات المتحدة ، وكان يفترض أن ألتقي به في العقد الأخير ، ولكن موت عدنان عبدالله ، مدير المخيم السابق الذي التقى به ، ووعدني أن يعرفني به ، حال دون اللقاء ، وهكذا لم أتعرف إليه .
كان أبناء المخيم المتميزين يدرسون في الشوارع أو في ساحة مدرستي الذكور والإناث ، عصرا ، وأحيانا ، حين يمنعون من الدراسة في ساحات المدرستين ، كانوا يدرسون في المزرعة ، بخاصة بعد أن غدت مهجورة ، بعد هزيمة الجيش الأردني . واختط كل طالب طريقا له فيها ، تحت الشجر ، كما لو أن الطريق سجل باسمه في كوشان ، وهكذا غدوت أدرس في ساحات المدرسة أو في المزرعة ، وكنا نتنافس ، فيما بيننا ، في الحفظ ، وكنا نحفظ المواد عن ظهر قلب ، وأحيانا كان الطالب منا يترك الدفتر جانبا ويسمع المادة عن ظهر قلب امام زملائه ، فإن أخطأ صوبوه .
في العام 1972 سأتقدم للتوجيهي وسأدرس كما لم أكن أدرس من قبل ، وإن كنت أدرس ولا أعد من المهملين ، وقد لاحظ بعض أصدقائي جديتي واهتمامي اللافت ، فأخذوا يسخرون مني مرددين ( الأسطة سيكون من العشرة الأوائل ) ، ولم أخيب رجاءهم ، فقد قلبت سخريتهم إلى كابوس لهم .
ما زلت أذكر يوم نتيجة التوجيهي . ذهبت إلى مدرسة الجاحظ ، مدرستي ، لأسأل عن النتيجة ، وعرفت أنني ناجح ، فقد كان السكرتير يقرأ أسماء الناجحين ، وانتظرت حتى فرغ أبو هاني الجمل من تلاوة الأسماء ، واقتربت منه ومن مدير المدرسة أبو شوقي وسألتهما : هل هناك من كان من العشرة الأوائل من بين طلاب المدرسة ؟ ولم ينف أبو هاني بل أكد الأمر ، وقد سألني إن كنت أرشح طالبا ، وطلب مني أن أسمي اسماء طلاب أتوقع أن يكونوا من العشرة الأوائل ، فذكرت اسمي ، وأكد على هذا ، وأخبرني أنه هو ، ولم يكن يعرفني ، وقلت له : إنني هو .
بارك لي المدير والسكرتير ، وانطلقت إلى المخيم أعلم اهلي بالنتيجة .
ساعات العصر كنت في نادي الشباب ، المخفر السابق ، وجاء أبي ليبارك لي ، ليسألني إن كانت النتيجة جيدة ، ولما أخبرته أنني الرابع في الضفة ، فقد سألني : يعني منيح . ولم يكن أبي ، مثل جدتي ، يهتم بالعلم ، فقد كان شعارهما ( املك صنعة بتملك قلعة ) ، وهذا ما كانوا عليه هم في يافا ، فقد بنى جدي بيته ، في حي النزهة ، من وراء فرش الكعك .
يخرج الحي من الميت ، ومن بيت الطبال خرجت زمارا ، وهذا مثل شعبي يطلب منا ألا نستغرب إذا ما تميز فرد في أسرة لم يكن أفرادها متميزين . وفي ساعات المساء ستحضر خالاتي وأقاربي وسيحضرون الطبلة ، وسيطبلون ويرقصون لمدة ثلاثة أيام ، إذ كنت أول من يحقق نجاحا مثل هذا في العائلتين .
9/7/2016
٩
( حزيران الذي لا ينتهي ) 39 :
( كتبت عن الحب عشرين سطرا )
في مسيرة محمود درويش الشعرية قصائد غزل قليلة ، وقد لاحظ هو ، كما لاحظت سلمى الخضراء الجيوسي أن الشعراء الفلسطينيين خاضوا في الموضوع الوطني أكثر مما خاضوا في موضوعات أخرى ، وهي ملاحظة لاحظها من قبل عبد الرحمن الكيالي وهو يكتب عن الشعر الفلسطيني حتى العام 1948.
وحين أمعن النظر في حياتي أجدني كائنا مهموما بالقضايا الوطنية ، ومشغولا بالهم السياسي منذ العام 1966، منذ أحداث السموع والمظاهرات التي اعقبتها ، ففي ذلك العام اشتعلت الضفة الغربية ضد النظام الأردني ، وحوصرت المدن ، وفي مخيم عسكر كنت أشاهد جيش البادية يقمع المواطنين ، وفي عام الهزيمة شاهدنا الجيش الإسرائيلي ودورياته ومدرعاته ، وتظاهر الطلاب ضد الاحتلال ، كما كانوا يتظاهرون ضد الحكم الأردني ، وظل المذياع يرافقنا لمتابعة آخر الأخبار .
لم يكن ، يومها ، تلفازات ولا فضائيات ، وكان ال ( راديو )هو وسيلة الاتصال بالعالم ، ومن خلاله تابعنا أخبار معركة الكرامة التي ردت لنا بعض كرامة ، بخاصة حين أخذنا نصغي إلى أخبار عن جنود إسرائيليين احترقوا في دباباتهم ولم يتمكنوا من الفرار .
أخذ الناس يعودون إلى اسطوانتهم القديمة حول جبن اليهود وشجاعة العرب . إنها اسطوانة لطالما تكررت ، وقد ظهرت في قصص خليل السواحري " مقهى الباشورة " 1969 ، إذ في أوج الهزيمة تذكر المعلم أبو بلطة ما كان يقوم به قبل العام 1948 ، حيث كان بعصاه يغلق شارع ( مئاه شعاريم ) .
في طفولتنا اصغينا إلى قصص كهذه،ولم نتساءل : إذا كانوا جبناء ، وكنا شجعانا فكيف انتصروا علينا ؟ولم نستحضر قول المتنبي شاعر العروبة :
الرأي قبل شجاعة الشجعان /
هو أول وهي المحل الثاني
وبقينا نستمع إلى كلام عن جبن ( هم ) وشجاعت ( نا ) ، حتى خسرنا فلسطين كلها . وجاءت معركة الكرامة لتتكرر الأسطوانة أيضا ، وبقينا نصدق كلام الكبار ، وكانت عقولنا ، نحن الصغار ، في إجازة ، فقد كنا ننام على الحكاية السعيدة وانتصارنا فيها ، دون أن نلتفت إلى هزيمتنا في الواقع المهزوم .
وسنظل نحلم بانتصار ، مثلنا مثل الشاعر علي فودة الذي كتب ( بقلبي أريحا / وكنا نحن ولو مرة / لانتصار ) ، واستشهد الشاعر في حرب 1982 ، دون أن يعيش أي انتصار .
بعد الكرامة سنتابع الحرب الأهلية في الأردن ، بين الجيش الأردني والفدائيين لحظة لحظة،ساعة ساعة ، يوما يوما ، وسنعطل الدوام المدرسي وسنتظاهر وقوفا إلى جانب الفدائيين .
لقد تحولنا أيامها إلى كائنات تنام وتصحو على الأخبار ، وتعرف آخر الأحداث وتتناقلها ، وتفرح لانتصار ما ،وتحزن لهزيمة ما ، وظل الأمر ملازما لنا حتى خرجت المقاومة من الأردن في معارك جرش في العام 1971 .
في تلك الأيام بدا النظام الأردني العدو الأول للفلسطينيين ، بخاصة حين التجأ بعض الفدائيين إلى النهر وطلبوا الأمان من الإسرائيليين . ومن وحي تلك الأيام كتبت فدوى طوقان قصيدتها : تموز والشيء الآخر " ( حاذري إخوتك السبعة ) وهي قصيدة سببت لها مشاكل مع النظام الأردني ، ومع أقاربها الذين كانوا من مؤيدي النظام والدائرين في فلكه ، بل والقريبين من القصر . وفي تلك الأيام شاعت مقولة " سبعين شالوم ولا ربع اجلب(اقلب) " .
أتذكرني في تلك الأيام لا أذهب إلى المدرسة ، بل وأتذكر المدرسة تتعطل الدراسة فيها ، ونحن نقف على سور مدرسة الذكور نتابع الأخبار ولا نفعل شيئا غير هذا ، كما لو أننا بوقفتنا تلك سنعزز صمود المقاومة .
ربما كان لتلك الأيام تأثيرها اللافت لاحقا في ميلي إلى أدب القضية وعدم الالتفات الى الأدب الذي يتمحور حول الذات . وسيتعزز الأمر لدي مع مرور الأيام ، مع أحداث تل الزعتر في لبنان في 1976 ، وفي الحرب الاهلية هناك ، وسيصل أوجه في العام 1982 ، في حرب حزيران الجديدة ، وفي حزيران 1982 الممتد .
كما لو أن ما جرى في الأردن في 1970/ 1971كان امتدادا لحرب حزيران ، وكما لو أن ما جرى في لبنان كان أيضا امتدادا لحزيران ، وكما كتبت ، من قبل ، فحزيران هو أقسى الشهور . حقا هل انتهت حرب الأيام الستة ؟
وأنا في الصف الثالث الإعدادي سألنا أستاذ الاجتماعيات ، وأظن انه كان تحريريا ، السؤال التالي : هل سقطت الرصاصة التي أطلقها الشريف الحسين بن علي أم أنها مازالت معلقة بالهواء ؟ وأخذنا نضحك من السؤال ، ولم نتوقف عن الضحك إلا عندما شرح لنا المعنى الرمزي للسؤال ، وقال لنا الإجابة .
وجهة نظر الأستاذ أن الرصاصة ستظل في الهواء مادام الهاشميون يحكمون ، ولن تسقط الا بانتهاء حكمهم . هل فهمنا يومها المغزى ؟وهل كان الأستاذ قرأ كتاب أنيس صايغ " الهاشميون "
9/7/2016
١٠
جهل الطفولة :
في بداية الاحتلال الإسرائيلي كنا نتطلع إلى الفتيات اليهوديات البضات نظرةالفقير إلى الغني يتمنى أن يصبح مثله ، لا أن يذبح ابنته الشقراء .
أفكر في مقال الأحد القادم . الفكرة من وحي كتاب قرأته مؤخرا و بعض أفكاره كنت ناقشتها في رسالة الدكتوراه " اليهود في الأدب الفلسطيني بين 1913- 1987 ".
9/7/2017
١١
مقهى الكواكب "كوكب الشرق" :
مساء الثلاثاء المنصرم 3تموز فضلت أن أتسكع في شوارع عمان على أن استقل حافلة إلى الجامعة الأردنية لأذهب مع المؤتمرين إلى أحد مطاعم عمان ،حيث الجلسات الجميلة ، قرب عين الباشا .
وجدت حريتي في التجوال ورأيت صحتي في عدم تناول طعام العشاء الدسم ، فأنا أعرف ما تقدم تلك المطاعم ، وإذا انفتحت الشهية ارتفع سعر السكر وهات حلها .
وجدتني في التاسعة في المقهى أشاهد مباراة كرة القدم .
هل أنا ضد فوز الانجليز بسبب وعد "بلفور" ؟ ما شان لاعبي الرياضة بالمجحوم إن شاء الله؟ لماذا وجدتني ، للحظة ، متخلفا أعاقب الأحفاد وأتمنى هزيمة انجلترا؟
أحيانا اختبر قناعاتي وأمتحنها ،فلا يجب معاقبة الأحفاد لجرم كبير ارتكبه الأجداد .
أمس مثلا وأول أمس صرت أتمنى أن تفوز انجلترا بكأس العالم ، لا لأنني أحب بريطانيا ، وإنما لكي أختبر مدى قناعاتي بأنه لا ذنب للأحفاد في جرائم الأجداد.
والطريف أن رجلا ثقيل الظل جلس إلى جانبي أخذ يرفس وهو يتكلم فالتزمت الصمت ولم أكلمه فخجل.
بعض منا مثل
9/7/2018
١٢
خير جليس :
عادل الاسطة
هل الكتاب ما زال خير جليس ؟
روادني السؤال وأنا في عمان في بداية تموز ، حيث شاركت في مؤتمر " ما بعد " الذي عقدته الجامعة الأردنية في الثالث من الشهر الجاري ، بورقة عنوانها " الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين : لعبة الشكل ".
على هامش المؤتمر عرض السيد مهند حلوة صاحب " دار الكنوز " منشوراته التي احتوت على عناوين قيمة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية الحديثة .
نظرت في العناوين وهممت بشراء عدد من الكتب ثم تراجعت ، لا لارتفاع الأسعار ، وإنما لأنها ستشكل عبئا في أثناء عودتي عبر الجسر ، وأنا ما عدت كما كنت قبل عقد من السنين .
ما تجنبته بفعل إرادي لم أستطع تجنبه حين فرض الآخرون علي إرادتهم ، فقد أهداني بعض المشاركين نسخا من كتبهم ؛ نسخا لي شخصيا ونسخا لمكتبة جامعة النجاح . ماذا أفعل.؟
اعتدت في سفراتي الأخيرة أن أحمل كيسا من القماش أضع فيه ملابس قليلة جدا أحتاج إليها إن نمت ليلة أو ليلتين ، وما عدت أحمل حقيبة فارغة احتياطية للكتب التي أشتريها وتلك التي تهدى إلي .
يا إلاهي ؟ ماذا أفعل بالكتب المهداة ؟
منذ العام 2000 وأنا أسافر إلى عمان ، وفي كل مرة أحضر معي من 40 إلى 60 كتابا .
أعترف بأن ما أهديته من كتب ، وما اشتريته ، شكل عبئا لم أحسب حسابه ، وشعرت بأن الكتب غدت حقا عبئا ثقيلا ، فماذا أنا فاعل ؟
بعض ما أهدي إلي راق إلى محاضر فلسطيني من غزة ، فأهديته نسخي ، واضطررت إلى إيصال ما أهدي إلى الجامعة .
قبل العام 2000 كنت في ألمانيا واشتريت من هناك كتبا شحنتها ، قبل أن أعود ، بالبريد . وفي أثناء دراستي في الجامعة الأردنية كنت كلما عدت إلى نابلس أحمل ما اشتريته من كتب ولا أتذمر .
ماذا جرى لي اليوم ؟ كما لو أن شطر بيت المتنبي ما عاد يصلح لزماننا ! وربما حوره كل منا حسب ميوله ورغباته . مرة عبثت بالشطر فقلت :
خير جليس في الزمان امرأة ، وثانية فيسبوك وثالثة .... الخ .
حين أنظر فيما آلت إليه بعض المكتبات في نابلس أقول : غدا الكتاب جزءا من الماضي ومثله شطر بيت المتنبي .
مؤحرا أعدت قراءة مقدمة رواية عبد الرحيم لحبيبي " تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية " لأكتب تحت عنوان : " المخطوط كمدخل لكتابة رواية عربية " وتوقفت أمام المقدمة التي توقف لحبيبي فيها أمام ما آل إليه الكتاب ، وكان طريفا حقا .
في المقدمة يأتي سارد المقدمة على سوق العفاريت الذي تعرض فيه " المتلاشيات " - أي الأشياء المستعملة القديمة التي يتخلص أصحابها منها ويبيعونها بسعر زهيد يناسب الفقراء . نحن ننعت هذا السوق بمفردة " البالة " وأحيانا نستخدم الكلمة الألمانية له : ( آلتي ساخة /Altesache ) . ما زالت مثل هذه الأسواق موجودة في الدول المتطورة . وأنا ، في ألمانيا كنت أتجول فيها صباح أيام السبت ، واشتريت منها كتبا مستعملة بسعر زهيد -.
في المقدمة التي يصف السارد فيها قصته مع عثوره على المخطوط من سوق " المتلاشيات " ما يبين مكانة الكتاب في زماننا نحن ، وهي مكانة اختلفت بالطبع عن مكانته في 60 و 70 و 80 و 90 القرن العشرين ، ولا أقول في زمن المتنبي ، فلم يكن الكتاب في زمنه إلا نخبويا تماما ، عدا أن معطيات عصره هي غير معطيات عصرنا ، بل إن معطيات العقود الأخيرة من القرن 20 هي غير معطيات أيامنا هذه .
يكتب صاحب المقدمة كلاما كثيرا عن الكتب ؛ يكتب عن اهتمام رواد سوق " المتلاشيات " بها ، بل ويكتب عن موقف بائعي " المتلاشيات " منها .
لا أحد من رواد السوق يهتم بها ، تماما كما أن حفدة أصحاب الكتب والمكتبات لم يكترثوا بها ، فآثروا التخلص منها بطريقة أو بأخرى ، هذا إذا كانت الكتب لمثقفين ومتعلمين . وقد تكون الكتب حقا لمتعلمين ومثقفين معارضين سياسيا ، وصودرت من مكتباتهم يوم اعتقلهم النظام السياسي الحاكم ، فوصلت إلى أيدي ضابط صادرها ليبيعها .
إن ما ورد في مقدمة الرواية نعرفه نحن هنا في فلسطين جيدا . هنا ثمة مكتبات عائلات آلت أيضا إلى ما يشبه سوق " المتلاشيات " ، وأما مصادرة الكتب فعهدنا بها مع الاحتلال الإسرائيلي لا يحتاج إلى شرح .
لطالما اقتحم الإسرائيليون مكتباتنا العامة والخاصة وصادروا الكتب ، ولطالما صادروا الكتب منا ونحن عائدون من الأردن ، وأعتقد أن بعض ضباط الجسر باعوا ما صادروا إلى مكتبات الجامعات الإسرائيلية .
من قبل كنت حين أهدى كتابا أفرح والآن ما عدت . لماذا ؟
لدي من الكتب الكثير ، وكل كتاب يهديه صاحبه لي يشكل هما ، فصاحبه يطلب رأيي فيه ، وقد يكون رأيي إيجابيا وقد يكون سلبيا ، هذا إن توفر الوقت لي لاقرأه ، وإن كان رأيي سلبيا فقد أخسر صديقا ، وقد يوجع صاحب الكتاب رأسي بحديثه عن كتابه ومقصده وسوء قراءتي وعدم فهمي لما هدف إليه - إحدى الكاتبات جعلتني أشعر بندم شديد فهي لا ترى في الدنيا إلا روايتها ، وهي لا تجيد الكتابة إطلاقا ولا تعرف أبجديات النحو ، ولكنها تملك المال .
حين أنظر الآن في مكتبتي وأرى ما تشغله من حيز مكاني اتأفف . هل أنا محق ؟
ومع كل ما سبق فإن الكتاب لي شخصيا ما زال خير جليس ، وأحيانا أجدني بلا وعي أكرر بيت المتنبي كاملا مع أنني لا أجيد ركوب الخيل !!
وأحيانا أتخيل المتنبي يعيش في زماننا ويرى مباريات كرة القدم . أتخيله اليوم الأحد 15 / 7 / 2018 يشاهد مباراة كأس العالم بين كرواتيا وفرنسا ، أتخيله يجلس في مقهى مع المشاهدين . ترى هل سيردد بيته أم أنه سيعدل فيه ويبدل؟
غالبا ما نكرر :
" لكل زمان دولة ورجال "
وغالبا ما نعيد المقولة :
" لقد خلق أبناؤكم لزمن غير زمانكم " .
ومع ذلك فإن أطرف ما سمعته مؤخرا من صديق هو أن العرب لم يحققوا أي فوز مهم في مباريات كأس العالم لأنهم حثوا على تعلم الرماية والسباحة وركوب الخيل ، ولم يحثوا على تعلم كرة القدم .
١٣
الروائيون وبعث المؤلف :
هل يدحض روائيونا مقولة (رولان بارت) "موت المؤلف"؟
إنني أمام ثلاثة أصوات روائية عربية اقرأ كتبها وردودها ، تقول لي إن مقولة ( بارت ) ليست صحيحة.
الأصوات الثلاثة هي
-واسيني الأعرج وتوضيحاته لما أكتب عن رواية "مي ليالي إيزيس كوبيا ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية "
-ربعي المدهون في كتابه الأخير "سوبر نميمة".
-سحر خليفة في سيرتها "روايتي لروايتي" .
يبدو أن مقولة"المعنى في بطن الشاعر" لم تنته.
أفكر في الموضوع.
9 /.7 / 2018
١٤
الروائي ودقة المعلومات :
هل ينبغي على الروائي أن يكون دقيقا في معلوماته ؟
ماذا لو كتبت رواية واتخذت من جامعة بير زيت مرجعية جزئية لي ؟
ماذا لو كتبت أن إحدى شخصيات روايتي ناقشت رسالة دكتوراه في الجامعة المذكورة في أعمالي الروائية ؟
لو عاد ناقد إلى برامج الدراسات العليا في تلك الجامعة واكتشف أن لا برنامج دكتوراه فيها في قسمي اللغة الإنجليزية واللغة العربية ؟ هل يحق له أن يخطيء الروائي ؟
في رواية Ziad Abedelfattah "الرتنو " تناقش ناهد العطار رسالة دكتوراه في الشخصيات في روايات أبو شهد سعد الديراوي ، ويحضر الروائي المناقشة .
اختلق زياد عبد الفتاح واقعا افتراضيا وجعل من جامعة بير زيت جامعة تمنح شهادة الدكتوراه ، طبعا الدكتوراه الحقيقية لا الدكتوراه الفخرية ، فقد منحت الجامعة الدكتوراه الفخرية لشخصيات اعتبارية مثل محمود درويش .
وأنا أقرأ روايات بعض كتابنا أفكر في الكتابة عن نرجسية قسم منهم تتجلى في أعمالهم ، وكثير من هؤلاء يقدمون رأيهم في فنهم ويحللونه ويدرسونه ويشيدون به ، ومنهم يحيى يخلف في " اليد الدافئة " وزياد عبد الفتاح في " الرتنو " .
ماذا يقول النقاد في روايات روائيينا؟
غدا محاضرتي في متحف ياسر عرفات عن احتضار النقد وتسويق الأعمال الأدبية .
بعين الله .
٩تموز ٢٠١٩ .
١٥
الست كورونا : التنسيق الأمني وراء تفشي الكورونا في الأرض المحتلة ( ١٦ )
أمس خرجت لأول مرة منذ ستة أيام بعيدا عن محيط المنزل . اتصل بي ابن أختي Wisam Ibra يدعوني إلى شرب الشاي أو القهوة في شقته الجديدة لأراها فلبيت دعوته ثم تمشيت معه ومع أمه لنصف ساعة .
كان بعض المواطنين يتمشون ويأكلون البوظة ، ولأول مرة اشتريت بوظة تركية سعر الحبة الواحدة بعشرة شواكل فقلت الحمد لله أن لدينا مصنعا لإنتاج البوظة أسعار منتجاته تناسب دخل مواطنينا أكثر ولا بأس بإنتاجه .
ما زالت ظلال الجائحة قائمة ، فمحل ( فروستي ) لبيع المرطبات والعصائر يبيع للأفراد ، ولكن ساحته التي تكون في مثل هذه الأيام من العام عامرة ومكتظة كانت بلا زبائن وبلا رواد . كأنها مقفرة ( أقفر من أهله ملحوب / فالقطبيات فالذنوب ) والصالات مقفرة وكذلك المقاهي ، علما بأن ابن أخي عبد الاسطة أخبرني أنه ليلة أول أمس تأخر في العودة إلى البيت لأنه جلس في ساحة المنارة / باب الساحة ، وكانت الساحة عامرة بالرواد .
الشريط الذي أصغيت إليه ليلا ، وقد حوله إلي صديق عبر الماسنجر ، تحدث فيه صاحبه - الذي يتحدث عبر أشرطة عن سياسة السلطة الفلسطينية مبرزا من وجهة نظره ، فسادها - الشريط الذي أصغيت إليه ليلا عزا المتحدث فيه سبب شيوع الكورونا وانتشارها في الخليل إلى ثلاثة ضباط فلسطينيين عقدوا اجتماعا مع ضباط إسرائيليين فانتقلت إليهم العدوى وأصيبوا بإسهال حاد نقلوا على إثره إلى مشفى في الخليل ، وأثبتت نتيجة الفحوصات أنهم مصابون بالكورونا وتم نقلهم إلى مشفى آخر وتكتمت السلطة على الأمر ولم تقل الحقيقة عن حالتهم المرضية .
هل اسم وزيرة الصحة مي كيلة أم مي كيالة ؟
كان المتحدث يردد باستمرار مي كيالة ، وقد طلب منها أن تستقيل لأنها سوف تحاكم في الزمن القادم ، فأبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية ليس مخلدا .
( ويأتيك بالأخبار ما لم تزود ) ، وقبل يومين أصغيت إلى شريط ثان يتحدث فيه مواطن عن تزوير في تقرير وفاة قريبة له فقد بين أنها لم تمت بالكورونا كما زعم تقرير مزور صدر عن السلطة .
شو القصة ؟
أنا أصغي وأرصد ولكن ليس كل ما يقال صحيحا . حالة من البلبلة تبلبل أفكارنا وحياتنا على الأصعدة جميعها . أشرطة عن الفساد وأخرى عن التزوير وثالثة تصور كلبا يحرص على صحة صاحبه ورابعة تظهر فتاة تقرأ قصيدة تشتم فيها الزعامات العربية كلها وأبرز رسالة كانت رسالة كتبتها ليلى العراقية التي يتهمها الآخرون بأنها قحبه وزوجها قواد . تقول ليلى إنها تتاجر بجسدها ولا تؤذي أحدا ومثلها زوجها أما الحكام فهم " مناويك " باعوا الوطن كله . رسالة ليلى ذكرتني بقصيدة الشاعر العراقي مظفر النواب " في الحانة القديمة " :
" لم يفن منك سوى الجسد الفاني
أما غيرك فيبيع اليابس والأخضر " .
والحكاية تطول فهل للست كورونا اهتمام بالشرف الفردي والشرف القومي ؟ وهل تفرق بينهما ؟
٩ تموز ٢٠٢٠
١٦
يحيى السنوار ٤
كلية الشريعة في الجامعة الأردنية : عبد الله عزام ويحيى السنوار
وأنا أقرأ رواية السيد يحيى السنوار " الشوك والقرنفل " لفت نظري ما كتبه عن شباب مدينة الخليل الذين درسوا في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية ودورهم في تأسيس التيار الإسلامي في منطقة الخليل وتعاونهم مع التيار الإسلامي في قطاع غزة .
الصديق Freeman Jordon عقب على ما كتبته أول أمس ، في ٧ تموز ، تحت عنوان " غسان كنفاني ويحيى السنوار " مبديا رأيه في الصلة بين أهم رموز كلية الشريعة في الجامعة الأردنية مثل عبد الله عزام وهمام سعيد وأحمد نوفل ورموز حركة حماس وطرق تفكير الجهتين ويخلص إلى أن " السنوار وهنية ومشعل هم امتداد لاولئك ، فكرهم واحد وعقيدتهم واحدة ( من ليس من الجماعة فهو عدو ) " .
وأعتقد أن ملاحظة الصديق قد تجد في الرواية ما يدعمها من خلال علاقة الإخوة وأبناء العم في الأسرة الواحدة ، فالعلاقات الأسرية التي سادت العائلة ، قبل انتماء أفرادها إلى تنظيمي فتح وحماس ، سادها الود والمحبة والاحترام ، ولم تتغير أو تتبدل إلا بعد انتماء محمود إلى حركة فتح وانتماء إبراهيم وحسن إلى حركة حماس ، ومنذ هذا الانتماء انتقل جدل الحركتين من الشارع والجامعة إلى البيت ، فتحاصم الأخوان وابنا العم ، ووصل الخصام أحيانا إلى التطاول بالكلام والسخرية . " من ليس معي فهو ضدي " .
في ٩٠ القرن العشرين كتبت مقالة عنوانها " جناية الفصيلية على الشعب الفلسطيني " وأظن أنني نشرتها في جريدة " نابلس " التي اسسها الصحفي زهير الدبعي أبو إسلام أو في جريدة " الشعب " الفلسطينية يوم كانت تحتضر ، وفي المقالة أتيت على الفصائل وخلافاتها وانعكاس ذلك على الأسرة الفلسطينية . لقد قتلت الفصيلية مشاعر الأخوة وروح التسامح والمحبة داخل الأسرة الواحدة ، وصار الأخ يتجسس على أخيه لصالح الفصيل ، وصار ابن الأخ جاسوسا على عمه أيضا وابن الأخت جاسوسا على خاله ينقل أخباره لهذا الفصيل أو ذاك .
أطرف ما في " الشوك والقرنفل " ان والد السارد أحمد وأخويه ؛ محمود وحسن ، الذي اختفى في ١٩٦٧ ، خلف قبل استشهاده في حرب أيلول ١٩٧٠ ولدين هما ماجد وخالد ، وقد عادا إثر اتفاق أوسلو ١٩٩٣ إلى غزة وتعرفا على اخوتهم من أبيهم ، فرحبت العائلة بهما واستقبلتهما وأفسحت لهما مجال الإقامة معها في البيت ، وحين اشتد الخلاف بين السلطة وحركة حماس ، وكان إبراهيم ابن عمهما ينتمي إلى الحركة وكان متزوجا من أختهما مريم ، طلبت السلطة التي يعملان في أجهزتها منهما أن يخبراها عن مكان إبراهيم - يعني أن يسلما ابن عمهما وزوج أختهما .
وأنا أكتب عن غسان كنفاني ويحيى السنوار أتيت على قتل إبراهيم أخاه حسن ، لأن الأخير صار عميلا ، فلا رابطة للدم والرابطة الأساس هي رابطة العقيدة و ... .
في " الشوك والقرنفل " مساحة من الكتابة عن دور كلية الشريعة في الجامعة الأردنية في صياغة المنطقة ، وكلنا يعرف دور عبدالله عزام في باكستان وأفغانستان ، وثمة غير عبارة ترد على لسان إبراهيم عن البعد العربي والإسلامي لحركة حماس ، ويهدي السيد يحيى السنوار روايته إلى :
" من تعلقت افئدتهم بأرض الإسراء والمعراج من المحيط إلى الخليج ، بل من المحيط إلى المحيط " .
٩ تموز ٢٠٢١
١٧
أنا المتكلم في النص ثانية : تأويلات سطر شعري لمحمود درويش :
في ١٩٩١ أخذت وأنا في ألمانيا أعاني من تضييق أكرر على مسمع زائر هو الدكتور تركي المغيض سطر محمود درويش الشعري :
" يا أبي هل أنت أبي أم تراني صرت ابنا للصليب الأحمر ؟"
وذهبت المخيلة في تأويله إلى ما أرمي إليه كأنني أقصد شخصي في التساؤل وأسأل أبي إن كان حقا هو أبي .
مرة أتيت على أنا المتكلم في " سجل أنا عربي " وثانية على أنا المتكلم في " أنا يوسف يا أبي " و ...
مسودة ...
١٨
فتاة نابلس ١٧ :
" كل افرنجي ابرنجي " :
قبل سنوات عرفت من ابنتي التي تخرجت من الجامعة الأردنية في تخصص المحاسبة وتعاقدت مع شركة أجنبية في الأردن لتعمل فيها ، بحكم علاماتها في الدراسة ، أنها ستسافر إلى دبي لتحضر دورة هناك تعقدها الشركة الأجنبية لموظفيها الجدد فاستغربت :
- لماذا دبي ؟
كان حلم أمير أن يعمل في بنك أميركي معتبر وأن يستقر في نيويورك في بنك Burr Acheson في ال Wall Street ، ولما لم يتحقق له ذلك أولا فقد اقترح عليه السيد Hodding أن يقبل وظيفة في بنك ثان أقل مكانة وسمعة ، وهو ما يتم ، فيوافق أمير على الاقتراح ويقبل الوظيفة ومن ثم يسافر إلى الإمارات ليحضر دورة هناك لبضعة أسابيع يلتحق إثرها بالوظيفة .
يعتبر أمير Bank Von Raab خطوة ، وعندما يسافر من نابلس يكذب على أمه وأخته سارة زاعما أن عمله سيكون في نيويورك .
Fiona
كانت المشرفة على الدورة ، وقد لاحظنا أنها دعته إلى عشاء ، واعتقد وهو في شقتها أن إقامتها في دبي ستطول وتمتد إلى سنوات . ولم يكن اعتقاده من فراغ ، إذ توصل إليه من خلال الانطباعات التي تشكلت لديه من إمعانه النظر في الشقة وترتيبها ومقتنياتها .
عندما يذهب إلى البنك ليبدأ عمله تستقبله Katrina ولا يعود يرى Fiona . لقد اختفت ولم تعد تظهر .
" She was a ghost " .
" لقد كانت شبحا " .
لقد جاءت Fiona من لندن من أجل تدريبه فقط ، وهذا ما بدا له مستحيلا .
عندما قارن السارد بين التدريس في جامعة النجاح الوطنية والتدريس في الجامعات الأمريكية ذهب إلى أن هناك فارقا كبيرا جدا منحازا بالتأكيد إلى الجامعات الأميركية ، ولهذا رأى أمير في سنوات دراسته في جامعة النجاح مضيعة .
" Amir,s University years were a shroud of boredom and waste " .
هل كل افرنجي ابرنجي ؟
إما أن المؤسسات الأجنبية لا تثق بالكفاءات العربية لتدرب موظفيها أو أنها تريد أن تفيد أبناء جلدتها لتدفع لهم آلاف الدولارات ، وأرجح الثاني .
من المؤكد أن قراء الخربشات ملوا وضجروا لأنهم يريدون أن يعرفوا من هي فتاة نابلس هذه التي كانت عنوانا للرواية ؟
هل هي والدة أمير الممرضة أم حبيبته عائشة الدجاني ؟ هل هي أخته سارة أم نور أخت عائشة ؟
مع القراء حق .
٩ / ٧ / ٢٠٢٣ .
١٨ :
مستشفياتنا مثل جامعتنا : يوك
لم تقتصر الصورة السلبية في رواية ( DEAN DILLEY )" Nablus Girl " على جامعة نابلس وأعضاء هيئة التدريس فيها ، فقد شملت أيضا الأطباء والمستشفيات .
عندما تمرض والدة عائشة وتذهب إلى المشفى يجري حوار بين رئيسة الممرضات هالة والدة أمير وعائشة تخبر هالة عائشة بأنهم في المشفى ربما لا يستطيعون تقديم العناية التي تحتاجها . إنها يجب أن تكون في جنيف أو لندن .
لنقرأ العبارة الدالة :
" the so-called doctors "
الطريف أن والدة عائشة تعافت فهي لم تكن مصابة بالسرطان . الأمر تعلق بسوء التشخيص .
لنقرأ :
" In the end , Aisha's mother recovered. It was not cancer after all , but an undiscovered septicemia acquired during a careless blood test at the superbly named Nablus Martyrs Hospital "
يا ورطة DEAN DILLEY مع جامعة نابلس واطبائها ومشافيها أم ترى أن بعض ما يقوله نقوله نحن ؟
( so-called و
Superbly named)
٩ / ٧ / ٢٠٢٣
١٩
الفلسطيني في الرواية الأمريكية : فتاة نابلس مثالا
في ربيع هذا العام كتب إلي الشاعر راشد عيسى يسألني إن كان مر علي رواية عنوانها " فتاة نابلس " للمؤلف سعادة بك موره لي ، ولما بحثت عنها في مكتبة بلدية نابلس وجدت منها جزءا من أربعة أدرجت على صفحتي صورة غلافه وصورت للشاعر الصفحات الأولى منه .
تفاعل جمهور القراء ودارسي الرواية الفلسطينية مع المنشور ، فعرفت أن الأجزاء الأربعة متوفرة في مكتبة الجامعة الأردنية ، وعرفت من الصحفي جميل ضبابات أن هناك رواية لمحام أمريكي عمل مستشارا في الخليج ( DEAN DILLEY ) عنوانها " Nablus Girl " صدرت في العام ٢٠٢٢ ، ووعد جميل أن يعرفنا بمحتواها ولم يتمكن من ذلك ، فما كتب عنها بضعة أسطر فقط ، وهنا تبرع محمد أبو عرقوب المقيم في أميركا أن يوفر لي ولجميل نسختين منها ، إهداء لي كوني درسته في العام ٢٠٠٢ في جامعة النجاح الوطنية ، فهذا واجب الطالب لأستاذه ، ووعد أنه سيحضرهما شخصيا في زيارته القادمة لفلسطين ، ولم تتأخر الزيارة ، وعندما أهداني نسختي طمح أن أخربش حولها في الفيس بوك ، ولم أخيب أمله فهو وعد وأوفى ، وشرعت أقرأ كل يوم فصلا من فصول الرواية وأكتب انطباعاتي وما تستثيره في ذهني ، فالرواية حديثة الصدور وهي عن نابلس وأهلها وجامعتها ومشافيها وشوارعها ، وهي تقدم تصور السارد ، ولعله المؤلف ، لعالم أعرفه منذ سبعين عاما ، فنابلس هي مكان الولادة والنشأة والإقامة . إنها الماضي والحاضر وإن لم أعد إلى يافا فسأدفن فيها . عدا ما سبق فقد قرأت صورتها في روايات سحر خليفة وسير أدبائها مثل فدوى طوقان وعلي الخليلي وكتبت عنها الكثير في نصوصي القصصية والروائية ومذكراتي عن عملي في الجامعة ، وبدت لي رواية ( DILLEY ) رواية ثرية لإجراء مقارنات بينها وبين أدبياتنا .
ليست رواية " فتاة نابلس " أول رواية بالإنجليزية أقرأها تأتي على فلسطين والفلسطينيين ، وإن كانت الأولى عن مدينة نابلس . كان غسان كنفاني في كتابه " الأدب الصهيوني " ١٩٦٦ أول من عرفنا على صورة العربي / الفلسطيني في الرواية المكتوبة بالإنجليزية ، وكنت شخصيا قرأت بالألمانية رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " ١٩٠٢ ، بل إني لم أكتف بما قرأته في كتاب كنفاني . لقد اقتنيت رواية ( آرثر كوستلر ) " لصوص في الليل " وروايتي ( ليون أوريس ) " الخروج / اوكسودس " و " الحاج / The Haj " ووظفت هذه الروايات في العديد من دراساتي .
عندما شرعت في قراءة " فتاة نابلس " تذكرت رواية " الحاج " ، وكانت الدهشة تعتريني . إنها الدهشة نفسها التي ألمت بي في العام ١٩٩١ ، وكان السؤال هو :
- ما هي مرجعية هؤلاء الكتاب في كتابة بعض التفاصيل عن الفلسطيني ؟
لم يكتب ( أوريس ) عن المدينة الفلسطينية ، ولكنه كتب عن البدو ، أما ( ديللي ) فيكتب عن نابلس ودبي والقاهرة أيضا ، وربما تتضاءل الدهشة عندما يقرأ المرء سطرا أو سطرين عن حياته على الغلاف الأخير لروايته " إنه محام من واشنطن مع خبرة طويلة في الشرق الأوسط " وإنه عمل مستشارا في دول الخليج . إنه إذن لم يكتب عن الشرق الأوسط من فراغ ، فثمة خبرة ودراية ومعرفة ، وكونه عمل مستشارا فلا شك أن كثيرا من المعلومات التي تخص البنوك والشركات والتعاملات فيها كانت من مجال عمله .
ما لفت نظري حقيقة هو ما كتبه عن مدينة نابلس والنابلسيين والجامعة فيها وإيراده أسماء بعض شوارعها ، فهل زار المدينة أم أنه في الكتابة عنها اعتمد على الشخصيات الأمريكية التي زارت نابلس وعملت في جامعتها وكان لها حضور في الرواية ؟
وكعادة الروائيين عموما فإنه صدر روايته بالكليشيه التقليدية " هذا الكتاب عمل خيالي . الأسماء والشخصيات والأماكن والأحداث هي من نتاج خيال الكاتب أو استخدمت وهميا . أي تشابه مع أحداث حقيقية أو محلية او شخصيات واقعية ؛ حية أو ميتة ، هو بالصدفة تماما " .
وتتبع الشخصيات الفلسطينية كلها في الرواية يتطلب حيزا واسعا ، فهي عديدة يكتب تارة عنها كنماذج وطورا كشخصيات تخص مكانا بأسره ، فعائشة مثلا هي فتاة من أسرة نابلسية ثرية وهي في الوقت نفسه " a Nablusi woman " . إنها تمثل ذاتها ولكنها تجسد في صفاتها صفات المرأة النابلسية .
من الشخصيات الرئيسة في الرواية عائشة وهالة وابنها أمير . هؤلاء يحضرون أكثر من غيرهم ويمكن أن يعدوا شخصيات رئيسه ، بل إنهم كذلك ، وهم ينتمون إلى فئات اجتماعية تتفاوت طبقيا ، والعلاقة مثلا بين أمير وعائشة الطالبين الجامعيين لا يمكن أن يكتب لها النجاح . تعتقد بهذا هالة وتؤمن به أيضا عائشة التي حين تتصور الرجال الذين عرفتهم أو مروا بمخيلتها أن أمير خارج حساباتها مع أنه حلو .
هالة امرأة محبطة بسبب سجن أبيها في إيران وعائشة لا تريد البقاء في نابلس ، فلا أسرار فيها و ... وطموح أمير أكبر من التخرج من جامعة بائسة . إن جل ما يطمح إليه الأخيران ، ومثلهما سارة أخت أمير ، هو الهجرة من المدينة . إنها مدينة يمتاز أهلها بالغيبة والنميمة ، التعليم في جامعتها بائس ورديء واساتذتها لا يتطورون ومشفاها المذكور وسخ واطباؤها بؤساء التطبيب لديهم سيء وهم في الغيبة والنميمة أسوأ من الممرضات . إن رجال المدينة يرتعبون من المرأة بشكل عام وينظرون إلى من تعمل في مستوطنة نظرة سلبية ، فهي تتعاون مع الاحتلال وتفقد عذريتها ، وأما نساء نابلس المعتدات بجمالهن فهن يغرن من المرأة اليهودية ويشعرن بالأسى حين توصف بالجمال . إن الحديث عن جمالها يجعلهن في المرتبة الثانية .
وعموما فإنني أعتقد أنه لأمر مجد أن يناقش أساتذة الأدب الإنجليزي في جامعة النجاح الوطنية الرواية وأن يبدوا آراءهم فيها ، بل وأكثر من ذلك أن يستقبلوا كاتبها لمناقشته فيما كتبه .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
١٢ / ٧ / ٢٠٢٣
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ١٦ / ٧ / ٢٠٢٣ )
٢٠
غزة ( ٢٧٧ )
:
خربشات أهل غزة عن تفاصيل حياتهم اليومية
ما يلفت نظري متابعا لما يكتبه قسم من أبناء غزة ، عدا الكتابة عن الفقدان والموتى والجرحى واليتامى والأيامى والغلاء والجوع وارتفاع الأسعار وقلة المواد الغذائيه ، ومن قبل عن رحلة الخروج من معبر رفح ودولارات الرشوة ، ما يلفت نظري هو كتابتهم عن انحرافات اجتماعية يدفعهم إليها قلة ما في اليد .
قبل أسابيع كتبت مقالا عن الجوع تحت عنوان " لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر " قاربت فيه قضايا أخلاقية . يومها لم تكن الأصوات تعلو لتخوض في هذا الموضوع ، وفي الأيام الأخيرة قرأت في بعض الصفحات أكثر مما أوردته فيما كتبت ، ولسوف نقرأ في قادم الأيام في الجانب الاجتماعي ما لا يسر ، وقد خبر لاجئو غزة بعد العام ١٩٤٨ شيئا من هذا وعانوا منه وكتب كتاب القصة القصيرة منهم فيه قبل أن يكتبوا في موضوع مقاومة الاحتلال .
أمس وأنا أقرأ عن بعض القضايا الاجتماعية الأخلاقية تذكرت قصة سميرة عزام " لأنه يحبهم " والحكمة الأجنبية التي أسداها الموظف الأجنبي للموظف الفلسطيني الذي حقق معه بخصوص صديقه وصفي الذي صار لصا :
" يا إلهي أي حجر تلقمنيه وأنت تقول بحكمتك الأجنبية :
- في مثل ظروفكم يا صاحبي لا يدري المرء في أية لحظة يمكن أن يصبح لصا .. " .
قبل أقل من أسبوع كثرت الكتابة عما جرى في المستشفى الأوروبي وقد خربشت حول هذا . لقد تمت سرقة أثاث المستشفى بعد طلب الإسرائيليين من موظفيه إخلاءه .
كان الله في عون أهل قطاع غزة
صباح الخير يا غزة
خربشات عادل الاسطة
Adel Mustafa Osta
٩ / ٧ / ٢٠٢٤ .غزة 642 :
في غزة لا يوجد حلم أو أمنية . في غزة يوجد موت
إن قرأت اليوم في صفحة الكاتب شجاع الصفدي فسوف تقرأ عن قسوة الحياة التي يتقاسمها تجار بلا ضمير يدعمهم الاحتلال ليتلاعبوا بأقوات الناس ، بخاصة السلع الرئيسة . مافيا بما تعنيه الكلمة من معنى تتاجر فتبيع وتشتري وتتحكم بالأسعار . لا ضمير ولا ذمة ولا أدنى مشاعر إنسانية .
في صفحة محمد الأسطل Mohamed Omran Astal مراسل إذاعة " أجيال " يحاور المراسل الفتى عمار عدوان الذي يرى أن من يريد أن يعيش في غزة فيجب أن يكون تاجرا أو حراميا أو أن يموت من الجوع ، وقد خسرت الأجيال الشابة مستقبلها ، فمنذ عامين لم يتقدم طلاب التوجيهي للامتحان ، ومن تقدم له في العام ٢٠٢٣ لم يلتحق بأية جامعة . الصورة التي أظهرها الفتى سوداوية جدا والأفق ضبابي ومغلق . " في غزة لا يوجد حلم ولا أمنية . يوجد موت " .
في صفحات أخرى تقرأ ما سبق وتقرأ أيضا أخبارا عن الأحداث الأمنية الصعبة التي تلحقها المقاومة بجيش الاحتلال الإسرائيلي ، وغالبا ما يعتمد أصحاب هذه الصفحات على ما تنشره المواقع والصحف العبرية . أحيانا تشاهد أشرطة فيديو للإعلام العسكري لحماس أو لسرايا القدس . بيت حانون . الشجاعية . جباليا . خان يونس . شباب يقدمون ولا يحجمون ويسلكون سلوكا أسطوريا . أمس شاهدت شريط فيديو لجندي إسرائيلي يتحدث عما حدث معه في بيت حانون . مقاوم وحيد جرد الجنود الإسرائيليين الثلاثة من أسلحتهم ولما شعر بالخطر أعدم اثنين منهم وجرح الثالث .
كما كتبت في يوميات غزة 637 / 2 فإن هناك نصا غائبا لما يجري لن يكتبه إلا من عاش التجربة هناك ، ولا أظنه سيكتب من كاتب إلا إذا انتهت الحرب والتقى الكاتب بمقاتلين نجوا ، وكنت لاحظت هذا وأنا أقرأ في رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " .
هل سنقرأ لاحقا روايات عناوينها " بطل من هذا الزمان " أو روايات على شاكلة روايات الأدب الروسي في الحرب العالمية الثانية ؟
٩
٢٠١٣
٢
أنا والجامعة : جامعة الحصار والانتصار ( ٤١ ) :
لم تكن الظروف التي مرت بها جامعات الأرض المحتلة بعامة ظروفا سهلة وميسرة ، فقد عانت من الاحتلال حيث كانت الحواجز في أيام كثيرة قبل العام ١٩٩٤ تحول دون سير الدراسة بانتظام ، فكلما تظاهر الطلاب معبرين عن موقف سياسي يدعو إلى إنهاء الاحتلال ويؤيد سياسات منظمة التحرير الفلسطينية كانت الحواجز تقام على الطرق المؤدية إلى الجامعة . مجرد دورية فيها خمسة جنود تحول دون وصول سبعة آلاف طالب إلى قاعات تدريسهم وتعيدهم من حيث أتوا ، غير آبهة بما يعانونه ويكابدونه من مشقة الوصول ومن التكاليف التي يدفعها أولياء الأمور من دم القلب ، وهكذا لم تنتظم العملية التعليمية ولم ينتظم العام الدراسي ، فلم تكن تعرف متى يبدأ العام الدراسي ومتى ينتهي ، خلافا للجامعات في دول العالم كله .
ومن المؤكد أن الأمور لم تكن غالبا تمر بانتظام ، فأحيانا كان الطلاب يشتبكون بالحجارة مع قوات الاحتلال وقد ينجم عن ذلك جرحى وقتلى ، بل إنه نجم ولكني للأسف لا أملك إحصائية ولا قائمة بأسماء الطلاب الذين جرحوا أو استشهدوا ، ولا أظن أن الجامعة لا تملك مثل هذه الإحصائية ، ولكن عددا من الطلاب الذين علمتهم في الجامعة أو في المدرسة استشهدوا في مقاومة الاحتلال .
مرة كتبت قصة عنوانها " أين ذهب فيصل ؟ " وفيصل فيها هو أحد طلابي الذين استشهدوا في مقاومة الاحتلال . لم يكن فيصل الوحيد فهناك غيره عديدون ولكنه الوجيد الذي خصصته بقصة قبل استشهاده .
في صيف العام ١٩٩٢ حوصرت الجامعة لمدة يومين ، ولحسن الحظ أو لسوئه أنني قبل أن تحكم عليها السيطرة غادرتها بساعة لأسافر إلى القدس وأحرر صفحة "الشعب الثقافي " في جريدة " الشعب " المقدسية ، وكنت أغامر بالذهاب إلى القدس ، فلم يكن يسمح لنا بدخولها إلا بتصريح يصعب الحصول عليه . عدت بعد عودتي من ألمانيا إلى المشاركة في العمل الثقافي وإلى المساهمة في العمل الصحفي وتحديدا في الجريدة نفسها مع اختلاف ظروف العمل واختلاف ظروف علاقة سلطات الاحتلال بالمدينة المقدسة ودخول أهل الضفة الغربية وقطاع غزة إليها .
حوصرت الجامعة في صيف ذلك العام لمدة أيام عانى فيها آلاف الطلبة من قنابل الغاز المسيل للدموع ومن قلة النوم والطعام معاناة كبيرة ، وإن لا تكاد تذكر قياسا لمعاناة الفلسطينيين بعامة في عام النكبة وحرب أيلول والحرب الأهلية في لبنان وحروب غزة ولاحقا معاناة أهل مخيم اليرموك والمخيمات الفلسطينية في سوريا .
أطلق على الجامعة منذ ذلك اليوم اسم " جامعة الحصار والانتصار " وصار الاسم يتكرر باستمرار كما لو أنه لازمة مضافة إلى اسم الجامعة أو عنوان فرعي لها .
حقا إن الجامعة حوصرت وفك حصارها ولكني غالبا ما كنت أرى في إطلاق هذا الوصف عليها ضربا من المبالغة التي لا ضرورة لها ، فالجامعة إن حوصرت ، وقد حوصرت لأيام ، فعلام انتصرت وما هو الانتصار الذي حققته .
أحيانا كثيرة نستخدم مفردات كبيرة لإنجازات صغيرة جدا ، ونطرب لهذه المفردات ويبدو أنها تعبر عن خلل في تفكيرنا أو أنها ضرب من التعويض عما نفتقده .
مرة كتب الشاعر الشهيد علي فودة :
" بقلبي أريحا
وكنا نحن ولو مرة
لانتصار "
ومن قبله كتب شاعر أندلسي :
" مما يزهدني بأرض أندلس
ألفاظ مقتدر فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا هيئة الأسد "
وأعتقد أن إطلاق هذا الوصف على الجامعة لحصار استمر بضغة أيام كان في غير موضعه ، وغالبا ما كنت أعبر عن امتعاضي وأنا أصغي إلى مذيعي إذاعة الجامعة وبعض مسؤوليها وبعض الدكاترة يرددونه دون أن يفكروا فيه حقا وفي حصار لا يكاد يذكر إذا ما نظرنا إلى حصار بيروت في ١٩٨٢ أو إلى حصار غزة بعد العام ٢٠٠٧ وفي أثناء الحروب عليها .
حكايات الجامعة كثيرة وعديدة وحكايات الإعلام فيها تحتاج إلى إمعان نظر فيها أيضا .
مرة خاطبت مذيعة الشباب والشابات في الجامعة وقالت للأولين يا شباب إذا أردتم أن تتشبشبوا ف... واعترضت على لغتها وكتب على الفيس ، فما كان من المذيعة والعاملين معها إلا أن هاجموني مرارا بحجة أنني ألحقت بها ضررا كان يمكن أن يؤدي إلى فصلها من عملها .
وكنت أتساءل :
- لماذا لا يتعب إعلاميونا على أنفسهم ؟ لماذا لا يهتمون بلغتهم ؟ لماذا لا يثقفون أنفسهم ؟
ومن مآخذي عموما على الجامعة وجامعات الأرض المحتلة أنها غالبا ما تلجأ إلى سياسة مديح الذات والافتخار بإنجازاتها كما لو أنها تسلك سلوك شعراء النقائض في الشعر العربي ؛ مبالغة في مدح الذات وهجاء مبطن يقلل من قدرات الجامعات الأخرى ، وفيما عرفته فإن افتتاح برنامج الدكتوراه في جامعة النجاح الوطنية قصد من ورائه السبق للتفاخر بأن الجامعة فيها برامج دكتوراه ، مختلفة بذلك عن غيرها ومتميزة عنها أيضا .
٢٠٢٠
٣
أساء الشاعر لنفسه وما زالوا يسيئون إليه :
أساء الشاعر لنفسه ، ذات نهار ، حين غدا صبيا أو مثل الصبيان ، ونزل إلى مستوى أخلاقي متدن في الخصومة ، مستوى خانته ثقافته كلها ولم تسعفه لأن يرتقي إلى مستوى شاعر إنسان .
أنا احترم الشاعر - كنت وما زلت - ولم أرد أن أنزل إلى مستوى الخصومة اللاخلاقي ، فلقد آثرت احترام نفسي - هكذا أعتقد .
الآخرون الذين تمسحوا بالشاعر - أكثرهم شويعرون وأشباه كتاب - الآخرون واصلوا الانحدار بتكرار كلام الشاعر .
لماذا ؟
لأنهم يعرفون قاماتهم الشعرية والأدبية . إنهم أقزام شعريا وأدبيا و ..و ..أخلاقيا .
صباح الخير يا وطن .. كاس .. ك يا وطن او ك ...ا ..سك يا ...وطن
٢٠١١
٤
كأنني أمس رأيتها :
أمس شاركت في ندوة في مركز خليل السكاكيني .
من أعادني 22 عاما إلى الوراء ، إلى ألمانيا ؛ الى بامبرغ ؟
كأنني أمس رأيت ( يوهان ماير ) .
أمس تذكرت ( صافو )
" صباي لم يعد
في شبابه
وأنت "
سلام ..سلام .
٢٠١٢
٥
حسن حميد واتهامي بأنني كاتب تقارير :
قبل أربع سنوات تقريبا كتبت عن رواية حسن حميد " مدينة الله " كتابة لم ترق له ، فقد تساءلت : كيف يكتب كاتب رواية مكان عن مكان لم يقم فيه .
وأنا أقرأ رواية ربعي المدهون " السيدة من تل أبيب " لاحظت أن حاجز حوارة يقع على مدخل قلقيلية وأن الفلسطينية التي تقطن في رام الله ستقطع الحاجز وهي مسافرة إلى بيت لحم . آمل ألا أكون أخطات . وجل من لا يسهو .
وأنا أقرأ الرواية الممتازة للكاتبة ليلى اﻷطرش لاحظت هفوات لافتة . وقد أرسلت للكاتبة متسائلا . وآمل أن تشير الكاتبة في الطبعة الثالثة إلى ما نبهتها إليه .
طبعا لا أقصد الإساءة أو التشهير قدر ما أدافع عن آراء نقدية أتبناها وأقلها أن يتمثل الكاتب المكان الذي يكتب عنه بخاصة إذا كانت روايته رواية مكان ، بل وأن يتمثل المرحلة التي يكتب عنها .
ما زلت أصر على أن رضوى عاشور لم تكتب رواية غرناطة وإنما كتبت رواية عن فلسطين .
٦
كل شيء هاديء في العالم العربي :
كل شيء هاديء في العالم العربي .
اﻷوضاع مستقرة في سورية والعراق واليمن ومصر ، واﻷردن حولت سيوفها إلى محاريث ودباباتها إلى تراكتورات وألغت وزارة الدفاع وحولت أفراد الجيش العربي إلى مزارعين يزرعون الصحراء بالنخيل ، وأمريكا قررت بيعها القمح وأشجار النخيل بأسعار رمزية فهي دولة حليفة .
موظفو الإسعاف المدني في سورية ماتوا من الكسل وقلة اﻷعمال والطائرات السورية ما عاد لها فعل ولهذا قررت الدولة صهرها في مصنع الصلب لإرسالها إلى غزة لإعادة إعمارها .
ليس ما سبق إلا بعضا من كثير على استقرار اﻷوضاع . هكذا سمعت من مذيعة قناة الجزيرة سلمى الجمل . أسعد الله صباح سلمى . فكل شيء على ما يرام حتى لو قال دريد لحام / غوار عكس ما سبق .
٢٠١٥
٧
( حزيران الذي لا ينتهي ) 37 :
( وغزة لا تبيع البرتقال ، لأنه دمها المعلب )
زارتنا عمتي رئيسة ، بعد حزيران ، ولم نرد لها الزيارة إلا عندما تزوجت ابنة عمي رجلا من غزة .
كانت ابنة عمي ، وهي فتاة ذات شخصية ولها قرارها ، تعرفت على شاب من غزة ، وقررا الارتباط معا ، ووافق عمي ، بعد أن أخبرته عمتي وجدتي أن الشاب محترم ومن عائلة محترمة ، ولما أقيم العرس ، في بيته ، وجدنا أنفسنا في غزة لنشارك في الاحتفال .
كانت غزة ، إثر الهزيمة قد بدأت تقاوم مقاومة لافتة ، وهذا ما كتب عنه الشاعر معين بسيسو في كتابه " يوميات غزة " وفي مسرحيته " شمشون ودليلة " ، على الرغم من أنه لم يكن مقيما في المدينة . وما كتبه معين لم يكتبه ، في حينه ، أي مواطن من غزة ، ذلك أنه لم تكن فيها حركة أديبة أو صحافة ، وظل الأمر على هذا ، حتى النصف الثاني من 70 ق 20 ، حيث بدأ بعض الشباب يخربشون قصصا وقصائد تعد نواة لحركة أدبية .
أقلنا خطيب ابنة عمي في ( باص )ه الصغير الذي يتسع لثمانية تسعة ركاب ، وسرنا ، مساء ، عبر الخليل وبئر السبع ، حتى لا تحرر له مخالفة ، إن أوقفته الشرطة الإسرائيلية ، وكنا فرحين بالزيارة ، على الرغم مما كنا نسمعه عن أوضاع المدينة هناك .
كانت المقاومة مشتعلة ، وشاعت يومها مقولة أن غزة ، نهارا ، تحت سيطرة الاحتلال ، وأنها تحت سيطرة المقاومة ليلا ، ووصلنا إلى المدينة ليلا ، كأننا لا نريد أن ندخلها محتلة . وأخذ خطيب ابنة عمي يشير إلى رجال المقاومة .
لقد كانوا يسيرون في الليل وبأيديهم سلاحهم غير مبالين ، فلم تكن قوات الاحتلال الإسرائيلي تتحرك ليلا بسهولة ، خوفا من الكمائن التي كانت تعد لها .
كانت غزة مختلفة عن مدن الضفة ، وقد أرجع الأمر الى الفارق بين طبيعة النظامين ؛ الملكي الأردني ،والجمهوري الناصري ، ففي حين سلم النظام الأردني ، قبل الحرب بقليل ، بعض المتطوعين ، بنادق قديمة ، كان النظام الناصري درب مجموعات من شباب غزة واعطاهم أسلحة أحدث من البنادق العتيقة.
وصلنا ،ليلا ، إلى بيت الشاب وبدأنا نحتفل بالعرس الذي سيقام بعد يوم أو يومين .
في غزة زرت المخيم الذي كانت تقيم فيه عمتي ، وسرت على رمال البحر ، فقد كان بيتها قريبا من الشاطيء ، وعرفت شارع عمر المختار ، وكان بيت خطيب ابنة عمي قريبا منه ، ولاحظت حيا راقيا ، في بيوته تكثر أشجار الحمضيات ، وكانت الحديقة لافتة .
في ليلة من الليالي القليلة التي أنفقتها هناك ذهبت إلى النوم مبكرا ، ثم سمعت جلبة وضجة ، فهبطت من الغرفة التي كنت فيها ، لأعرف الخبر . لقد جاء رجال المقاومة ليلا ليسألوا عن صديق لخطيب ابنة عمي ، وكان السلاح معهم ، وأقسموا بشرف الثورة أنهم لن يمسوه بأذى .
كان الرجل من رجال المقاومة ، ويبدو أنهم شكوا في أمر تعاونه مع الاحتلال ، وجاؤوا ليحققوا معه ، ولكنهم لم يلقوا القبض عليه ، فقد فر هاربا ، وغادر إلى الضفة ، واستقر في مدينة طولكرم ، ويبدو أن حذرهم منه كان في مكانه .
في تلك الأيام غدت مدينتا طولكرم وقلقيلية مدينتين منشودتين لغزاويين كثر ، تركوا مدينتهم وجاؤوا ليقيموا فيهما ، وغدا أكثر هؤلاء عمالا في فلسطين ، وقسم منهم أخذ يأتي إلى نابلس ليقيم فيها .
كانت تلك الزيارة زيارة لا تنسى ، وستظل المقاومة ، في غزة ، مشتعلة حتى قام شارون بتنفيذ خطته القائمة على هدم البيوت وتوسيع المساحات بين بيوت المخيمات ، وحين نجح في خطته ، وضعفت المقاومة بدأ الغزيون يعملون في فلسطين ، وحدث ما حدث في الضفة قبل أربع سنوات ، وانقسم المناضلون فيما بينهم : أيجوز العمل في مصانع الاحتلال أم لا يجوز ؟وشغلت هذه الفكرة ذهن القاص غريب عسقلاني ، فكتب حولها بعض قصص ، وأبرزها قصة " الجوع " التي ظهرت في مجموعته " الخروج عن الصمت " 1979 .
سأزور غزة ثانية في 70 ق 20 لأشارك في نشاط أدبي ، مع كتابها الجدد ، وكانوا من أبناء جيلي تقريبا ، وسأبيت في بيت الكاتب المرحوم محمد أيوب في خان يونس بصحبة الكاتب المرحوم محمد كمال جبر، ( سأعرف أن محمد أيوب من يافا ، وأنه من مواليدها ، وأن له أبناء عم في مخيم عسكر القديم ) وستتوطد الصلة مع كتاب آخرين منهم غريب عسقلاني ( ابراهيم الزنط ) والمرحوم زكي العيلة الذي زرته في بداية 80 ق 20 وكنت ذاهبا ، مع نادي مخيم بلاطة ، لمشاهدة مباراة بين نادي المخيم وناد غزي ، وفي مخيم جباليا اصطحبنا زكي إلى جورة أبو راشد التي استوحى منها بعض قصص مجموعته الثانية " الجبل لا يأتي " 1983 ، و كان قدم لها المرحوم الشاعر سميح القاسم باعتبارها نموذجا لأدب المقاومة .
وسيظل ما كتبه محمود درويش ، في ديوانه " محاولة رقم 7 " 1974، عن غزة لافتا " وغزة لا تبيع البرتقال ،لأنه دمها المعلب /
وفي غزة اختلف الزمان مع المكان "
ولا ينسى قاريء الأدب الفلسطيني ما ورد عن شهداء غزة ، في رواية إميل حبيبي " المتشائل "عن تحرك شواهد قبور الشهداء ، في حينه .
حين كنا صغارا لم نكن نخاف . ببساطة لم أكن ، وأنا صغير ، جبانا ، وهذا ما لم أظل عليه ، ويبدو أن المرء ، كلما كبر ازداد خوفا وجبنا .
" وغزة لا تبيع البرتقال ، لأنه دمها المعلب " ، وقبل سنوات قليلة كان لي جار اسمه أبو نزار ، وقد استقر في نابلس ، ولما سألته عن بيارات البرتقال في غزة ، أجابني حزينا : " هو بقي بيارات برتقال في غزة . في غزة بشر . بشر فقط "
لم تبع غزة برتقالها ولكنها أخذت نقصه وتجتثه لتقيم مكانه مباني جديدة لأبنائها ممن هم في سن الزواج ، ولا بد من غرفة جديدة للعريس ، كما كتب حمدي الكحلوت أحد كتاب القصة في 70 ق 20 . " والبلاد إذا سمنت وارمة " على رأي مظفر النواب ، فكيف إذا كانت غزة ؟ وكيف إذا كان هناك احتلال ولاجئون و....و...
9 / 7 / 2016
٨
( حزيران الذي لا ينتهي ) 38 :
( يخرج الحي من الميت ، ويخرج الزمار من بيت الطبال )
أنتمي إلى عائلة عمالية بالدرجة الأولى ، من جهة أبي ، ومن جهة أمي أيضأ ، فلم يكن ، في العائلة ، ثمة نابغة حقق نجاحا في العلم يمكن أن يكون لي مثالا .
كان جدي لأبي ، في يافا ، بائع كعك ، وأما جدي لأمي ، فقد ترك نابلس ، إلى يافا ، ليعمل ، هناك ، منجدا ، وكان ، كما عرفت ، منجدا جوالا . وأما أبي وأعمامي فكانوا عمالا في الميناء أو سائقي سيارات ، باستثناء عمي الكبير فقد كان ذا صوت مميز ، في الغناء وفي قراءة القرآن ، ولقب ب ( بلبل فلسطين ) لأنه غنى ، في يافا ، مع محمد عبد الوهاب ، ثم إنه ، بعد نكبة 1948 وفراق زوجته له ، اتجه نحو الكيف واقترب من الجنون . وأما أخوالي فكان أحدهم ضابطا في الشرطة ، زمن الأردن ، وكان الثاني سائقا ، وامتاز بأنه صاحب نكتة يرويها بذكاء وبأسلوب آسر ، وأما الثالث فكان صاحب سبع صنائع والبخت ضائع ، وهو ميال إلى المرح .
ولما كان أبي ، ومثله اعمامي ، يخلفون كل عام أو عامين ، فقد أسفرت المسابقات القائمة على التنافس عن أسرة كثيرة العدد ، ولما كانوا لاجئين يقيمون أولا في الخيام ، وثانيا في غرف من الباطون تفصل بينها مسافات ، فلم أجد لي غرفة أدرس فيها ، مثل بقية أسر اللاجئين ، وهكذا غدوت أدرس في الشوارع ، مثلي مثل أبناء المخيم أكثرهم ، وظل أحدهم مضرب مثل حتى اليوم ، فقد حصل على المرتبة الاولى في المملكة - أيام كانت الضفة الغربية جزءا من الأردن ، وكانت دراسته تتم في الشوارع ، وتحت عمود كهرباء ، وغدا واحدا من أشهر الأطباء في الولايات المتحدة ، وكان يفترض أن ألتقي به في العقد الأخير ، ولكن موت عدنان عبدالله ، مدير المخيم السابق الذي التقى به ، ووعدني أن يعرفني به ، حال دون اللقاء ، وهكذا لم أتعرف إليه .
كان أبناء المخيم المتميزين يدرسون في الشوارع أو في ساحة مدرستي الذكور والإناث ، عصرا ، وأحيانا ، حين يمنعون من الدراسة في ساحات المدرستين ، كانوا يدرسون في المزرعة ، بخاصة بعد أن غدت مهجورة ، بعد هزيمة الجيش الأردني . واختط كل طالب طريقا له فيها ، تحت الشجر ، كما لو أن الطريق سجل باسمه في كوشان ، وهكذا غدوت أدرس في ساحات المدرسة أو في المزرعة ، وكنا نتنافس ، فيما بيننا ، في الحفظ ، وكنا نحفظ المواد عن ظهر قلب ، وأحيانا كان الطالب منا يترك الدفتر جانبا ويسمع المادة عن ظهر قلب امام زملائه ، فإن أخطأ صوبوه .
في العام 1972 سأتقدم للتوجيهي وسأدرس كما لم أكن أدرس من قبل ، وإن كنت أدرس ولا أعد من المهملين ، وقد لاحظ بعض أصدقائي جديتي واهتمامي اللافت ، فأخذوا يسخرون مني مرددين ( الأسطة سيكون من العشرة الأوائل ) ، ولم أخيب رجاءهم ، فقد قلبت سخريتهم إلى كابوس لهم .
ما زلت أذكر يوم نتيجة التوجيهي . ذهبت إلى مدرسة الجاحظ ، مدرستي ، لأسأل عن النتيجة ، وعرفت أنني ناجح ، فقد كان السكرتير يقرأ أسماء الناجحين ، وانتظرت حتى فرغ أبو هاني الجمل من تلاوة الأسماء ، واقتربت منه ومن مدير المدرسة أبو شوقي وسألتهما : هل هناك من كان من العشرة الأوائل من بين طلاب المدرسة ؟ ولم ينف أبو هاني بل أكد الأمر ، وقد سألني إن كنت أرشح طالبا ، وطلب مني أن أسمي اسماء طلاب أتوقع أن يكونوا من العشرة الأوائل ، فذكرت اسمي ، وأكد على هذا ، وأخبرني أنه هو ، ولم يكن يعرفني ، وقلت له : إنني هو .
بارك لي المدير والسكرتير ، وانطلقت إلى المخيم أعلم اهلي بالنتيجة .
ساعات العصر كنت في نادي الشباب ، المخفر السابق ، وجاء أبي ليبارك لي ، ليسألني إن كانت النتيجة جيدة ، ولما أخبرته أنني الرابع في الضفة ، فقد سألني : يعني منيح . ولم يكن أبي ، مثل جدتي ، يهتم بالعلم ، فقد كان شعارهما ( املك صنعة بتملك قلعة ) ، وهذا ما كانوا عليه هم في يافا ، فقد بنى جدي بيته ، في حي النزهة ، من وراء فرش الكعك .
يخرج الحي من الميت ، ومن بيت الطبال خرجت زمارا ، وهذا مثل شعبي يطلب منا ألا نستغرب إذا ما تميز فرد في أسرة لم يكن أفرادها متميزين . وفي ساعات المساء ستحضر خالاتي وأقاربي وسيحضرون الطبلة ، وسيطبلون ويرقصون لمدة ثلاثة أيام ، إذ كنت أول من يحقق نجاحا مثل هذا في العائلتين .
9/7/2016
٩
( حزيران الذي لا ينتهي ) 39 :
( كتبت عن الحب عشرين سطرا )
في مسيرة محمود درويش الشعرية قصائد غزل قليلة ، وقد لاحظ هو ، كما لاحظت سلمى الخضراء الجيوسي أن الشعراء الفلسطينيين خاضوا في الموضوع الوطني أكثر مما خاضوا في موضوعات أخرى ، وهي ملاحظة لاحظها من قبل عبد الرحمن الكيالي وهو يكتب عن الشعر الفلسطيني حتى العام 1948.
وحين أمعن النظر في حياتي أجدني كائنا مهموما بالقضايا الوطنية ، ومشغولا بالهم السياسي منذ العام 1966، منذ أحداث السموع والمظاهرات التي اعقبتها ، ففي ذلك العام اشتعلت الضفة الغربية ضد النظام الأردني ، وحوصرت المدن ، وفي مخيم عسكر كنت أشاهد جيش البادية يقمع المواطنين ، وفي عام الهزيمة شاهدنا الجيش الإسرائيلي ودورياته ومدرعاته ، وتظاهر الطلاب ضد الاحتلال ، كما كانوا يتظاهرون ضد الحكم الأردني ، وظل المذياع يرافقنا لمتابعة آخر الأخبار .
لم يكن ، يومها ، تلفازات ولا فضائيات ، وكان ال ( راديو )هو وسيلة الاتصال بالعالم ، ومن خلاله تابعنا أخبار معركة الكرامة التي ردت لنا بعض كرامة ، بخاصة حين أخذنا نصغي إلى أخبار عن جنود إسرائيليين احترقوا في دباباتهم ولم يتمكنوا من الفرار .
أخذ الناس يعودون إلى اسطوانتهم القديمة حول جبن اليهود وشجاعة العرب . إنها اسطوانة لطالما تكررت ، وقد ظهرت في قصص خليل السواحري " مقهى الباشورة " 1969 ، إذ في أوج الهزيمة تذكر المعلم أبو بلطة ما كان يقوم به قبل العام 1948 ، حيث كان بعصاه يغلق شارع ( مئاه شعاريم ) .
في طفولتنا اصغينا إلى قصص كهذه،ولم نتساءل : إذا كانوا جبناء ، وكنا شجعانا فكيف انتصروا علينا ؟ولم نستحضر قول المتنبي شاعر العروبة :
الرأي قبل شجاعة الشجعان /
هو أول وهي المحل الثاني
وبقينا نستمع إلى كلام عن جبن ( هم ) وشجاعت ( نا ) ، حتى خسرنا فلسطين كلها . وجاءت معركة الكرامة لتتكرر الأسطوانة أيضا ، وبقينا نصدق كلام الكبار ، وكانت عقولنا ، نحن الصغار ، في إجازة ، فقد كنا ننام على الحكاية السعيدة وانتصارنا فيها ، دون أن نلتفت إلى هزيمتنا في الواقع المهزوم .
وسنظل نحلم بانتصار ، مثلنا مثل الشاعر علي فودة الذي كتب ( بقلبي أريحا / وكنا نحن ولو مرة / لانتصار ) ، واستشهد الشاعر في حرب 1982 ، دون أن يعيش أي انتصار .
بعد الكرامة سنتابع الحرب الأهلية في الأردن ، بين الجيش الأردني والفدائيين لحظة لحظة،ساعة ساعة ، يوما يوما ، وسنعطل الدوام المدرسي وسنتظاهر وقوفا إلى جانب الفدائيين .
لقد تحولنا أيامها إلى كائنات تنام وتصحو على الأخبار ، وتعرف آخر الأحداث وتتناقلها ، وتفرح لانتصار ما ،وتحزن لهزيمة ما ، وظل الأمر ملازما لنا حتى خرجت المقاومة من الأردن في معارك جرش في العام 1971 .
في تلك الأيام بدا النظام الأردني العدو الأول للفلسطينيين ، بخاصة حين التجأ بعض الفدائيين إلى النهر وطلبوا الأمان من الإسرائيليين . ومن وحي تلك الأيام كتبت فدوى طوقان قصيدتها : تموز والشيء الآخر " ( حاذري إخوتك السبعة ) وهي قصيدة سببت لها مشاكل مع النظام الأردني ، ومع أقاربها الذين كانوا من مؤيدي النظام والدائرين في فلكه ، بل والقريبين من القصر . وفي تلك الأيام شاعت مقولة " سبعين شالوم ولا ربع اجلب(اقلب) " .
أتذكرني في تلك الأيام لا أذهب إلى المدرسة ، بل وأتذكر المدرسة تتعطل الدراسة فيها ، ونحن نقف على سور مدرسة الذكور نتابع الأخبار ولا نفعل شيئا غير هذا ، كما لو أننا بوقفتنا تلك سنعزز صمود المقاومة .
ربما كان لتلك الأيام تأثيرها اللافت لاحقا في ميلي إلى أدب القضية وعدم الالتفات الى الأدب الذي يتمحور حول الذات . وسيتعزز الأمر لدي مع مرور الأيام ، مع أحداث تل الزعتر في لبنان في 1976 ، وفي الحرب الاهلية هناك ، وسيصل أوجه في العام 1982 ، في حرب حزيران الجديدة ، وفي حزيران 1982 الممتد .
كما لو أن ما جرى في الأردن في 1970/ 1971كان امتدادا لحرب حزيران ، وكما لو أن ما جرى في لبنان كان أيضا امتدادا لحزيران ، وكما كتبت ، من قبل ، فحزيران هو أقسى الشهور . حقا هل انتهت حرب الأيام الستة ؟
وأنا في الصف الثالث الإعدادي سألنا أستاذ الاجتماعيات ، وأظن انه كان تحريريا ، السؤال التالي : هل سقطت الرصاصة التي أطلقها الشريف الحسين بن علي أم أنها مازالت معلقة بالهواء ؟ وأخذنا نضحك من السؤال ، ولم نتوقف عن الضحك إلا عندما شرح لنا المعنى الرمزي للسؤال ، وقال لنا الإجابة .
وجهة نظر الأستاذ أن الرصاصة ستظل في الهواء مادام الهاشميون يحكمون ، ولن تسقط الا بانتهاء حكمهم . هل فهمنا يومها المغزى ؟وهل كان الأستاذ قرأ كتاب أنيس صايغ " الهاشميون "
9/7/2016
١٠
جهل الطفولة :
في بداية الاحتلال الإسرائيلي كنا نتطلع إلى الفتيات اليهوديات البضات نظرةالفقير إلى الغني يتمنى أن يصبح مثله ، لا أن يذبح ابنته الشقراء .
أفكر في مقال الأحد القادم . الفكرة من وحي كتاب قرأته مؤخرا و بعض أفكاره كنت ناقشتها في رسالة الدكتوراه " اليهود في الأدب الفلسطيني بين 1913- 1987 ".
9/7/2017
١١
مقهى الكواكب "كوكب الشرق" :
مساء الثلاثاء المنصرم 3تموز فضلت أن أتسكع في شوارع عمان على أن استقل حافلة إلى الجامعة الأردنية لأذهب مع المؤتمرين إلى أحد مطاعم عمان ،حيث الجلسات الجميلة ، قرب عين الباشا .
وجدت حريتي في التجوال ورأيت صحتي في عدم تناول طعام العشاء الدسم ، فأنا أعرف ما تقدم تلك المطاعم ، وإذا انفتحت الشهية ارتفع سعر السكر وهات حلها .
وجدتني في التاسعة في المقهى أشاهد مباراة كرة القدم .
هل أنا ضد فوز الانجليز بسبب وعد "بلفور" ؟ ما شان لاعبي الرياضة بالمجحوم إن شاء الله؟ لماذا وجدتني ، للحظة ، متخلفا أعاقب الأحفاد وأتمنى هزيمة انجلترا؟
أحيانا اختبر قناعاتي وأمتحنها ،فلا يجب معاقبة الأحفاد لجرم كبير ارتكبه الأجداد .
أمس مثلا وأول أمس صرت أتمنى أن تفوز انجلترا بكأس العالم ، لا لأنني أحب بريطانيا ، وإنما لكي أختبر مدى قناعاتي بأنه لا ذنب للأحفاد في جرائم الأجداد.
والطريف أن رجلا ثقيل الظل جلس إلى جانبي أخذ يرفس وهو يتكلم فالتزمت الصمت ولم أكلمه فخجل.
بعض منا مثل
9/7/2018
١٢
خير جليس :
عادل الاسطة
هل الكتاب ما زال خير جليس ؟
روادني السؤال وأنا في عمان في بداية تموز ، حيث شاركت في مؤتمر " ما بعد " الذي عقدته الجامعة الأردنية في الثالث من الشهر الجاري ، بورقة عنوانها " الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين : لعبة الشكل ".
على هامش المؤتمر عرض السيد مهند حلوة صاحب " دار الكنوز " منشوراته التي احتوت على عناوين قيمة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية الحديثة .
نظرت في العناوين وهممت بشراء عدد من الكتب ثم تراجعت ، لا لارتفاع الأسعار ، وإنما لأنها ستشكل عبئا في أثناء عودتي عبر الجسر ، وأنا ما عدت كما كنت قبل عقد من السنين .
ما تجنبته بفعل إرادي لم أستطع تجنبه حين فرض الآخرون علي إرادتهم ، فقد أهداني بعض المشاركين نسخا من كتبهم ؛ نسخا لي شخصيا ونسخا لمكتبة جامعة النجاح . ماذا أفعل.؟
اعتدت في سفراتي الأخيرة أن أحمل كيسا من القماش أضع فيه ملابس قليلة جدا أحتاج إليها إن نمت ليلة أو ليلتين ، وما عدت أحمل حقيبة فارغة احتياطية للكتب التي أشتريها وتلك التي تهدى إلي .
يا إلاهي ؟ ماذا أفعل بالكتب المهداة ؟
منذ العام 2000 وأنا أسافر إلى عمان ، وفي كل مرة أحضر معي من 40 إلى 60 كتابا .
أعترف بأن ما أهديته من كتب ، وما اشتريته ، شكل عبئا لم أحسب حسابه ، وشعرت بأن الكتب غدت حقا عبئا ثقيلا ، فماذا أنا فاعل ؟
بعض ما أهدي إلي راق إلى محاضر فلسطيني من غزة ، فأهديته نسخي ، واضطررت إلى إيصال ما أهدي إلى الجامعة .
قبل العام 2000 كنت في ألمانيا واشتريت من هناك كتبا شحنتها ، قبل أن أعود ، بالبريد . وفي أثناء دراستي في الجامعة الأردنية كنت كلما عدت إلى نابلس أحمل ما اشتريته من كتب ولا أتذمر .
ماذا جرى لي اليوم ؟ كما لو أن شطر بيت المتنبي ما عاد يصلح لزماننا ! وربما حوره كل منا حسب ميوله ورغباته . مرة عبثت بالشطر فقلت :
خير جليس في الزمان امرأة ، وثانية فيسبوك وثالثة .... الخ .
حين أنظر فيما آلت إليه بعض المكتبات في نابلس أقول : غدا الكتاب جزءا من الماضي ومثله شطر بيت المتنبي .
مؤحرا أعدت قراءة مقدمة رواية عبد الرحيم لحبيبي " تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية " لأكتب تحت عنوان : " المخطوط كمدخل لكتابة رواية عربية " وتوقفت أمام المقدمة التي توقف لحبيبي فيها أمام ما آل إليه الكتاب ، وكان طريفا حقا .
في المقدمة يأتي سارد المقدمة على سوق العفاريت الذي تعرض فيه " المتلاشيات " - أي الأشياء المستعملة القديمة التي يتخلص أصحابها منها ويبيعونها بسعر زهيد يناسب الفقراء . نحن ننعت هذا السوق بمفردة " البالة " وأحيانا نستخدم الكلمة الألمانية له : ( آلتي ساخة /Altesache ) . ما زالت مثل هذه الأسواق موجودة في الدول المتطورة . وأنا ، في ألمانيا كنت أتجول فيها صباح أيام السبت ، واشتريت منها كتبا مستعملة بسعر زهيد -.
في المقدمة التي يصف السارد فيها قصته مع عثوره على المخطوط من سوق " المتلاشيات " ما يبين مكانة الكتاب في زماننا نحن ، وهي مكانة اختلفت بالطبع عن مكانته في 60 و 70 و 80 و 90 القرن العشرين ، ولا أقول في زمن المتنبي ، فلم يكن الكتاب في زمنه إلا نخبويا تماما ، عدا أن معطيات عصره هي غير معطيات عصرنا ، بل إن معطيات العقود الأخيرة من القرن 20 هي غير معطيات أيامنا هذه .
يكتب صاحب المقدمة كلاما كثيرا عن الكتب ؛ يكتب عن اهتمام رواد سوق " المتلاشيات " بها ، بل ويكتب عن موقف بائعي " المتلاشيات " منها .
لا أحد من رواد السوق يهتم بها ، تماما كما أن حفدة أصحاب الكتب والمكتبات لم يكترثوا بها ، فآثروا التخلص منها بطريقة أو بأخرى ، هذا إذا كانت الكتب لمثقفين ومتعلمين . وقد تكون الكتب حقا لمتعلمين ومثقفين معارضين سياسيا ، وصودرت من مكتباتهم يوم اعتقلهم النظام السياسي الحاكم ، فوصلت إلى أيدي ضابط صادرها ليبيعها .
إن ما ورد في مقدمة الرواية نعرفه نحن هنا في فلسطين جيدا . هنا ثمة مكتبات عائلات آلت أيضا إلى ما يشبه سوق " المتلاشيات " ، وأما مصادرة الكتب فعهدنا بها مع الاحتلال الإسرائيلي لا يحتاج إلى شرح .
لطالما اقتحم الإسرائيليون مكتباتنا العامة والخاصة وصادروا الكتب ، ولطالما صادروا الكتب منا ونحن عائدون من الأردن ، وأعتقد أن بعض ضباط الجسر باعوا ما صادروا إلى مكتبات الجامعات الإسرائيلية .
من قبل كنت حين أهدى كتابا أفرح والآن ما عدت . لماذا ؟
لدي من الكتب الكثير ، وكل كتاب يهديه صاحبه لي يشكل هما ، فصاحبه يطلب رأيي فيه ، وقد يكون رأيي إيجابيا وقد يكون سلبيا ، هذا إن توفر الوقت لي لاقرأه ، وإن كان رأيي سلبيا فقد أخسر صديقا ، وقد يوجع صاحب الكتاب رأسي بحديثه عن كتابه ومقصده وسوء قراءتي وعدم فهمي لما هدف إليه - إحدى الكاتبات جعلتني أشعر بندم شديد فهي لا ترى في الدنيا إلا روايتها ، وهي لا تجيد الكتابة إطلاقا ولا تعرف أبجديات النحو ، ولكنها تملك المال .
حين أنظر الآن في مكتبتي وأرى ما تشغله من حيز مكاني اتأفف . هل أنا محق ؟
ومع كل ما سبق فإن الكتاب لي شخصيا ما زال خير جليس ، وأحيانا أجدني بلا وعي أكرر بيت المتنبي كاملا مع أنني لا أجيد ركوب الخيل !!
وأحيانا أتخيل المتنبي يعيش في زماننا ويرى مباريات كرة القدم . أتخيله اليوم الأحد 15 / 7 / 2018 يشاهد مباراة كأس العالم بين كرواتيا وفرنسا ، أتخيله يجلس في مقهى مع المشاهدين . ترى هل سيردد بيته أم أنه سيعدل فيه ويبدل؟
غالبا ما نكرر :
" لكل زمان دولة ورجال "
وغالبا ما نعيد المقولة :
" لقد خلق أبناؤكم لزمن غير زمانكم " .
ومع ذلك فإن أطرف ما سمعته مؤخرا من صديق هو أن العرب لم يحققوا أي فوز مهم في مباريات كأس العالم لأنهم حثوا على تعلم الرماية والسباحة وركوب الخيل ، ولم يحثوا على تعلم كرة القدم .
١٣
الروائيون وبعث المؤلف :
هل يدحض روائيونا مقولة (رولان بارت) "موت المؤلف"؟
إنني أمام ثلاثة أصوات روائية عربية اقرأ كتبها وردودها ، تقول لي إن مقولة ( بارت ) ليست صحيحة.
الأصوات الثلاثة هي
-واسيني الأعرج وتوضيحاته لما أكتب عن رواية "مي ليالي إيزيس كوبيا ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية "
-ربعي المدهون في كتابه الأخير "سوبر نميمة".
-سحر خليفة في سيرتها "روايتي لروايتي" .
يبدو أن مقولة"المعنى في بطن الشاعر" لم تنته.
أفكر في الموضوع.
9 /.7 / 2018
١٤
الروائي ودقة المعلومات :
هل ينبغي على الروائي أن يكون دقيقا في معلوماته ؟
ماذا لو كتبت رواية واتخذت من جامعة بير زيت مرجعية جزئية لي ؟
ماذا لو كتبت أن إحدى شخصيات روايتي ناقشت رسالة دكتوراه في الجامعة المذكورة في أعمالي الروائية ؟
لو عاد ناقد إلى برامج الدراسات العليا في تلك الجامعة واكتشف أن لا برنامج دكتوراه فيها في قسمي اللغة الإنجليزية واللغة العربية ؟ هل يحق له أن يخطيء الروائي ؟
في رواية Ziad Abedelfattah "الرتنو " تناقش ناهد العطار رسالة دكتوراه في الشخصيات في روايات أبو شهد سعد الديراوي ، ويحضر الروائي المناقشة .
اختلق زياد عبد الفتاح واقعا افتراضيا وجعل من جامعة بير زيت جامعة تمنح شهادة الدكتوراه ، طبعا الدكتوراه الحقيقية لا الدكتوراه الفخرية ، فقد منحت الجامعة الدكتوراه الفخرية لشخصيات اعتبارية مثل محمود درويش .
وأنا أقرأ روايات بعض كتابنا أفكر في الكتابة عن نرجسية قسم منهم تتجلى في أعمالهم ، وكثير من هؤلاء يقدمون رأيهم في فنهم ويحللونه ويدرسونه ويشيدون به ، ومنهم يحيى يخلف في " اليد الدافئة " وزياد عبد الفتاح في " الرتنو " .
ماذا يقول النقاد في روايات روائيينا؟
غدا محاضرتي في متحف ياسر عرفات عن احتضار النقد وتسويق الأعمال الأدبية .
بعين الله .
٩تموز ٢٠١٩ .
١٥
الست كورونا : التنسيق الأمني وراء تفشي الكورونا في الأرض المحتلة ( ١٦ )
أمس خرجت لأول مرة منذ ستة أيام بعيدا عن محيط المنزل . اتصل بي ابن أختي Wisam Ibra يدعوني إلى شرب الشاي أو القهوة في شقته الجديدة لأراها فلبيت دعوته ثم تمشيت معه ومع أمه لنصف ساعة .
كان بعض المواطنين يتمشون ويأكلون البوظة ، ولأول مرة اشتريت بوظة تركية سعر الحبة الواحدة بعشرة شواكل فقلت الحمد لله أن لدينا مصنعا لإنتاج البوظة أسعار منتجاته تناسب دخل مواطنينا أكثر ولا بأس بإنتاجه .
ما زالت ظلال الجائحة قائمة ، فمحل ( فروستي ) لبيع المرطبات والعصائر يبيع للأفراد ، ولكن ساحته التي تكون في مثل هذه الأيام من العام عامرة ومكتظة كانت بلا زبائن وبلا رواد . كأنها مقفرة ( أقفر من أهله ملحوب / فالقطبيات فالذنوب ) والصالات مقفرة وكذلك المقاهي ، علما بأن ابن أخي عبد الاسطة أخبرني أنه ليلة أول أمس تأخر في العودة إلى البيت لأنه جلس في ساحة المنارة / باب الساحة ، وكانت الساحة عامرة بالرواد .
الشريط الذي أصغيت إليه ليلا ، وقد حوله إلي صديق عبر الماسنجر ، تحدث فيه صاحبه - الذي يتحدث عبر أشرطة عن سياسة السلطة الفلسطينية مبرزا من وجهة نظره ، فسادها - الشريط الذي أصغيت إليه ليلا عزا المتحدث فيه سبب شيوع الكورونا وانتشارها في الخليل إلى ثلاثة ضباط فلسطينيين عقدوا اجتماعا مع ضباط إسرائيليين فانتقلت إليهم العدوى وأصيبوا بإسهال حاد نقلوا على إثره إلى مشفى في الخليل ، وأثبتت نتيجة الفحوصات أنهم مصابون بالكورونا وتم نقلهم إلى مشفى آخر وتكتمت السلطة على الأمر ولم تقل الحقيقة عن حالتهم المرضية .
هل اسم وزيرة الصحة مي كيلة أم مي كيالة ؟
كان المتحدث يردد باستمرار مي كيالة ، وقد طلب منها أن تستقيل لأنها سوف تحاكم في الزمن القادم ، فأبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية ليس مخلدا .
( ويأتيك بالأخبار ما لم تزود ) ، وقبل يومين أصغيت إلى شريط ثان يتحدث فيه مواطن عن تزوير في تقرير وفاة قريبة له فقد بين أنها لم تمت بالكورونا كما زعم تقرير مزور صدر عن السلطة .
شو القصة ؟
أنا أصغي وأرصد ولكن ليس كل ما يقال صحيحا . حالة من البلبلة تبلبل أفكارنا وحياتنا على الأصعدة جميعها . أشرطة عن الفساد وأخرى عن التزوير وثالثة تصور كلبا يحرص على صحة صاحبه ورابعة تظهر فتاة تقرأ قصيدة تشتم فيها الزعامات العربية كلها وأبرز رسالة كانت رسالة كتبتها ليلى العراقية التي يتهمها الآخرون بأنها قحبه وزوجها قواد . تقول ليلى إنها تتاجر بجسدها ولا تؤذي أحدا ومثلها زوجها أما الحكام فهم " مناويك " باعوا الوطن كله . رسالة ليلى ذكرتني بقصيدة الشاعر العراقي مظفر النواب " في الحانة القديمة " :
" لم يفن منك سوى الجسد الفاني
أما غيرك فيبيع اليابس والأخضر " .
والحكاية تطول فهل للست كورونا اهتمام بالشرف الفردي والشرف القومي ؟ وهل تفرق بينهما ؟
٩ تموز ٢٠٢٠
١٦
يحيى السنوار ٤
كلية الشريعة في الجامعة الأردنية : عبد الله عزام ويحيى السنوار
وأنا أقرأ رواية السيد يحيى السنوار " الشوك والقرنفل " لفت نظري ما كتبه عن شباب مدينة الخليل الذين درسوا في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية ودورهم في تأسيس التيار الإسلامي في منطقة الخليل وتعاونهم مع التيار الإسلامي في قطاع غزة .
الصديق Freeman Jordon عقب على ما كتبته أول أمس ، في ٧ تموز ، تحت عنوان " غسان كنفاني ويحيى السنوار " مبديا رأيه في الصلة بين أهم رموز كلية الشريعة في الجامعة الأردنية مثل عبد الله عزام وهمام سعيد وأحمد نوفل ورموز حركة حماس وطرق تفكير الجهتين ويخلص إلى أن " السنوار وهنية ومشعل هم امتداد لاولئك ، فكرهم واحد وعقيدتهم واحدة ( من ليس من الجماعة فهو عدو ) " .
وأعتقد أن ملاحظة الصديق قد تجد في الرواية ما يدعمها من خلال علاقة الإخوة وأبناء العم في الأسرة الواحدة ، فالعلاقات الأسرية التي سادت العائلة ، قبل انتماء أفرادها إلى تنظيمي فتح وحماس ، سادها الود والمحبة والاحترام ، ولم تتغير أو تتبدل إلا بعد انتماء محمود إلى حركة فتح وانتماء إبراهيم وحسن إلى حركة حماس ، ومنذ هذا الانتماء انتقل جدل الحركتين من الشارع والجامعة إلى البيت ، فتحاصم الأخوان وابنا العم ، ووصل الخصام أحيانا إلى التطاول بالكلام والسخرية . " من ليس معي فهو ضدي " .
في ٩٠ القرن العشرين كتبت مقالة عنوانها " جناية الفصيلية على الشعب الفلسطيني " وأظن أنني نشرتها في جريدة " نابلس " التي اسسها الصحفي زهير الدبعي أبو إسلام أو في جريدة " الشعب " الفلسطينية يوم كانت تحتضر ، وفي المقالة أتيت على الفصائل وخلافاتها وانعكاس ذلك على الأسرة الفلسطينية . لقد قتلت الفصيلية مشاعر الأخوة وروح التسامح والمحبة داخل الأسرة الواحدة ، وصار الأخ يتجسس على أخيه لصالح الفصيل ، وصار ابن الأخ جاسوسا على عمه أيضا وابن الأخت جاسوسا على خاله ينقل أخباره لهذا الفصيل أو ذاك .
أطرف ما في " الشوك والقرنفل " ان والد السارد أحمد وأخويه ؛ محمود وحسن ، الذي اختفى في ١٩٦٧ ، خلف قبل استشهاده في حرب أيلول ١٩٧٠ ولدين هما ماجد وخالد ، وقد عادا إثر اتفاق أوسلو ١٩٩٣ إلى غزة وتعرفا على اخوتهم من أبيهم ، فرحبت العائلة بهما واستقبلتهما وأفسحت لهما مجال الإقامة معها في البيت ، وحين اشتد الخلاف بين السلطة وحركة حماس ، وكان إبراهيم ابن عمهما ينتمي إلى الحركة وكان متزوجا من أختهما مريم ، طلبت السلطة التي يعملان في أجهزتها منهما أن يخبراها عن مكان إبراهيم - يعني أن يسلما ابن عمهما وزوج أختهما .
وأنا أكتب عن غسان كنفاني ويحيى السنوار أتيت على قتل إبراهيم أخاه حسن ، لأن الأخير صار عميلا ، فلا رابطة للدم والرابطة الأساس هي رابطة العقيدة و ... .
في " الشوك والقرنفل " مساحة من الكتابة عن دور كلية الشريعة في الجامعة الأردنية في صياغة المنطقة ، وكلنا يعرف دور عبدالله عزام في باكستان وأفغانستان ، وثمة غير عبارة ترد على لسان إبراهيم عن البعد العربي والإسلامي لحركة حماس ، ويهدي السيد يحيى السنوار روايته إلى :
" من تعلقت افئدتهم بأرض الإسراء والمعراج من المحيط إلى الخليج ، بل من المحيط إلى المحيط " .
٩ تموز ٢٠٢١
١٧
أنا المتكلم في النص ثانية : تأويلات سطر شعري لمحمود درويش :
في ١٩٩١ أخذت وأنا في ألمانيا أعاني من تضييق أكرر على مسمع زائر هو الدكتور تركي المغيض سطر محمود درويش الشعري :
" يا أبي هل أنت أبي أم تراني صرت ابنا للصليب الأحمر ؟"
وذهبت المخيلة في تأويله إلى ما أرمي إليه كأنني أقصد شخصي في التساؤل وأسأل أبي إن كان حقا هو أبي .
مرة أتيت على أنا المتكلم في " سجل أنا عربي " وثانية على أنا المتكلم في " أنا يوسف يا أبي " و ...
مسودة ...
١٨
فتاة نابلس ١٧ :
" كل افرنجي ابرنجي " :
قبل سنوات عرفت من ابنتي التي تخرجت من الجامعة الأردنية في تخصص المحاسبة وتعاقدت مع شركة أجنبية في الأردن لتعمل فيها ، بحكم علاماتها في الدراسة ، أنها ستسافر إلى دبي لتحضر دورة هناك تعقدها الشركة الأجنبية لموظفيها الجدد فاستغربت :
- لماذا دبي ؟
كان حلم أمير أن يعمل في بنك أميركي معتبر وأن يستقر في نيويورك في بنك Burr Acheson في ال Wall Street ، ولما لم يتحقق له ذلك أولا فقد اقترح عليه السيد Hodding أن يقبل وظيفة في بنك ثان أقل مكانة وسمعة ، وهو ما يتم ، فيوافق أمير على الاقتراح ويقبل الوظيفة ومن ثم يسافر إلى الإمارات ليحضر دورة هناك لبضعة أسابيع يلتحق إثرها بالوظيفة .
يعتبر أمير Bank Von Raab خطوة ، وعندما يسافر من نابلس يكذب على أمه وأخته سارة زاعما أن عمله سيكون في نيويورك .
Fiona
كانت المشرفة على الدورة ، وقد لاحظنا أنها دعته إلى عشاء ، واعتقد وهو في شقتها أن إقامتها في دبي ستطول وتمتد إلى سنوات . ولم يكن اعتقاده من فراغ ، إذ توصل إليه من خلال الانطباعات التي تشكلت لديه من إمعانه النظر في الشقة وترتيبها ومقتنياتها .
عندما يذهب إلى البنك ليبدأ عمله تستقبله Katrina ولا يعود يرى Fiona . لقد اختفت ولم تعد تظهر .
" She was a ghost " .
" لقد كانت شبحا " .
لقد جاءت Fiona من لندن من أجل تدريبه فقط ، وهذا ما بدا له مستحيلا .
عندما قارن السارد بين التدريس في جامعة النجاح الوطنية والتدريس في الجامعات الأمريكية ذهب إلى أن هناك فارقا كبيرا جدا منحازا بالتأكيد إلى الجامعات الأميركية ، ولهذا رأى أمير في سنوات دراسته في جامعة النجاح مضيعة .
" Amir,s University years were a shroud of boredom and waste " .
هل كل افرنجي ابرنجي ؟
إما أن المؤسسات الأجنبية لا تثق بالكفاءات العربية لتدرب موظفيها أو أنها تريد أن تفيد أبناء جلدتها لتدفع لهم آلاف الدولارات ، وأرجح الثاني .
من المؤكد أن قراء الخربشات ملوا وضجروا لأنهم يريدون أن يعرفوا من هي فتاة نابلس هذه التي كانت عنوانا للرواية ؟
هل هي والدة أمير الممرضة أم حبيبته عائشة الدجاني ؟ هل هي أخته سارة أم نور أخت عائشة ؟
مع القراء حق .
٩ / ٧ / ٢٠٢٣ .
١٨ :
مستشفياتنا مثل جامعتنا : يوك
لم تقتصر الصورة السلبية في رواية ( DEAN DILLEY )" Nablus Girl " على جامعة نابلس وأعضاء هيئة التدريس فيها ، فقد شملت أيضا الأطباء والمستشفيات .
عندما تمرض والدة عائشة وتذهب إلى المشفى يجري حوار بين رئيسة الممرضات هالة والدة أمير وعائشة تخبر هالة عائشة بأنهم في المشفى ربما لا يستطيعون تقديم العناية التي تحتاجها . إنها يجب أن تكون في جنيف أو لندن .
لنقرأ العبارة الدالة :
" the so-called doctors "
الطريف أن والدة عائشة تعافت فهي لم تكن مصابة بالسرطان . الأمر تعلق بسوء التشخيص .
لنقرأ :
" In the end , Aisha's mother recovered. It was not cancer after all , but an undiscovered septicemia acquired during a careless blood test at the superbly named Nablus Martyrs Hospital "
يا ورطة DEAN DILLEY مع جامعة نابلس واطبائها ومشافيها أم ترى أن بعض ما يقوله نقوله نحن ؟
( so-called و
Superbly named)
٩ / ٧ / ٢٠٢٣
١٩
الفلسطيني في الرواية الأمريكية : فتاة نابلس مثالا
في ربيع هذا العام كتب إلي الشاعر راشد عيسى يسألني إن كان مر علي رواية عنوانها " فتاة نابلس " للمؤلف سعادة بك موره لي ، ولما بحثت عنها في مكتبة بلدية نابلس وجدت منها جزءا من أربعة أدرجت على صفحتي صورة غلافه وصورت للشاعر الصفحات الأولى منه .
تفاعل جمهور القراء ودارسي الرواية الفلسطينية مع المنشور ، فعرفت أن الأجزاء الأربعة متوفرة في مكتبة الجامعة الأردنية ، وعرفت من الصحفي جميل ضبابات أن هناك رواية لمحام أمريكي عمل مستشارا في الخليج ( DEAN DILLEY ) عنوانها " Nablus Girl " صدرت في العام ٢٠٢٢ ، ووعد جميل أن يعرفنا بمحتواها ولم يتمكن من ذلك ، فما كتب عنها بضعة أسطر فقط ، وهنا تبرع محمد أبو عرقوب المقيم في أميركا أن يوفر لي ولجميل نسختين منها ، إهداء لي كوني درسته في العام ٢٠٠٢ في جامعة النجاح الوطنية ، فهذا واجب الطالب لأستاذه ، ووعد أنه سيحضرهما شخصيا في زيارته القادمة لفلسطين ، ولم تتأخر الزيارة ، وعندما أهداني نسختي طمح أن أخربش حولها في الفيس بوك ، ولم أخيب أمله فهو وعد وأوفى ، وشرعت أقرأ كل يوم فصلا من فصول الرواية وأكتب انطباعاتي وما تستثيره في ذهني ، فالرواية حديثة الصدور وهي عن نابلس وأهلها وجامعتها ومشافيها وشوارعها ، وهي تقدم تصور السارد ، ولعله المؤلف ، لعالم أعرفه منذ سبعين عاما ، فنابلس هي مكان الولادة والنشأة والإقامة . إنها الماضي والحاضر وإن لم أعد إلى يافا فسأدفن فيها . عدا ما سبق فقد قرأت صورتها في روايات سحر خليفة وسير أدبائها مثل فدوى طوقان وعلي الخليلي وكتبت عنها الكثير في نصوصي القصصية والروائية ومذكراتي عن عملي في الجامعة ، وبدت لي رواية ( DILLEY ) رواية ثرية لإجراء مقارنات بينها وبين أدبياتنا .
ليست رواية " فتاة نابلس " أول رواية بالإنجليزية أقرأها تأتي على فلسطين والفلسطينيين ، وإن كانت الأولى عن مدينة نابلس . كان غسان كنفاني في كتابه " الأدب الصهيوني " ١٩٦٦ أول من عرفنا على صورة العربي / الفلسطيني في الرواية المكتوبة بالإنجليزية ، وكنت شخصيا قرأت بالألمانية رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " ١٩٠٢ ، بل إني لم أكتف بما قرأته في كتاب كنفاني . لقد اقتنيت رواية ( آرثر كوستلر ) " لصوص في الليل " وروايتي ( ليون أوريس ) " الخروج / اوكسودس " و " الحاج / The Haj " ووظفت هذه الروايات في العديد من دراساتي .
عندما شرعت في قراءة " فتاة نابلس " تذكرت رواية " الحاج " ، وكانت الدهشة تعتريني . إنها الدهشة نفسها التي ألمت بي في العام ١٩٩١ ، وكان السؤال هو :
- ما هي مرجعية هؤلاء الكتاب في كتابة بعض التفاصيل عن الفلسطيني ؟
لم يكتب ( أوريس ) عن المدينة الفلسطينية ، ولكنه كتب عن البدو ، أما ( ديللي ) فيكتب عن نابلس ودبي والقاهرة أيضا ، وربما تتضاءل الدهشة عندما يقرأ المرء سطرا أو سطرين عن حياته على الغلاف الأخير لروايته " إنه محام من واشنطن مع خبرة طويلة في الشرق الأوسط " وإنه عمل مستشارا في دول الخليج . إنه إذن لم يكتب عن الشرق الأوسط من فراغ ، فثمة خبرة ودراية ومعرفة ، وكونه عمل مستشارا فلا شك أن كثيرا من المعلومات التي تخص البنوك والشركات والتعاملات فيها كانت من مجال عمله .
ما لفت نظري حقيقة هو ما كتبه عن مدينة نابلس والنابلسيين والجامعة فيها وإيراده أسماء بعض شوارعها ، فهل زار المدينة أم أنه في الكتابة عنها اعتمد على الشخصيات الأمريكية التي زارت نابلس وعملت في جامعتها وكان لها حضور في الرواية ؟
وكعادة الروائيين عموما فإنه صدر روايته بالكليشيه التقليدية " هذا الكتاب عمل خيالي . الأسماء والشخصيات والأماكن والأحداث هي من نتاج خيال الكاتب أو استخدمت وهميا . أي تشابه مع أحداث حقيقية أو محلية او شخصيات واقعية ؛ حية أو ميتة ، هو بالصدفة تماما " .
وتتبع الشخصيات الفلسطينية كلها في الرواية يتطلب حيزا واسعا ، فهي عديدة يكتب تارة عنها كنماذج وطورا كشخصيات تخص مكانا بأسره ، فعائشة مثلا هي فتاة من أسرة نابلسية ثرية وهي في الوقت نفسه " a Nablusi woman " . إنها تمثل ذاتها ولكنها تجسد في صفاتها صفات المرأة النابلسية .
من الشخصيات الرئيسة في الرواية عائشة وهالة وابنها أمير . هؤلاء يحضرون أكثر من غيرهم ويمكن أن يعدوا شخصيات رئيسه ، بل إنهم كذلك ، وهم ينتمون إلى فئات اجتماعية تتفاوت طبقيا ، والعلاقة مثلا بين أمير وعائشة الطالبين الجامعيين لا يمكن أن يكتب لها النجاح . تعتقد بهذا هالة وتؤمن به أيضا عائشة التي حين تتصور الرجال الذين عرفتهم أو مروا بمخيلتها أن أمير خارج حساباتها مع أنه حلو .
هالة امرأة محبطة بسبب سجن أبيها في إيران وعائشة لا تريد البقاء في نابلس ، فلا أسرار فيها و ... وطموح أمير أكبر من التخرج من جامعة بائسة . إن جل ما يطمح إليه الأخيران ، ومثلهما سارة أخت أمير ، هو الهجرة من المدينة . إنها مدينة يمتاز أهلها بالغيبة والنميمة ، التعليم في جامعتها بائس ورديء واساتذتها لا يتطورون ومشفاها المذكور وسخ واطباؤها بؤساء التطبيب لديهم سيء وهم في الغيبة والنميمة أسوأ من الممرضات . إن رجال المدينة يرتعبون من المرأة بشكل عام وينظرون إلى من تعمل في مستوطنة نظرة سلبية ، فهي تتعاون مع الاحتلال وتفقد عذريتها ، وأما نساء نابلس المعتدات بجمالهن فهن يغرن من المرأة اليهودية ويشعرن بالأسى حين توصف بالجمال . إن الحديث عن جمالها يجعلهن في المرتبة الثانية .
وعموما فإنني أعتقد أنه لأمر مجد أن يناقش أساتذة الأدب الإنجليزي في جامعة النجاح الوطنية الرواية وأن يبدوا آراءهم فيها ، بل وأكثر من ذلك أن يستقبلوا كاتبها لمناقشته فيما كتبه .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
١٢ / ٧ / ٢٠٢٣
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ١٦ / ٧ / ٢٠٢٣ )
٢٠
غزة ( ٢٧٧ )
:
خربشات أهل غزة عن تفاصيل حياتهم اليومية
ما يلفت نظري متابعا لما يكتبه قسم من أبناء غزة ، عدا الكتابة عن الفقدان والموتى والجرحى واليتامى والأيامى والغلاء والجوع وارتفاع الأسعار وقلة المواد الغذائيه ، ومن قبل عن رحلة الخروج من معبر رفح ودولارات الرشوة ، ما يلفت نظري هو كتابتهم عن انحرافات اجتماعية يدفعهم إليها قلة ما في اليد .
قبل أسابيع كتبت مقالا عن الجوع تحت عنوان " لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر " قاربت فيه قضايا أخلاقية . يومها لم تكن الأصوات تعلو لتخوض في هذا الموضوع ، وفي الأيام الأخيرة قرأت في بعض الصفحات أكثر مما أوردته فيما كتبت ، ولسوف نقرأ في قادم الأيام في الجانب الاجتماعي ما لا يسر ، وقد خبر لاجئو غزة بعد العام ١٩٤٨ شيئا من هذا وعانوا منه وكتب كتاب القصة القصيرة منهم فيه قبل أن يكتبوا في موضوع مقاومة الاحتلال .
أمس وأنا أقرأ عن بعض القضايا الاجتماعية الأخلاقية تذكرت قصة سميرة عزام " لأنه يحبهم " والحكمة الأجنبية التي أسداها الموظف الأجنبي للموظف الفلسطيني الذي حقق معه بخصوص صديقه وصفي الذي صار لصا :
" يا إلهي أي حجر تلقمنيه وأنت تقول بحكمتك الأجنبية :
- في مثل ظروفكم يا صاحبي لا يدري المرء في أية لحظة يمكن أن يصبح لصا .. " .
قبل أقل من أسبوع كثرت الكتابة عما جرى في المستشفى الأوروبي وقد خربشت حول هذا . لقد تمت سرقة أثاث المستشفى بعد طلب الإسرائيليين من موظفيه إخلاءه .
كان الله في عون أهل قطاع غزة
صباح الخير يا غزة
خربشات عادل الاسطة
Adel Mustafa Osta
٩ / ٧ / ٢٠٢٤ .غزة 642 :
في غزة لا يوجد حلم أو أمنية . في غزة يوجد موت
إن قرأت اليوم في صفحة الكاتب شجاع الصفدي فسوف تقرأ عن قسوة الحياة التي يتقاسمها تجار بلا ضمير يدعمهم الاحتلال ليتلاعبوا بأقوات الناس ، بخاصة السلع الرئيسة . مافيا بما تعنيه الكلمة من معنى تتاجر فتبيع وتشتري وتتحكم بالأسعار . لا ضمير ولا ذمة ولا أدنى مشاعر إنسانية .
في صفحة محمد الأسطل Mohamed Omran Astal مراسل إذاعة " أجيال " يحاور المراسل الفتى عمار عدوان الذي يرى أن من يريد أن يعيش في غزة فيجب أن يكون تاجرا أو حراميا أو أن يموت من الجوع ، وقد خسرت الأجيال الشابة مستقبلها ، فمنذ عامين لم يتقدم طلاب التوجيهي للامتحان ، ومن تقدم له في العام ٢٠٢٣ لم يلتحق بأية جامعة . الصورة التي أظهرها الفتى سوداوية جدا والأفق ضبابي ومغلق . " في غزة لا يوجد حلم ولا أمنية . يوجد موت " .
في صفحات أخرى تقرأ ما سبق وتقرأ أيضا أخبارا عن الأحداث الأمنية الصعبة التي تلحقها المقاومة بجيش الاحتلال الإسرائيلي ، وغالبا ما يعتمد أصحاب هذه الصفحات على ما تنشره المواقع والصحف العبرية . أحيانا تشاهد أشرطة فيديو للإعلام العسكري لحماس أو لسرايا القدس . بيت حانون . الشجاعية . جباليا . خان يونس . شباب يقدمون ولا يحجمون ويسلكون سلوكا أسطوريا . أمس شاهدت شريط فيديو لجندي إسرائيلي يتحدث عما حدث معه في بيت حانون . مقاوم وحيد جرد الجنود الإسرائيليين الثلاثة من أسلحتهم ولما شعر بالخطر أعدم اثنين منهم وجرح الثالث .
كما كتبت في يوميات غزة 637 / 2 فإن هناك نصا غائبا لما يجري لن يكتبه إلا من عاش التجربة هناك ، ولا أظنه سيكتب من كاتب إلا إذا انتهت الحرب والتقى الكاتب بمقاتلين نجوا ، وكنت لاحظت هذا وأنا أقرأ في رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " .
هل سنقرأ لاحقا روايات عناوينها " بطل من هذا الزمان " أو روايات على شاكلة روايات الأدب الروسي في الحرب العالمية الثانية ؟
٩