ضحايا الحياة الثقافية : أدباء وفنانين ؛ يتساقطون كل يوم ؛ وفي كل العصور ؛ وإن تعددت الأسباب ..فأقدم تجمع للشعراء والخطباء عرفه العرب : سوق عكاظ ؛ كان يشهد أياما - لا يوما واحدا - من السجال الشعري و التنافس القولي..يعرض المتنافسون - من الشعراء خاصة - بضاعتهم أمام (قاضي محكمة الشعر) النابغة الذبياني. وهو يقدم هذا ويؤخر ذاك ..وكان من ضمن من قدمهم على غيرهم (الخنساء) ورأى أنها أشعر من حسان بن ثابت!!
هذا" الزحام /السوق الشعري ؛ ماذا بقي منه؟! من نتذكر من أبطاله غير النابغة وحسان وتماضر أو الخنساء ؛ وربما آحاد آخرين ..وتساقط الباقون من الذاكرة أو من صفحات تاريخ الأدب؛ وربما لم يلحقوا بتلك الصفحات من الأساس!!
وفي زمن قريب من زمن سوق عكاظ؛ وقبله بعقود كانت حياة البداوة والحضر في جزيرة العرب حافلة بحاملي راية الشعر ورافعي اسم القبيلة ..وتساقط أكثرهم؛ إلا عدد قليل منهم أصحاب المعلقات ؛ كامرئ القيس وعمرو بن كلثوم وزهير بن أبي سلمي..
وليس بعيدا عن ساحة الشعر؛ يذكر أبوالفرج الأصفهاني في كتابه الشهير:(الأغاني) أن السيدة سكينة بنت الحسين -رضي الله عنهما - كانت تقيم صالونا - أو ما يشبهه - في دارها بمكة؛ ويرد إليها كل أصحاب الغناء والطرب والموسيقى ؛ وياخذون سقف المنزل ساحة للتباري في الغناء والموسيقى؛ حتى انهار ذاك السقف ذات يوم ولم يحتمل ثقلهم!! فمن خلد أو صمد من هؤلاء المئات أو العشرات من الفنانين؟! في ذاك الزمن نردد أسماء ابراهيم وإسحق الموصلي ومعبد ..
زمن المتنبي
ويظل انتقاء الزمن؛ قاعدة خالدة طوال العقود والقرون..ففي زمن المتنبي - القرن الرابع الهجري - يبرز معه أبوفراس الحمداني ..وتكمن أكثر أسماء معاصريه في الظل ؛ على الرغم من كثرتهم ..ومنهم من كان يناقض ويهجو المتنبي نفسه ؛ مثل (ابن لنكك) الذي خشي المتنبي ؛ أو أنف رد هجائه بهجاء !! والذي ينسب إليه البيت الشهير :
نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا !!
وكان مع ابن لنكك شعراء آخرون كابن سودون وسيبويه المصري ..ولاشك في وجود عشرات آخرين مجايلين لهم ؛ طواهم النسيان ..حتى وصلنا الى عصرنا الحديث ؛ ومنذ استنهاض محمد على لمصر ؛ لم تكن ساحة الغناء مقصورة على ألمظ وعبده الحامولي ..ولم تفرغ جعبة الشعر من المبدعين غير المشاهير الثلاثة: البارودي ثم شوقي وحافظ ..كان هنالك عشرات ابتلعهم النسيان !! ولا يعود الأمر للقيمة الفنية وحدها ..فكثيرا ما يظلم الزمن عباقرة ومجيدين في سائر الفنون ..فهل خلت الساحة التشكيلية مثلا إلا من محمود مختار وسيف وأدهم وانلي؟؟!! ولا نبالغ إذا قلنا إن بعض حالات الانطفاء والاختفاء سببها المبدع نفسه ..هي اختيار له ..ومن هؤلاء الذين آثروا الظلال على الأضواء ؛ التي تمتعوا بها زمنا عن جدارة : يوسف معاطي وياسين الضوي وتيسير فهمي ومحمد قطب وعادل هاشم رحمه الله..وأخيرا د.رضا البهات.
انسحاب..لا انطفاء!!
هؤلاء جميعا أصحاب قدرات إبداعية متفردة: كل في مجاله ..وأعرف عنهم أن عطاءهم لم يتوقف عند ما قدموه من أدب وفن ؛ بل مازال لديهم الكثير ..وفي لحظة - ربما مفاجئة - هربوا من الأضواء ؛ أو ملوها؛ أو تمردوا عليها .. يوسف معاطي مثلا ؛ عرفته منذ زمالتنا بكلية الألسن ؛ معجونا بروح الفن ويعيش حالة التمثيل والإخراج والكتابة المسرحية وشعر العامية مبكرا جدا؛ وقد أبدع قصيدة رائعة عن ديواني الأول(فصل من التاريخ الخاص) ألقاها في ندوة نقاشية أقيمت للديوان عام ١٩٨٩ بنقابة الصحفيين؛ وله محاولات إخراجية جامعية..وبعد التخرج عانى كثيرا ؛ وطرق أبوابا جمة ؛ حتى أوشك على اليأس..ولم يكن لديه قارئا لنصوصه المسرحية غيري!! حتى نفخ الله في صورته ووجد آذانا مصغية في مسرح الهوسابير لدى جورج سيدهم ..فكان عمله الأول ( حب في التخشيبة) الذي أصبح تميمة الحظ ؛ ونال يوسف ما يستحق من فرص حتى أضحى الأعلى اجرا لدى كتاب الدراما ..متقدما على سدنة هذا المجال : محفوظ عبدالرحمن وأسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبدالقوي ووحيد حامد ..ووضع بصمات حاسمة سينمائيا وتليفزيونا مع عادل إمام في عدة أعمال.. وفي ذروة ازدهاره وتألقه انسحب يوسف من الحياة الفنية ومن العيش حتى داخل الوطن ..وسافر إلى فرنسا!!
أما يس الضوي فهو معجون في وهج الإبداع : شاعر عامية ومخرجا - وقد أخرج لي عملا للأطفال هو "صداقة بجد" - وكذلك كاتبا دراميا وممثلا..وكنا ننتظر منه الكثير من العطاء ..لكنه فجأة انصرف !!
وتألقت تيسير فهمي في كل أدوارها ؛ ومنها في مسلسل رأفت الهجان؛ وأحسنت تلبس كل شخوصها الدرامية ..هي تقع في الصف الأول من نجمات جيلها ..لكن وعيها الوطني واهتماماتها السياسية دفعاها لخوض غمار العمل الحزبي ؛ فأنشأت حزبا فعلا ؛ و خاضت الانتخابات البرلمانية في إحدى الدورات ..وربما انعكس عدم التوفيق سياسيا على أعمالها الفنية التي هجرتها وهي في ذروة نضجها ..
لكن أحدث حالات الانسحاب والتواري والانطفاء ؛ لا علاقة لها بكل المبررات السابقة ..إنه انسحاب إجباري ؛ الرحيل الأخير لواحد من أبرز وأبرع كتاب القصة والرواية في زمننا : إنه رضا البهات..رحمه الله!!
هذا" الزحام /السوق الشعري ؛ ماذا بقي منه؟! من نتذكر من أبطاله غير النابغة وحسان وتماضر أو الخنساء ؛ وربما آحاد آخرين ..وتساقط الباقون من الذاكرة أو من صفحات تاريخ الأدب؛ وربما لم يلحقوا بتلك الصفحات من الأساس!!
وفي زمن قريب من زمن سوق عكاظ؛ وقبله بعقود كانت حياة البداوة والحضر في جزيرة العرب حافلة بحاملي راية الشعر ورافعي اسم القبيلة ..وتساقط أكثرهم؛ إلا عدد قليل منهم أصحاب المعلقات ؛ كامرئ القيس وعمرو بن كلثوم وزهير بن أبي سلمي..
وليس بعيدا عن ساحة الشعر؛ يذكر أبوالفرج الأصفهاني في كتابه الشهير:(الأغاني) أن السيدة سكينة بنت الحسين -رضي الله عنهما - كانت تقيم صالونا - أو ما يشبهه - في دارها بمكة؛ ويرد إليها كل أصحاب الغناء والطرب والموسيقى ؛ وياخذون سقف المنزل ساحة للتباري في الغناء والموسيقى؛ حتى انهار ذاك السقف ذات يوم ولم يحتمل ثقلهم!! فمن خلد أو صمد من هؤلاء المئات أو العشرات من الفنانين؟! في ذاك الزمن نردد أسماء ابراهيم وإسحق الموصلي ومعبد ..
زمن المتنبي
ويظل انتقاء الزمن؛ قاعدة خالدة طوال العقود والقرون..ففي زمن المتنبي - القرن الرابع الهجري - يبرز معه أبوفراس الحمداني ..وتكمن أكثر أسماء معاصريه في الظل ؛ على الرغم من كثرتهم ..ومنهم من كان يناقض ويهجو المتنبي نفسه ؛ مثل (ابن لنكك) الذي خشي المتنبي ؛ أو أنف رد هجائه بهجاء !! والذي ينسب إليه البيت الشهير :
نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا !!
وكان مع ابن لنكك شعراء آخرون كابن سودون وسيبويه المصري ..ولاشك في وجود عشرات آخرين مجايلين لهم ؛ طواهم النسيان ..حتى وصلنا الى عصرنا الحديث ؛ ومنذ استنهاض محمد على لمصر ؛ لم تكن ساحة الغناء مقصورة على ألمظ وعبده الحامولي ..ولم تفرغ جعبة الشعر من المبدعين غير المشاهير الثلاثة: البارودي ثم شوقي وحافظ ..كان هنالك عشرات ابتلعهم النسيان !! ولا يعود الأمر للقيمة الفنية وحدها ..فكثيرا ما يظلم الزمن عباقرة ومجيدين في سائر الفنون ..فهل خلت الساحة التشكيلية مثلا إلا من محمود مختار وسيف وأدهم وانلي؟؟!! ولا نبالغ إذا قلنا إن بعض حالات الانطفاء والاختفاء سببها المبدع نفسه ..هي اختيار له ..ومن هؤلاء الذين آثروا الظلال على الأضواء ؛ التي تمتعوا بها زمنا عن جدارة : يوسف معاطي وياسين الضوي وتيسير فهمي ومحمد قطب وعادل هاشم رحمه الله..وأخيرا د.رضا البهات.
انسحاب..لا انطفاء!!
هؤلاء جميعا أصحاب قدرات إبداعية متفردة: كل في مجاله ..وأعرف عنهم أن عطاءهم لم يتوقف عند ما قدموه من أدب وفن ؛ بل مازال لديهم الكثير ..وفي لحظة - ربما مفاجئة - هربوا من الأضواء ؛ أو ملوها؛ أو تمردوا عليها .. يوسف معاطي مثلا ؛ عرفته منذ زمالتنا بكلية الألسن ؛ معجونا بروح الفن ويعيش حالة التمثيل والإخراج والكتابة المسرحية وشعر العامية مبكرا جدا؛ وقد أبدع قصيدة رائعة عن ديواني الأول(فصل من التاريخ الخاص) ألقاها في ندوة نقاشية أقيمت للديوان عام ١٩٨٩ بنقابة الصحفيين؛ وله محاولات إخراجية جامعية..وبعد التخرج عانى كثيرا ؛ وطرق أبوابا جمة ؛ حتى أوشك على اليأس..ولم يكن لديه قارئا لنصوصه المسرحية غيري!! حتى نفخ الله في صورته ووجد آذانا مصغية في مسرح الهوسابير لدى جورج سيدهم ..فكان عمله الأول ( حب في التخشيبة) الذي أصبح تميمة الحظ ؛ ونال يوسف ما يستحق من فرص حتى أضحى الأعلى اجرا لدى كتاب الدراما ..متقدما على سدنة هذا المجال : محفوظ عبدالرحمن وأسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبدالقوي ووحيد حامد ..ووضع بصمات حاسمة سينمائيا وتليفزيونا مع عادل إمام في عدة أعمال.. وفي ذروة ازدهاره وتألقه انسحب يوسف من الحياة الفنية ومن العيش حتى داخل الوطن ..وسافر إلى فرنسا!!
أما يس الضوي فهو معجون في وهج الإبداع : شاعر عامية ومخرجا - وقد أخرج لي عملا للأطفال هو "صداقة بجد" - وكذلك كاتبا دراميا وممثلا..وكنا ننتظر منه الكثير من العطاء ..لكنه فجأة انصرف !!
وتألقت تيسير فهمي في كل أدوارها ؛ ومنها في مسلسل رأفت الهجان؛ وأحسنت تلبس كل شخوصها الدرامية ..هي تقع في الصف الأول من نجمات جيلها ..لكن وعيها الوطني واهتماماتها السياسية دفعاها لخوض غمار العمل الحزبي ؛ فأنشأت حزبا فعلا ؛ و خاضت الانتخابات البرلمانية في إحدى الدورات ..وربما انعكس عدم التوفيق سياسيا على أعمالها الفنية التي هجرتها وهي في ذروة نضجها ..
لكن أحدث حالات الانسحاب والتواري والانطفاء ؛ لا علاقة لها بكل المبررات السابقة ..إنه انسحاب إجباري ؛ الرحيل الأخير لواحد من أبرز وأبرع كتاب القصة والرواية في زمننا : إنه رضا البهات..رحمه الله!!