هل يُنقذ تشرذم الأحزاب العربية نتنياهو؟

هل يُنقذ تشرذم الأحزاب العربية نتنياهو؟

الانتخابات الإسرائيلية بين حسابات الداخل وتحولات الإقليم

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لا يمكن قراءة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة باعتبارها استحقاقاً ديمقراطياً داخلياً فحسب، بل هي محطة مفصلية ستحدد اتجاهات السياسة الإسرائيلية خلال السنوات القادمة، كما ستنعكس نتائجها على مجمل توازنات الشرق الأوسط، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، وتصاعد المواجهة في الضفة الغربية، وتنامي احتمالات الاحتكاك مع لبنان وإيران، واستمرار التحولات في الموقف الأمريكي بقيادة الرئيس دونالد ترامب.

ورغم أن غالبية استطلاعات الرأي الإسرائيلية تشير إلى تراجع شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني، فإن التجربة السياسية الإسرائيلية تؤكد أن هذا الرجل لم يكن يوماً أسير استطلاعات الرأي، بل أتقن توظيف الأزمات الأمنية والعسكرية لإعادة تشكيل المزاج العام، وتحويل التحديات إلى فرص سياسية. ولذلك، فإن الحديث عن قرب نهاية عهده يبقى سابقاً لأوانه، ما دامت البيئة الأمنية قابلة للاشتعال، وما دام النظام السياسي الإسرائيلي يقوم على تحالفات هشة ومتغيرة.

يدرك نتنياهو أن الانتخابات المقبلة تمثل معركة وجود سياسي، لا مجرد منافسة حزبية. فهو يواجه ضغوطاً داخلية غير مسبوقة؛ بدءاً من ملفات الإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر، مروراً بالاحتجاجات الشعبية، وانتهاءً بملفات الفساد التي قد تعود إلى الواجهة إذا غادر السلطة. ومن هنا، فإن بقاءه في الحكم لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل بات بالنسبة إليه ضرورة شخصية وسياسية وقضائية.

في المقابل، تسعى المعارضة الإسرائيلية إلى استثمار حالة الاستنزاف التي تعيشها الحكومة، إلا أنها لا تزال تفتقر إلى قيادة موحدة وبرنامج سياسي قادر على استقطاب أغلبية مستقرة داخل الكنيست. وهذا الواقع يمنح نتنياهو هامشاً واسعاً للمناورة، ويجعله يعوّل على انقسامات خصومه أكثر مما يعوّل على ارتفاع شعبيته.

لكن العامل الأكثر تأثيراً قد لا يكون داخل المعسكر اليهودي، وإنما في الساحة السياسية العربية داخل إسرائيل. فالجماهير العربية الفلسطينية، التي تشكل نحو خمس السكان، تمتلك ثقلاً انتخابياً يمكنه ترجيح كفة أي معسكر إذا ما ارتفعت نسبة المشاركة وتوحد التمثيل السياسي. غير أن الخلافات بين الأحزاب العربية، واستمرار التنافس على ترتيب المقاعد، يهددان بإعادة إنتاج مشهد الانقسام الذي أدى في الانتخابات السابقة إلى تراجع التمثيل العربي وإهدار آلاف الأصوات بسبب عدم تجاوز بعض القوائم نسبة الحسم.

ومن منظور استراتيجي، يدرك نتنياهو أن بقاء الأحزاب العربية متفرقة يمثل مكسباً انتخابياً له، ليس لأن أصواتها ستذهب إليه مباشرة، بل لأن تراجع تمثيلها يضعف قدرة المعارضة على بناء ائتلاف قادر على إسقاط اليمين. ولهذا، لم يكن من قبيل الصدفة أن يواصل "الليكود" خطاب التحريض ضد الأحزاب العربية، وتصوير أي تعاون معها باعتباره تهديداً لأمن إسرائيل، مستثمراً المناخ السياسي الذي أعقب السابع من أكتوبر، والذي اتسم بتصاعد النزعة القومية والدينية داخل المجتمع الإسرائيلي.

غير أن المشهد لا يتوقف عند حدود الانتخابات. فالمنطقة بأسرها تعيش حالة إعادة تشكيل لموازين القوى، في ظل المواجهة المفتوحة بين إسرائيل ومحور المقاومة، واستمرار البرنامج النووي الإيراني، والاشتباكات المتكررة على الجبهة اللبنانية، وتداعيات الحرب في غزة التي لم تحقق أهدافها المعلنة، رغم الكلفة الإنسانية والسياسية الباهظة.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن أن يلجأ نتنياهو إلى تصعيد إقليمي واسع لتحسين موقعه الانتخابي؟

يصعب الجزم بذلك، لكن القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن نتنياهو لطالما اعتبر البيئة الأمنية عنصراً مؤثراً في إعادة ترتيب أولويات الناخب الإسرائيلي. لذلك، فإن أي تصعيد مع لبنان أو إيران، أو توسيع نطاق العمليات العسكرية، قد يعيد الأمن إلى صدارة المشهد السياسي، ويمنح حكومته فرصة لاستعادة جزء من التأييد الشعبي تحت شعار "الالتفاف حول القيادة في زمن الحرب". غير أن هذا الخيار ينطوي أيضاً على مخاطر كبيرة، لأن أي مواجهة واسعة قد تتحول إلى حرب استنزاف يصعب التحكم بمساراتها أو نتائجها، في ظل التطور النوعي في قدرات خصوم إسرائيل، واتساع رقعة التوتر الإقليمي.

أما على الصعيد الأمريكي، فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب تمثل عاملاً لا يقل أهمية عن المتغيرات الداخلية. فالعلاقة بين واشنطن وتل أبيب لم تعد تُقاس فقط بمتانة التحالف التقليدي، وإنما باتت ترتبط أيضاً بحسابات المصالح الأمريكية في المنطقة، وبالرغبة في تجنب الانخراط في حرب إقليمية واسعة قد تضر بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة.

ورغم استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، فإن إدارة ترامب تبدو أكثر ميلاً إلى إدارة الصراعات بدلاً من توسيعها، وتسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية أمن إسرائيل والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وهو ما يفرض على نتنياهو هامش حركة أقل اتساعاً مما كان يطمح إليه. فواشنطن تدرك أن أي انفجار إقليمي شامل لن يبقى محصوراً بين إسرائيل وإيران، بل ستكون له تداعيات مباشرة على أمن الخليج، وحركة الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة، ومكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وعليه، فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لن تكون مجرد صراع بين اليمين والمعارضة، بل ستكون اختباراً لمجمل البيئة الاستراتيجية التي تحيط بإسرائيل. فنتائجها ستتأثر بثلاثة عوامل رئيسية: أولها قدرة نتنياهو على توظيف المتغير الأمني لصالحه، وثانيها نجاح المعارضة في بناء بديل سياسي مقنع، وثالثها قدرة الأحزاب العربية على تجاوز خلافاتها ورفع نسبة المشاركة الشعبية.

وفي المحصلة، لا يبدو أن مستقبل نتنياهو سيتحدد داخل صناديق الاقتراع وحدها، بل سيتشكل عند تقاطع السياسة بالأمن، والداخل بالإقليم، والتحالفات المحلية بالحسابات الدولية. وإذا كان نتنياهو يجيد استثمار الأزمات لإطالة عمره السياسي، فإن السؤال الذي سيحسم نتائج الانتخابات ليس فقط: من يفوز بالأغلبية؟ بل من ينجح في إدارة التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأسره.

إن تشرذم الأحزاب العربية قد يمنح نتنياهو فرصة إضافية للبقاء، لكنه لن يكون العامل الوحيد. فمستقبل إسرائيل السياسي بات رهناً بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، تجعل من انتخابات الكنيست المقبلة محطة تتجاوز حدود الدولة العبرية، لتصبح جزءاً من إعادة تشكيل النظام الإقليمي في مرحلة تتسم بقدر غير مسبوق من السيولة وعدم اليقين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى