حين يتحول الوقود إلى مرآة للأزمة الوطنية
قراءة تحليلية في المشهد الفلسطيني بعد ثلاثة عقود من أوسلو
المحامي علي أبوحبلة
لم تعد أزمة الوقود التي تشهدها الأراضي الفلسطينية مجرد نقصٍ في مادة حيوية، ولا مجرد طوابير طويلة أمام محطات المحروقات، بل غدت تعبيراً مكثفاً عن أزمة وطنية مركبة تراكمت فصولها على امتداد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً. فالمواطن الفلسطيني الذي يقضي ساعات تحت أشعة الشمس منتظراً دوره للحصول على بضعة لترات من البنزين، لا ينتظر الوقود فحسب، بل يستحضر حصيلة مرحلة كاملة امتلأت بالوعود المؤجلة والرهانات التي لم تتحقق.
إن الصورة التي تختزلها طوابير الوقود تكشف حقيقة المشهد الفلسطيني بكل تعقيداته؛ فالأزمة ليست في المحطات، وإنما في بنية سياسية واقتصادية وأمنية أصبحت رهينة للاحتلال الإسرائيلي، الذي ما زال يسيطر على المعابر والحدود والموارد وحركة البضائع والطاقة، ويستخدمها أدوات ضغط وعقاب جماعي بحق الشعب الفلسطيني.
لقد قامت فلسفة اتفاق أوسلو على فرضية الانتقال التدريجي نحو الدولة الفلسطينية المستقلة، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة المجتمع والاقتصاد. غير أن ما جرى على الأرض كان نقيض تلك الفرضية؛ إذ تضاعف الاستيطان، واتسعت رقعة مصادرة الأراضي، وتحولت الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة تربطها طرق خاضعة بالكامل لسيطرة الاحتلال، فيما انتشرت مئات الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية التي مزقت وحدة الجغرافيا الفلسطينية.
واليوم، لم يعد الفلسطيني يملك حرية التنقل داخل وطنه، ولا يستطيع الوصول إلى أرضه أو عمله أو جامعته أو مستشفاه إلا وفق المزاج الأمني للاحتلال. وأصبح المستوطن، بحماية الجيش الإسرائيلي، قادراً على تعطيل حياة مدن بأكملها وإغلاق الطرق الرئيسة، في مشهد يعكس اختلالاً كاملاً في ميزان السيطرة والسيادة.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن الاحتلال لا يدير الأرض فقط، بل يدير الاقتصاد الفلسطيني أيضاً. فمن خلال التحكم بالمقاصة والمعابر والطاقة والوقود، يستطيع خنق الاقتصاد متى شاء، وهو ما يجعل أي أزمة معيشية امتداداً مباشراً لمنظومة السيطرة الإسرائيلية، ويؤكد أن غياب السيادة الاقتصادية لا يقل خطورة عن غياب السيادة السياسية.
لكن القراءة الموضوعية تقتضي أيضاً الاعتراف بأن الاحتلال ليس العامل الوحيد في تعميق الأزمة. فالانقسام الفلسطيني المستمر منذ سنوات طويلة استنزف الطاقات الوطنية، وأضعف المؤسسات، وشتت القرار السياسي، وأفقد المشروع الوطني الكثير من عناصر قوته. كما أن غياب التخطيط الاستراتيجي والإصلاح الإداري والاقتصادي، وتراجع ثقة المواطن بالمؤسسات، كلها عوامل ساهمت في تعميق حالة الهشاشة الداخلية.
إن أخطر ما أنتجته هذه المرحلة ليس فقط تراجع المؤشرات الاقتصادية أو ارتفاع نسب البطالة والفقر، وإنما تآكل ثقة المواطن بمستقبل وطنه. فحين يشعر الفلسطيني بأنه عاجز عن حماية أرضه أو منزله أو أشجار زيتونه، وأن حركته اليومية أصبحت رهناً بحاجز عسكري أو مجموعة مستوطنين، فإن الأزمة تتحول من أزمة خدمات إلى أزمة معنى، ومن أزمة معيشية إلى أزمة ثقة بالمستقبل.
ولا يمكن فصل أزمة الوقود عن مجمل الأزمات التي يعيشها الفلسطيني؛ من أنصاف الرواتب، وارتفاع المديونية، وأزمات القطاع الصحي والتعليمي، وصعوبة السفر عبر المعابر، وتراجع فرص الاستثمار. فجميعها حلقات في سلسلة واحدة عنوانها غياب السيادة واستمرار الاحتلال، مقابل الحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد ترتيب الأولويات.
واليوم، تقف القضية الفلسطينية أمام مفترق طرق تاريخي، في ظل حكومة إسرائيلية تمضي نحو تكريس الضم الزاحف، وتوسيع المشروع الاستيطاني، وتقويض أي إمكانية لحل سياسي قائم على قرارات الشرعية الدولية. وهذا يفرض الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، ترتكز على إنهاء الانقسام، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة، وتعزيز صمود المواطن، وتحصين الاقتصاد الوطني، وتفعيل أدوات القانون الدولي لمساءلة الاحتلال.
إن بناء الثقة يبدأ من إعادة الاعتبار للمواطن باعتباره محور المشروع الوطني، لا مجرد متلقٍ للأزمات. فالدول لا تُقاس بعدد المباني أو المركبات، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان أمنه الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز ثقته بالمستقبل.
لقد أصبحت طوابير الوقود رمزاً لحالة انتظار فلسطينية امتدت أكثر مما ينبغي. لكن التاريخ يؤكد أن الشعوب التي تمتلك الإرادة والقدرة على المراجعة، تستطيع أن تحول الأزمات إلى فرص، والإحباط إلى قوة دفع نحو التغيير.
ويبقى الرهان الحقيقي ليس على وصول شاحنة وقود جديدة، بل على إطلاق مشروع وطني جامع يعيد توحيد الصف الفلسطيني، ويستند إلى رؤية استراتيجية قادرة على مواجهة تحديات المرحلة، لأن معركة الفلسطيني اليوم لم تعد معركة الوقود وحده، بل معركة الحرية والسيادة والكرامة الوطنية.
قراءة تحليلية في المشهد الفلسطيني بعد ثلاثة عقود من أوسلو
المحامي علي أبوحبلة
لم تعد أزمة الوقود التي تشهدها الأراضي الفلسطينية مجرد نقصٍ في مادة حيوية، ولا مجرد طوابير طويلة أمام محطات المحروقات، بل غدت تعبيراً مكثفاً عن أزمة وطنية مركبة تراكمت فصولها على امتداد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً. فالمواطن الفلسطيني الذي يقضي ساعات تحت أشعة الشمس منتظراً دوره للحصول على بضعة لترات من البنزين، لا ينتظر الوقود فحسب، بل يستحضر حصيلة مرحلة كاملة امتلأت بالوعود المؤجلة والرهانات التي لم تتحقق.
إن الصورة التي تختزلها طوابير الوقود تكشف حقيقة المشهد الفلسطيني بكل تعقيداته؛ فالأزمة ليست في المحطات، وإنما في بنية سياسية واقتصادية وأمنية أصبحت رهينة للاحتلال الإسرائيلي، الذي ما زال يسيطر على المعابر والحدود والموارد وحركة البضائع والطاقة، ويستخدمها أدوات ضغط وعقاب جماعي بحق الشعب الفلسطيني.
لقد قامت فلسفة اتفاق أوسلو على فرضية الانتقال التدريجي نحو الدولة الفلسطينية المستقلة، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة المجتمع والاقتصاد. غير أن ما جرى على الأرض كان نقيض تلك الفرضية؛ إذ تضاعف الاستيطان، واتسعت رقعة مصادرة الأراضي، وتحولت الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة تربطها طرق خاضعة بالكامل لسيطرة الاحتلال، فيما انتشرت مئات الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية التي مزقت وحدة الجغرافيا الفلسطينية.
واليوم، لم يعد الفلسطيني يملك حرية التنقل داخل وطنه، ولا يستطيع الوصول إلى أرضه أو عمله أو جامعته أو مستشفاه إلا وفق المزاج الأمني للاحتلال. وأصبح المستوطن، بحماية الجيش الإسرائيلي، قادراً على تعطيل حياة مدن بأكملها وإغلاق الطرق الرئيسة، في مشهد يعكس اختلالاً كاملاً في ميزان السيطرة والسيادة.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن الاحتلال لا يدير الأرض فقط، بل يدير الاقتصاد الفلسطيني أيضاً. فمن خلال التحكم بالمقاصة والمعابر والطاقة والوقود، يستطيع خنق الاقتصاد متى شاء، وهو ما يجعل أي أزمة معيشية امتداداً مباشراً لمنظومة السيطرة الإسرائيلية، ويؤكد أن غياب السيادة الاقتصادية لا يقل خطورة عن غياب السيادة السياسية.
لكن القراءة الموضوعية تقتضي أيضاً الاعتراف بأن الاحتلال ليس العامل الوحيد في تعميق الأزمة. فالانقسام الفلسطيني المستمر منذ سنوات طويلة استنزف الطاقات الوطنية، وأضعف المؤسسات، وشتت القرار السياسي، وأفقد المشروع الوطني الكثير من عناصر قوته. كما أن غياب التخطيط الاستراتيجي والإصلاح الإداري والاقتصادي، وتراجع ثقة المواطن بالمؤسسات، كلها عوامل ساهمت في تعميق حالة الهشاشة الداخلية.
إن أخطر ما أنتجته هذه المرحلة ليس فقط تراجع المؤشرات الاقتصادية أو ارتفاع نسب البطالة والفقر، وإنما تآكل ثقة المواطن بمستقبل وطنه. فحين يشعر الفلسطيني بأنه عاجز عن حماية أرضه أو منزله أو أشجار زيتونه، وأن حركته اليومية أصبحت رهناً بحاجز عسكري أو مجموعة مستوطنين، فإن الأزمة تتحول من أزمة خدمات إلى أزمة معنى، ومن أزمة معيشية إلى أزمة ثقة بالمستقبل.
ولا يمكن فصل أزمة الوقود عن مجمل الأزمات التي يعيشها الفلسطيني؛ من أنصاف الرواتب، وارتفاع المديونية، وأزمات القطاع الصحي والتعليمي، وصعوبة السفر عبر المعابر، وتراجع فرص الاستثمار. فجميعها حلقات في سلسلة واحدة عنوانها غياب السيادة واستمرار الاحتلال، مقابل الحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد ترتيب الأولويات.
واليوم، تقف القضية الفلسطينية أمام مفترق طرق تاريخي، في ظل حكومة إسرائيلية تمضي نحو تكريس الضم الزاحف، وتوسيع المشروع الاستيطاني، وتقويض أي إمكانية لحل سياسي قائم على قرارات الشرعية الدولية. وهذا يفرض الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، ترتكز على إنهاء الانقسام، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة، وتعزيز صمود المواطن، وتحصين الاقتصاد الوطني، وتفعيل أدوات القانون الدولي لمساءلة الاحتلال.
إن بناء الثقة يبدأ من إعادة الاعتبار للمواطن باعتباره محور المشروع الوطني، لا مجرد متلقٍ للأزمات. فالدول لا تُقاس بعدد المباني أو المركبات، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان أمنه الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز ثقته بالمستقبل.
لقد أصبحت طوابير الوقود رمزاً لحالة انتظار فلسطينية امتدت أكثر مما ينبغي. لكن التاريخ يؤكد أن الشعوب التي تمتلك الإرادة والقدرة على المراجعة، تستطيع أن تحول الأزمات إلى فرص، والإحباط إلى قوة دفع نحو التغيير.
ويبقى الرهان الحقيقي ليس على وصول شاحنة وقود جديدة، بل على إطلاق مشروع وطني جامع يعيد توحيد الصف الفلسطيني، ويستند إلى رؤية استراتيجية قادرة على مواجهة تحديات المرحلة، لأن معركة الفلسطيني اليوم لم تعد معركة الوقود وحده، بل معركة الحرية والسيادة والكرامة الوطنية.