يحيى بركات - حين استدار العالم... عندما أصبح نتنياهو رجلًا يُناقش اعتقاله في نيويورك

لم تكن الطائرة قد أقلعت بعد.
ولم يكن بنيامين نتنياهو قد حزم حقائبه متجهًا إلى نيويورك.
ولم تكن شرطة المدينة قد تلقت أمرًا باعتقاله.
لكن شيئًا آخر كان قد وصل قبله.

وصل السؤال.
دخل إلى قاعات التحرير الأمريكية، وجلس أمام مذيعي شبكات التلفزة، وعبر إلى البيت الأبيض، ثم وصل إلى إسرائيل، حيث قرأه السياسيون والمعلقون كما يقرأ المرء خبرًا لا يخيفه بسبب ما وقع فيه، بل بسبب ما أصبح ممكنًا بعده:

هل يمكن اعتقال رئيس وزراء إسرائيل في نيويورك؟

قد تكون الإجابة القانونية: لا.

وقد تتدخل الحكومة الفيدرالية.

وقد يتمسك نتنياهو بالحصانة الدبلوماسية.

وقد لا تملك بلدية نيويورك أصلًا الصلاحية لتنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، خصوصًا أن الولايات المتحدة ليست عضوًا فيها.

كل ذلك مهم للمحامين.

لكنه ليس موضوع هذا المقال.

فالحدث الحقيقي ليس أن نتنياهو سيُعتقل.

الحدث أن رئيس وزراء إسرائيل أصبح رجلًا يُناقش اعتقاله، علنًا، داخل الولايات المتحدة.

هنا استدار العالم.

لم يعد الحديث يجري في لاهاي، ولا في جامعة أوروبية، ولا في مظاهرة مؤيدة لفلسطين.

إنه يجري في نيويورك.

في المدينة التي كانت إسرائيل تعتبرها عاصمتها الثانية، ومركزها المالي والإعلامي والسياسي خارج حدودها.

في المدينة التي تضم واحدة من أكبر التجمعات اليهودية في العالم، والتي اعتادت أن يأتيها رؤساء الحكومات الإسرائيلية فيتحركون بين الفنادق وقاعات الأمم المتحدة ومكاتب كبار الممولين كما لو أنهم يعبرون غرفة مألوفة في بيتهم.

لكن عمدة نيويورك زهران ممداني قال إن نتنياهو، المطلوب بموجب مذكرة أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ينتمي إلى قاعة المحكمة في لاهاي، وإن إدارته تبحث مع مستشاري المدينة القانونيين ما يمكن فعله إذا وصل إلى نيويورك.

لم يقل إنه سيكتب قانونًا جديدًا من أجله.

ولم يقل إنه سيخرج على الدستور.

قال إنه سيفعل ما يسمح به القانون.

ومع ذلك، اهتزت الغرفة كلها.

خرج الرئيس دونالد ترامب ليعلن أن نتنياهو لن يُعتقل في الولايات المتحدة.

وتحرك السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة ليصف ما يقوله ممداني بأنه مسرح سياسي.

ورد السفير الإسرائيلي.

وفتحت الصحف الأمريكية والإسرائيلية صفحاتها للمحامين والسياسيين والمعلقين.

وبدأ الجميع يناقشون صلاحيات العمدة، وسلطة الحكومة الفيدرالية، وحصانة رؤساء الحكومات، واتفاقية مقر الأمم المتحدة.

لكن إسرائيل، وسط كل هذا الضجيج، كانت تعرف أن الخطر ليس في سيارة شرطة قد تقف أمام طائرة نتنياهو.

الخطر في الناخب الذي جعل الحديث عن سيارة الشرطة ممكنًا.

فممداني لم يقل ما قاله بعد أن انتهت الانتخابات وأغلق صناديقها.

لقد حمل موقفه من نتنياهو ومن الحرب على غزة ومن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي خلال حملته الانتخابية.

دخل المعركة وهو يعرف أن هذه المواقف ستُستخدم ضده.

وعرف أن صورته ستُقدَّم بوصفه عدوًا لإسرائيل.

وعرف أن المال السياسي سيتحرك، وأن الاتهامات الجاهزة ستخرج من الأدراج، وأن كل كلمة سيقولها ستُفحص بحثًا عن ذريعة لوصمه بمعاداة السامية أو كراهية أمريكا.

ومع ذلك لم يتراجع.

ثم فاز.

وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط النقاش القانوني.

فممداني لم يفز رغم موقفه من إسرائيل.

بل فاز وهو يعلنه.

لم يخفِ غزة خلف ملف الإسكان، ولم يضع فلسطين في درج مكتبه حتى تنتهي الانتخابات، ولم يعتذر عن قوله إن القانون الدولي يجب أن يطبق على نتنياهو كما يطبق على غيره.

وحين وصل إلى رئاسة نيويورك، لم يغير لغته.

وهنا لا تعود المسألة شجاعة فردية لرجل واحد.

فالسياسي لا يصبح شجاعًا فجأة إلا حين يشعر أن هناك شارعًا يقف خلفه.

والمرشح لا يواجه شبكة ضغط ومال ضخمة إلا إذا عرف أن الناس لم يعودوا يرون تلك الشبكة قدرًا لا يُهزم.

لهذا فإن ممداني ليس أصل التحول.

إنه أنصع صوره.

هو المرآة التي ظهرت فيها أمريكا الجديدة للحظة، فرأت إسرائيل وجهًا لم تعتد رؤيته.

وجه ناخب لا يخاف من كلمة «فلسطين».

ولا يعتبر الدفاع غير المشروط عن إسرائيل شرطًا للوطنية الأمريكية.

ولا يرى في المال القادم من الجماعات الموالية لها شهادة حسن سلوك، بل يبدأ أحيانًا في التعامل معه كسؤال يجب أن يطرح على المرشح:

لمن ستكون وفيًا عندما تصل إلى المنصب؟

لنا...
أم لمن موّل وصولك؟

طوال عقود، كانت العلاقة مع «إيباك» والجماعات المؤيدة لإسرائيل تمنح المرشح مظلة سياسية ومالية.

وما تزال هذه الجماعات تملك نفوذًا هائلًا، وتنفق مبالغ ضخمة لدعم مرشحين ومهاجمة آخرين، وتعلن صراحة أنها تعمل مع الحزبين لتعزيز العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ودعم المساعدات العسكرية لإسرائيل. وفي انتخابات 2026 وحدها، أصبحت مواجهة تمويل «إيباك» جزءًا معلنًا من معارك تمهيدية داخل الحزب الديمقراطي، كما في سباق مجلس الشيوخ في ميشيغان، حيث تحوّل حجم إنفاقها إلى قضية انتخابية بحد ذاته.

لكن الجديد ليس أن اللوبي فقد ماله.

وليس أنه غادر الكونغرس.

وليس أن السياسيين توقفوا عن زيارته.

الجديد أنه بدأ يفقد شيئًا كان، أحيانًا، أهم من المال والنفوذ:

الخوف.

في الماضي، كان مجرد اتهام سياسي بأنه ضد إسرائيل كافيًا لإرباك حملته، ودفعه إلى التراجع والاعتذار وتقديم فروض الولاء.

أما اليوم، فقد بدأ يظهر جيل يقول علنًا:

نعم، أنا ضد أن تتحكم حكومة أجنبية في قرارنا.

نعم، أنا ضد أن تستخدم أموال جماعات الضغط لإسقاط من يعارض حربًا أو يطالب بوقف السلاح.

نعم، أريد أن أعرف لماذا يضع بعض أعضاء الكونغرس مصالح إسرائيل قبل مصالح ناخبيهم.

والأخطر أن هذا الخطاب لم يعد يأتي فقط من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي.

لقد وصل صداه إلى الحزب الجمهوري نفسه.

قبل أيام، جلس نائب الرئيس جيه دي فانس أمام جو روغان في مقابلة امتدت ساعات.

لم يتحدث بلسان ناشط يساري، ولا بلسان طالب في جامعة كولومبيا، ولا بلسان عضو في حركة التضامن مع فلسطين.

كان يتحدث بصفته نائب رئيس جمهوري، ومن قلب الإدارة التي يقودها ترامب.

قال إن عناصر داخل الحكومة الإسرائيلية حاولت التأثير في الرأي العام الأمريكي ضد اتفاق مع إيران.

وتحدث عن حملة ممولة استهدفته بسبب موقفه من المفاوضات.

وقال، بوضوح لا يحتاج إلى مترجم، إن المشكلة تبدأ عندما ينجح هذا التأثير في تغيير سياسة الولايات المتحدة.

بل ذهب إلى القول إن أمريكا ربما لم تكن لتدخل الحرب مع إيران لولا الضغوط الإسرائيلية.

قبل سنوات قليلة، كان يمكن لمثل هذا الكلام أن ينهي مستقبل سياسي جمهوري.

اليوم يقوله نائب الرئيس.

وليس لأن الحزب الجمهوري استيقظ صباحًا وأحب فلسطين.

ولا لأن اليمين الأمريكي صار معاديًا لإسرائيل.

بل لأن السياسيين بدأوا يسمعون شيئًا مختلفًا في الشارع.

يسمعون المواطن يسأل عن ابنه الذي أرسل إلى الحرب.

وعن المليارات التي خرجت من الخزينة.

وعن سعر الوقود الذي ارتفع.

وعن راتبه الذي لم يعد يكفي.

الحرب مع إيران لم تعد صورة صواريخ بعيدة، بل أصبحت فاتورة. ففي يوليو/تموز، قدّر البنتاغون كلفتها بـ37.5 مليار دولار، بينما أظهرت استطلاعات الرأي أن أغلبية الأمريكيين يرون أن الحرب لم تستحق ثمنها، وأن الدعم المفرط لإسرائيل بات مصدر قلق. وهنا لم تعد إسرائيل عبئًا أخلاقيًا فقط، بل عبئًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا يصل إلى جيب المواطن، وراتبه، وحياة جنوده، ليطرح السؤال المؤجل: لمن نحارب؟

حاول ترامب، وهو يدافع عن نتنياهو، أن يحصر صورته في دوره خلال الحرب مع إيران.

كأنما أراد أن يقول للأمريكيين:

هذا الرجل وقف معنا.

لكن الجملة نفسها انقلبت في الهواء.

لأن الأمريكيين بدأوا يسألون:

هل وقف نتنياهو معنا فعلًا؟

أم أننا نحن الذين وقفنا معه؟

هل كانت حرب أمريكا التي ساعدتها إسرائيل؟

أم حرب نتنياهو التي دفعت أمريكا ثمنها؟

وهل قاتل نتنياهو إلى جانب ترامب؟

أم أُدخل ترامب وجنوده واقتصاده إلى الحرب التي احتاجها نتنياهو؟

ذلك هو المأزق الذي لم يعد الخطاب القديم قادرًا على إخفائه.

فكلما حاول المدافعون عن نتنياهو تقديمه حليفًا شارك أمريكا حربها، أعادوا إلى الواجهة السؤال عن هوية صاحب الحرب أصلًا.

ومن قرر توقيتها.

ومن استفاد منها.

ومن دفع ثمنها.

هذا التحول لا يعني أن إسرائيل فقدت أمريكا.

فالبيت الأبيض ما يزال يحميها.

والكونغرس ما يزال يموّلها.

و«إيباك» ما تزال تنفق وتضغط وتفتح الأبواب وتغلقها.

والسلاح ما يزال يعبر المحيط.

لكن العلاقات السياسية لا تنهار دفعة واحدة.

لا تستيقظ الإمبراطوريات صباحًا لتجد أن خرائطها تغيرت.

تبدأ الاستدارة بجملة.

ثم بسؤال.

ثم بمرشح لا يعتذر.

ثم بناخب لا يخاف.

ثم بعضو كونغرس يرفض المال.

ثم بنائب رئيس يتحدث عن تدخل حكومة إسرائيل في السياسة الأمريكية.

ثم بعمدة نيويورك يقول إن رئيس وزرائها مطلوب للمحكمة.

كل لقطة تبدو صغيرة وحدها.

لكن حين توضع اللقطات إلى جانب بعضها، يظهر الفيلم.

في الحزب الديمقراطي، يحقق جناح يتحدث بلغة أوضح عن فلسطين وعن المال السياسي وعن نفوذ الجماعات الموالية لإسرائيل نجاحات انتخابية متزايدة، رغم أن معركته مع المؤسسة لم تُحسم بعد.

وفي الحزب الجمهوري، بدأ شعار «أمريكا أولًا» يصطدم بالسؤال الذي حاول كثيرون تأجيله:

هل يمكن أن تكون أمريكا أولًا، بينما تملك حكومة إسرائيل حق دفعها إلى حرب لا يريدها شعبها؟

المفارقة أن اللوبي الذي اعتاد اتهام منتقدي إسرائيل بأنهم يضرون بالمصالح الأمريكية، أصبح هو نفسه يواجه اتهامًا أشد خطرًا:

أنه يدفع السياسيين إلى خدمة دولة أخرى على حساب أمريكا.

وأن المال الذي كان يوضع في الحملات بوصفه مصدر قوة، يمكن أن يصبح أثرًا يقود الناخب إلى المرشح، فيسأله عن الثمن المقابل.

قبل سنوات، كان السياسي الأمريكي يخشى أن يُتهم بأنه لا يحب إسرائيل بما يكفي.

اليوم بدأ يخشى أن يُتهم بأنه يحبها أكثر من أمريكا.

بين الجملتين...
استدار عالم كامل.

لا أعرف إن كان بنيامين نتنياهو سيقف يومًا أمام قاضٍ في لاهاي.
ولا أعرف إن كانت شرطة نيويورك ستقترب يومًا من موكبه.
وربما لن يحدث شيء من ذلك كله.
لكن التاريخ لا يقيس لحظات الاستدارة بما حدث...
بل بما أصبح ممكنًا بعده.

فالأفكار لا تسقط حين تُهزم في معركة.
تسقط حين تفقد قدرتها على إخافة الناس.
والحصانات لا تنتهي عندما تُكسر أبوابها.
تنتهي عندما يتوقف الناس عن الإيمان بأنها لا تُكسر.

ولهذا، فإن الاستدارة الحقيقية ليست في مذكرة اعتقال.
ولا في تصريح عمدة.
ولا في موقفٍ عابر.
الاستدارة الحقيقية حدثت في مكان آخر...
في وعي مجتمع كامل.
حين بدأ الأمريكي يسأل الأسئلة التي كان يتجنبها.
وحين اكتشف السياسي أن الطريق إلى الناخب لم تعد تمر بالضرورة عبر بوابات اللوبي.

كل حضارة، وكل إمبراطورية، وكل فكرة مهيمنة، تصل إلى لحظة لا تسقط فيها جدرانها دفعة واحدة.
بل يسقط أولًا ذلك الخوف الذي كان يمنع الناس من طرقها.
ومنذ تلك اللحظة...
لا يعود السؤال هو: متى سيسقط الجدار؟
بل يصبح السؤال الوحيد:
كم من الوقت يستطيع جدارٌ فقدَ الخوفَ منه... أن يبقى واقفًا؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
22/7/2026





FB_IMG_1784680331574.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى