في حياة الفلسطيني بابان.
باب يعرفه منذ ثمانية عقود.
يُطرق في منتصف الليل، فيفتحه جندي الاحتلال، أو يُكسر قبل أن يصل إليه صاحب البيت.
وباب آخر حلم الفلسطيني طويلًا ألا يُطرق بالطريقة نفسها.
باب بيته في وطنه.
لهذا، عندما قرأت بيان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، لم أتوقف أولًا عند اللغة القانونية، ولا عند المصطلحات التي تتكرر في تقارير المؤسسات الدولية.
توقفت عند الباب.
فالبيان لم يكن يتحدث هذه المرة عن جيش الاحتلال، ولا عن السجون الإسرائيلية، ولا عن محاكم عسكرية تحاكم شعبًا كاملًا تحت الحراب.
كان يتحدث عن الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
يتحدث عن اعتقال تعسفي، وتعذيب وسوء معاملة، واحتجاز مواطنين رغم صدور قرارات قضائية بالإفراج عنهم، وعن انتهاكات طالت صحفيين ونشطاء ومعارضين سياسيين، ووصلت، بحسب البيان، إلى أطفال.
وهنا لا يعود الخبر خبرًا.
يتحول إلى مرآة.
مرآة قاسية، لا لأنها تكشف وجهًا لا نعرفه، بل لأنها تضع الحلم الفلسطيني نفسه أمام امتحان لم يعد ممكنًا تأجيله.
فالسلطة الفلسطينية لم تولد في وعي الناس مجرد إدارة تدير شؤون السكان.
ولدت بوصفها أول مساحة فلسطينية يفترض أن يختلف فيها شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين رجل الأمن والمواطن، وبين القانون والقوة.
كان يفترض أن تكون نقيضًا للاحتلال، لا نسخة أقل اتساعًا من أدواته.
وكان الفلسطيني، الذي عرف الاعتقال والمداهمة والتحقيق والتعذيب على يد المحتل، ينتظر أن يرى في مؤسساته الوطنية الوجه الآخر للدولة التي يحلم بها: دولة تحميه عندما يكون ضعيفًا، وتسمعه عندما يعارض، وتصون كرامته حتى عندما يخطئ.
ولهذا فإن أخطر ما في بيان الأمم المتحدة ليس عدد الحالات التي ذكرها، ولا اللغة التي استخدمها، ولا حتى الإدانة التي حملها.
أخطر ما فيه أنه يضرب في المنطقة التي لا يجوز أن تُمس في المشروع الوطني الفلسطيني: ثقة الإنسان بالمؤسسة التي يفترض أنها تمثله وتحميه.
فالدولة لا تبدأ من العلم.
ولا من الجواز.
ولا من المقعد في الأمم المتحدة.
ولا حتى من الانتخابات.
الدولة تبدأ من اللحظة التي يطرق فيها رجل الأمن باب المواطن، فيعرف الاثنان أن القانون واقف بينهما.
نحن لسنا أمام فراغ قانوني.
القانون الأساسي الفلسطيني يحمي الحرية الشخصية، ويحظر التعذيب، ويكفل حرية الرأي والتعبير، ويؤكد استقلال القضاء ووجوب تنفيذ أحكامه.
وفلسطين انضمت إلى اتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، وغيرها من المواثيق التي تجعل احترام الكرامة الإنسانية التزامًا لا مكرمة، وواجبًا لا اختيارًا.
أي أن المشكلة ليست في غياب النص.
المشكلة في المسافة بين النص والباب المغلق.
بين قرار القاضي والزنزانة.
بين المادة التي تحظر التعذيب، واليد التي تظن أن الجدران العالية تخفي ما يحدث خلفها.
وبين السلطة التي تقول للعالم إن شعبها يستحق الحرية، والمواطن الذي يسألها داخل الوطن عن حريته هو.
هنا يكمن قلب المسألة.
لأننا عندما نطالب العالم باحترام القانون الدولي، لا نستطيع أن نتعامل مع القانون الفلسطيني باعتباره أمرًا قابلًا للتأجيل.
وعندما نطالب بمحاكمة الاحتلال على التعذيب والاعتقال التعسفي، لا يجوز أن يصبح التعذيب، مهما كان نطاقه أو مبرره، مجرد تجاوز إداري داخل مؤسساتنا.
فالحقوق لا تتجزأ بحسب هوية الجلاد.
والكرامة لا تصبح أقل قيمة حين يكون من ينتهكها فلسطينيًا.
والتعذيب لا يفقد اسمه لأنه وقع تحت علم فلسطين.
قد يقول قائل إن السلطة الفلسطينية تعمل في ظروف استثنائية، وإن الاحتلال يقيّد حركتها ويقوض مؤسساتها ويقتحم مدنها ويعتقل أبناءها ويصادر مواردها.
وهذا صحيح.
لكن الاستثناء الوطني لا يجوز أن يتحول إلى استثناء إنساني.
فالاحتلال يفسر عجز السلطة.
لكنه لا يبرر أن يُهان المواطن.
والتهديدات الأمنية قد تفسر الحاجة إلى التحقيق.
لكنها لا تبرر التعذيب.
والانقسام السياسي قد يفسر التوتر.
لكنه لا يحول الخصم السياسي إلى عدو يجب إسكات صوته.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة واقعة تحت الاحتلال هو أن تسمح للاحتلال بأن يعيد تشكيلها على صورته.
أن تتعلم منه كيف تخاف من الكلمة.
وكيف تشتبه بالمواطن.
وكيف ترى في النقد خطرًا، وفي المعارض خصمًا، وفي المؤسسة الأمنية جدارًا يحمي الحكم بدل أن تكون مؤسسة تحمي المجتمع.
هنا لا يكون الاحتلال قد احتل الأرض فقط.
يكون قد تسلل إلى طريقة التفكير نفسها.
يأتي هذا البيان في لحظة فلسطينية شديدة الحساسية.
نتحدث عن انتخابات تشريعية ورئاسية، وعن إعادة بناء المجلس الوطني، وعن دستور فلسطيني جديد، وعن تجديد الشرعيات والمؤسسات.
قبل أشهر شُكلت لجنة لإعداد الدستور، وفتح نقاش حول الدولة التي نريد، والعقد السياسي الذي يفترض أن ينظم العلاقة بين الشعب والسلطة.
لكن بيان الأمم المتحدة يعيد السؤال إلى مكانه الأول.
قبل أن نسأل: ماذا سنكتب في الدستور؟
علينا أن نسأل: ماذا نفعل بالقانون الموجود؟
وقبل أن نختلف على شكل النظام السياسي، علينا أن نتفق على أن جسد الإنسان ليس ساحة للتحقيق، وأن رأيه ليس جريمة، وأن قرار المحكمة ليس اقتراحًا، وأن كرامة الطفل ليست بندًا مؤجلًا إلى ما بعد التحرير.
فما قيمة أن نكتب في الدستور أن الحرية مصونة، إذا كانت الحرية تقف كل ليلة على باب جهاز أمني تنتظر إذن الدخول؟
وما قيمة أن نكتب أن القضاء مستقل، إذا كان قرار الإفراج يبقى ورقة خارج باب الزنزانة؟
وما قيمة انتخابات جديدة، إذا دخلها المواطن وهو يخاف من أن يكون صوته سببًا في ملاحقته؟
الديمقراطية ليست صندوقًا يوضع في قاعة.
إنها شعور المواطن بأن صوته لن يتحول إلى ملف.
وأن معارضته لن تتحول إلى تهمة.
وأن الدولة لا تنتقم ممن لا يحبها.
ولا أرى في مواجهة هذا البيان إضعافًا للسلطة الفلسطينية.
العكس تمامًا.
السلطة التي تحقق بشفافية، وتحاسب من يثبت تورطه، وتحترم القضاء، وتغلق أبواب التعذيب، وتعيد الاعتبار لكرامة المواطن، تصبح أقوى أمام شعبها وأمام العالم.
أما الإنكار، فيمنح الانتهاك عمرًا أطول.
والصمت، حين يتعلق بالتعذيب، ليس حيادًا.
والدفاع الأعمى عن المؤسسات لا يحميها، بل يحول أخطاء الأفراد إلى جزء من صورتها.
لا أحد يطلب هدم المؤسسة الأمنية.
المطلوب أن تعود إلى وظيفتها.
أن تحمي الفلسطيني لا أن تخيفه.
أن تحرس القانون لا أن تتجاوزه.
أن تدرك أن قوتها لا تظهر عندما يعجز المواطن عن الكلام، بل عندما يتكلم ويبقى آمنًا.
ولهذا فإن الرد الوطني والمسؤول على بيان الأمم المتحدة يجب أن يبدأ بتحقيق مستقل وشفاف، ونشر نتائجه، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وتنفيذ قرارات القضاء دون إبطاء، وفتح أماكن الاحتجاز أمام الرقابة الحقوقية، وضمان حق المعتقل في المحامي والعائلة والطبابة، وإعلان موقف واضح لا يحتمل التأويل: لا مكان للتعذيب في فلسطين.
ليس لأن الأمم المتحدة طلبت ذلك.
بل لأن فلسطين التي نناضل من أجلها لا يمكن أن تولد وفي زنزانتها إنسان يُعذب.
منذ النكبة، عاش الفلسطيني وهو يحاول حماية وطن لم يعد يملكه.
حمل المفتاح بعد أن ضاع البيت.
وحمل الخريطة بعد أن مُسحت القرية.
وحمل العلم قبل أن تقوم الدولة.
وظل، جيلاً بعد جيل، يحمي فكرة فلسطين من الموت.
لكن ربما آن الأوان أن نسأل السؤال المعاكس:
من يحمي الفلسطيني من الدولة التي يريدها؟
لسنوات طويلة، خفنا على فلسطين من الاحتلال، ومن التصفية، ومن الضياع.
وهذا خوف مشروع.
لكن الوطن لا يُصان فقط من العدو الذي يقف خارجه.
يُصان أيضًا من الخوف الذي يكبر داخله.
فإذا اضطر المواطن إلى الصمت كي يحمي نفسه، خسر الوطن صوته.
وإذا أصبح القانون أضعف من الرتبة، خسر الوطن ميزانه.
وإذا تحولت الزنزانة إلى مكان لا تصل إليه المحكمة، خسر الوطن أول حدوده.
لأن حدود الدولة الحقيقية لا تبدأ عند الحاجز ولا تنتهي عند البحر.
حدودها الأولى هي جسد الإنسان.
وكرامته.
وحريته.
ربما نستطيع أن نكتب دستورًا جميلًا.
ونجري انتخابات.
وننتخب رئيسًا ومجلسًا تشريعيًا ومجلسًا وطنيًا.
وربما نرفع علم فلسطين فوق مبانٍ أكثر، ونحصل على اعترافات دولية جديدة، ونضيف مقعدًا آخر إلى قاعات العالم.
لكن كل ذلك سيبقى صورة معلقة على الجدار، إن بقي مواطن فلسطيني خلف باب مغلق لا يسمع صوته أحد.
فالدولة لا تولد يوم يوقع الرئيس دستورها.
ولا يوم يقف العالم احترامًا لعلمها.
الدولة تولد في اللحظة التي يدخل فيها المواطن إلى مؤسسة من مؤسساتها خائفًا...
ثم يخرج منها وقد استعاد كرامته.
تولد عندما يقف القاضي أمام رجل الأمن، فينحني الاثنان للقانون.
وتولد عندما يعرف المعارض أن اختلافه لا ينفي وطنيته.
وعندما يعرف الطفل أن يد الدولة يمكن أن تمسك بيده، لكنها لا يمكن أن تمتد إلى جسده بالأذى.
لقد أمضينا عمرنا نحاول أن نثبت للعالم أن للفلسطيني حقًا في دولة.
لكن الامتحان الأصعب لن يكون في قدرتنا على إقامة الدولة.
بل في نوع الدولة التي سنقيمها.
فقد تنجح الشعوب في تحرير الأرض...
ثم تفشل في تحرير الإنسان.
وقد ترفع علمها فوق الحدود...
ثم تترك الخوف يرفرف داخل البيوت.
ولهذا فإن بيان الأمم المتحدة ليس مجرد إدانة يمكن أن نرفضها أو نطوي صفحتها.
إنه جرس يرن داخل الحلم الفلسطيني.
ويقول لنا إن الدولة التي لا تحمي الإنسان من الخوف، قد تحمل اسم فلسطين...
لكنها لم تصل بعد إلى معناها.
لأن فلسطين ليست العلم الذي نرفعه فوق المبنى.
فلسطين هي الإنسان الذي يدخل ذلك المبنى...
ولا ينحني إلا للقانون.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
24/7/2026
باب يعرفه منذ ثمانية عقود.
يُطرق في منتصف الليل، فيفتحه جندي الاحتلال، أو يُكسر قبل أن يصل إليه صاحب البيت.
وباب آخر حلم الفلسطيني طويلًا ألا يُطرق بالطريقة نفسها.
باب بيته في وطنه.
لهذا، عندما قرأت بيان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، لم أتوقف أولًا عند اللغة القانونية، ولا عند المصطلحات التي تتكرر في تقارير المؤسسات الدولية.
توقفت عند الباب.
فالبيان لم يكن يتحدث هذه المرة عن جيش الاحتلال، ولا عن السجون الإسرائيلية، ولا عن محاكم عسكرية تحاكم شعبًا كاملًا تحت الحراب.
كان يتحدث عن الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
يتحدث عن اعتقال تعسفي، وتعذيب وسوء معاملة، واحتجاز مواطنين رغم صدور قرارات قضائية بالإفراج عنهم، وعن انتهاكات طالت صحفيين ونشطاء ومعارضين سياسيين، ووصلت، بحسب البيان، إلى أطفال.
وهنا لا يعود الخبر خبرًا.
يتحول إلى مرآة.
مرآة قاسية، لا لأنها تكشف وجهًا لا نعرفه، بل لأنها تضع الحلم الفلسطيني نفسه أمام امتحان لم يعد ممكنًا تأجيله.
فالسلطة الفلسطينية لم تولد في وعي الناس مجرد إدارة تدير شؤون السكان.
ولدت بوصفها أول مساحة فلسطينية يفترض أن يختلف فيها شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين رجل الأمن والمواطن، وبين القانون والقوة.
كان يفترض أن تكون نقيضًا للاحتلال، لا نسخة أقل اتساعًا من أدواته.
وكان الفلسطيني، الذي عرف الاعتقال والمداهمة والتحقيق والتعذيب على يد المحتل، ينتظر أن يرى في مؤسساته الوطنية الوجه الآخر للدولة التي يحلم بها: دولة تحميه عندما يكون ضعيفًا، وتسمعه عندما يعارض، وتصون كرامته حتى عندما يخطئ.
ولهذا فإن أخطر ما في بيان الأمم المتحدة ليس عدد الحالات التي ذكرها، ولا اللغة التي استخدمها، ولا حتى الإدانة التي حملها.
أخطر ما فيه أنه يضرب في المنطقة التي لا يجوز أن تُمس في المشروع الوطني الفلسطيني: ثقة الإنسان بالمؤسسة التي يفترض أنها تمثله وتحميه.
فالدولة لا تبدأ من العلم.
ولا من الجواز.
ولا من المقعد في الأمم المتحدة.
ولا حتى من الانتخابات.
الدولة تبدأ من اللحظة التي يطرق فيها رجل الأمن باب المواطن، فيعرف الاثنان أن القانون واقف بينهما.
نحن لسنا أمام فراغ قانوني.
القانون الأساسي الفلسطيني يحمي الحرية الشخصية، ويحظر التعذيب، ويكفل حرية الرأي والتعبير، ويؤكد استقلال القضاء ووجوب تنفيذ أحكامه.
وفلسطين انضمت إلى اتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، وغيرها من المواثيق التي تجعل احترام الكرامة الإنسانية التزامًا لا مكرمة، وواجبًا لا اختيارًا.
أي أن المشكلة ليست في غياب النص.
المشكلة في المسافة بين النص والباب المغلق.
بين قرار القاضي والزنزانة.
بين المادة التي تحظر التعذيب، واليد التي تظن أن الجدران العالية تخفي ما يحدث خلفها.
وبين السلطة التي تقول للعالم إن شعبها يستحق الحرية، والمواطن الذي يسألها داخل الوطن عن حريته هو.
هنا يكمن قلب المسألة.
لأننا عندما نطالب العالم باحترام القانون الدولي، لا نستطيع أن نتعامل مع القانون الفلسطيني باعتباره أمرًا قابلًا للتأجيل.
وعندما نطالب بمحاكمة الاحتلال على التعذيب والاعتقال التعسفي، لا يجوز أن يصبح التعذيب، مهما كان نطاقه أو مبرره، مجرد تجاوز إداري داخل مؤسساتنا.
فالحقوق لا تتجزأ بحسب هوية الجلاد.
والكرامة لا تصبح أقل قيمة حين يكون من ينتهكها فلسطينيًا.
والتعذيب لا يفقد اسمه لأنه وقع تحت علم فلسطين.
قد يقول قائل إن السلطة الفلسطينية تعمل في ظروف استثنائية، وإن الاحتلال يقيّد حركتها ويقوض مؤسساتها ويقتحم مدنها ويعتقل أبناءها ويصادر مواردها.
وهذا صحيح.
لكن الاستثناء الوطني لا يجوز أن يتحول إلى استثناء إنساني.
فالاحتلال يفسر عجز السلطة.
لكنه لا يبرر أن يُهان المواطن.
والتهديدات الأمنية قد تفسر الحاجة إلى التحقيق.
لكنها لا تبرر التعذيب.
والانقسام السياسي قد يفسر التوتر.
لكنه لا يحول الخصم السياسي إلى عدو يجب إسكات صوته.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة واقعة تحت الاحتلال هو أن تسمح للاحتلال بأن يعيد تشكيلها على صورته.
أن تتعلم منه كيف تخاف من الكلمة.
وكيف تشتبه بالمواطن.
وكيف ترى في النقد خطرًا، وفي المعارض خصمًا، وفي المؤسسة الأمنية جدارًا يحمي الحكم بدل أن تكون مؤسسة تحمي المجتمع.
هنا لا يكون الاحتلال قد احتل الأرض فقط.
يكون قد تسلل إلى طريقة التفكير نفسها.
يأتي هذا البيان في لحظة فلسطينية شديدة الحساسية.
نتحدث عن انتخابات تشريعية ورئاسية، وعن إعادة بناء المجلس الوطني، وعن دستور فلسطيني جديد، وعن تجديد الشرعيات والمؤسسات.
قبل أشهر شُكلت لجنة لإعداد الدستور، وفتح نقاش حول الدولة التي نريد، والعقد السياسي الذي يفترض أن ينظم العلاقة بين الشعب والسلطة.
لكن بيان الأمم المتحدة يعيد السؤال إلى مكانه الأول.
قبل أن نسأل: ماذا سنكتب في الدستور؟
علينا أن نسأل: ماذا نفعل بالقانون الموجود؟
وقبل أن نختلف على شكل النظام السياسي، علينا أن نتفق على أن جسد الإنسان ليس ساحة للتحقيق، وأن رأيه ليس جريمة، وأن قرار المحكمة ليس اقتراحًا، وأن كرامة الطفل ليست بندًا مؤجلًا إلى ما بعد التحرير.
فما قيمة أن نكتب في الدستور أن الحرية مصونة، إذا كانت الحرية تقف كل ليلة على باب جهاز أمني تنتظر إذن الدخول؟
وما قيمة أن نكتب أن القضاء مستقل، إذا كان قرار الإفراج يبقى ورقة خارج باب الزنزانة؟
وما قيمة انتخابات جديدة، إذا دخلها المواطن وهو يخاف من أن يكون صوته سببًا في ملاحقته؟
الديمقراطية ليست صندوقًا يوضع في قاعة.
إنها شعور المواطن بأن صوته لن يتحول إلى ملف.
وأن معارضته لن تتحول إلى تهمة.
وأن الدولة لا تنتقم ممن لا يحبها.
ولا أرى في مواجهة هذا البيان إضعافًا للسلطة الفلسطينية.
العكس تمامًا.
السلطة التي تحقق بشفافية، وتحاسب من يثبت تورطه، وتحترم القضاء، وتغلق أبواب التعذيب، وتعيد الاعتبار لكرامة المواطن، تصبح أقوى أمام شعبها وأمام العالم.
أما الإنكار، فيمنح الانتهاك عمرًا أطول.
والصمت، حين يتعلق بالتعذيب، ليس حيادًا.
والدفاع الأعمى عن المؤسسات لا يحميها، بل يحول أخطاء الأفراد إلى جزء من صورتها.
لا أحد يطلب هدم المؤسسة الأمنية.
المطلوب أن تعود إلى وظيفتها.
أن تحمي الفلسطيني لا أن تخيفه.
أن تحرس القانون لا أن تتجاوزه.
أن تدرك أن قوتها لا تظهر عندما يعجز المواطن عن الكلام، بل عندما يتكلم ويبقى آمنًا.
ولهذا فإن الرد الوطني والمسؤول على بيان الأمم المتحدة يجب أن يبدأ بتحقيق مستقل وشفاف، ونشر نتائجه، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وتنفيذ قرارات القضاء دون إبطاء، وفتح أماكن الاحتجاز أمام الرقابة الحقوقية، وضمان حق المعتقل في المحامي والعائلة والطبابة، وإعلان موقف واضح لا يحتمل التأويل: لا مكان للتعذيب في فلسطين.
ليس لأن الأمم المتحدة طلبت ذلك.
بل لأن فلسطين التي نناضل من أجلها لا يمكن أن تولد وفي زنزانتها إنسان يُعذب.
منذ النكبة، عاش الفلسطيني وهو يحاول حماية وطن لم يعد يملكه.
حمل المفتاح بعد أن ضاع البيت.
وحمل الخريطة بعد أن مُسحت القرية.
وحمل العلم قبل أن تقوم الدولة.
وظل، جيلاً بعد جيل، يحمي فكرة فلسطين من الموت.
لكن ربما آن الأوان أن نسأل السؤال المعاكس:
من يحمي الفلسطيني من الدولة التي يريدها؟
لسنوات طويلة، خفنا على فلسطين من الاحتلال، ومن التصفية، ومن الضياع.
وهذا خوف مشروع.
لكن الوطن لا يُصان فقط من العدو الذي يقف خارجه.
يُصان أيضًا من الخوف الذي يكبر داخله.
فإذا اضطر المواطن إلى الصمت كي يحمي نفسه، خسر الوطن صوته.
وإذا أصبح القانون أضعف من الرتبة، خسر الوطن ميزانه.
وإذا تحولت الزنزانة إلى مكان لا تصل إليه المحكمة، خسر الوطن أول حدوده.
لأن حدود الدولة الحقيقية لا تبدأ عند الحاجز ولا تنتهي عند البحر.
حدودها الأولى هي جسد الإنسان.
وكرامته.
وحريته.
ربما نستطيع أن نكتب دستورًا جميلًا.
ونجري انتخابات.
وننتخب رئيسًا ومجلسًا تشريعيًا ومجلسًا وطنيًا.
وربما نرفع علم فلسطين فوق مبانٍ أكثر، ونحصل على اعترافات دولية جديدة، ونضيف مقعدًا آخر إلى قاعات العالم.
لكن كل ذلك سيبقى صورة معلقة على الجدار، إن بقي مواطن فلسطيني خلف باب مغلق لا يسمع صوته أحد.
فالدولة لا تولد يوم يوقع الرئيس دستورها.
ولا يوم يقف العالم احترامًا لعلمها.
الدولة تولد في اللحظة التي يدخل فيها المواطن إلى مؤسسة من مؤسساتها خائفًا...
ثم يخرج منها وقد استعاد كرامته.
تولد عندما يقف القاضي أمام رجل الأمن، فينحني الاثنان للقانون.
وتولد عندما يعرف المعارض أن اختلافه لا ينفي وطنيته.
وعندما يعرف الطفل أن يد الدولة يمكن أن تمسك بيده، لكنها لا يمكن أن تمتد إلى جسده بالأذى.
لقد أمضينا عمرنا نحاول أن نثبت للعالم أن للفلسطيني حقًا في دولة.
لكن الامتحان الأصعب لن يكون في قدرتنا على إقامة الدولة.
بل في نوع الدولة التي سنقيمها.
فقد تنجح الشعوب في تحرير الأرض...
ثم تفشل في تحرير الإنسان.
وقد ترفع علمها فوق الحدود...
ثم تترك الخوف يرفرف داخل البيوت.
ولهذا فإن بيان الأمم المتحدة ليس مجرد إدانة يمكن أن نرفضها أو نطوي صفحتها.
إنه جرس يرن داخل الحلم الفلسطيني.
ويقول لنا إن الدولة التي لا تحمي الإنسان من الخوف، قد تحمل اسم فلسطين...
لكنها لم تصل بعد إلى معناها.
لأن فلسطين ليست العلم الذي نرفعه فوق المبنى.
فلسطين هي الإنسان الذي يدخل ذلك المبنى...
ولا ينحني إلا للقانون.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
24/7/2026