شريف محي الدين إبراهيم - إضاءة نقدية لقصة "رقم في سحابة"

تعد قصة "رقم في سحابة" للأديب هادي المياح نموذجًا جيدًا للقصة الفلسفية ذات الطابع الديستوبي، فهي تعتمد على المناخ والرمز أكثر من اعتمادها على الحدث، وتنجح في خلق حالة من القلق الوجودي تستمر مع القارئ حتى بعد انتهاء القراءة. وتمتاز بلغة رشيقة، وصور مؤثرة، ورؤية معاصرة.
القاص
الكاتب هنا يستعرض قدراته على توظيف الرمز لخدمة أسئلة الإنسان في العصر الرقمي.

تنتمي القصة إلى أدب الخيال الفلسفي أو الديستوبيا الرقمية، حيث تتحول التكنولوجيا من أداة للراحة إلى بنية وجودية تعيد تعريف الإنسان نفسه.
ولا تنشغل بشرح آليات المستقبل بقدر ما تنشغل بالسؤال الوجودي الكبير: ماذا يبقى من الإنسان عندما يُختزل إلى رقم وبيانات؟

يبدأ النص بحملة : "لا أقول اسمي.
لم أعد بحاجة إليه."
وهي افتتاحية تؤسس منذ اللحظة الأولى لفكرة محو الهوية، ثم تتصاعد هذه الفكرة تدريجيًا حتى تبلغ ذروتها في النهاية، حين تعلن السحابة: "لن يتم الاحتفاظ ببياناتك." فتتحول نهاية الشخصية إلى مجرد عملية حذف إلكترونية!!

القصة نجحت في بناء مناخ غرائبي متوتر؛ فالفندق، والغرف المتشابهة، والممرات الصامتة، والشاشات، والضوء الأبيض الزاحف، كلها عناصر تتكامل لتصنع إحساسًا بالعزلة والاختناق. ويعتمد الكاتب على الغموض بوصفه أداة جمالية، فيولد ما يمكن تسميته بـ "الغموض البارد"؛ ذلك الغموض الذي ينشأ من النظام الكامل، ومن غياب البشر الحقيقيين، ومن إحساس البطل بأنه مجرد عنصر داخل منظومة أكبر منه.

كما يحسب للنص قدرته على الانتقال من الواقعي إلى الكابوسي دون قفزات حادة، فكل مشهد يبدو مقنعًا داخل منطقه الداخلي، حتى يصل القارئ إلى لحظة اكتشاف الذات، وهي من أكثر لحظات القصة تأثيرًا، إذ يصبح البطل شاهدًا على نفسه، أو على نسخة أخرى منه، فتتلاشى الحدود بين الأصل والنسخة، وبين الواقع والمحاكاة.

وعلى المستوى الرمزي، يشتغل النص على أكثر من محور دلالي في آن واحد؛ فالاسم يقابله الرقم، والإنسان تقابله البيانات، والوعي تقابله البرمجة، لتتحول القصة إلى تأمل عميق في هشاشة الهوية الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يصبح الإنسان معرضًا لأن يُختزل إلى ملف يمكن حذفه بضغطة واحدة.

وتعد اللغة السردية الحامل الأساسي للتوتر النفسي، مع توظيف ناجح للصور البصرية؛ مثل الضوء الأبيض الذي يلتهم الشاشة تدريجيًا، والهالة الرقمية فوق الجبهة، والممرات الخالية، وهي صور تتجاوز الوصف لتؤدي وظيفة رمزية تعمق رؤية النص.

ورغم أن الشخصية الرئيسية تتحرك غالبًا بوصفها وعاءً للأفكار أكثر من كونها شخصية ذات ملامح إنسانية متطورة، فإن ذلك ينسجم مع طبيعة القصة الفلسفية التي تجعل الفكرة محورًا للسرد. أما النهاية، التي يصل فيها البطل إلى لحظة الإدراك الكامل، فقد جاءت منسجمة مع البناء الرمزي للنص، ومنحت القصة خاتمة تترك أثرًا وتأملًا لدى القارئ.

"رقم في سحابة" تجربة سردية واعية تستثمر القلق الإنساني من التكنولوجيا الحديثة استثمارًا أدبيًا موفقًا، دون أن تقع في فخ الشرح العلمي أو الاستعراض التقني، لتؤكد قدرة هادي المياح على توظيف الخيال الفلسفي والرمز في طرح أسئلة الإنسان المعاصر بلغة مكثفة ورؤية فنية ناضجة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى