يحيى بركات - مجزرة تل ... لم يعد يكفِ... قل كلمتك... حان وقت الفعل

لم تبدأ الحكاية في بلدة تل...

ولن تنتهي فيها.

تل ليست سوى المشهد الذي كشف الفيلم كله.

في السينما، قد يمر أمامك مشهد واحد، لا يروي الحكاية كاملة، لكنه يفتح بابها الأخير، ويجعل كل ما سبقه مفهومًا، وكل ما سيأتي بعده متوقعًا.

وتل... كانت ذلك المشهد.

في صباح الجمعة، لم يهاجم الفلسطينيون مستوطنة.

بل دخل عشرات المستوطنين المسلحين إلى أطراف بلدة فلسطينية تقع في المنطقة المصنفة «أ»، حيث يُحظر على الإسرائيليين دخولها حتى وفق القوانين الإسرائيلية، وحاولوا الاقتراب من بيوت أهلها.

خرج السكان للدفاع عن منازلهم وأرضهم.

وكان الجيش هناك.

لكن جيش الاحتلال، الملزم بوصفه قوة احتلال بحماية السكان الواقعين تحت احتلاله، لم يقف بين الأهالي والمعتدين.

وقف إلى جانب المعتدين.

وفي نهاية المشهد، كان أربعة فلسطينيين قد استشهدوا برصاص قوات الاحتلال، وأصيب آخرون، وقُتل ضابط وجندي إسرائيليان خلال الاشتباك، بعدما تمكن أحد الفلسطينيين من انتزاع سلاح من أحد المهاجمين.

لكن الدم لم يُقرأ بالطريقة نفسها.

أربعة فلسطينيين قُتلوا...

فبقي الخبر في هامش العالم.

وحين قُتل الجنديان الإسرائيليان، انقلبت الكاميرا.

اختفى الهجوم الذي بدأ به المستوطنون.

واختفت البيوت التي حاولوا اقتحامها.

واختفى الفلسطيني الذي خرج يدافع عن منزله.

وأصبحت تل، في الرواية الإسرائيلية، «بؤرة إرهاب».

وأصبح أهلها مطلوبين.

وأصبحت المجزرة التي سبقت ذلك مجرد مقدمة لا يريد أحد أن يتذكرها.

هذا ليس خطأً في الرواية...

بل هو الرواية نفسها.

فما يجري في الضفة الغربية لم يعد اعتداءات متفرقة يرتكبها مستوطنون انفلتوا من رقابة الدولة.

المستوطن لم يعد هامشًا في المشروع.

أصبح ذراعًا فيه.

والجيش لم يعد يصل بعد الاعتداء.

أصبح يدخل المشهد مع المعتدي، يحرسه، ويسانده، ثم يتولى معاقبة الضحية.

أما الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، وبالشراكة مع سموتريتش وبن غفير، فقد منحت هذا العنف غطاءً سياسيًا، وسلاحًا، ولغة، وهدفًا واضحًا:

قتل من يقاوم.

ترويع من يبقى.

وتهجير من يستطيعون تهجيره.

ثم وضع اليد على الأرض.

ومن يراقب ما يجري في الضفة، ثم ينظر إلى غزة، يدرك أن الكاميرا لم تغيّر موضوعها.

المشهد واحد.

الضحية واحدة.

والمشروع واحد.

الذي تغيّر فقط هو حجم اللقطة وسرعة القتل.

في غزة، كانت الإبادة شاملة، كثيفة، وصادمة للعالم.

مدن تُمحى.

عائلات تُشطب من السجل المدني.

مخيمات تُسوّى بالأرض.

وحياة كاملة تُدفع نحو الجوع والخيام والموت.

أما في الضفة، فتُنفذ الإبادة بالتقسيط.

قرية بعد قرية.

بيت بعد بيت.

شجرة بعد شجرة.

وطريق بعد طريق.

وعائلة بعد عائلة.

في غزة، تسقط المدينة دفعة واحدة.

وفي الضفة، تُنتزع القرية من محيطها قليلًا قليلًا، حتى تستيقظ ذات صباح فتجد نفسها محاصرة بالمستوطنات والبؤر والبوابات والطرق العسكرية.

إنها الاستراتيجية نفسها...

إبادة مركزة في غزة.

وإبادة قطاعية متدرجة في الضفة.

إبادة موزعة على الأيام، حتى لا يرى العالم صورتها كاملة، وحتى تتحول كل جريمة منفردة إلى خبر عابر، لا يكفي وحده لإيقاظ الضمير الدولي.

والأخطر أن كل ذلك يجري بينما يتحدث العالم عن «وقف إطلاق النار».

أي وقف لإطلاق النار هذا؟

المقاومة الفلسطينية أعلنت التزامها به.

لكن غزة ما زالت تُقصف.

والمساعدات ما زالت تُعطّل وتُمنع.

والجرحى ما زالوا ينتظرون أبواب العلاج.

والتجويع ما زال يُستخدم سلاحًا.

والمناطق العازلة تتمدد، فتبتلع من القطاع كل يوم مساحة جديدة.

أما في الضفة الغربية، فيواصل الجيش والمستوطنون مشروعهما، وكأن وقف إطلاق النار لا يعني إسرائيل أصلًا.

هنا يصبح السؤال مشروعًا:

إذا كان المجتمع الدولي عاجزًا عن إلزام إسرائيل باتفاق أعلنت قبوله، فكيف سيمنعها من ابتلاع ما تبقى من الأرض الفلسطينية؟

وأين الأمم المتحدة؟

وأين الدول التي لا تتوقف عن إصدار بيانات القلق والإدانة؟

وأين الوسطاء الذين تحدثوا عن السلام؟

لقد وثقت الأمم المتحدة قبل مجزرة تل وحدها مئات اعتداءات المستوطنين في الضفة خلال عام 2026، فيما أشارت التقارير إلى مقتل عشرات الفلسطينيين وإصابة المئات في سياق هذه الاعتداءات. ومع ذلك، استمر الاتجاه نفسه، وتصاعد العنف بدل أن يتراجع.

فإذا كانت القرارات الدولية لا تمنع بيتًا من الاحتراق، ولا توقف رصاصة، ولا تحمي طفلًا، فما قيمة النظام الدولي إذا بقيت العدالة حبرًا على الورق؟

بعد المجزرة، بدأت البيانات تتوالى.

الرئاسة الفلسطينية أدانت، وحمّلت حكومة الاحتلال المسؤولية.

الحكومة طالبت المجتمع الدولي بالتدخل.

القوى والفصائل الفلسطينية نددت بالجريمة، ودعت إلى مواجهة إرهاب المستوطنين.

الأمم المتحدة أعادت التحذير من تصاعد العنف الاستيطاني.

والعواصم الدولية كررت كلماتها المعهودة:

القلق.

ضبط النفس.

منع التصعيد.

حماية المدنيين.

في الجهة الأخرى، لم تكتفِ حكومة نتنياهو بالكلام.

فرض الجيش الحصار على نابلس وبلدة تل.

دفع بخمس سرايا إضافية.

ألغى إجازات جنوده.

اقتحم المستشفى واعتقل جريحين.

وأعلن الاستعداد لعملية عسكرية واسعة تحت عنوان «مكافحة الإرهاب».

وفي اليوم التالي، كان نحو سبعين من أبناء تل قد اعتُقلوا أو خضعوا للتحقيق الميداني داخل أحد بيوت البلدة، فيما استمرت المداهمات والدوريات ومنع الحركة في شوارعها.

أما نتنياهو، فوعد بـ«إجراءات قوية»، شملت هدم البيوت، وسحب تصاريح العمل، وجمع السلاح، وزيادة القوات، وتسريع بناء مزيد من المستوطنات في المنطقة.

أي أن الجريمة التي بدأها المستوطنون تحولت، خلال ساعات، إلى فرصة لمعاقبة القرية الفلسطينية وتوسيع المشروع الاستيطاني الذي هوجمت من أجله.

وذهب سموتريتش أبعد من ذلك.

لم يطالب بالتحقيق في دخول المستوطنين المسلحين إلى بلدة فلسطينية.

بل دعا إلى إخلاء القرى الفلسطينية المحيطة من سكانها، وإقامة مستوطنات جديدة مكانها، وطالب بأن تصبح تل وعراق بورين وبيت فوريك شبيهة بالمخيمات التي تعرضت للهدم والتهجير في شمال الضفة.

في ساعات قليلة...

قال الجميع كلماتهم.

لكن طرفًا واحدًا فقط حوّل كلماته إلى فعل.

كانت إسرائيل تغلق الطرق، وتعتقل الناس، وتهدم، وتخطط، وتدفع بالجنود، وتسرّع الاستيطان...

بينما كان الآخرون يبنون بيانات جديدة على الورق.

وسط هذا المشهد، جاءت دعوة المناضل الوطني تيسير خالد إلى العصيان الوطني الشامل.

لم تأتِ الدعوة من فراغ.

بل جاءت من إدراك أن أدوات المواجهة الفلسطينية التقليدية لم تعد توازي حجم التحول الذي أحدثته حكومة الاحتلال في طبيعة الصراع.

فإسرائيل لم تعد تكتفي بإدارة الاحتلال...

بل انتقلت إلى إدارة التهجير.

وإعادة رسم الجغرافيا.

وتحويل المستوطن إلى جندي.

وتحويل الجندي إلى حارس للمستوطن.

وتحويل كل مقاومة فلسطينية لهذا المشروع إلى ذريعة لمزيد من العقاب والاستيطان.

لقد قرأ تيسير خالد ما جرى في تل بوصفه مجزرة جديدة تكشف خطورة تسليح المستوطنين وإطلاق يدهم في القرى الفلسطينية، ورأى أن الرد لم يعد يحتمل الانتظار، فدعا إلى العصيان الوطني الشامل «قبل فوات الأوان».

لكن الدعوة، على أهميتها، تفتح سؤالًا أكبر:

من سيقود هذا العصيان؟

ومن سيحوّل الغضب الشعبي إلى مشروع وطني منظم؟

ومن سيضع له برنامجًا وأدوات ومراحل، حتى لا يتحول إلى صرخة جديدة تنطفئ عندما ينتهي الخبر؟

هناك تحول أخطر من كل ما سبق.

تحول لا يُرى بالعين...

بل يُقرأ في عقل الاحتلال.

لسنوات طويلة، كانت الحكومات الإسرائيلية، مهما بلغت درجة تطرفها، تضع حسابًا لتقديرات المؤسسة الأمنية والعسكرية.

عندما كانت الاستخبارات تحذر من أن الضفة الغربية تقف على حافة الانفجار، كانت الحكومة تعيد حساباتها، وتؤجل بعض خطواتها، أو تخفف بعض إجراءاتها.

ليس احترامًا للفلسطينيين.

ولا خوفًا على حياتهم.

بل خوفًا من الثمن الذي قد تدفعه إذا انفجر الشارع الفلسطيني.

أما اليوم، فلا يبدو أن هذا الخوف حاضر بالوزن نفسه.

حكومة نتنياهو، ومعها سموتريتش وبن غفير، تمضي في القتل والاستيطان وتهجير القرى وإطلاق يد المستوطنين، وهي تتصرف بثقة غير مسبوقة.

وكأنها مطمئنة إلى أن شيئًا كبيرًا لن يحدث.

وكأنها لا ترى شعبًا يقف على حافة الانفجار...

بل شعبًا يغضب ساعات، ثم يعود إلى حياته.

وسواء كانت هذه الثقة نابعة من تقديرات الأجهزة الإسرائيلية، أو من قراءة الحكومة لواقعنا الفلسطيني، فإن النتيجة واحدة.

لقد وصل الاحتلال إلى قناعة خطيرة:

بإمكانه أن يقتل.

ويحرق.

ويهجّر.

ويضم الأرض.

ويوسع الاستيطان.

من دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا أو شعبيًا أو وطنيًا يغير حساباته.

وهنا تكمن المأساة.

فالاحتلال لا يواصل جرائمه لأنه قوي فقط...

بل لأنه لم يعد يرى في الطرف الفلسطيني قوة قادرة على تغيير قواعد اللعبة.

وهذا هو السؤال الذي يجب أن يقلقنا أكثر من أي سؤال آخر.

ليس:

ماذا سيفعل الاحتلال غدًا؟

بل:

ماذا جعل الاحتلال واثقًا إلى هذا الحد بأننا لن نفعل نحن شيئًا يغيّر معادلته؟

وهنا أصل إلى السؤال الذي لا يفارقني منذ مجزرة تل.

كيف يستطيع مسؤول فلسطيني، أو قائد، أو وزير، أو رئيس حكومة، أو مسؤول أمني، أن يصدر بيان إدانة في المساء...

ثم يضع رأسه على الوسادة وينام؟

كيف تنتهي المأساة بالنسبة إليه بمجرد انتهاء البيان؟

ألا تسأله زوجته عندما يعود إلى بيته:

ماذا فعلت اليوم لتحمي الناس؟

ألا ينظر إليه أبناؤه في صمت، ويتساءلون:

إذا كانت القرى تُحرق...

والبيوت تُهاجم...

والناس يُقتلون أمام عدسات الكاميرات...

فما معنى كل هذه المناصب؟

وكل هذه المواكب؟

وكل هؤلاء المرافقين المدججين بالسلاح؟

كيف تسير مواكب المسؤولين محاطة بالسيارات والحراس والبنادق، بينما يقف المواطن الفلسطيني أعزل أمام مستوطن مسلح جاء ليحرق بيته ويقتلع شجرته ويطرده من أرضه؟

ما معنى السلطة إن لم يشعر المواطن أن لها أثرًا في حمايته؟

وما معنى الجهاز الأمني إذا كانت البندقية تظهر في الموكب، وتغيب عند مدخل القرية المحاصرة؟

ليست القضية في كتابة بيان جديد.

البيانات لا تطفئ بيتًا يحترق.

ولا تفتح طريقًا أغلقه الجيش.

ولا تمنع مستوطنًا من إطلاق النار.

ولا تعيد شهيدًا سقط وهو يدافع عن بيت أسرته.

المنصب، في لحظات كهذه، لا يُقاس بعدد السيارات التي ترافق صاحبه...

بل بعدد الناس الذين يشعرون أن وجوده حماهم.

وحين يصبح الشعب مكشوفًا أمام عصابات المستوطنين، بينما تبقى مؤسساتنا تدور في حلقة البيانات، فإن السؤال لا يعود:

ماذا سنقول غدًا؟

بل:

ماذا سنفعل؟

لقد وصلنا إلى لحظة لم يعد فيها كافيًا أن نصف الجريمة، أو نوثقها، أو ندينها.

فكل ذلك ضروري...

لكنه لم يعد كافيًا.

في زمن مضى، كان العالم يستطيع أن يقول إنه لا يعرف الحقيقة.

فكان واجب المثقف أن يقولها.

ثم أصبح العالم يشكك في الجريمة.

فكان واجب الصحفي والكاتب والحقوقي أن يوثقها.

أما اليوم...

فالعالم يعرف.

يرى الجريمة لحظة وقوعها.

يشاهد البيت وهو يحترق.

والطفل وهو يُقتل.

والجائع وهو ينتظر كيس طحين.

والمستوطن وهو يطلق النار تحت حماية الجندي.

لم تعد المشكلة أن الحقيقة غائبة.

المشكلة أن الحقيقة أصبحت مألوفة.

وكان المثقف في زمن مضى يؤدي واجبه عندما يقول كلمته.

وكان السياسي يؤدي واجبه عندما يصدر موقفًا.

وكان الدبلوماسي يؤدي واجبه عندما يسلّم مذكرة احتجاج.

أما اليوم...

فلم يعد أحد يُقاس بما قال.

بل بما غيّر.

لأن الكلمات التي لا تتحول إلى فعل...

تصبح، من حيث لا ندري، جزءًا من الروتين الذي يتعايش مع الجريمة.

ولهذا، فإن المرحلة تحتاج إلى مراجعة شاملة لأدواتنا الوطنية.

إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المبادرة.

ومن رد الفعل إلى الفعل.

ومن انتظار المجزرة ثم إدانتها...

إلى بناء قوة وطنية تجعل الاحتلال يفكر في الثمن قبل أن يرتكبها.

فالاحتلال لا يخشى بياناتنا.

ولا يخشى غضبًا ينتهي بانتهاء الجنازة.

إنه يخشى اللحظة التي تتحول فيها الكلمة إلى قوة...

والموقف إلى فعل...

والغضب إلى تنظيم...

والشعب إلى مشروع وطني قادر على حماية الناس وفرض معادلته على الأرض.

لذلك...

لم يعد يكفِ أن نقول كلمتنا.

لقد حان وقت الفعل.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
25/7/2026




FB_IMG_1784986717288.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى