د. حسين أبوالحسن حسين - غواية القوة!

تعلمنا الفلسفة السياسية أن القوة صنو الغواية؛ والجيوش المدججة بالسلاح، حتى لو بُنيت بنوايا دفاعية، تُغير سيكولوجية الدولة وصناع القرار فيها؛ فكيف لقوة بُنيت هويتها الحديثة على «اللاسلمية» أن تتحول لقوة مهيمنة دون أن تفقد روحها؟.. تتسرب الهمسات من الكواليس ممزوجة بالخوف، جروح الماضي لم تندمل بعد!.
مقالي باهرام الاثنين ٦ يوليو .. تحياتي واعتزازي
«عرض القوة» الألمانى الجديد
د.محمد حسين أبوالحسن
ماذا لو عادت ألمانيا لتصبح الشبح المخيف الذى يطارد السلام الأوروبي؟.. سؤال مقلق للغاية، فى ظل تحول دراماتيكى يجرى على قدم وساق، ويهدد بأخطار مفزعة.
لعقود طويلة، كان لفظ «الجيش الألمانى» يثير قشعريرة الرعب فى عموم أوروبا والعالم؛ على خلفية الفظائع التى ارتكبها بقيادة الن ازى خلال الحرب العالمية الثانية، ثم ظلت ألمانيا- سبعة عقود- تمارس التكفير السياسى والعسكرى عن آثام الماضى، تختبئ خلف عباءة «القوة الناعمة» والاقتصاد الصاعد، عاشت فى «جنة جيوسياسية» مصطنعة، على ركيزتين: أمن أمريكى مجانى عبر مظلة حلف «الناتو»، وطاقة روسية رخيصة تُغذى الماكينة الصناعية الألمانية. اليوم، انهار هذا العالم، لم تعد روسيا شريكا تجاريا، بل تهديد يطرق أبواب الشرق، ولم تعد الولايات المتحدة الحارس المؤتمن، بعدما وجهت بوصلتها صوب المحيطين الهندى والهادئ. الآن تجد برلين نفسها فى العراء، أدركت متأخرا أن السلام لا تحرسه النوايا الطيبة، بل الأسنان الحادة، صارت مطالبة أوروبيا بأن تتحسس مقبض السيف من جديد، أن تعيد بناء قوتها العسكرية، لا رغبة بالتوسع، إنما استجابة لواجب الحماية. بيد أن جروح الماضى لم تندمل بعد!.
تعلمنا الفلسفة السياسية أن القوة صنو الغواية؛ والجيوش المدججة بالسلاح، حتى لو بُنيت بنوايا دفاعية، تُغير سيكولوجية الدولة وصناع القرار فيها؛ فكيف لقوة بُنيت هويتها الحديثة على «اللاسلمية» أن تتحول لقوة مهيمنة دون أن تفقد روحها؟. وفى حين تطالب عواصم أوروبية برلين علنا بتحمل مسئولياتها، تتسرب الهمسات من الكواليس ممزوجة بالخوف من إعادة إنتاج كوابيس النا زى، لاسيما مع مؤشرات اقتراب اليمين المت طرف من معادلة الحكم بألمانيا.
تعود ألمانيا بسرعة لتصبح قوة عسكرية كبرى فى قلب أوروبا، مدفوعة بتراجع الدور الأمريكى والتهديد الروسى، قررت إنشاء صندوق دفاعى بـ 100 مليار يورو، وبناء «أقوى جيش تقليدى فى أوروبا»، من خلال خطة ضخمة دخلت حيز التنفيذ لتعيد صياغة «العقيدة العسكرية» الألمانية؛ بالتمويل الضخم، وبناء العنصر البشرى، وإعادة التموضع
فى أوروبا، تعهد وزير الدفاع بوريس بيستوريوس بجعل الجيش الألمانى مؤهلا لخوض الحروب الحديثة وتحمل المسئولية عن أوروبا؛ فلسفة هذا التحول الاستراتيجى تتلخص فى مقولة ألمانية: «يجب أن يصبح الناتو أكثر أوروبية؛ ليبقى عابرا للمحيط الأطلسى»، وهذا اعتراف بأن واشنطن تنسحب من مهمة الدفاع عن أوروبا، وأنه على ألمانيا أن تتقدم للقيام بالمهمة.
قبل ذلك، ظلت ثنائية «الماكينة والبارود» تلخص «العقد الاجتماعى» غير المكتوب فى الاتحاد الأوروبى، ألمانيا تدير الاقتصاد، وتكون الماكينة والصراف الآلى للقارة، مع بقائها «قزما عسكريا» مكبلا بعقدة الذنب التاريخية، بينما تدير فرنسا التوجهات الاستراتيجية، وتتسيد القارة عسكريا، باعتبارها القوة النووية الوحيدة بالاتحاد الأوروبى، وتحوز مقعدا دائما بمجلس الأمن، معادلة توازن دقيقة ومريحة للطرفين، لكن هذه المعادلة تتفكك الآن؛ قررت ألمانيا رفع ميزانيتها الدفاعية إلى ضعف الميزانية الفرنسية، تخشى باريس أن تتحول من «الشريك القائد» عسكريا وسياسيا إلى تابع هامشى لعملاق ألمانى يجمع سطوة المال والسلاح، هيمنة مزدوجة (اقتصاديا وعسكريا)؛ ما يمهد لتلاشى التوازن الدقيق داخل القارة العجوز، ويفجر صراعات داخلها وحولها، بعدما اعتقدَ الجميع أنها دُفنت فى مقابر الحرب العالمية الثانية. يفتح الصعود الألمانى جروح المنافسة والانقسام؛ المعادلة الصعبة هى إقامة جيش ألمانى يردع الأخطار الخارجية من دون أن يصبح مصدر خوف، أو يدفع أوروبا لصراعات جديدة؛ لهذا السبب، فإن جملة «امتلاك ألمانيا أكبر جيش بأوروبا أمر لا يمكن تصوره» هذا التصريح المسرب عن أحد المسئولين الفرنسيين ليست زلة لسان، بل صرخة من عمق الوعى الاستراتيجى الفرنسى الذى يرى «الشبح الألمانى» القديم يعاد صياغته بأموال الليبرالية الحديثة، بل إن قادة عسكريين فرنسيين لم يخفوا انزعاجهم (أبرزهم رئيس الأركان الفرنسية الجنرال فابيان ماندون الذى حذر من تأخر بلاده عسكريا أمام برلين)؛ المفارقة هنا أن باريس تريد برلين قوية، لكن ليس أقوى من اللازم؛ تريدها أن تنفق على الدفاع، لكن تحت المظلة والقيادة الفرنسية؛ وذلك يزيح الستار عن حقيقة أن التحالف الفرنسي- الألمانى، وإن بدا متماسكا فى العلن، فإنه يعيش حالة «فصام جيوسياسى» فى الكواليس.
ترى فرنسا نفسها القوة العسكرية والسياسية الأولى فى الاتحاد الأوروبى، مقابل الهيمنة الاقتصادية الألمانية، وهى تقف اليوم أمام احتمال خسارة هذا الامتياز الاستراتيجي؛ «أحب ألمانيا لدرجة أننى أفضل أن يكون هناك ألمانيتان»، هذه المقولة للكاتب الفرنسى فرانسوا مورياك تلخص العقدة النفسية الأوروبية، ولكى نفهم الأبعاد العميقة للقلق الفرنسى، علينا ألا ننظر إليه من زاوية الخوف التقليدى من «غزو برلين لباريس» بل من زاوية انقلاب التوازن الاستراتيجى وهدم صيغة مابعد الحرب العالمية الثانية، وبالتالى لن تكون عودة ألمانيا عسكريا مجرد خطة لتحديث الأسلحة، بل إعادة صياغة لهوية أوروبا بأكملها.
العملاق الألمانى لم يعد نائما، وعليه أن يدرك الأخطار المصاحبة لقوته، وأن يقيد هذه القوة، بصهرها داخل بوتقة وهياكل دفاعية أوروبية موحدة، وإذا نجحت برلين بطمأنة جيرانها فقد تنقذ القارة العجوز نفسها من التهديد الخارجي؛ أما إذا استيقظت النعرات القومية، وتحول الخوف من روسيا إلى خوف من برلين، فإن أوروبا قد تجد نفسها- مدفوعة بغرائزها القديمة- تبنى خنادقها مجددا، لتثبت من جديد أن التاريخ لا يموت، بل ينام بملء جفونه مؤقتا، ثم يستيقظ بغضب!.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى