يحيى بركات - حين يقرأ الكاتب مَن قرأ مقاله... قراءة في قراءة...

لم أتعامل مع ما كتبته العزيزة
د. غانية ملحيس
بوصفه تعليقًا على مقالي
«حين استدار العالم»،
بل بوصفه قراءة مستقلة دخلت إلى أعماق النص، ورأت ما حاولت أن أبنيه خلف الكلمات والصور والشخصيات.

لقد التقطت د. غانية أن المقال لم يُكتب وفق البناء الإعلامي أو الأدبي التقليدي، بل كفيلم وثائقي مكتوب؛ مونتاج بين ليندسي غراهام، ونتنياهو، وترامب، وأليكس هولدر، ومصطفى أبو علي، وتجربتي في السينما السياسية، وصولًا إلى الجيل الأمريكي الجديد الذي بدأ يرى فلسطين خارج الرواية الصهيونية.

والأهم أنها لم تكتفِ بقراءة ما يقوله المقال، بل ذهبت إلى السؤال الذي يأتي بعده:

هل استدار العالم فعلًا، أم أن ما نشهده هو بداية تصدع في احتكار الرواية؟

أضع هنا قراءة د. غانية كاملة، ثم قراءتي لما كتبته، لأنني أعتقد أن النصين معًا يفتحان نقاشًا يتجاوز المقال نفسه، ويصل إلى السؤال الفلسطيني الأهم:

كيف نحوّل التحول الأخلاقي في الرأي العام العالمي إلى قوة سياسية ومشروع وطني قادر على صناعة التاريخ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة د. غانية ملحيس:

يحيى العزيز

قرأت مقالك باهتمام كبير، وشعرت أن قوته الأساسية تكمن في الزاوية التي نظرت منها إليه: الكاميرا بوصفها فاعلا سياسيا، وليست مجرد أداة تسجيل. وهذه فكرة عميقة، لأنها تعيد تعريف وظيفة الصورة في عصر لم تعد فيه السلطة قادرة على احتكار إنتاج الحقيقة كما كانت تفعل في السابق.

وأعجبني جدا الربط الذي أقمتَه بين تجربة مصطفى أبو علي، حيث كانت الكاميرا تبحث عن الإنسان الذي يدفع ثمن القرار، وبين الكاميرا التي دخلت إلى دوائر صناعة القرار نفسها.

هنا تكمن أهمية السينما الوثائقية: أن تكشف الإنسان خلف الضحية، والإنسان خلف صاحب السلطة، وأن تفتح المسافة بين الخطاب الرسمي والواقع.

ولفتني كثيرا تحليلك لليندسي غراهام، لأنه يفتح بابًا مهمًا لفهم التناقضات داخل المشروع الصهيوني ورعاته وحلفائه، وعدم القفز إلى استنتاجات مضللة. فكما أشرت بدقة، لا يعني الحديث الأمريكي والغربي عن حل الدولتين اعترافًا بالحقوق الوطنية الفلسطينية، حتى وإن بلغ حد الاعتراف الرمزي، إذ ينطلق أساسًا من مبدأ الحفاظ على يهودية إسرائيل وإدامة المشروع الصهيوني.

ولم تكن المعضلة التاريخية يوما في استخدام مصطلح “الدولة الفلسطينية” أو الامتناع عنه، فقد ظل هذا المصطلح حاضرا في محطات مختلفة من الخطاب الدولي والغربي. أما جوهر القضية فكان دائما في مضمون هذه الدولة ووظيفتها: هل هي تعبير عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإنهاء المشروع الاستعماري الاستيطاني، أم مجرد صيغة لإدارة المعضلة الديموغرافية الفلسطينية بما يضمن استمرار التفوق الإسرائيلي وإدامة الوظيفة الإقليمية للمشروع الصهيوني؟

ومن هنا تكتسب قراءتك لموقف غراهام أهميتها، لأنها تنقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى البنية الفكرية والسياسية التي تحكم هذا الخطاب.

وهنا تبرز مفارقة تحتاج إلى مزيد من التفكيك؛ فتأييد غراهام لحل الدولتين لم يمنعه من اتخاذ مواقف شديدة التطرف تجاه غزة، بما في ذلك تصريحه المسجل في مقابلة مع NBC News في أيار/مايو 2024، حين استحضر استخدام الولايات المتحدة للقنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي باعتباره قرارا صائبا أنهى الحرب العالمية الثانية، وقال إن على إسرائيل أن تفعل “ما يلزم” لتحقيق النصر على حماس.

أردت بهذا التوضيح إزالة أوهام الرهان الفلسطيني على حل الدولتين، الذي جرى توظيفه، وما يزال، لتكريس المشروع الصهيوني ومنع مواجهته بوصفه مرتكزا لإدامة الهيمنة الأمريكية والغربية إقليميا وعالميا.

فحتى الوهم الذي جرى تسويقه بشأن اليسار الصهيوني، أو اعتراف غالبية دول العالم بالدولة الفلسطينية، لم يكن، في جوهره، قبولا بحل الدولتين، وإنما بقي مشروطا ومقيدا بصيغ حكم ذاتي انتقالي محدود ومؤقت، ورهانا على القوة والزمن لحل المعضلة الديموغرافية الفلسطينية.

وربما يفتح ذلك بابًا آخر للتساؤل: هل نحن أمام استدارة كاملة في العالم، أم أمام بداية تصدع في احتكار الرواية؟

أعتقد أن أهمية اللحظة الراهنة لا تكمن فقط في أن العالم يرى، بل في أن الرؤية بدأت تتحول إلى مساءلة أخلاقية، خصوصا لدى أجيال جديدة لم تعد تنظر إلى فلسطين من خلال العين الصهيونية والإسرائيلية والغربية وحدها.

ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر: كيف ينتقل تغير الوعي من المجال الأخلاقي إلى المجال السياسي؟ فالتاريخ لا يتغير فقط عندما تتغير القناعات، بل عندما تجد هذه القناعات أدوات سياسية وتنظيمية قادرة على تحويلها إلى واقع.

وربما لا تكون اللحظة لحظة “انتصار الرواية” بعد، لكنها بالتأكيد لحظة فقدان الرواية الإسرائيلية قدرتها السابقة على أن تكون الرواية الوحيدة الممكنة. وهذه بحد ذاتها لحظة تاريخية بالغة الأهمية، وغير مسبوقة منذ أكثر من قرن.

لقد أحدث طوفان الأقصى، وما تلاه من حرب إبادة جماعية نُقلت بالبث الحي على مدار الساعة وشاهدها العالم أجمع، تصدعا عميقا في الرواية الصهيونية المهيمنة. وكشفت غزة، بتضحيات أبنائها وصمود أهلها في مواجهة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المستمرين للعام الثالث على التوالي، والممتدين إلى الضفة الغربية وسائر فلسطين، حجم الفجوة بين هذه الرواية وبين واقع الإبادة والحصار والدمار والتهجير والتجويع. ولم يكن هذا التحول مجرد تغير في صورة أو خطاب، بل أطلق عملية أوسع لإعادة النظر في السردية التي احتكرت تعريف الصراع لعقود.

لكن التصدع في الرواية لا يعني بعدُ استدارة العالم. فالتاريخ يبين أن الروايات مهمة، والشرعية مهمة، والوعي مهم؛ لكنها لا تتحول إلى قوة تاريخية إلا عندما تجد حواملها السياسية والتنظيمية القادرة على تحويلها إلى فعل سياسي.فالتحولات الكبرى تحتاج إلى:

• تنظيم سياسي قادر على استثمار اللحظة التاريخية.

• مشروع تحرري واضح يعيد تعريف الأهداف والوسائل.

• مؤسسات وطنية قادرة على تمثيل الشعب وتحويل التضامن إلى قوة سياسية.

• قدرة على الانتقال من التأثير الأخلاقي في الرأي العام إلى تغيير موازين الفعل.

وهنا يظهر السؤال الفلسطيني الأكثر إلحاحا: كيف نحوّل التحول في الوعي العالمي إلى مكسب سياسي فلسطيني؟ وكيف ننتقل من مرحلة انكشاف الرواية الصهيونية إلى مرحلة بناء رواية فلسطينية قادرة على إنتاج مشروع وطني جديد؟

لقد نجحت الكاميرا، كما يبين مقالك، في كسر احتكار الرواية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع التاريخ. فهي تفتح باب الحقيقة،

أما عبور هذا الباب فيظل مهمة السياسة والمشروع الوطني والمؤسسات القادرة على تحويل الوعي إلى فعل، والتعاطف إلى قوة، والحقيقة إلى تاريخ. وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين والعرب اليوم؛ فالتاريخ لا تصنعه فقط اللحظات التي تنكشف فيها الحقيقة، بل القدرة على تنظيمها وتحويلها إلى مشروع تحرري يغير موازين القوة ويصنع المستقبل.

أشكرك على هذا المقال الثري الذي أعاد طرح سؤال السينما، ليس باعتبارها فنا فقط، بل باعتبارها جزءا من معركة الإنسان على الذاكرة والمعنى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءتي لقراءة د. غانية:

العزيزة د. غانية ملحيس...

قرأت تعليقك أكثر من مرة، ولم أشعر أنني أمام تعليق على مقال، بل أمام قراءة دخلت إلى غرفة مونتاجه، ورأت ما حاولت أن أبنيه بين الصور والشخصيات والأفكار، حتى في المساحات التي تركتها بين جملة وأخرى.

لقد التقطتِ منذ البداية أنني لم أتعامل مع الكاميرا بوصفها آلة تسجيل، بل بوصفها فاعلًا سياسيًا يدخل إلى قلب الحدث، ويحفظ ما تحاول السلطة أن تخفيه، ويكسر احتكارها الطويل لإنتاج الحقيقة.

والأهم أنك رأيتِ الخيط الذي جمع بين مصطفى أبو علي، الذي علّمنا أن السينما السياسية تبحث عن الإنسان الذي يدفع ثمن القرار، وبين أليكس هولدر، الذي دخلت كاميرته إلى الغرف التي يُصنع فيها القرار نفسه.

وهذا، في الحقيقة، كان البناء الداخلي للمقال.

لم أكتبه وفق الأسلوب الإعلامي التقليدي، ولم أبحث له عن حبكة درامية تقود القارئ من مقدمة إلى نتيجة محسومة، بل حاولت أن أبنيه كما أبني فيلمًا وثائقيًا؛ تركيبًا مونتاجيًا بين شخصيات وتفاصيل وأزمنة تبدو متباعدة، لكنها تلتقي جميعًا عند سؤال واحد:

متى يبدأ العالم في الاستدارة؟

لهذا حضرت تجربة مصطفى أبو علي، وحضرت أفلامي من «رمال السوافي» إلى «الأيام المشتركة» و«بيت الله»، وصولًا إلى «ريتشل... ضمير أمريكي».

لم أستدعِ هذه الأفلام بوصفها سيرة شخصية، بل بوصفها مراحل في رحلة البحث عن الإنسان الفلسطيني داخل وعي لم يكن يعرفه.

عندما عرضنا «ريتشل» في الجامعات الأمريكية قبل أكثر من عشرين عامًا، اكتشفت أن الشباب الذين كانوا يجلسون أمام الشاشة لم يكونوا بالضرورة أعداءً للفلسطينيين.

كانوا، في الغالب، لا يعرفون شيئًا حقيقيًا عن فلسطين.

لم تكن أزمتهم في الضمير، بل في المعرفة.

كانت الرواية الفلسطينية غائبة، بينما كانت الرواية الصهيونية تحتل الشاشة والكتاب والجامعة والخطاب السياسي.

أما اليوم، فذلك الجيل نفسه، أو الجيل الذي جاء بعده، لم يعد ينتظر فيلمًا واحدًا كي يرى الحقيقة.

لقد شاهد حرب الإبادة على الهواء مباشرة.

رأى الأطفال تحت الركام، والتجويع، والتهجير، وتدمير المدن والمستشفيات والجامعات، ورأى الفجوة الهائلة بين الخطاب الإسرائيلي والغربي وبين ما يجري أمام عينيه.

ولهذا كانت ملاحظتك حول «الاستدارة» بالغة الأهمية.

أنت لم تكتفي بالاحتفاء بتحول الوعي، بل وضعتِ السؤال في مكانه الصحيح:

هل استدار العالم حقًا، أم أننا أمام بداية تصدع في احتكار الرواية؟

وأنا أعتقد أن هذه ليست ملاحظة على المقال، بل امتداد فكري له.

فالاستدارة التي أتحدث عنها لا تعني أن موازين القوة انقلبت، ولا أن المشروع الصهيوني هُزم، ولا أن الرواية الفلسطينية انتصرت نهائيًا.

إنها تعني أن الرواية الإسرائيلية لم تعد الرواية الوحيدة الممكنة.

وأن الجدار الذي بناه اللوبي الصهيوني في الوعي الأمريكي طوال عقود بدأ يتشقق.

وأن أكثر أسلحته فاعلية، تهمة «معاداة السامية»، لم تعد قادرة على إسكات كل من يعارض الاحتلال أو يصف الإبادة باسمها الحقيقي.

حين يرد سياسي أمريكي على نتنياهو بأنه لا يعادي اليهود، بل يعادي جرائم الحرب والإبادة ومجرمي الحرب، فنحن لا نكون أمام جملة عابرة.

نكون أمام سقوط حاجز ظل يرعب السياسيين والإعلاميين والأكاديميين لعقود.

وهنا تكمن، في رأيي، القنبلة التي يخشاها نتنياهو واللوبي الصهيوني أكثر من أي منشأة نووية في إيران.

إيران يمكن قصفها.

والمنشآت العسكرية يمكن تدميرها.

والجيوش العربية أثبتت إسرائيل تفوقها العسكري عليها.

وحماس وحزب الله يمكن حصارهما واستهداف قياداتهما.

أما التحول في وعي جيل أمريكي كامل، فلا يمكن قصفه بطائرة، ولا اغتياله بصاروخ، ولا محاصرته بجدار.

إنه يدخل الجامعات والإعلام والمجالس البلدية والكونغرس، ثم يدخل، مع مرور الزمن، إلى مركز القرار نفسه.

وهنا تصبح «استدارة العالم» أكثر تحديدًا.

إنها استدارة تبدأ داخل الولايات المتحدة، الدولة التي منحت المشروع الصهيوني الحماية والسلاح والمال والغطاء السياسي، والدولة التي استخدمتها الصهيونية إلى أبعد حدودها.

وحين تبدأ الشقوق في الظهور داخل هذه الدولة بالذات، لا يعود الخطر على كيان إسرائيل قادمًا فقط من حدودها، بل من داخل المنظومة التي صنعت تفوقها وحمته.

ومن هنا تأتي أهمية ما أضفتِه حول ضرورة الانتقال من المجال الأخلاقي إلى المجال السياسي.

فالكاميرا تستطيع أن تكشف الحقيقة.

والصورة تستطيع أن تهز الضمير.

والجامعة تستطيع أن تصنع وعيًا جديدًا.

لكن الحقيقة، كما قلتِ بدقة، لا تتحول وحدها إلى تاريخ.

تحتاج إلى مشروع سياسي.

وإلى تنظيم.

وإلى مؤسسات وطنية قادرة على التقاط هذه اللحظة وتحويل التضامن العالمي إلى قوة سياسية، وتحوّل الوعي إلى تغيير في السياسات والقوانين وموازين الفعل.

وهذا هو السؤال الفلسطيني الذي يجب أن يُطرح الآن، لا غدًا:

كيف نقلب السحر على الساحر؟

كيف نحول أمريكا التي استُخدمت طويلًا لحماية المشروع الصهيوني، إلى ساحة نضال سياسي وأخلاقي وقانوني ضد الاحتلال والفصل العنصري والإبادة؟

كيف نصل إلى ذلك الجيل الذي امتلك الحقيقة أخيرًا، ونمنحه الرواية الفلسطينية المتماسكة، والمشروع السياسي الذي يستطيع أن يتحول من احتجاج في جامعة إلى قوة داخل المجتمع والدولة؟

لقد التقطتِ، يا د. غانية، أن المقال لم يكن يقول إن الكاميرا صنعت الانتصار.

كان يقول إن الكاميرا فتحت ثقبًا في الجدار.

وأنت ذهبتِ بالسؤال إلى ما بعد الثقب:

من سيعبر؟

وكيف؟

وبأي مشروع؟

لهذا لم أقرأ ما كتبتِه بوصفه تعليقًا على مقالي، بل بوصفه الفصل الذي جاء بعده.

فأنا حاولت أن أرصد اللحظة التي بدأت فيها الرواية الصهيونية تفقد احتكارها للحقيقة.

وأنت وضعتِ أمامنا المهمة التالية:

ألا نكتفي بمشاهدة العالم وهو يستدير، بل أن نبني القوة الفلسطينية القادرة على دفع هذه الاستدارة إلى نهايتها.

شكرًا لك على قراءة لم تكتفِ بالكلمات، بل رأت ما وراءها، وأعادت المقال إليّ أكثر وضوحًا، وأشد مسؤولية، وأوسع أفقًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولمن يرغب في قراءة المقال الأصلي الذي انطلقت منه هذه القراءة وهذا الحوار:

«حين استدار العالم... الكاميرا التي دخلت غرفة القرار»

رابط المقال

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
28/7/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى