د. إبراهيم عروش - رؤية مواطن للجديدة 2040: من وفرة الإمكانات إلى قوة الإنجاز

الجديدة 2040: من مدينة غنية بالإمكانات إلى قاطرة اقتصادية للمغرب

حين نجمع في مساحة واحدة الجرف الأصفر، والميناء، والصناعة، وسهل دكالة، والصيد البحري، والساحل الأطلسي، والتراث العالمي، والقرب من الدار البيضاء، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ينقص الجديدة؟ بل: لماذا لم تتحول كل هذه الثروة إلى قوة حضرية واقتصادية واجتماعية توازيها؟

فالجرف الأصفر وحده يحتضن أكبر مجمع متكامل لإنتاج الأسمدة الفوسفاطية في العالم، على مساحة تقارب 2000 هكتار، مع بنية مينائية وصناعية ضخمة، كما أصبح يعتمد على تحلية مياه البحر ويزود الجديدة أيضا بالماء المحلى. وفي المقابل تمتلك المدينة رصيدا سياحيا عالميا؛ فالمدينة البرتغالية لمازاغان مصنفة تراثا عالميا لليونسكو منذ 2004، إلى جانب الشواطئ والتراث والفروسية والقرب من أزمور ومولاي عبد الله.

لذلك أقترح ألا نتحدث عن مشاريع متناثرة، بل عن برنامج ترابي متكامل: الجديدة 2040 .

الرؤية:

الجديدة 2040: عاصمة الأطلسي الاقتصادية الخضراء، وقطب للصناعة واللوجستيك والفلاحة والصيد والسياحة والخدمات والبحث العلمي.

الفكرة الأساسية هي الانتقال من اقتصاد توجد ثرواته داخل الإقليم إلى اقتصاد تصبح فيه هذه الثروات في خدمة الإقليم وسكانه.

أي أن نجاح الجرف الأصفر لا يبقى منفصلا عن نجاح المدينة، وازدهار الفلاحة لا يبقى منفصلا عن الصناعات الغذائية، والساحل لا يبقى مجرد شواطئ صيفية، والتراث لا يبقى مجرد مبان تاريخية.

المخطط: ثمانية أقطاب كبرى

1. الجديدة : الجرف الأصفر: قطب صناعي أخضر عالمي

الجرف الأصفر ينبغي ألا يبقى منطقة إنتاج ضخمة بجوار مدينة، وإنما يصبح محرك منظومة صناعية كاملة.

حول الصناعات الكبرى يمكن إنشاء شبكة للمقاولات المتوسطة والصغيرة في الصيانة الصناعية، والهندسة، واللوجستيك، والكيمياء المتخصصة، وإعادة التدوير، ومعالجة النفايات الصناعية، وتحلية المياه، والطاقة المتجددة، والهيدروجين والأمونيا الخضراء.

وهذا الاتجاه ليس خياليا؛ فاستثمارات مجموعة OCP⁠ تتجه أصلا نحو الطاقة المتجددة والمياه غير التقليدية والأمونيا والهيدروجين الأخضر والمواد المرتبطة بالانتقال الطاقي.

والهدف هنا أن نقول للمستثمر:

إذا أردت خدمة الصناعات الثقيلة والخضراء بالمغرب وإفريقيا، فمقر شركتك الطبيعي يمكن أن يكون الجديدة.

2. إنشاء مدينة الجديدة للأعمال والمال

لكي تصبح الجديدة قطبا ماليا، لا ينبغي التفكير في منافسة الدار البيضاء في البنوك التقليدية، فهذا غير واقعي. الأذكى هو التخصص المالي المرتبط باقتصاد المنطقة.

تنشأ منطقة أعمال حديثة تستقطب فروع البنوك وشركات التأمين والتمويل الصناعي وتمويل التجارة الخارجية والشحن والتأمين البحري وتمويل الفلاحة والطاقة الخضراء والاستثمار العقاري.

وبجانبها مركز خدمات للشركات يوفر المحاسبة والاستشارة القانونية والهندسة والرقمنة والتصدير والجمارك والخدمات المالية.

فتصبح الجديدة مكانا يستطيع فيه المستثمر أن يجد المصنع والميناء والبنك وشركة التأمين والمختبر والمهندس ومكتب الدراسات في المجال الترابي نفسه.

3. قطب دكالة للفلاحة والصناعات الغذائية

لا ينبغي أن نكتفي بقول إن دكالة منطقة فلاحية.

المطلوب الانتقال من:

إنتاج فلاحي بنقل المنتوج الخام

إلى:

إنتاج و تحويل و توضيب و تبريد و علامة تجارية و تصدير.

وهنا يمكن تطوير منصات للصناعات الغذائية، والحليب ومشتقاته، واللحوم، والحبوب، والخضر، والأعلاف، والتخزين المبرد، والتعليب.

والأهم إنشاء علامة:

Produit de Doukkala : منتوج دكالة

حتى تتحول دكالة من اسم جغرافي إلى علامة اقتصادية وتسويقية.

4. اقتصاد البحر: من الصيد إلى الاقتصاد الأزرق

الجديدة مدينة بحرية، لكن البحر ينبغي أن يصبح قطاعا اقتصاديا متكاملا.

المطلوب تحديث ميناء الصيد، وإنشاء سوق سمك عصري، وسلسلة تبريد حقيقية، ووحدات تحويل وتعليب وتثمين المنتجات البحرية، مع تطوير تربية الأحياء المائية حيث تسمح الدراسات البيئية بذلك.

ثم نضيف الاقتصاد البحري الجديد: الرياضات البحرية، وصيانة القوارب، والتكوين في المهن البحرية، والبحث العلمي المتعلق بالمحيط والساحل.

وبذلك لا يكون البحر مجرد منظر جميل، بل مصدر شغل وثروة ومعرفة.

5. الجديدة: وجهة سياحية وليست محطة صيفية

هذه ربما إحدى أكبر الفرص الضائعة.

الجديدة تملك المدينة البرتغالية المصنفة عالميا، والشواطئ، وسيدي بوزيد، والحوزية، وأزمور القريبة، ومولاي عبد الله، والفروسية، والغولف والمنتجعات السياحية. والمكتب الوطني المغربي للسياحة نفسه يقدم الجديدة باعتبارها تجمعا بين التراث والشاطئ والغولف والفروسية والثقافة.

المطلوب هو تحويل ذلك إلى مسار سياحي موحد:

أزمور → الحوزية → مازاغان → المدينة البرتغالية → الجديدة → سيدي بوزيد → مولاي عبد الله → سيدي عابد وما بعدها.

ثم برنامج ثقافي يمتد طوال السنة: مهرجان لمازاغان، مهرجان البحر، موسم الفروسية، ملتقى دولي للتراث البرتغالي المغربي، مهرجان سينمائي يستثمر تاريخ المدينة مع السينما، وتظاهرات رياضية بحرية.

وهكذا ننتقل من سياحة يوليوز وغشت إلى اقتصاد سياحي يعمل اثني عشر شهرا.

6. جامعة الجديدة في قلب الاقتصاد

لا يمكن بناء قطب اقتصادي كبير بجامعة معزولة عن حاجات محيطها.

المطلوب إنشاء منظومة بين الجامعة والجرف الأصفر والصناعة والفلاحة والميناء والمستشفى والمقاولات.

وتعطى الأولوية لتخصصات الهندسة الكيميائية، والطاقات المتجددة، وتحلية المياه، والذكاء الاصطناعي الصناعي، واللوجستيك، والاقتصاد البحري، والصناعات الغذائية، والبيئة والصحة المهنية.

ويقام Technopark / Startup Campus El Jadida قرب الجامعة.

فبدل أن يتخرج الشاب ليبحث عن فرصة في الدار البيضاء، يصبح السؤال:

كيف نجعل شركات الدار البيضاء تأتي إلى الجديدة بحثا عن خريجيها؟

7. المدينة نفسها يجب أن تصبح جديرة بثروتها

وهذه نقطة حاسمة.

لا معنى لقطب صناعي عالمي تحيط به مدينة تعاني النظافة أو النقل أو الإنارة أو الطرق أو المساحات الخضراء.

لذلك أقترح برنامجا باسم:

الجديدة مدينة العيش الكريم

تكون أولوياته محدودة وواضحة: نظافة بمؤشرات أداء رقمية معلنة، نقل حضري حديث يربط الأحياء والجامعة والمنطقة الصناعية والجرف الأصفر ومحطة القطار، معالجة النقط السوداء والفيضانات، تشجير واسع، كورنيش متصل، مسارات للدراجات، مواقف منظمة، مراحيض عمومية، تأهيل الأسواق، وتطوير المستشفى والخدمات الصحية.

جودة الحياة نفسها سياسة اقتصادية؛ لأن المهندس والطبيب والباحث والمستثمر والسائح يسألون جميعا عن المدينة التي سيعيشون فيها.

8. ثورة في تدبير الشأن العام

وهنا أصل المشروع كله.

يمكن للجديدة أن تمتلك الفوسفاط والبحر والفلاحة والمصانع والتراث، ثم تفشل إذا غاب التدبير.

أقترح إنشاء:

مرصد الجديدة للتنمية والأداء

لا يكون مؤسسة للخطابات، وإنما منصة مفتوحة للمواطن.

يعلن سنويا وبالأرقام: الاستثمارات المستقطبة، فرص الشغل المحدثة، نسبة البطالة، عدد السياح وليالي المبيت، آجال تراخيص الاستثمار، جودة النظافة، المساحات الخضراء، معالجة الشكايات، تقدم المشاريع، ميزانياتها، ونسبة تنفيذها.

كل مشروع جماعي كبير يوضع على الإنترنت:

الكلفة – المقاولة – تاريخ البداية – تاريخ النهاية – نسبة الإنجاز – المسؤول عنه.

وهنا يتحول المواطن من متفرج إلى مراقب للأداء العمومي.

برنامج العمل

بدل انتظار 2040 لتنفيذ كل شيء، أقسم المشروع إلى ثلاث مراحل.

2027–2030: مرحلة إصلاح الأساس. النظافة، الطرق، النقل، الرقمنة، تبسيط الاستثمار، تأهيل الواجهات، المدينة البرتغالية، ميناء الصيد، المناطق الصناعية، وربط الجامعة بالنسيج الاقتصادي.

2030–2035: مرحلة الإقلاع. مدينة الأعمال، Technopark، الصناعات الغذائية، الاقتصاد الأزرق، توسعة العرض السياحي، استقطاب الشركات الصناعية والخدماتية، وإطلاق علامة Doukkala.

2035–2040: مرحلة التموقع الدولي. تصبح الجديدة قطبا أطلسيا معروفا في الصناعة الخضراء واللوجستيك والسياحة والاستثمار والبحث التطبيقي.

والهدف في 2040

ليس أن نقول إن الجديدة أنفقت مليارات الدراهم، وإنما أن نستطيع قياس النتيجة: كم فرصة شغل خلقنا؟ كم شركة استقطبنا؟ كم ارتفع دخل السكان؟ كم ليلة سياحية حققنا؟ كم شركة ناشئة ولدت هنا؟ كم منتجا نصدر باسم دكالة؟ وكم تحسنت جودة حياة المواطن؟

وهذا هو الفرق بين ميزانية تُصرف وتنمية تُنجز.

المعادلة التي أراها للجديدة

الجرف الأصفر + الميناء + الصناعة + فلاحة دكالة + البحر + الجامعة + التراث + السياحة + الموقع الجغرافي + الحكامة = الجديدة، القطب الأطلسي للمغرب.

والأهم أن الجديدة لا تحتاج إلى اختراع ثروتها من الصفر. الثروة موجودة أصلا؛ المطلوب هو جمع أجزائها المتفرقة داخل مشروع ترابي واحد.

فالمدينة التي يوجد على أبوابها أكبر مجمع متكامل للأسمدة الفوسفاطية في العالم، والتي تحمل داخل أسوارها تراثا عالميا تعترف به اليونسكو، وتقع على الساحل وعلى مسافة نحو 108 كيلومترات من الدار البيضاء بحسب المكتب الوطني للسياحة، لا ينبغي أن يكون سقف طموحها أن تصبح مدينة أفضل قليلا.

طموحها المشروع أن تصبح واحدة من أفضل المدن المغربية للعيش والاستثمار والعمل والسياحة، وأن يتحول اسم الجديدة من مجرد عاصمة لإقليم غني إلى عاصمة اقتصادية أطلسية حقيقية.

وأقترح لهذا المشروع عنوانا يصلح لبرنامج متكامل أو مقال تأسيسي:

الجديدة 2040: الثروة موجودة… فهل نصنع منها مدينة؟
#وابغيتبلادي د إبراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى