كثيرون هم الذين يحتفلون بأعياد ميلادهم، وكثيرون هم الذين يعدُّون سنوات العمر عدًّا، كما لو أنها صَدَفات في سُبحة كلما مرروا واحدة منها يرددون ترانيم الوَهم، إنهم يطفئون مع كل شمعة جزءا من حياتهم، أو بالأصح جزءا منهم، وربما يكون ذلك الجزء هو الأجمل في مسيرة مليئة بما لا يستحق الاحتفال.
إن التعامل مع العمر بمنطق العد تبخيس لقيمته واستصغار لفحواه، لذلك لا أجد حرجا في أن لا أعترف بشهادة ميلادي ولا حتى بشهادة وفاتي ، ببساطة لأنني لا أعرف متى ولدت، كما أنني لا أريد أن أموت ولي نية صادقة في ذلك، آمل أن يكون عمري أطول بكثير من صلاحية جسدي، قد يبدو كلامي غريبا للوهلة الأولى وقد يبدو نوعا من الحمق، لكنني أعتبره حمقا إيجابيا أزنه بميزان الفيلسوف الهولندي " ديزيديوس إيراسموس" الذي يرى في كتابه الشهير "مديح الحماقة" أن قليلا من الحمق والجهل يجعل الحياة أكثر متعة وجمالا، أجدني أتفق مع هذا الفيلسوف كثيرا، فأجمل مراحل العمر التي هي الطفولة، تتميز بكثير من الجنون لِمحدودية العقل أو ربما انعدامه... لا حدود لا حواجز لا خوف لا تفكير ولا أي شيء مما يُرهق النفس ويتعب الروح، إنها مرحلة تعدي كل الحدود دون خوف حتى من الله، الطفل ولو أخطأ خطأ الكبار يظل في حصانته المقدسة، إنه يعيش يوميا فرحة الإثم البريء، لأنه ببساطة كما يقول فقهاء الدين لم يصل سن التكليف، فالمرحلة مرحلة حرية مطلقة وجنون لا حدود له، لذلك قلَّما نجد طفلا تعيسا. من هذا المنطلق إذا كنت أعتبر أن وجود الإنسان في الأرض مبرره عمارتها، ومحدد ذلك إنتاجه ومدى إسهامه في الخلق والإبداع والعطاء بمختلف التجليات، فهل فعلا يمكننا ربط شهادة الميلاد بتاريخ الولادة البيولوجة. هناك ولادة أخرى حينما يصير الإنسان فاعلا ومتفاعلا مع العالم لدرجة التأثير، لذلك أظن أن القدوم للحياة ليس ولادة، بل الولادة الحقيقية هي لحظة ولادة الحياة فينا، أما غير ذلك فأظنه فراغات تذكرنا عجزنا، تطوِّح بنا في غيابات التيه، وتُسائلنا كل صباح عن ماهيتنا، لذلك لا أجد فرقا بين من عاش قرنا كله أو أكثر ومن عاش بعض القرن أو أقل، فالعبرة ليست بالعمر الطويل وإنما بالعمر المبارك، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن عمرك وقتك الذي أنت فيه"، ولا أظنه بمقالته هاته يتحدث عن الوجود المادي، بقدر ما يتحدث عن الفاعلية، فعَلِي لم يكن بالرجل الخامل، بل كان مؤثرا في مسار بناء دولة وتشييد حضارة، فالوجود في الزمن ليس ميزة، وتراكم السنين قاسم مشترك بين الخلائق عاقلة وغير عاقلة، وتلك أمور لا يد لنا فيها، والوقت جار علينا دون أن يستأذننا.
إن التقدم في العمر إلزامي، أما التقدم في المستوى فهو اختياري، وبركة العمر حسن العمل، فهناك من عاش عمرا طويلا لكن لم يترك أثرا يحمل سيرته بعد الغياب، فبمجرد خروج روحه يتحقق موته الكلي. فالأثر هو الوجه الآخر للخلود حينما يغيب الجسد، خلود في الذاكرة والتاريخ والضمائر، إنه يسكن القلوب، أما الجسد فمنتهاه التراب حيث يصير نتنا مقززا تكسوه أسوأ النهايات، لذلك أستطيع القول إن الموت لا ينتصر إلا على الأجساد، إنه أضعف من أن ينتصر على الأرواح المبدعة التي تسطر معالم بقائها المطلق فتعبر الزمان وتهزم النسيان، فالسؤال الأنسب الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا كل صباح، ليس كم سنعيش؟ بل ماذا سيبقى منا بعد الرحيل؟ فليس الموت نهاية، كما أن الحياة ليست دليل وجود وحضور، فأحيانا عيوننا لا تبصر كثيرا ممن حولنا، لكن عقولنا وقلوبنا متعلقة بكثير ممن فقدناهم لِما خلَّفوه من إرث يوصلنا بهم وهم في عالم آخر، لكَم أعجبني الإمام الشافعي وهو يقول: " قد مات قومٌ وما ماتت فضائلهم ... وعاش قوم وهم في الناس أموات"، فالحياة تُقاس بجودتها لا بطولها، وهذا المعنى هو ما يجعل الإنسان مسؤولا عن البصمة التي يتركها في هذا العالم، وفي التصور الإسلامي يرتقي هذا المفهوم إلى محددات أخرى، فقد قال النبي محمد ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، إنه الوحي يرسم طريق الخلود الحقيقي من خلال أعمال يمتد أثرها إذا ما انقطع العمر، فقد يأتي الحصاد بعد الغياب، وما علينا إلا أن نهتم بالزرع في إبَّانه، ليس بالضرورة أن يكون هذا الزرع مادة تُلمَس أو مما ذُكِر في الحديث، فقد يكون جبرا لخاطر مكسور، أو ابتسامة صادقة لا تقوى الأيام على محوها، أو كلمة طيبة واسَت وعزَّت، أو غير ذلك مما يُلامس القلوب صدقا ووفاء ليؤسس صروح الجمال في زمن البشاعة حتى تصير عنوانا للحظات لا تُنسى.
يا صاحبي ربما تكون أجمل الغائبين الذين يطغى طيفهم على أكبر الحاضرين، أتذكر هنا محمود درويش ذلك الغائب الحاضر وهو يُنشد: قُلْ للغياب: نَقَصْتَني وأَنا حضرتُ... لأُكْمِلَكْ!
ما أجمل أن يختم المرء حياته وقد ترك وراءه سيرة يظل عطرها فواحا يحكي روعة سلوكه وأناقة قوله ورُقي كلماته ونُبل أخلاقه، فالأثر الطيب هو الوجه الآخر للخلود، وهو اللغة التي يتحدث بها الإنسان بعد صمته الأبدي وحياته الجديدة التي تبدأ بعد رحيله الجسدي عن دنيا الناس، لهذا إن تمنيت أن لا أموت وسعيت نحو ذلك أكون صادقا، ولست بذلك أجري ضد القدر، فربما تكون لي فرصة صناعة جزء من قدري كما قال عمر بن الخطاب: "أفر من قدَر الله إلى قدَر الله"، أما شهادة الوفاة فلا تعنيني، كما لا تعنيني شهادة الميلاد، إذ غاية الكرم والسخاء أن أسمح بكتابة اسمي عليهما...
إن التعامل مع العمر بمنطق العد تبخيس لقيمته واستصغار لفحواه، لذلك لا أجد حرجا في أن لا أعترف بشهادة ميلادي ولا حتى بشهادة وفاتي ، ببساطة لأنني لا أعرف متى ولدت، كما أنني لا أريد أن أموت ولي نية صادقة في ذلك، آمل أن يكون عمري أطول بكثير من صلاحية جسدي، قد يبدو كلامي غريبا للوهلة الأولى وقد يبدو نوعا من الحمق، لكنني أعتبره حمقا إيجابيا أزنه بميزان الفيلسوف الهولندي " ديزيديوس إيراسموس" الذي يرى في كتابه الشهير "مديح الحماقة" أن قليلا من الحمق والجهل يجعل الحياة أكثر متعة وجمالا، أجدني أتفق مع هذا الفيلسوف كثيرا، فأجمل مراحل العمر التي هي الطفولة، تتميز بكثير من الجنون لِمحدودية العقل أو ربما انعدامه... لا حدود لا حواجز لا خوف لا تفكير ولا أي شيء مما يُرهق النفس ويتعب الروح، إنها مرحلة تعدي كل الحدود دون خوف حتى من الله، الطفل ولو أخطأ خطأ الكبار يظل في حصانته المقدسة، إنه يعيش يوميا فرحة الإثم البريء، لأنه ببساطة كما يقول فقهاء الدين لم يصل سن التكليف، فالمرحلة مرحلة حرية مطلقة وجنون لا حدود له، لذلك قلَّما نجد طفلا تعيسا. من هذا المنطلق إذا كنت أعتبر أن وجود الإنسان في الأرض مبرره عمارتها، ومحدد ذلك إنتاجه ومدى إسهامه في الخلق والإبداع والعطاء بمختلف التجليات، فهل فعلا يمكننا ربط شهادة الميلاد بتاريخ الولادة البيولوجة. هناك ولادة أخرى حينما يصير الإنسان فاعلا ومتفاعلا مع العالم لدرجة التأثير، لذلك أظن أن القدوم للحياة ليس ولادة، بل الولادة الحقيقية هي لحظة ولادة الحياة فينا، أما غير ذلك فأظنه فراغات تذكرنا عجزنا، تطوِّح بنا في غيابات التيه، وتُسائلنا كل صباح عن ماهيتنا، لذلك لا أجد فرقا بين من عاش قرنا كله أو أكثر ومن عاش بعض القرن أو أقل، فالعبرة ليست بالعمر الطويل وإنما بالعمر المبارك، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن عمرك وقتك الذي أنت فيه"، ولا أظنه بمقالته هاته يتحدث عن الوجود المادي، بقدر ما يتحدث عن الفاعلية، فعَلِي لم يكن بالرجل الخامل، بل كان مؤثرا في مسار بناء دولة وتشييد حضارة، فالوجود في الزمن ليس ميزة، وتراكم السنين قاسم مشترك بين الخلائق عاقلة وغير عاقلة، وتلك أمور لا يد لنا فيها، والوقت جار علينا دون أن يستأذننا.
إن التقدم في العمر إلزامي، أما التقدم في المستوى فهو اختياري، وبركة العمر حسن العمل، فهناك من عاش عمرا طويلا لكن لم يترك أثرا يحمل سيرته بعد الغياب، فبمجرد خروج روحه يتحقق موته الكلي. فالأثر هو الوجه الآخر للخلود حينما يغيب الجسد، خلود في الذاكرة والتاريخ والضمائر، إنه يسكن القلوب، أما الجسد فمنتهاه التراب حيث يصير نتنا مقززا تكسوه أسوأ النهايات، لذلك أستطيع القول إن الموت لا ينتصر إلا على الأجساد، إنه أضعف من أن ينتصر على الأرواح المبدعة التي تسطر معالم بقائها المطلق فتعبر الزمان وتهزم النسيان، فالسؤال الأنسب الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا كل صباح، ليس كم سنعيش؟ بل ماذا سيبقى منا بعد الرحيل؟ فليس الموت نهاية، كما أن الحياة ليست دليل وجود وحضور، فأحيانا عيوننا لا تبصر كثيرا ممن حولنا، لكن عقولنا وقلوبنا متعلقة بكثير ممن فقدناهم لِما خلَّفوه من إرث يوصلنا بهم وهم في عالم آخر، لكَم أعجبني الإمام الشافعي وهو يقول: " قد مات قومٌ وما ماتت فضائلهم ... وعاش قوم وهم في الناس أموات"، فالحياة تُقاس بجودتها لا بطولها، وهذا المعنى هو ما يجعل الإنسان مسؤولا عن البصمة التي يتركها في هذا العالم، وفي التصور الإسلامي يرتقي هذا المفهوم إلى محددات أخرى، فقد قال النبي محمد ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، إنه الوحي يرسم طريق الخلود الحقيقي من خلال أعمال يمتد أثرها إذا ما انقطع العمر، فقد يأتي الحصاد بعد الغياب، وما علينا إلا أن نهتم بالزرع في إبَّانه، ليس بالضرورة أن يكون هذا الزرع مادة تُلمَس أو مما ذُكِر في الحديث، فقد يكون جبرا لخاطر مكسور، أو ابتسامة صادقة لا تقوى الأيام على محوها، أو كلمة طيبة واسَت وعزَّت، أو غير ذلك مما يُلامس القلوب صدقا ووفاء ليؤسس صروح الجمال في زمن البشاعة حتى تصير عنوانا للحظات لا تُنسى.
يا صاحبي ربما تكون أجمل الغائبين الذين يطغى طيفهم على أكبر الحاضرين، أتذكر هنا محمود درويش ذلك الغائب الحاضر وهو يُنشد: قُلْ للغياب: نَقَصْتَني وأَنا حضرتُ... لأُكْمِلَكْ!
ما أجمل أن يختم المرء حياته وقد ترك وراءه سيرة يظل عطرها فواحا يحكي روعة سلوكه وأناقة قوله ورُقي كلماته ونُبل أخلاقه، فالأثر الطيب هو الوجه الآخر للخلود، وهو اللغة التي يتحدث بها الإنسان بعد صمته الأبدي وحياته الجديدة التي تبدأ بعد رحيله الجسدي عن دنيا الناس، لهذا إن تمنيت أن لا أموت وسعيت نحو ذلك أكون صادقا، ولست بذلك أجري ضد القدر، فربما تكون لي فرصة صناعة جزء من قدري كما قال عمر بن الخطاب: "أفر من قدَر الله إلى قدَر الله"، أما شهادة الوفاة فلا تعنيني، كما لا تعنيني شهادة الميلاد، إذ غاية الكرم والسخاء أن أسمح بكتابة اسمي عليهما...