علجية عيش.. نقد المحاسبي لواصل بن عطاء و الشافعي

الخلاف حول مفهوم "الخبر الواحد" تحول إلى صراع سياسي بين السُنّة و الشيعة

انتقد الإمام الحارث المحاسبي واصل بن عطاء و الإمام الشافعي عندما وضع رسالتيه في ماهية العقل و فهم القرآن، و قال أن الإثنان أخطآ، فهما لم يُحَدِّدَا مرادفهما بدقة، مقدما في ذلك منهجه بتوضيح ماهية العقل و وظيفته و حُدود عمله ليكون ظاهرا ما يريده عندما يتحدث عن الحُجّة و حُجّة العقل، فالعقل عند المحاسبي هو غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقه، لم يطّلع عليها العباد بعضهم من بعض، فليس هو صفوة للروح كما يظن البعض و لا هو المعرفة، كما قال آخرون، مثلما أشار إليه حسين القوتلي في كتابه "العقل و فهم القرآن"، وهو تحقيق علمي يضم نصين هامين للإمام الحارث بن أسد المحاسبي ، هناك إذن مصدران للمعرفة: الحواس و مدركاتها و القرآن، و هناك " جدلية " بين هذين المصدرين، على أساس أن "الجدل " في القرآن هو منهج حجاجي وعملي غايته الهداية وإقرار الحق، و الإنسان وحده بعقله يدرك هذا الحق بالموازنة و إصدار الحكم.

%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D9%83%D9%81%D8%B1%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87%D8%A7%D8%A1.jpeg

و الإمام الحارث المحاسبي هو من أئمة أهل السُنّة و الجماعة اسمه الكامل أبو عبد الله الحارث بن أسد البصري البغدادي، عراقي الأصل، من مواليد البصرة حوالي سنة 170 هـ وعاش وتوفي في بغداد سنة 243 هـ، عُرف بالورع الشديد والزهد والتقشف لدرجة أنه ترك ميراث أبيه الوافر ورعاً لاختلافهما في بعض الاعتقادات، و لذا سُمّيَ بالمحاسبي لأنه كان يبالغ في محاسبة نفسه ومراقبتها بدقة شديدة، يقول هذا الإمام أن الله سبحانه و تعالى حدّد في كتابه الحكيم ( القرآن) طبيعة الفهم العربي للإسلام لبسباب قيام المجتمعات البشرية و جيناميات تماسكها و استمرارها عندما قال: و لولا دفْعُ الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض و لكن الله ذو فضل على العالمين" ( سورة البقرة الآية 151 ) و يضيف بالقول: أن الناس مجموعات أو فئات مختلفة لا تندمج تماما ، لأن ذلك يخالف طبيعة الأشياء و المصالح غير المتماثلة للفئات، لكنها تنسجم فقط لتحقق الحدود الدنيا الضرورية لبقاء المجتمع، يقول المحاسبي إن واصل بن عطاء الغزّال أوّل من قال الحق يُعْرف من وجوه أربعة هي: كتاب ناطق ( القرآن) و خبر مجتمع عليه ( السُنّة) و حُجّة عقل و إجماع) و حُجّة العقل ( القياس و الإستدلال العقلي.

أما السُنّة القولية كانت في الغالب "خبر الواحد عن الواحد" أو كما سمّاها الشافعي خبر الواحد و التجربة التاريخية للأمّة المصدر الثاني للمعرفة، و الشافعي هنا يُعَدُّ أول من قرر حجية خبر الواحد بأسلوب منهجي متكامل، و خبر الواحد حسب المفسرين هو كل حديث أو خبر لم يبلغ درجة التواتر ، و يشمل ما رواه راوٍ واحد أو اثنان أو جماعة ، فالسنة القولية هي كل ما صدر عن النبي محمد (ص) من كلام نطق به في مختلف الأغراض و المناسبات و الأحكام الشرعية وهي تمثل المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، يلاحظ أن هناك اختلاف بين السُنّة و الشيعية في المسائل التي تتعلق بمفهوم "السُنة النبوية " فالسنيون يأخذون السُنّة من جميع الصحابة العدول مثل صحيح مسلم و البخاري، أما الشيعة فهم يقتصرون في أخذ السُنّة على طريق أهل البيت (عليهم السلام) بالرغم من أنهم يعتمدون كذلك على صحيح البخاري ، هكذا كان الصراع السني الشيعي ، حيث تحول من فقهي إلى تاريخي وسياسي و لو أنه صراع عقدي في جذوره الأساسية و ذلك يعود إلى مسألة "الإمامة" و موقف الصحابة منها ، بحكم أن الإمامة عند الشيعة هي أصلا من أصول الدين وليست مجرد منصب سياسي.

يُذْكَرُ هنا أن واصل بن عطاء الغزّال هو مفكر إسلامي و مؤسس فرقة المعتزلة و رئيسها التاريخي، تتلمذ على يد الإمام الحسن البصري من أل السنة و الجماعة قبل أن يعتزله ، ففي تلك الفترة كان جدلا قائما حول مسألة "القدر" و "الجبر" أيام الدولة الأموية، و كان واصل أول مَن أنتج فلسفة إسلامية خالصة، بعيدًا عن تأثيرات الفلسفات الشرقية أو اليونانية، وقد ساهم المعتزلة في إذكاء الفكر العربي وتطويرِ مساراته عبر التاريخ، وعقلنة النصوص الإسلامية، تكشف دراسات عن محاولات بعض الباحثين تجريد مشروع واصل بن عطاء الفكري ، و قالوا أن منهجه سياسي قبل أن يكون كلاميا أو عقديا، بل هو المنهج الذي أخذ ينخر في جسم الدولة الأموية و هي تحتضر، و تشير كتابات أن كتب واصل بن عطاء تمت مصادرتها، فلم تلق متابعة من القراء و الباحثين لمعرفة طريقته في التفكير والجدل والتعقُّل، فالتكفير والرمي بالإلحاد تهمة مارسها بعض فقهاء المسلمين منذ ظهور الإسلام كل من يرونه يُحَكِّمُ عقله في قراءة النص الديني مثلا ، قالوا إنه كافر، و كل من دعا إلى التذزر و محاربة التخلف والجهل وخالف رأي الحكام والسائد من الفكر، إلا و كفّروه وليتهم اكتفوا، بل أنهم استباحوا دماءهم، و ظل هذا الصراع قائمة إلى اليوم بين الحركات الإسلامية ( الأصوليين و الحداثيين) .

قراءة علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى