منهج الإمام البخاري في صحيحه الجامع في ضوء مناهج المحدثين..

كان من الأوفق أن نبدأ في استعراض مناهج المحدثين السابقين على الإمام البخاري والمعاصرين له، وفي ذلك فائدة كبيرة تقطع باليقين الشك في أذهان الذين يرددون وجود فجوة تواصلية بين نقل وتدوين الحديث الشريف رواية ودراية، وعلى الرغم من أن البخاري قد وضع لنفسه وللعلم وللناس منهجًا علميًا فريدًا وأسلوبًا مبتكرًا في علم الحديث لم يُسبق إليه ولم يلحق فيه، كما يقول الدكتور يوسف الكتاني في دراسته عن البخاري ومنهجه في الحديث، إلا أن الجامع الصحيح جاء حلقة من سلسلة ممتدة بدأت من تدوين الحديث من العهد النبوي إلى عصر البخاري نفسه.

هذه الحلقة جاءت مكملة لتلك الحلقات ومتممة لها. وإن استفادة الإمام البخاري من جهود الأئمة الذين سبقوه كانت استفادة عظيمة سواء من حيث المادة أم من حيث الطريقة والمنهجية؛ فلقد عكف على مصنفات من سبقه فحفظها واستوعبها وضمَّن مقاصدها في كتابه حيث الشرط الذي وضعه له؛ فالبخاري لم يخترع علم الجرح والتعديل، ولم يبتكر مصطلحات الاتصال والإنقطاع من العدم؛ بل ورثها وتلقاها كحلقة ذهبية ممتدة من شيوخه: "علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين"، وهم قد ورثوها أيضا عن من كان قبلهم صعودًا إلى التابعين والصحابة.

وما نعنيه بالحلقة الممتدة: مراحل تدوين الحديث الذي بدأ بالصحف الأولى، ثم المسانيد، ثم المصنفات المرتبة على الأبواب الفقهية، وقد استفاد البخاري من هذا التراكم التاريخي في تبويب كتابه على النحو الذي سنتعرض له ونبرز فيه فرادته وسبقه ومكانته التي اعترف بها العلماء والمحدثين الأعلام في كل عصر سواء من شيوخه أو من تلامذته.

والمقصود بمناهج المحدثين، الطرق التي سلكها الأئمة المحدثون في رواية الأحاديث، والتعليق عليها، وتصنيفها، بحسب شروط معينة، أي أصولهم في نقدهم الرواة ومروياتهم، واصطلاحاتهم في فنهم، وشروطهم في تصنيف كتبهم. أو ما اصطلحوا على أنها المناهج العامة للمحدثين، إلا أن هذا لم ينف وجود مناهج خاصة لكل إمام منهم، التزم بها وسلكها في مروياته أو مصنفاته،، وعلى الرغم من تنوع هذه المناهج الخاصة واختلاف أساليبها وطرقها، إلا أن هناك اتفاق بين المحدثين على مبادئ ومناهج لم يحيدوا عنها، ولم يعلنوا عنها أو يبينوا شروطهم فيها ورغم أنهم لم يدونوا تلك المناهج أو يسطِّروها في كتبهم؛ فلم يُنقل عن البخاري أو عن مسلم أيضًا ذلك.

وقد كان السبب وراء نشأة هذه المناهج يكمن في حرص المسلمين على التثبت من صحة ما يُنسب إلى النبي ﷺ، وذلك من خلال: التثبت من اتصال السند، ودراسة أحوال الرواة من حيث العدالة والضبط، والكشف عن الشذوذ والعلل الخفية، ومقارنة الروايات بعضها ببعض، وأخيرًا: ترتيب الأحاديث وفق منهج معين؛ كالأبواب الفقهية أو المسانيد أو المعاجم.

لهذا جاء عنوان مقالنا: "منهج الإمام البخاري في صحيحه الجامع في ضوء مناهج المحدثين" هو الأوفق والأوقع لغةً وعلمياً؛ لأنه يضع البخاري في إطار المدرسة الحديثية الشاملة التي تبرز فرادته وتفوقه داخل منظومة النقد عند أهل الحديث، ويفيد الشمول والتكامل في كون الإمام البخاري يمثل ركنًا أساسيًا وقاعدة رئيسة في مناهج المحدثين، توضح كيفية تأسيسه لأصول الجمع والتصنيف، وتظهر أستاذيته في الصنعة وريادته في المنهج النقدي، وتبين مدى إتقانه لقواعد علم الحديث روايةً ودرايةً.

لقد كانت مناهج المحدثين قبل الإمام البخاري تتمثل في: مدرسة الحجاز التي يمثلها الإمام مالك، ومدرسة العراق ويمثلها الإمام أحمد وابن معين، ومدرسة الشام ومصر، على أنه يجب العلم أن المحدثين قبل الإمام البخاري لم يكونوا نسخةً واحدة؛ فقد تميزت كل مدرسة إقليمية منهم بخصائص نقدية ومنهجية تركت أثرها في تكوين البخاري عندما زارها في رحلاته العلمية وجَمَع محاسنها.

وقد تميزت مدرسة الحجاز فيما اشترطه الإمام مالك إمام دار الهجرة، في انتخاب الرواة الذي اشترط فيهم الصلاح والعلم بالحديث؛ فكان يتجنب فكان يتجنب الرواية عن أهل الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وعن من لا يُعرف بالفقه والعلم وإن كان صالحاً في نفسه، وعن من يُعرَف بالكذب في كلام الناس وإن كان صادقاً في حديث رسول الله ﷺ حتى جاء كتابه "الموطأ" عبارة عن مزيج من الأحاديث المرفوعة، وآثار الصحابة، وفتاوى التابعين، مـرتبة على الأبواب الفقهية لخدمة العمل والتطبيق، بينما كانت مدرسة العراق نموذجًا لآلية النقد والتشريح الصارمين للأسانيد، حيث بدت ملامح التشدد في التعديل والتجريح، فكان يحي ابن معين بمثابة إمام مدرسة "النقد الصارم للرجال" لهذه المدرسة، فلم يكن يداهن في الجرح، ويركز على ضبط الراوي التام للفظ الحديث، أما الإمام أحمد فكان يمثل مدرسة "السند والعلل"، وقد اعتمدت هذه المدرسة بشكل واسع على "المسانيد"، مثل مسند أحمد، لذا فقد جمع حديث كل صحابي على حدة بغض النظر عن صحته أو موضوعه الفقهي، وغايته من هذا حفظ الأحاديث النبوية كي لا تضيع.

وقد تميزت مدرسة الشام بالعناية بأحاديث الأحكام، والجهاد، والسير، والأقضية الشامية، حيث اعتمد الأوزاعي على السنن والتحري في نقل الأخبار مع المرونة في قبول المراسيل الشامية، وأخيرًا فقد تميزت المدرسة المصرية بالعناية بجمع الروايات والآثار من مختلف الأقطار وخاصة الحجاز والعراق، وقد اشتهر عبد الله بن وهب بـ "الجامع" الذي حرص فيه على تنويع طرق الحديث والجمع بين فقه المدنيين والمصريين.

وقد أثّر هذا التنوع على منهج الإمام البخاري الذي قام بـعملية اصطفاء وانتقاء وصلت إلى حد الدمج العبقري، فأخذ من الحجاز: فقه الحديث، والتبويب الفقهي الدقيق ـ كما فعل مالك في الموطأـ لكنه في المقابل رفـض الاحتجاج بالمرسل والبلاغات وجرّد كتابه للمتصل فقط، ثم أخذ من مدرسة العراق: صرامة يحيى بن معين في نقد الرجال، ومعرفة العلل والرجال عند الإمام أحمد وعلي بن المديني، لكنه رفض طريقة "المسانيد" المختلطة بالضعيف، بل فرز الصحيح، وقد أخذ من مدرستي الشام ومصر: سعة المرويات والرحلة في طلب الحديث، حتى استوعب رجالهما وثقاتهما في الجامع الصحيح بعد أن عرضهم على معاييره الصارمة التي قامت على أسس دقيقة، من أهمها: اشتراط صحة الإسناد، وأن يكون جميع الرواة عدولًا ضابطين، متصل السند، مع سلامة الحديث من الشذوذ والعلة، وثبوت لقاء الراوي بمن روى عنه، ولم يكتف بمجرد المعاصرة، ولذلك كان شرطه أشد من كثير من المحدثين، كما امتاز صحيح البخاري بدقة التراجم، حتى قال العلماء: "فقه البخاري في تراجمه". فقد كان يستنبط الأحكام الشرعية من عناوين الأبواب، كما كان الإمام البخاري من أعظم علماء علل الحديث، ولذلك لم يقتصر على صحة ظاهر الإسناد، بل بحث في خفايا الأسانيد والمتون.

وعند هذه النقطة، وردت أربعة من أسئلة المتابعين لبرنامج "سفراء المعرفة" الذي يبث من لندن، أعرضها هنا لكونها تتصل بسياق منهج الإمام البخاري ما عدا السؤال الرابع الذي أفردنا له مقالًا بعنوان:( صحيح البخاري بين دعوى "تعظيم موسى على النبي ﷺ" ونقل "الإسرائيليات": دراسة نقدية في ضوء منهج الإمام البخاري)، على أن أتبع الأسئلة الباقية بإجاباتها، وهي:

ـ السؤال الأول: هل يصح أن نقول أن الإمام البخاري التزم في كتابه "أعلى درجات الصحيح" لا مطلق الصحيح؟

ـ السؤال الثاني: كيف نميز بين "تقطيع الحديث" عند الإمام البخاري لأغراض فقهية، وبين "الاختصار المخل" الذي قد يغيّر دلالة المتن؟

ـ السؤال الثالث: في أي الحالات يورد الإمام البخاري الحديث تامًّا في موضع ومختصرًا في موضع آخر، وما أثر ذلك على عمل الشارح في جمع الطرق وتكميل الصورة الدلالية للنص؟

ـ السؤال الرابع: كيف تفسر هذا الكم الهائل من تعظيم موسى عليه السلام في الجامع الصحيح للإمام البخاري أكثر من تعظيمه لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم مما يؤكد استناده إلى التلمود ونقل صورة مخلة عن الإسلام؟

بالنسبة لإجابة السؤال الأول، فيصح أن نقول أن البخاري قد التزم أعلى درجات الصحيح في صحيحه الجامع لا مطلق الصحيح.. لكن يجب أن نقف على الفرق بين "أعلى درجات الصحيح" و"مطلق الصحيح":

يتمثل الفرق بينهما في تفاوت مراتب القبول وقوة الشروط، حيث يُقصد بأعلى درجات الصحيح ما اتفق عليه البخاري ومسلم، بينما يشمل مطلق الصحيح على كل حديث تحققت فيه شروط الصحة أي الشروط الخمسة الأساسية: اتصال السند، عدالة الرواة، تام الضبط، السلامة من الشذوذ، والسلامة من العلة القادحة.

غير أن الإمام البخاري لم يستوعب كل الأحاديث الصحيحة في كتابه، بل انتخب منها ما يمثل أعلى وأقوى درجات الصحة، وذلك لشرطه المتشدد في رواة السند: "اللقيا والثبوت" ـ أي أن يثبت التقاء الراوي بشيخه ولو مرة ـ بينما اكتفى الإمام مسلم بمجرد المعاصرة مع إمكانية اللقاء، وهو ما يثبت أن الإمام البخاري قد التزم أعلى درجات الصحيح في صحيحه الجامع لا مطلق الصحيح، وقد بين ذلك في قوله: (ما أدخلتُ في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركتُ من الصحاح لحال الطول).

نقل الحافظ ابن حجر وغيره أن البخاري يحفظ مئة ألف حديث صحيح، ولم يودع في جامعه إلا نحو 7563 حديثاً بالتكرار (ونحو 2602 حديثاً بدون تكرار)، مما يدل على شدة الانتقاء، وهو ما جعل أحاديث البخاري في أعلى مراتب الصحة، بالإضافة إلى أنه كان ينتقي من الطبقة الأولى من تلاميذ الشيوخ الذين جمعوا بين طول الملازمة والضبط المتقن، ولا يروي من طبقات أقل إلا في المتابعات والشواهد.

غير أن هناك من الاستثناءات الدقيقة التي تتعلق بالمعلقات والتراجم، وغالبًا ما يلجأ إليها المستشرقين والحداثيين للتضليل ولإقامة الدليل على أن الجامع الصحيح يضم أحاديث غير صحيحة، وذلك أنه توجد أحاديث منقطعة أو حسنة أوردها البخاري بصيغة التعليق في عناوين الأبواب "التراجم"، لكنها ليست من أصل كتاب "الجامع المسند" ولا تنطبق عليها شروطه الصارمة، حيث أن الحديث المعلق من أنواع الحديث الضعيف بسبب الجهل بحال الراوي أو الرواة المحذوفين، ويوجد في الصحيحين أحاديث معلقة، لكن في صحيح البخاري أكثر من مسلم في ذلك، وقد استخدم البخاري صيغتين: صيغة الجزم وصيغة التمريض، ولكل صيغة حكمها، فالجزم يُحكم غالبًا بصحة الحديث عن المضاف إليه، أما التمريض فلا يُحكم بصحته إلا إذا وُجد إسناد متصل في موضع آخر. كما أن من منهج الإمام البخاري الانتقاء من المُتكَلَم فيهم؛ فقد يروي لراوٍ فيه بعض الغمز، لكنه يختار من حديثه ما توبع عليه أو ما تيقن صحته وضبطه فيه بعينه.

أما بالنسبة للسؤالين الثاني والثالث: فيكون الجمع بينهما أفضل لتداخلهما وتعلقهما بموضوع واحد هو "تقطيع الإمام البخاري للحديث"، وتأتي الإجابة عليهما معًا لمنع التكرار والإطالة:

الثابت أن الإمام البخاري كان يورد الحديث تامًّا في موضع ومختصرًا في موضع آخر، وذلك لغايات فقهية وإسنادية دقيقة، ويظهر ذلك في التالي بيانه:

إذا اشتمل الحديث على أحكام متعددة، يذكر البخاري في كل باب الفقه المناسب تجنبًا للإطالة فيختصر، كما كان يكره إعادة الحديث بطوله في مواضع كثيرة دون فائدة إسنادية أو متنية جديدة، ويسوق من اللفظ المطول ما يشهد للترجمة ـ أي عنوان الباب ـ فقط ويحذف ما لا يتعلق له بها، وقد يروي الحديث عن شيخ رواه مختصرًا، ويرويه في موضع آخر عن شيخ آخر رواه تامّاً.

والتمييز يكون باستقلال المعنى وعدم ارتباط الجمل، واستحضار السياق التام، وعلم المختصر، حيث تكمن معايير التقطيع المقبول عند الإمام البخاري بما سقناه من استقلال الجمل، ويقف مقصده عند استنباط حكم شرعي محدد لكل جملة ويترجم لها بباب مستقل ليوافق تبويبه الفقهي.

والحقيقة أن الإمام البخاري لم يقع في "الاختصار المخل" أبداً، بل له "معايير دقيقة" في تقطيع الحديث وتكراره في الأبواب، وهي من تمام عبقريته الفقهية، والاختصار المحمود هو ذكر موضع الشاهد من الحديث تحت الباب، مع الإشارة إلى بقيته. وهذا إجماع المحدثين لتقليل التكرار، وعلى النقيض منه الاختصار المخل، وهو حذف ما يتعلق بالمعنى أو الحكم من الحديث عمداً للتلبيس. وهذا محرم.

التزم الإمام البخاري بعدة معايير فأمن من الاختصار المخل، وهذه المعايير هي:

المعيار الأول: ذكر الشاهد فقط مع إحالة ضمنية:

إذا كان الحديث طويلاً وفيه خمسة أحكام، يذكره في خمسة أبواب. لكنه لا يحذف ما يخل بالمعنى.

ومثال ذلك: حديث "إنما الأعمال بالنيات" ذكره البخاري سبع مرات. في كل مرة يذكر أوله فقط لأنه موضع الشاهد، لكنه لم يحذف كلمة تخل بالمعنى.

المعيار الثاني: التزام السياق الفقهي للترجمة:

لا يقطع الإمام البخاري الحديث ليغير معناه، بل يقطعه ليظهر المعنى الذي يريده.

ومثال ذلك: "باب: من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين".

ذكر من حديث "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" موضع الاستدلال فقط. ولم يكن في باقي الحديث ما يتعلق بالوضوء أصلاً. فلم يكن هناك إخلال.

المعيار الثالث: التكرار للاستنباط لا للحذف:

يحسب العلماء لعبقرية الإمام البخاري أنه يكرر الحديث الواحد عشر مرات، وفي كل مرة يستنبط منه حكماً جديداً.

ومثال ذلك: حديث "بني الإسلام على خمس" جاء في "كتاب الإيمان" و "كتاب الصوم" و "كتاب الحج".

المعيار الرابع: التعليق والوصل يمنع الإخلال:

كثيراً ما يعلق البخاري الحديث، ثم يصله في موضع آخر. فمن اتهمه بالبتر لم ينظر في الكتاب كاملاً.

ومثال ذلك: حديث "لا عدوى" علقه في "كتاب الطب"، ووصله في "كتاب القدر". فجمع بينهما ولم يخل.

المعيار الخامس: أمانة النقل ودقة اللفظ:

اشترط البخاري أن يكون الراوي حافظاً متقناً لما يحدِّث به من صدره، أو ضابطاً لكتابه لا يُغير فيه، وكان يحرص على تقديم الرواية بلفظ الرسول ﷺ كما وردت تماماً، والتقليل جداً من "الرواية بالمعنى" إلا لضرورة كأن كان فيها حكم وبشروط تمنع اختلال المعنى، كما كان يقسم الحديث الطويل ويروي كل جزء منه في الباب الفقهي المناسب له بدقة متناهية، دون أن يخل بالسياق العام؛ فكان يتحرى اللفظ.

وأجد من الضرورة إيراد أمثلة تطبيقية تبطل دعوى "الاختصار المخل" في صحيح البخاري لتكتمل الصورة، ويُزال الالتباس الذي يقع فيه غير المتخصص، أو الطاعن بغير فهم:

المثال الأول: حديث الجارية: "أين الله؟"

طعن فيه من طعن مدعيًا بأن البخاري بتره.

وأقول: البخاري لم يورده أصلاً في صحيحه لأنه لم يصح عنده على شرطه. فهو لم يبتر، بل نقد.

.المثال الثاني: حديث "السحر":

قالوا: لماذا ذكره البخاري؟

وأقول: لقد ذكره الإمام البخاري كاملاً في "كتاب الطب: باب السحر" و"كتاب الجزية والموادعة: باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة" و"كتاب بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده"، و"كتاب الأنبياء: موضع آخر متعلق بقصص الأنبياء والوقاية"، ولم يحذف منه شيئاً، ولأنه صح عنده سنداً وفق شروطه الصارمة في القبول، ولبيان وقوع هذا العارض البشري الدنيوي على النبي ﷺ دون أن يمس عصمته في تبليغ الوحي، فكان أن وضعه تحت تراجم تثبت أن السحر حق وأنه لا يضر إلا بإذن الله تعالى، فالتقطيع هنا تقطيع فقهي لا إخلال فيه.

المثال الثالث: أحاديث الفتن:

يذكر جزء الفتنة تحت "كتاب الفتن"، وجزء الأحكام تحت "كتاب الأحكام". وهذا من تجليات فقه الإمام البخاري في التبويب ولجوئه إلى الفصل الموضوعي القائم على فرز الأحاديث بناءً على سياقها؛ فأحاديث التحذير من الاضطرابات والتغيرات السياسية والاجتماعية تُدرج في "كتاب الفتن"، بينما أحاديث القضاء، السياسة الشرعية، والبيعة تُفرد في "كتاب الأحكام".

ولقد ذكر العلامة عبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي المكي في الفصل الثالث من كتابه: "عاداتُ الإمام البخاريِّ في صحيحه" عادات البخاري المتعلقة بالإسناد، والتي أورد بعضها موجزًا خاصةً ما يتعلق بموضوع السؤالين السابقين:

ـ أن الإمام البخاري لا يكرر الحديث بالإسناد الواحد، بل يورده لمقتضى كلِّ باب بإسنادٍ آخر... ولا يورد الحديث بإسناد واحد ومتن واحد إلاّ نادراً. (ثم ذكر اثنين وعشرين حديثاً ورد كل منها بالسند والمتن نفسه في بابين، ثم ذكر بعدها سبعة أغراض للإمام البخاري من إيراده تلك الأحاديث المكررة).ـ

ـ أن البخاري إذا روى عن شيخٍ تكلم فيه بعضُ الأئمة يقلل الرواية عنه، ويأتي بالمتابعات تقويةً لروايته.

ـ اختصار البخاري الحديث. ويكون له في ذلك أغراض.

ـ تقطيع البخاري الحديث. وذلك حيث كان الحديث مشتملاً على جُمل متعددة لا تتعلق إحداها بالأخرى.

ـ أنه إذا ورد الحديث عن غير واحد من مشايخ الإمام البخاري، فإنّ اللفظ يكون للآخِر منهم.

ـ إذا تحوّل الإمام البخاري من إسناد، ساق المتن على اللفظ الثاني.

نقل الحافظ ابن حجر في هدى الساري عن محمد بن طاهر المقدسي سبب تقطيع البخاري للحديث واختصاره في الجامع الصحيح، حيث قال: (اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه، وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلما يورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد، ولفظ واحد).

ثم قال رحمه الله تعالى: (وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه أخرى، فذلك لأن المتن كان قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض وقد اشتمل على حُكمين فصاعدًا فأنه يعيده بحسب ذلك مراعيًا عدم إخلائه من فائدة حديثية كإيراده عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك... فإن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فأنه يخرج كل جملة منها في باب مستقل فرارًا من التطويل وربما نشط فساقه بتمامه).

السبق الذي لم يُلحق بالإمام البخاري فيكمن في العبقرية الفذة التي ظهرت في "تراجم الأبواب" (العناوين)؛ فالأبواب عنده ليست مجرد فهارس، بل هي استنباطات فقهية معجزة تُبين عمق فقهه؛ إذ قام بتقطيع الحديث وتكراره في مواضع مختلفة بناءً على اللفتات الفقهية، وصاغ معلقاته وصناعة الإسناد بطريقة هندسية دقيقة عجز من جاء بعده عن محاكاتها بذات الإتقان.

لقد أثر منهج الإمام البخاري في المنهج العلمي الحديث، من حيث كتابة الحديث وتلقيه ونقد الرواة وتمحيص النقل مما جعله ينفرد بأستاذيته وريادته في هذا الميدان إلى اليوم ومما جعل الذين جاءوا بعده سواء من الشرق أو الغرب يقتبسون من منهجه و يسيرون على هديه ويأتمون برأيه وهذا ما يلاحظه الباحث المتعمق المدقق في سهولة ويسر من مجرد المقارنة البسيطة بين المنهج الأوروبي الحديث ومنهج البخاري والمحدثين من بعده كما يلاحظ الفرق الكبير والأفضلية المطلقة للمنهج الإسلامي.

وأنتهي من هذا الترحال عبر كتب ومناهج الكبار إلى القول بأن الله تعالى قد قيّض للحديث الشريف والسنة المطهرة، علماءً أفذاذًا حفظوهما من التحريف والزيادة والنقصان، فوضعوا القواعد الدقيقة لنقد الروايات وتمحيصها، عُرفت فيما بعد بعلوم الحديث. وقد تنوعت مناهج المحدثين في جمع الأحاديث وتصنيفها، إلا أنهم اشتركوا جميعًا في خدمة السنة النبوية والمحافظة عليها.

ويأتي الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في مقدمة هؤلاء العلماء، حيث ألّف كتابه الجامع الصحيح الذي حظي بمكانة عظيمة بين المسلمين، وأجمع العلماء على أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم؛ فقد تميز منهج الإمام البخاري بالدقة المتناهية التي تمثلت في اشتراط اللقيا والمعاصرة بين الرواة، والاستخارة عند وضع كل حديث، والاستنباط الفقهي عبر التراجم، إلى جانب تكرار الأحاديث للاستفادة منها في أبواب مختلفة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى