يحيى بركات - أستاذي وصديقي المخرج السينمائي مصطفى أبو علي...ابو عمار

في مثل هذا اليوم، لا أستعيد مخرجًا فلسطينيًا كبيرًا فحسب، بل أستعيد أستاذًا وصديقًا ورفيق حلم.
بعد عودتنا إلى الوطن، أسسنا، مع مجموعة من الزملاء السينمائيين الشباب، جماعة السينما الفلسطينية، وكان مصطفى أبو علي في قلب هذا المشروع. كان الحلم كبيرًا، وكان الهدف أكبر؛ أن نعيد للسينما الفلسطينية دورها، وأن نبني جيلًا جديدًا يحمل الكاميرا كما حملها الرواد الأوائل. لكن رحيله المفاجئ، وما شهدته القضية الفلسطينية من تحولات سياسية، حال دون أن نكمل المشوار الذي حلمنا به معًا.
قبل سنوات، كنت أظن أن مصطفى أبو علي يصنع أفلامًا.
ثم اكتشفت أنه كان يصنع ذاكرة شعب.
كان يعرف أن الرصاصة قد تقتل إنسانًا، لكن الصورة تستطيع أن تمنع قتل الحكاية.
لهذا، لم يحمل الكاميرا بوصفها مهنة، بل بوصفها جزءًا من المعركة. لم يكن يصوّر الفلسطيني ليُثير الشفقة، بل ليقول للعالم: هذا شعب حي، يقاوم، ويحلم، ويكتب تاريخه بنفسه.

1785449985633.png

في البدايات، كان مصطفى أبو علي، ومعه الشهيد هاني جوهرية وسلافة جاد الله، يضعون البذرة الأولى للسينما الفلسطينية في وحدة أفلام فلسطين في الأردن. لم يكونوا يؤسسون وحدة إنتاج فحسب، بل كانوا يؤسسون وعيًا جديدًا يقول إن الثورة تحتاج إلى من يحمل الكاميرا، تمامًا كما تحتاج إلى من يحمل البندقية، لأن المعركة ليست على الأرض وحدها، بل على الذاكرة أيضًا.
ثم انتقلت التجربة إلى لبنان، واتسعت الدائرة، وجاء جيل جديد واصل الطريق، وكان من بينه الشهيدان عمر مختار ومطيع إبراهيم. وهكذا لم تعد السينما الفلسطينية مشروع أفراد، بل أصبحت مسيرة كاملة، حمل فيها بعض أبنائها الكاميرا حتى اللحظة الأخيرة، ودفعوا حياتهم ثمنًا للصورة والحقيقة.
واليوم، بعد كل
1785450071314.png
هذه السنوات، لا أستحضر مصطفى أبو علي لأننا نحيي ذكرى رحيله.
أستحضره لأن الزمن عاد إلى النقطة التي بدأ منها.
نرى الصورة وهي تقاتل، والكاميرا وهي تكشف الجريمة، والعالم وهو يتغير بفعل مشهد صادق خرج من غزة، أو القدس، أو جنين.

1785450071314.png

كم كان مصطفى سيبتسم لو رأى ما يحدث اليوم.
فالرجل الذي أخرج فيلم «مشاهد من الاحتلال في غزة»، أول إنتاج لجماعة السينما الفلسطينية بعد تأسيسها في لبنان، لم يكن يصنع فيلمًا عابرًا، بل كان يوثّق منذ البدايات إحدى الجرائم التي ارتكبها الاحتلال بحق أهل غزة، ويضع أمام العالم وثيقة بصرية ستبقى شاهدة على التاريخ.
وبعد أكثر من نصف قرن، أصبح هذا الفيلم من أهم الأفلام الوثائقية الفلسطينية، ومن أبرز الأعمال التي أرّخت بصريًا لجرائم الاحتلال، لأنه لم يوثّق حدثًا عابرًا، بل وثّق بداية جريمة ما زالت فصولها تُكتب حتى اليوم.
واليوم، تخرج من غزة آلاف الصور والأفلام التي توثق فصولًا جديدة من الجريمة نفسها. وكأن الكاميرا التي حملها مصطفى أبو علي قبل أكثر من خمسين عامًا لم تتوقف يومًا، بل انتقلت من كتف مخرج إلى أكتاف شعب كامل.
لهذا أعتقد أن مصطفى، لو كان بيننا، لما انشغل بأن الفيلم الفلسطيني لم يعد يُعرض في صالات السينما فقط، بل كان سيفرح أكثر لأن غزة كلها أصبحت كاميرا، وأن الحقيقة التي دافع عنها بعدسته الأولى، يرويها اليوم ملايين الفلسطينيين بأعينهم وعدساتهم إلى العالم.
رحل الجسد في الثلاثين من تموز عام 2009...
لكن الرجل الذي قال للعالم، عبر أفلامه: «ليس لهم وجود»... كذب، نحن هنا، ما زال حاضرًا في كل صورة تنتصر للحقيقة، وفي كل كاميرا ترفض أن تصمت، وفي كل مخرج فلسطيني يؤمن أن السينما ليست ترفًا ثقافيًا، بل فعل مقاومة، وحفظًا للذاكرة، ودفاعًا عن الإنسان.
المجد لروح أستاذنا الكبير مصطفى أبو علي.
والمجد للشهيد هاني جوهرية، ولسلافة جاد الله، الذين وضعوا مع مصطفى أبو علي البذرة الأولى للسينما الفلسطينية في وحدة أفلام فلسطين.
والمجد للشهيدين عمر مختار ومطيع إبراهيم، اللذين واصلا المسيرة في مؤسسة السينما الفلسطينية، وقدما حياتهما كما قدمها المصور السينمائي المقدسي الشهيد هاني جوهرية من قبل، لتبقى الكاميرا الفلسطينية شاهدة على الحقيقة.
والمجد لكل من حمل الكاميرا دفاعًا عن فلسطين، وآمن أن السينما ليست ترفًا ثقافيًا، بل ذاكرة شعب، وشهادة على العصر، وأحد أشكال المقاومة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
30/7/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى