آمال بن الطاهر - شعرية اللاوطن اللغوي: حين يكتب الشاعر العربي بلسانٍ غير لسانه

مدخل: الشعر حين يخسر "أمّه"
ثمة سؤال نادراً ما يُطرح بالجرأة الكافية في النقد العربي: ماذا يحدث حين يُنتزع الشاعر من لغته الأم فيكتب قصيدته - أخصّ لحظاته الوجودية - بلغة غريبة عنه، اكتسبها استعماراً أو منفى أو تعليماً مدرسياً قسرياً؟ هل تبقى القصيدة "عربية" وهي مكتوبة بالفرنسية أو الإنجليزية؟ وهل يمكن الحديث عن "شعرية عربية" تتجاوز حدود اللسان العربي ذاته؟
هذه الظاهرة - التي نقترح تسميتها "اللاوطن اللغوي" (بالفرنسية يقابلها مفهوم يقترب من "منزوعية الانتماء اللغوي") تمييزاً لها عن مصطلح "أدب المهجر" الأكثر شيوعاً وأقل دقة، لأن الأخير يفترض هجرة جغرافية بينما موضوعنا هو هجرة داخل اللغة ذاتها - لا تتعلق بمجرد ثنائية لغوية عابرة، بل تكشف عن صدع أنطولوجي في علاقة الشاعر بلغته: اللغة عنده ليست وطناً مستقراً بل منفى دائم التجدد، حتى حين يكتب بالعربية نفسها.
أولاً: الإطار النظري
دريدا: اللغة الوحيدة التي ليست لي
يفتتح جاك دريدا كتابه "أحادية اللغة للآخر" (Le Monolinguisme de l'autre، 1996) بجملة أصبحت مرجعاً لكل نقاش لاحق في هذا الحقل: أنه لا يملك سوى لغة واحدة، وهذه اللغة ليست ملكه. والكتاب - كما يوضح النقد الفرنسي المتخصص فيه - ليس نصاً فلسفياً مجرداً، بل شهادة شخصية على تجربة التطبّع الثقافي القسري التي عاشها دريدا طفلاً في الجزائر الفرنسية، حيث وجد نفسه ممزقاً بين الرغبة في استعادة لغة أصلية "مفقودة" (العربية أو العبرية اللتين لم تُعلَّما لعائلته يهودية الجزائر) وبين إتقان لغة المستعمِر.
والأخطر من ذلك سيرياً: أن عائلة دريدا، اليهودية الجزائرية، أصبحت فرنسية الجنسية بمرسوم كريميو 1870، ثم جُرّدت من هذه الجنسية أثناء حكم فيشي، لتستعيدها بعد التحرير 1945 - أي إن دريدا عاش، من سن التاسعة إلى الرابعة عشرة، بلا جنسية رسمية، بينما ظلت الفرنسية لغته الوحيدة الممكنة. هذه السيرة بالذات - لا الفلسفة المجردة - هي ما يمنح أطروحته ثقلها: أن "أحادية اللغة" ليست خياراً بل قدراً مفروضاً حتى على من يبدو، ظاهرياً، متحدثاً "طبيعياً" بلغة واحدة.
كيليطو: قلق معكوس
في المقابل، يقدّم عبد الفتاح كيليطو المغربي في كتابه "لن تتكلم لغتي" (2002) - وهو أحد أهم النصوص العربية في هذا الحقل - زاوية مختلفة تماماً عمّا هو متوقّع، وتستحق التصحيح: الكتاب لا يتناول قلق الكاتب الذي يُنتزع من لغته، بل القلق المعاكس: انزعاج المتكلم الأصلي حين يتقن الغريب لغته هو. يفتتح كيليطو كتابه باعتراف صادم بأنه اكتشف في نفسه، بالرغم من انفتاحه الظاهري، كراهية أن يتحدث الأجانب لغته العربية بطلاقة؛ وكأن إتقان الآخر للغتك يهدد ما تبقى لك من تفرّد. هذا القلق المعكوس يضيء الجانب الآخر من ظاهرة اللاوطن اللغوي: فحين يتقن الشاعر لغة أخرى حدّ الإبداع بها، فهو أيضاً يمارس - من موقع الطرف الآخر – الفعل نفسه الذي يقلق منه كيليطو، أي اختراق حمى لغة ليست "ملكه" أصلاً بالحيازة النسبية.
ثانياً: الأنموذج الغربي
جوزيف كونراد: الغربة كوعي مضاعف باللغة
يمثّل جوزيف كونراد - البولندي الذي كتب رواياته الكبرى بالإنجليزية، لغته الثالثة بعد البولندية والفرنسية - الأنموذج التأسيسي الأشهر لهذه الظاهرة في الأدب الحديث. لم يتعلّم كونراد الإنجليزية إلا في العشرينات من عمره، بحراً، أثناء عمله في البحرية التجارية البريطانية، وكتب بها بوعي متكلّف نادراً ما يملكه الناطق الأصلي بها - وكأن الغربة عن اللغة تنتج حساسية مضاعفة تجاه كل كلمة، بعكس الطلاقة الغريزية غير الواعية لمن وُلد داخل اللغة.
صمويل بيكيت: التطهر الأسلوبي الطوعي
الحالة الأكثر توثيقاً؛ هي حالة صمويل بيكيت، الإيرلندي الذي انتقل بعد الحرب العالمية الثانية من الكتابة بالإنجليزية (لغته الأم) إلى الفرنسية، مصرّحاً في أكثر من مناسبة أن الفرنسية أتاحت له الكتابة "بلا أسلوب" (sans style)، بمعنى: تجرّداً من الزخرفة اللغوية الغريزية التي تفرضها اللغة الأم. وفي رسالة مبكرة إلى صديقه أكسل كاون عام 1937، وصف بيكيت لغته الإنجليزية الأم بأنها أصبحت أشبه بحجاب لا بد من تمزيقه للوصول إلى ما وراءه، معتبراً القواعد والأسلوب عبئاً لا ضرورة له. هنا الاغتراب اللغوي طوعي بالكامل واستراتيجية جمالية محضة: التخلي عن سهولة اللغة الأم بحثاً عن دقة تعبيرية أشد تقشفاً، وهو ما ترجمه بيكيت لاحقاً بترجمة أعماله بنفسه من الفرنسية إلى الإنجليزية، محافظاً على هذا التوتر البنيوي بين اللغتين طوال مسيرته.
هذا الأنموذج البيكيتي - الاغتراب اللغوي الطوعي بوصفه أداة تطهير جمالي لا مأساة هوياتية مفروضة - نادراً ما يُستحضر في النقد العربي، بالرغم من أنه يوفر مفتاحاً مقارناً حاسماً لفهم حالات عربية سنأتي عليها، والتي غالباً ما تكون معكوسة الدافع تماماً.
ثالثاً: القصيدة العربية المكتوبة باللسان الآخر
إتيل عدنان: حين تُمنع اللغة الأم مدرسياً
لم يكن الأمر لدى إتيل عدنان (1925-2021) مجرد "فراغ لغوي ثلاثي" عفوي، بل قمع مباشر. وُلدت عدنان في بيروت لأب سوري مسلم وأم يونانية من إزمير، وكانت تتحدث اليونانية والتركية في البيت والعربية في الشارع، لكنها التحقت في سن الخامسة بمدرسة كاثوليكية فرنسية كانت الراهبات فيها تمنع تعليم العربية، بل تعاقب من يتحدث بها. هذا المنع المؤسسي - لا الصدفة - هو ما جعل إتيل، بحسب شهادتها الصريحة في مقالها "الكتابة بلغة أجنبية"، عاجزة عن كتابة الشعر بالعربية بالرغم من افتتانها بها، فتحوّلت العربية عندها، على حد تعبيرها، إلى أسطورة وفردوس مفقود.
لجأت إتيل إلى الرسم بوصفه - كما صرّحت حرفياً - محاولة لأن "ترسم بالعربية" بعدما تعذّرت عليها الكتابة بها؛ أي إن اللوحة لم تكن تعويضاً جمالياً عابراً، بل ترجمة حرفية لرغبة محبَطة في الانتماء اللغوي. واللافت أن ديوانها الأهم "سفر الرؤيا العربية" (The Arab Apocalypse) صدر أولاً بالفرنسية عام 1980 بعنوان "القيامة العربية" (L'Apocalypse arabe)، ثم ترجمته إتيل بنفسها إلى الإنجليزية عام 1989 - وهي حالة ترجمة ذاتية تُضاف إلى حالة بيكيت، لكن بدافع معكوس تماماً: عند بيكيت الترجمة الذاتية حفاظ على توتر جمالي مقصود، وعند إتيل محاولة لإعادة تدوير نص وُلد من إحباط لغوي أصلي عبر لغة ثالثة (فالفرنسية عندها ليست أماً بل أيضاً مكتسَبة قسراً، والإنجليزية لغة رابعة اكتسبتها لاحقاً في أمريكا).
عبد اللطيف اللعبي: الفرنسية غنيمة ومنفى في آن
يقدّم عبد اللطيف اللعبي (مواليد فاس، 1942) أنموذجاً معاكساً في الدافع: فهو لم يختر الفرنسية تطهراً أسلوبياً كبيكيت، بل ورثها استعماراً عبر التعليم الفرنسي في المغرب، ثم اعتُقل عام 1972 بسبب نشاطه السياسي ومجلته "أنفاس"، وحُكم عليه بالسجن سنوات طويلة (تتراوح الروايات بين ثماني وعشر سنوات) لم يخرج منها إلا عام 1980 إثر حملة تضامن دولية واسعة. كتابه "يوميات قلعة المنفى" (رسائل السجن 1972-1980) يوثّق كيف استمر اللعبي في الكتابة بالفرنسية من داخل الزنزانة، محوّلاً - كما وصف ذلك ناقد عربي بدقة بالغة - لغة السجّان نفسها إلى "غنيمة ومنفى في الوقت نفسه". هذه الصيغة المزدوجة تلخّص المفارقة العربية الأعمق: اللغة التي فُرضت أداة إخضاع، تُستعاد أداة مقاومة، من دون أن تتوقف عن كونها - في الوقت ذاته - منفى دائماً لا يُشفى منه.
واللافت أن اللعبي نفسه أشار في حوارات إلى أن مرجعياته الشعرية الحميمة لم تكن فرنسية خالصة، بل امتدت نحو غارثيا لوركا وناظم حكمت ويانيس ريتسوس ومايكوفسكي - شعراء يكتبون بلغات أخرى غير الفرنسية عانوا بدورهم من علاقات ملتبسة بالسلطة واللغة، وكأن اللعبي وجد في هذا التضامن العابر للغات أرضاً بديلة عن الانتماء الأحادي.
سلمى الجيوسي وأدونيس: الترجمة الذاتية التأليفية
ظاهرة أخف حدة لكنها أوسع انتشاراً: شعراء يكتبون بالعربية لكنهم يتدخلون بدقة استثنائية في ترجمة قصائدهم، فتصبح النسخة الأجنبية نصاً موازياً لا تابعاً محضاً. تعاون أدونيس الطويل مع مترجميه ومحرريه الفرنسيين حول أعماله (وبينهم أندريه ميكيل)، إذ كثيراً ما شارك في مراجعة الصياغة الفرنسية النهائية، هو حالة تستحق مصطلحاً خاصاً: الترجمة الذاتية التأليفية، حيث يتحول المترجَم إليه شريكاً في إعادة الخلق لا ناقلاً محايداً - وهي ظاهرة تستدعي بدورها حالة إتيل عدنان المذكورة سلفاً، إذ الإثنان يمارسان الفعل نفسه لكن من اتجاهين متعاكسين: أدونيس من العربية نحو الفرنسية، وإتيل من الفرنسية نحو الإنجليزية بحثاً عمّا يعوّض غياب العربية.
رابعاً: حين تصبح العربية ذاتها لغة أخرى
اللافت أن ظاهرة اللاوطن اللغوي لا تقتصر على من يكتب بغير العربية، بل تتجلى - بحدّة أعمق أحياناً - عند شعراء يكتبون بالفصحى وهي ليست لغتهم الأولى فعلياً، أي لغتهم الأصلية عرقياً أو طائفياً (الآشورية، الأمازيغية، الكردية).
سركون بولص (1944-2007)، العراقي المولود في الحبانية والمنحدر من خلفية آشورية-سريانية، يمثّل هذا الأنموذج بدقة: هاجر إلى أمريكا عام 1969 بعد رحلة سيراً على الأقدام عبر الصحراء وصولاً إلى بيروت في 1966، حيث توجّه مباشرة إلى المكتبة الأمريكية طلباً لأعمال ألن غينسبرغ وجاك كرواك - أي إن افتتانه بشعراء البيت الأمريكيين (Beat Generation) سبق إقامته في أمريكا فعلياً. حين كتب بولص بالعربية، كتب بلغة مكتسَبة بالنسبة لتكوينه العرقي، محمّلة بإيقاعات وتقنيات إنجليزية-أمريكية مضمرة (الجملة القصيرة، الحذف، الإيجاز التصويري)، لتنتج عربية مهجَّنة من الداخل لا تحتاج الخروج من اللسان العربي لتكون "لاوطنية" لغوياً - وهو ما يجعله حالة أكثر تطرفاً من أدونيس نفسه في هذا السياق تحديداً، لأن التهجين عند بولص بنيوي في نسيج الجملة لا في موضوعها فقط.
خامساً: القصيدة كأرض بلا جنسية - الإطار الفلسفي الختامي
تقدّم جوليا كريستيفا - البلغارية التي كتبت بالفرنسية - في كتابها "غرباء عن أنفسنا" (Étrangers à nous-mêmes، 1988) أطروحة تصلح إطاراً ختامياً لكل ما سبق: الغريب ليس بالضرورة من يعيش خارج حدود بلده، بل من يكتشف أن داخل ذاته حدوداً لا تُرى؛ أن الغربة ليست جغرافية بالضرورة بل بنيوية في تكوين الذات الناطقة ذاتها. وهذا يفسّر تحديداً لماذا لا يشفى الشاعر "اللاوطني لغوياً" من غربته حتى حين يعود إلى الكتابة بلغته الأصلية - أدونيس ذاته، بالرغم من كتابته المستمرة بالفصحى طوال عقود، وصف نفسه أكثر من مرة بأنه غريب داخل لغته، ساعياً إلى تفجيرها من الداخل لأنها - في نظره - لغة استُهلكت رسمياً ودينياً وسياسياً حتى فقدت طزاجتها الأصلية.
خاتمة: من فقدان اللغة إلى تعدد الأوطان
الخلاصة الأعمق التي تفضي إليها مقاربتنا البحثية هي أن التصنيف الثنائي البسيط (شاعر عربي / شاعر مكتوب بلغة أخرى) يُخفي أكثر مما يكشف، بل ويُخفي تبايناً جوهرياً في الدافع يستحق أن يكون معياراً نقدياً مستقلاً بذاته:
• تطهر أسلوبي طوعي (بيكيت): مغادرة اللغة الأم بحثاً عن تقشف تعبيري.
• قمع مؤسسي قسري (إتيل عدنان): منع من ممارسة اللغة الأم أصلاً.
• استعادة مقاومة (اللعبي): تحويل لغة المستعمِر نفسها إلى سلاح.
• تهجين بنيوي داخلي (بولص): كتابة اللغة "الرسمية" بإيقاع لغة أخرى مضمرة دون مغادرة الحروف العربية نفسها.
• شراكة تأليفية في الترجمة (أدونيس): تمديد النص الأصلي إلى لغة ثانية بوصفها امتداداً لا نقلاً.
هذه الخريطة الخماسية تقترح أن القصيدة الحديثة - عربية أو غربية - لم تعد تفترض لغة أماً مستقرة تنبثق منها، بل باتت هي ذاتها فعل بناء وطن لغوي مؤقت، يُشيَّد بيتاً بيتاً مع كل قصيدة، ويُهدَم أو يُعاد بناؤه من جديد مع القصيدة التالية.

آمال بن الطاهر
أستاذة باحثة من المغرب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى