د. عبدالسلام الصديقي - المغرب في عالم يعاد تشكيله: أية استراتيجية جيوسياسية؟

يشهد العالم مرحلة من التحولات العميقة. فالنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تعزز عقب انهيار الكتلة السوفياتية، أصبح اليوم عرضة لاهتزازات قوية. وعادت موازين القوى لتحتل صدارة المشهد، وتحولت المنافسات الاقتصادية إلى رهانات استراتيجية، وأخذت التحالفات تعيد تشكيل نفسها، فيما استعادت السيادة، التي اعتقد البعض أن العولمة قد تجاوزتها، مكانتها المركزية.
وفي ظل هذه البيئة المضطربة والمطبوعة بعدم اليقين، يطرح سؤال نفسه بشكل طبيعي بالنسبة للمغرب: أية استراتيجية جيوسياسية ينبغي اعتمادها للدفاع عن مصالحه، وتعزيز نفوذه، والأهم من ذلك، الحفاظ على استقلالية قراره؟
لطالما عُرّفت الجيو
سياسة باعتبارها دراسة علاقات القوة في ارتباطها بالمجالات الترابية والسكان والموارد والمناطق الاستراتيجية. وتحتل الجغرافيا فيها، بالضرورة، مكانة مهمة: موقع البلد، وحدوده، وولوجُه إلى البحار، وموارده الطبيعية، ومحيطه الإقليمي، ومسالكه التجارية. غير أن الجغرافيا لا تحدد بصورة آلية مصير الأمم. فقد يشكل الموقع الجغرافي قيداً، كما قد يتحول، على العكس من ذلك، إلى رصيد بالغ الأهمية، بحسب قدرة الدولة على تحويله إلى ميزة استراتيجية.
غير أن الجيوسياسة المعاصرة تجاوزت بكثير حدود الجغرافيا الطبيعية. فالقوة باتت تقاس أيضاً بالقدرات الاقتصادية والتكنولوجية والمالية، وبالتحكم في الطاقة والبيانات والبنيات التحتية وسلاسل الإمداد. وإلى جانب الدول، برزت الشركات متعددة الجنسيات، والصناديق السيادية، والمنصات الرقمية الكبرى، والعديد من الفاعلين العابرين للحدود. ومع ذلك، وفي مفارقة من مفارقات عصرنا، تعود الدولة بقوة إلى الواجهة، بعدما كان يُعتقد أن العولمة ستؤدي إلى تقليص دورها.
وهكذا يستعيد سؤال قديم كامل راهنيته: هل يمكن تنظيم العالم أساساً بواسطة القانون والمؤسسات الدولية والتعاون، أم أنه يظل، في جوهره، محكوماً بموازين القوى؟ إن أحداث السنوات الأخيرة تمنح، للأسف، زخماً جديداً لهذه القراءة الثانية.

أخبارالمغرب اليوم

عالم يتحول فيه الاقتصاد إلى جيوسياسة

سيكون من الاختزال اختصار الوضع الراهن في مجرد تراكم للأزمات: أوكرانيا، الشرق الأوسط، الساحل، البحر الأحمر… فخلف هذه الصراعات يجري تحول أعمق يتمثل في إعادة تشكيل هرمية النظام العالمي.
لا تزال الولايات المتحدة القوة العالمية الأولى، غير أن تفوقها أصبح موضع منافسة، أساساً من جانب الصين. وفي موازاة ذلك، تبرز الهند وتركيا ودول الخليج والبرازيل، إلى جانب قوى متوسطة مختلفة تسعى إلى الحفاظ على هامش حريتها في التحرك. كما ينتقل مركز ثقل الاقتصاد العالمي تدريجياً نحو آسيا، في حين يطالب «الجنوب العالمي»، رغم ما يكتنف هذا المفهوم من عدم دقة، بدور أكبر في تدبير شؤون العالم.
وهكذا ندخل نظاماً يتجه أكثر فأكثر نحو تعددية الأقطاب، من دون أن يعني ذلك بالضرورة مزيداً من الاستقرار. بل قد تؤدي هذه التعددية، على العكس، إلى مضاعفة التنافسات، وجعل التحالفات أكثر تقلباً، وزيادة منسوب عدم اليقين.

العولمة لا تختفي، بل تغير طبيعتها.

فعلى مدى عقود، هيمن على تنظيم الاقتصاد العالمي هاجس الفعالية: الإنتاج حيث تكون الكلفة أقل، والشراء من المورد الأكثر تنافسية، وتوزيع سلاسل الإنتاج على مختلف أنحاء العالم. أما اليوم، فقد برز انشغال آخر يفرض نفسه بقوة: الأمن.
لم يعد البلد يسأل فقط أين يمكنه الشراء بأقل كلفة، بل أصبح يتساءل عما إذا كان سيتمكن من مواصلة التزود بحاجياته في أوقات الأزمات. وهذا ما يفسر عودة النزعات الحمائية، وإعادة توطين الأنشطة الإنتاجية، واعتماد سياسة نقل سلاسل التوريد نحو الدول الصديقة (friend-shoring)، وخاصة السعي إلى تحقيق السيادة في القطاعات الاستراتيجية. فأشباه الموصلات، والمعادن النادرة، والطاقة، والأدوية، والغذاء، والبطاريات، والذكاء الاصطناعي، والبنيات التحتية الرقمية، والكابلات البحرية، كلها أصبحت أدوات للقوة والنفوذ.

المغرب: اختيار الشركاء دون اختيار المعسكر

أخبارالمغرب اليوم

في هذا العالم يتعين على المغرب أن يحدد استراتيجيته. وهو يتوفر على ميزة بالغة الأهمية تتمثل في موقعه الجغرافي. فالمملكة، باعتبارها إفريقية ومتوسطية وأطلسية وعربية في آن واحد، وقريبة من أوروبا، ومتموقعة على مقربة مباشرة من مضيق جبل طارق، ومرتبطة تاريخياً بالولايات المتحدة، توجد في ملتقى عدة فضاءات استراتيجية.

غير أن الجغرافيا لا تنتج القوة بصورة تلقائية. إذ يتعين معرفة كيفية تحويل الموقع الجغرافي إلى رأسمال جيوسياسي. ومن هنا يبرز سؤال أساسي: في عالم تشتد فيه المواجهة بين القوى الكبرى، هل يتعين على المغرب أن يختار معسكراً؟ على الأرجح لا.
وهذا لا يعني الحياد ولا الوقوف على مسافة واحدة من الجميع. فللمغرب تحالفات تاريخية وشراكات متميزة لا يوجد ما يدعوه إلى إعادة النظر فيها. غير أن هذه التحالفات ينبغي ألا تمنعه من تنويع علاقاته بما ينسجم مع مصالحه الوطنية.
ويمكن تلخيص هذه العقيدة في كلمات قليلة: تحالفات متينة، وشراكات متنوعة، واستقلالية استراتيجية مصونة.
ولا يتعلق الأمر بالعودة إلى عدم الانحياز بمفهومه التقليدي، بقدر ما يتعلق باعتماد «تعدد اصطفاف براغماتي»: علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وترابط اقتصادي مع أوروبا، وتعميق التجذر الإفريقي، وشراكة استراتيجية مع الصين، وعلاقات وثيقة مع دول الخليج، وانفتاح على باقي القوى الصاعدة.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لم يعد هو: «أي معسكر نختار؟»، بل أصبح: كيف يمكن أن نصبح مفيدين بالقدر الكافي لعدة شركاء حتى لا نعتمد حصرياً على أي واحد منهم؟
وفي إطار هذه الاستراتيجية، ينبغي أن تحتل إفريقيا مكانة مركزية. فهي تمثل أحد أهم الأعماق الاستراتيجية للمملكة. ويتوفر المغرب على مقومات تؤهله لكي يعزز أكثر دوره كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا، وبين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وبين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء.
وتكتسي الواجهة الأطلسية، في هذا السياق، أهمية خاصة. فالموانئ والبنيات التحتية واللوجستيك والطاقة والتمويل والتعاون مع بلدان غرب إفريقيا، كلها عناصر يمكن أن تحول المعطى الجغرافي إلى مشروع جيوسياسي حقيقي. ولذلك، يتعين على المغرب أن يفكر في مستقبله ليس فقط من خلال علاقاته بالقوى الكبرى، وإنما أيضاً انطلاقاً من الفضاء الإقليمي الذي يمكنه المساهمة في هيكلته.

أخبارالمغرب اليوم

القوة تبدأ أيضاً، وقبل كل شيء، من الداخل

غير أن هذا الطموح الخارجي يظل رهين شرط أساسي: فلا يمكن أن تكون الاستقلالية الدبلوماسية مستدامة من دون قدر كاف من الاستقلالية الاقتصادية.
فالبلد الذي يعتمد بشكل كبير على الخارج في طاقته وغذائه وتكنولوجياته وتمويله أو دفاعه، قد يعلن سيادته، لكن عندما تندلع أزمة خطيرة، سرعان ما تؤدي تبعياته إلى تقليص هامش تحركه بشكل حاد. ولذلك، تصبح السيادة الغذائية والطاقية والصناعية والتكنولوجية والرقمية والمالية شرطاً مادياً للاستقلالية الجيوسياسية.

غير أن هناك سيادة أخرى، غالباً ما تحظى باهتمام أقل، رغم أنها أساسية: السيادة البشرية والاجتماعية.
فقوة أي بلد لا تقاس فقط ببنياته التحتية، أو صادراته، أو استثماراته الدولية، أو قدراته الدفاعية. بل تعتمد أيضاً على مقدار الثقة التي يضعها مواطنوه، ولا سيما شبابه، في مستقبلهم داخل وطنهم.
وقد جاءت الأحداث الأخيرة في سبتة لتذكرنا بهذه الحقيقة بشكل صادم. فالتفسيرات التي قدمتها السلطات بشأن دور شبكات التواصل الاجتماعي، والمعلومات المضللة، والشبكات التي تستغل الراغبين في المغادرة، تساعد على تفسير جانب من الظاهرة. لكنها لا تكفي للإجابة عن سؤال أعمق بكثير: لماذا كان هذا العدد الكبير من الشباب مستعداً لترك كل شيء بمجرد أن اعتقد أن باباً نحو أوروبا قد فُتح أمامه؟
لا ينبغي أن يقودنا هذا التساؤل إلى إطلاق الأحكام السهلة أو استخلاص نتائج متسرعة. بل يتعين أن يدفعنا إلى مواجهة المشكلة كما هي: فالشباب الذي لا يستطيع أن يتصور مستقبله داخل بلده يمثل خسارة بشرية واقتصادية، وفي نهاية المطاف، استراتيجية
لذلك، ينبغي أن يصبح التشغيل والإدماج الاجتماعي أولوية وطنية مطلقة. فلم يعد يكفي إعلان ضرورة خلق فرص الشغل، بل يتعين تحديد الأنشطة القادرة على إحداثها بأعداد كبيرة وبصورة مستدامة، وملاءمة التكوين مع الحاجيات الفعلية والمستقبلية للاقتصاد.
ويجب وضع المقاولات الصغرى والمتوسطة في صلب هذه الاستراتيجية. فالاستثمارات الصناعية الكبرى ضرورية، لكنها لا تستطيع وحدها استيعاب الوافدين الجدد على سوق الشغل. ومن شأن نسيج كثيف من المقاولات الصغرى والمتوسطة، موزع بصورة أفضل على مختلف جهات البلاد، أن يساهم بشكل أكبر في تحقيق نمو غني بفرص الشغل.
كما يستحق نظام المقاول الذاتي مزيداً من التشجيع، شريطة ألا يتحول إلى مجرد تسمية أخرى للهشاشة. فالتمويل والمواكبة والتكوين والتبسيط الإداري ينبغي أن تتيح للمبادرة الفردية أن تصبح مساراً حقيقياً للإدماج، وبالنسبة للبعض، خطوة أولى نحو إنشاء مقاولة.
وتوجد أيضاً مكامن جديدة لفرص الشغل في الأنشطة ذات المنفعة الاجتماعية العالية: مواكبة المسنين أو الأشخاص في وضعية تبعية، ومساعدة الفئات الهشة، ورعاية الطفولة المبكرة، والدعم المدرسي، والبيئة، وخدمات القرب.
ويشكل المجال الرقمي بدوره قطاعاً واعداً يتمتع فيه الشباب المغربي بمؤهلات خاصة. فالخدمات الرقمية، والبرمجة، والأمن السيبراني، والتجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والعمل عن بعد، تفتح اليوم أسواقاً تتجاوز الحدود الوطنية.
غير أن هذه
السياسة تفترض إحداث تحول في منظومة التكوين. إذ ينبغي الانطلاق بدرجة أكبر من حاجيات الاقتصاد لتحديد الكفاءات المطلوب تكوينها، بدلاً من تكوين أشخاص دون معرفة الآفاق المهنية التي يمكن أن تتاح لهم لاحقاً. ولذلك، يتعين على المقاولات والجامعات ومؤسسات التكوين المهني والجهات والسلطات العمومية أن تطور فيما بينها حواراً أكثر كثافة وتنسيقاً.

شواطئوجزر

وفي نهاية المطاف، يتجاوز الرهان مجرد

سياسة التشغيل، ليمس التماسك الوطني نفسه. فالاستقلالية الاستراتيجية في الخارج تفترض تماسكاً استراتيجياً في الداخل.

مؤسسات في مستوى طموحات البلاد

تكتسي هذه الضرورة دلالة خاصة مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة. وليس المقصود هنا العودة إلى نقاش انتخابي انطلق على نطاق واسع. غير أن العالم الصعب الذي يرتسم أمامنا يتطلب أيضاً مؤسسات تمثيلية تكون في مستوى طموحات المغرب.
إن الممارسات التي أفسدت، في كثير من الأحيان، المنافسة الانتخابية ــ الاستعمال المكثف للمال، والزبونية، واستغلال الفقر والهشاشة الاجتماعية ــ ينبغي أن تصبح جزءاً من الماضي. وتتحمل الإدارة، سواء على المستوى المركزي أو الترابي، مسؤولية أساسية في هذا الصدد: ضمان نزاهة الاقتراع، وتكافؤ الفرص، وصدق اختيار المواطنين.
وما يحتاجه البلد، قبل كل شيء، هو ممثلون يتحلون بحس الدولة، ويدركون التحولات التي يشهدها العالم، وقادرون على الدفاع عن المصالح العليا للأمة، وحريصون، في الوقت نفسه، على خدمة السكان الذين وضعوا ثقتهم فيهم بما يليق بهذه الثقة.
وقد أعرب خطاب العرش الأخير، في هذا الصدد، عن التطلع إلى أن تشكل المرحلة التي ستلي الانتخابات التشريعية المقبلة وتشكيل حكومة جديدة بداية «مرحلة جديدة في مسارنا التنموي». وتكتسي هذه الآفاق دلالة خاصة في ظل السياق الدولي الراهن، وأمام تطلعات الشباب المغربي.
وفي نهاية المطاف، لا تبدأ الجيوسياسة عند الحدود فقط. فكلما آمن شباب بلد ما بقدرته على بناء مستقبله داخل وطنه، ازدادت قوة ذلك البلد ومناعته في العالم.

عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى