بين الانسحاب والشطب.. قرار سامي أبو شحادة بين الحساب القانوني والسياسي

بين الانسحاب والشطب.. قرار سامي أبو شحادة بين الحساب القانوني والسياسي

بقلم: المحامي علي ابوحبله

أثار قرار سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، سحب ترشحه للكنيست، في أعقاب جلسة المحكمة العليا الإسرائيلية، نقاشاً سياسياً وقانونياً واسعاً حول ما إذا كان الانسحاب يمثل تراجعاً أمام قرار الشطب، أم أنه كان خياراً تكتيكياً فرضته معطيات المعركة القضائية.

وبحسب التطورات التي سبقت القرار، كانت لجنة الانتخابات المركزية قد قررت شطب ترشح أبو شحادة، قبل أن يصل الملف إلى المحكمة العليا للنظر في الطعن. وفي جلسة الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أُبلغ أبو شحادة بأن أغلبية القضاة تتجه إلى تثبيت قرار الشطب، ما وضعه أمام خيارين: الاستمرار حتى صدور الحكم، أو سحب الترشح قبل صدوره.

من الناحية القانونية، لا ينبغي الخلط بين الانسحاب الطوعي وبين الشطب القضائي. فاستمرار أبو شحادة في القضية حتى صدور حكم نهائي كان يمكن أن يؤدي إلى تثبيت قرار الشطب بحكم قضائي، بما يضع حداً للمعركة الانتخابية ويترك أثراً قانونياً وسياسياً يتجاوز هذه الانتخابات. أما الانسحاب، فقد أنهى ترشحه دون صدور حكم نهائي في أصل النزاع، وهو فارق لا يخلو من أهمية في أي قراءة قانونية مستقبلية.

وفي المقابل، فإن الاستمرار في الطعن كان يمكن أن يتيح خوض مواجهة قضائية كاملة حول تفسير القيود المفروضة على حق الترشح وحرية التعبير السياسي، ولا سيما في ضوء المادة السابعة «أ» من القانون الأساسي: الكنيست، وما أثارته القضية من أسئلة حول الحدود الفاصلة بين الموقف السياسي وبين ما يمكن اعتباره دعماً للكفاح المسلح.

ومن هنا، فإن تقييم القرار باعتباره «خطأ» يحتاج إلى تحديد الهدف. فإذا كان الهدف هو خوض المعركة الانتخابية حتى نهايتها مهما كانت النتيجة، فإن الانسحاب يعني فقدان فرصة الترشح. أما إذا كان الهدف هو تجنب صدور حكم قضائي نهائي بالشطب، والحفاظ على هامش أوسع للتحرك السياسي والقانوني، فإن القرار يمكن فهمه باعتباره انسحاباً تكتيكياً لا تراجعاً عن الموقف السياسي.

والأهم أن أبو شحادة لم يعلن، وفق ما صدر عن التجمع، التخلي عن قيادة الحزب أو عن نشاطه السياسي، بل أكد استمرار دوره السياسي. وهذا يعني أن المعركة لم تنتهِ بانتهاء الترشح الشخصي، وإنما انتقلت من ساحة الانتخابات إلى ساحة أوسع تتصل بحق التمثيل السياسي وحرية التعبير والمشاركة الديمقراطية.

وتكتسب القضية بعداً أوسع في ظل شطب ترشيحات وقوائم عربية أخرى، الأمر الذي يجعلها تتجاوز شخص أبو شحادة إلى نقاش دستوري وسياسي حول مكانة المواطنين العرب في النظام السياسي الإسرائيلي، وحدود استخدام آليات الشطب الانتخابي.

وفي الحساب الاستراتيجي، ربما كان التحدي الحقيقي أمام أبو شحادة هو كيفية تحويل قرار الانسحاب من نهاية للمعركة إلى بداية لمعركة قانونية وسياسية أكثر اتساعاً، من خلال توثيق حيثيات الشطب، واللجوء إلى الأطر القضائية والحقوقية المتاحة، والدفاع عن مبدأ التمثيل السياسي وحرية التعبير وفق القواعد القانونية ذات الصلة.

وعليه، فإن القول إن سامي أبو شحادة «أخطأ» بالانسحاب يبدو تبسيطاً لمسألة مركبة. فالقرار جاء في ظرف قضائي محدد، وبعد إشارة واضحة إلى اتجاه أغلبية المحكمة نحو تثبيت الشطب. وقد يكون ثمنه السياسي فقدان فرصة الترشح، لكنه في المقابل تجنب صدور حكم نهائي في القضية ذاتها.

ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع التجمع الوطني الديمقراطي تحويل هذه الواقعة إلى نقاش قانوني وسياسي حول حق المشاركة والتمثيل وحرية التعبير، أم تبقى مجرد واقعة انتخابية عابرة؟

في نهاية المطاف، لا تقاس أهمية القضية بشخص المرشح وحده، وإنما بما تتركه من أثر على مستقبل المشاركة السياسية العربية، وعلى حدود الحق في الترشح والتعبير، وعلى قدرة المؤسسات الديمقراطية والقضائية على حماية التعددية السياسية في مجتمع متعدد الهويات والمواقف.

المحامي علي أبوحبلة

باحث في القانون – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى