بعدما أغلقتُ باب المكتبة وأطفأتُ الأنوار الرئيسية، سمعتُ جلبة ونقاشا حادا يخرج من جناح الرواية العربية والمترجمة.
تسللتُ مستطلعا، وصدمتُ بمشهد لا يصدقه عقل: أربع شخصيات تاريخية بارزة خَرَجَت من بين أوراق الروايات، واجتمعت حول مائدة مستديرة في زاوية القراءة!
كانوا يتجادلون، وبدا أنهم ضاقوا ذرعا بـسجونهم الورقية.
إليكم ما دار في هذا الحوار الافتراضي الهزلي والعجيب:
- عمر الخيام (ينفض غبار التاريخ عن ثيابه، ممسكا بكتاب ضخم): أف! نجدة يا قوم! لقد حشرني أمين معلوف في رواية "سمرقند" لأكثر من ثلاثمائة صفحة! نصف الرواية يتحدث عن غرامياتي، وعن مخطوطة رباعياتي التي ضاعت في سفينة "تيتانيك"! هل يُعقل أن تنتهي أفكاري غرقى مع الأثرياء؟ أنا عالم فلك ورياضيات يا ناس، ولستُ غريقا في المحيط!
- جلال الدين الرومي (يبتسم بهدوء صوفي، ويدور حول نفسه دورة خفيفة): هون عليك يا خيام ، الحب هو الجواب، انظر إليّ، لقد جعلتني إليف شافاك في "قواعد العشق الأربعون" أتحول من فقيه رصين إلى عاشق هائم، بسبب درويش مجنون اسمه شمس التبريزي!
الرواية جعلتني "تريند" عالمي، لكن المشكلة أن القراء تركوا كل قواعدي الأربعين، وتفرغوا لمتابعة قصة حب "إيلا" الأمريكية الخائنة مع الكاتب "عزيز"! تبا، أين التصوف في هذا؟ .
- أبو حامد الغزالي (يعدل عمامته بغضب، ويمسك بقلم ريشة): أنتما تشتكيان؟ ماذا أقول أنا إذن؟ لقد وظفني أحمد فال ولد الدين في رواية "دانشمند" ! ، صوّرني وأنا أعيش محنة الشك الفكري الشديد، أتنقل بين بغداد ودمشق ونيسابور، أترك التدريس والجاه لأتحول إلى متصوف زاهد يبحث عن الحقيقة المطلقة ؛ الرواية مليئة بالسياسة، والمؤامرات السلجوقية، والفلسفة العميقة... عقلي كاد ينفجر داخل الكتاب، جئت إلى هنا لأرتاح قليلا، فإذ بي أجدكما تتحدثان عن سفينة تيتانيك والغرام!.
- محيي الدين بن عربي (يخرج فجأة من زاوية مظلمة، متأبطا رواية سميكة): السلام عليكم يا معشر الحيارى! أنا آخر من لحق بكم ، لقد مخضني محمد حسن علوان من رحم روايته "موت صغير"! تخيلوا، لقد تتبع رحلتي الطويلة من مرسية في الأندلس، عبر أزقة فاس، ومرورا بمصر ومكة، حتى دمشق ، الرواية حازت شهرة واسعة ، والكل يمدح سفري وتجربتي الروحية و"أوتادي الأربعة" ، لكن بصراحة ، السفر عبر الصحاري في تلك الصفحات هدّ حيلتي! صرتُ "موتا صغيرا " فعلا من كثرة التعب والترحال!
عمر الخيام (يضحك بسخرية): ههههه! على الأقل يا بن عربي سافرت في الصحراء، أما أنا فقد سجنوني في مخطوطة تحت الماء! .
ثم قالوا بصوت واحد : دعونا نعد إلى صفحاتنا قبل أن يفتح الصباح أبوابه ويشترينا قارئ غريب الأطوار يطوي زوايا صفحاتنا!
الروايات ليست مجرد حبر على ورق، لكنها حيوات كاملة يعاد بعثها في كل مرة يفتح فيها القارئ غلاف الكتاب ، هؤلاء العمالقة (الخيام، الرومي، الغزالي، بن عربي) عاشوا في التاريخ مرة، لكن الرواية الحديثة جعلتهم يعيشون آلاف المرات في مخيلة أجيال تعشق الفلسفة، والتصوف، والبحث عن الحقيقة.
تسللتُ مستطلعا، وصدمتُ بمشهد لا يصدقه عقل: أربع شخصيات تاريخية بارزة خَرَجَت من بين أوراق الروايات، واجتمعت حول مائدة مستديرة في زاوية القراءة!
كانوا يتجادلون، وبدا أنهم ضاقوا ذرعا بـسجونهم الورقية.
إليكم ما دار في هذا الحوار الافتراضي الهزلي والعجيب:
- عمر الخيام (ينفض غبار التاريخ عن ثيابه، ممسكا بكتاب ضخم): أف! نجدة يا قوم! لقد حشرني أمين معلوف في رواية "سمرقند" لأكثر من ثلاثمائة صفحة! نصف الرواية يتحدث عن غرامياتي، وعن مخطوطة رباعياتي التي ضاعت في سفينة "تيتانيك"! هل يُعقل أن تنتهي أفكاري غرقى مع الأثرياء؟ أنا عالم فلك ورياضيات يا ناس، ولستُ غريقا في المحيط!
- جلال الدين الرومي (يبتسم بهدوء صوفي، ويدور حول نفسه دورة خفيفة): هون عليك يا خيام ، الحب هو الجواب، انظر إليّ، لقد جعلتني إليف شافاك في "قواعد العشق الأربعون" أتحول من فقيه رصين إلى عاشق هائم، بسبب درويش مجنون اسمه شمس التبريزي!
الرواية جعلتني "تريند" عالمي، لكن المشكلة أن القراء تركوا كل قواعدي الأربعين، وتفرغوا لمتابعة قصة حب "إيلا" الأمريكية الخائنة مع الكاتب "عزيز"! تبا، أين التصوف في هذا؟ .
- أبو حامد الغزالي (يعدل عمامته بغضب، ويمسك بقلم ريشة): أنتما تشتكيان؟ ماذا أقول أنا إذن؟ لقد وظفني أحمد فال ولد الدين في رواية "دانشمند" ! ، صوّرني وأنا أعيش محنة الشك الفكري الشديد، أتنقل بين بغداد ودمشق ونيسابور، أترك التدريس والجاه لأتحول إلى متصوف زاهد يبحث عن الحقيقة المطلقة ؛ الرواية مليئة بالسياسة، والمؤامرات السلجوقية، والفلسفة العميقة... عقلي كاد ينفجر داخل الكتاب، جئت إلى هنا لأرتاح قليلا، فإذ بي أجدكما تتحدثان عن سفينة تيتانيك والغرام!.
- محيي الدين بن عربي (يخرج فجأة من زاوية مظلمة، متأبطا رواية سميكة): السلام عليكم يا معشر الحيارى! أنا آخر من لحق بكم ، لقد مخضني محمد حسن علوان من رحم روايته "موت صغير"! تخيلوا، لقد تتبع رحلتي الطويلة من مرسية في الأندلس، عبر أزقة فاس، ومرورا بمصر ومكة، حتى دمشق ، الرواية حازت شهرة واسعة ، والكل يمدح سفري وتجربتي الروحية و"أوتادي الأربعة" ، لكن بصراحة ، السفر عبر الصحاري في تلك الصفحات هدّ حيلتي! صرتُ "موتا صغيرا " فعلا من كثرة التعب والترحال!
عمر الخيام (يضحك بسخرية): ههههه! على الأقل يا بن عربي سافرت في الصحراء، أما أنا فقد سجنوني في مخطوطة تحت الماء! .
ثم قالوا بصوت واحد : دعونا نعد إلى صفحاتنا قبل أن يفتح الصباح أبوابه ويشترينا قارئ غريب الأطوار يطوي زوايا صفحاتنا!
الروايات ليست مجرد حبر على ورق، لكنها حيوات كاملة يعاد بعثها في كل مرة يفتح فيها القارئ غلاف الكتاب ، هؤلاء العمالقة (الخيام، الرومي، الغزالي، بن عربي) عاشوا في التاريخ مرة، لكن الرواية الحديثة جعلتهم يعيشون آلاف المرات في مخيلة أجيال تعشق الفلسفة، والتصوف، والبحث عن الحقيقة.