عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... عندما عاد الصديق فلم يجد الرباط التي تركها..

بعد غياب امتدّ نحو ثلاثة عقود، عاد أحد أصدقاء الأيام القديمة إلى الرباط ، صديق أعرفه منذ تسعينيات القرن الماضي، افترقت بنا الطرق، وانقطعت الأخبار، حتى جمعنا اللقاء من جديد ؛ فكان اللقاء مفرحا في بدايته، يشبه استعادة صفحة قديمة من كتاب ظننا أننا فقدناه إلى الأبد ، فتحدثنا عن الأيام الماضية، عن الوجوه التي غابت، وعن الأمكنة التي كانت تمنح للمدينة روحها.
لكن حديثه انقلب فجأة إلى شيء يشبه العتاب ، قال لي: أين ذهبت المكتبات التي كانت تملأ وسط الرباط؟
ثم بدأ يستعيد الأسماء واحدا واحدا، كمن يستحضر أسماء أصدقاء رحلوا: مكتبات : دار التراث ، منار العرفان ، المكتبة الجامعية ، مكتبة البشير ، مركز إحياء التراث الثقافي ، خدمة الكتاب القسم العربي ، مكتبة ( أوبيل إيماج ) دار النشر البوابة .
مشى في الشوارع التي كان يعرفها جيدا، وفتّش عن الواجهات التي حفظها ذات يوم، وعن الرفوف التي كانت تستقبله الوجوه قبل الكتب ، لكنه لم يجد إلا أبوابا مغلقة، أو أمكنة غيّرت وظيفتها، أو مكتبات حولت مسارها واهتماماتها.
قالها بحسرة: كيف اختفت كل هذه المكتبات بهذه البساطة؟
لم أعرف ماذا أجيبه ، فبعض الأسئلة لا تحتاج إلى جواب ، كنت أستمع إليه، وأشعر أن الرجل لم يكن يبحث عن مكتبة بعينها، لكنه كان يفتش عن رباط قديمة تركها خلفه .
كان ينقب عن مدينة كان الكتاب فيها جزءا من المشهد اليومي، وعن شوارع كانت المكتبة فيها محطة طبيعية للطالب، والباحث، والقارئ، والعابر الذي قد يدخل لشراء كتاب ويخرج محمّلا بعشرة.
وأنا، بائع الكتب، أعرف جيدا أن غياب المكتبة ليس غياب محل تجاري فقط ، فحين تغلق مكتبة أبوابها، يغيب معها صاحبها، وذاكرته، ورفوفه، والكتب التي كان يعرف مكانها دون أن يبحث عنها، والقراء الذين كانوا يأتون إليها، والحوارات التي كانت تنشأ بين القراء والكُتّاب .
تغيب حكايات كاملة دون أن يلتفت إليها أحد ، ربما تغيّرت المدينة، ولعل علاقتنا بالكتاب تحولت إلى أشياء أخرى أكثر إلحاحا ، وربما أخذت الشاشة مكان الرف، وأصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى.
لكنني ظللت أفكر في شيء آخر: هل يمكن لمدينة أن تفقد مكتباتها دون أن تفقد شيئا من روحها؟
ذلك المساء، بعد أن غادر صديقي، بقيت أسماء المكتبات التي ذكرها تدور في رأسي ، لم تكن أسماء محلات ، لكنها كانت، بالنسبة لجيل كامل، عناوين للذاكرة ، وأدركت أن بعض المكتبات تظل مفتوحة في ذاكرة الذين دخلوا إليها يوما رغم أنها أقفلت أبوابها .
وهكذا، في يوميات بائع كتب، أجدني اليوم لا أتحسر على مكتبات اختفت من شوارع الرباط فحسب، وإنما أرثي مدينة كانت تقرأ بصوت أعلى ، ولعل السؤال الحقيقي ليس: أين ذهبت تلك المكتبات؟ بل: من سيحفظ أسماءها قبل أن تختفي هي أيضا من الذاكرة؟
😟
😟

Voir

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى