حريق الأقصى بعد 57 عاماً.. من جريمة الإحراق إلى مخاطر التقسيم الزماني والمكاني
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
في الحادي والعشرين من آب/أغسطس 1969، أقدم المتطرف الأسترالي مايكل دنيس روهان على إشعال النار في المسجد الأقصى المبارك، فأصاب الحريق المصلى القبلي وأتى على منبر صلاح الدين الأيوبي، في جريمة شكلت صدمة للعالمين العربي والإسلامي، وأطلقت تحذيراً مبكراً من المخاطر التي تستهدف القدس ومقدساتها.
وبعد 57 عاماً، لم تعد المخاطر التي تهدد المسجد الأقصى مقتصرة على الاعتداءات الفردية أو محاولات الحرق، بل تطورت إلى سياسة متدرجة تسعى إلى تغيير قواعد الوضع التاريخي والقانوني القائم، وفرض وقائع جديدة على الأرض، وصولاً إلى محاولة تكريس التقسيم الزماني والمكاني للمسجد.
واللافت في المرحلة الراهنة أن هذه المخاطر تأتي في سياق تصعيد متواصل؛ فقد شهد المسجد خلال الأسابيع الأخيرة اقتحامات متكررة من جماعات المستوطنين بحماية شرطة الاحتلال، وترافق بعضها مع أداء طقوس دينية وصلوات داخل باحات المسجد، وهو ما يمثل تجاوزاً خطيراً للترتيبات التاريخية القائمة التي تسمح لغير المسلمين بالزيارة دون ممارسة الشعائر الدينية داخل الحرم.
وفي 23 تموز/يوليو الماضي، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير باحات المسجد الأقصى، وصدرت عنه تصريحات مؤيدة لممارسة اليهود الصلاة في المكان، الأمر الذي أثار إدانة أردنية وفلسطينية واسعة باعتباره مساساً بالوضع القائم.
كما شهد شهر آب الحالي اقتحامات جديدة، بينها اقتحام نحو مئة مستوطن لباحات المسجد في 12 آب، مع أداء طقوس تلمودية في الجهة الشرقية، بالتزامن مع تشديد القيود على دخول المصلين الفلسطينيين واحتجاز هويات بعضهم.
وهنا تكمن خطورة المشهد: فالتقسيم الزماني والمكاني لا يبدأ بإعلان رسمي يقول إن المسجد سيُقسم، وإنما يبدأ بتغيير تدريجي للوقائع؛ اقتحامات تتكرر، ثم طقوس دينية تُفرض تحت حماية الشرطة، ثم تخصيص أوقات وأماكن للصلاة، ثم تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى ممارسة اعتيادية، وصولاً إلى محاولة تكريس واقع جديد باعتباره أمراً قائماً لا يمكن التراجع عنه.
ولهذا فإن ما يجري في الأقصى يجب ألا يُقرأ باعتباره أحداثاً منفصلة، بل ضمن سياق سياسي واستراتيجي أوسع يستهدف تغيير هوية القدس ومكانتها، بالتوازي مع الاستيطان والتهجير وهدم المنازل ومحاولات تغيير الطابع الديمغرافي للمدينة.
وقد حذرت تقارير وتحليلات حديثة من أن إجراءات الاحتلال في القدس، بما فيها الاقتحامات ومحاولات تثبيت التقسيم الزماني والمكاني، تأتي ضمن منظومة أوسع من فرض الوقائع الجديدة.
ومن الناحية القانونية، فإن المسجد الأقصى يقع في القدس الشرقية المحتلة، ولا يملك الاحتلال، بوصفه قوة قائمة بالاحتلال، حق تغيير الوضع القانوني للمدينة أو فرض ترتيبات أحادية الجانب على مقدساتها. وقد أكد مجلس الأمن في قراره 2334 لعام 2016 عدم شرعية النشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، فيما لا تزال الأمم المتحدة تؤكد ضرورة الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، باعتبارها ركيزة أساسية في حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم. ويؤكد الأردن رسمياً استمرار دوره في حماية المقدسات وتثبيت عروبة القدس، بالتنسيق مع دولة فلسطين.
كما أن التحرك العربي والإسلامي لا ينبغي أن يقتصر على بيانات الإدانة، بل يجب أن يرتقي إلى استراتيجية سياسية وقانونية ودبلوماسية متكاملة، تستند إلى قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في وقف الإجراءات التي تستهدف تغيير هوية القدس ومقدساتها.
إن حريق عام 1969 كان محاولة لإحراق المسجد الأقصى بالنار، أما الخطر اليوم فهو محاولة إحراق هويته بالتدرج السياسي والقانوني والميداني. وإذا كان العالم قد أدرك آنذاك خطورة إشعال النار في المسجد، فإن عليه اليوم أن يدرك أن تغيير وضعه التاريخي والقانوني وفرض التقسيم الزماني والمكاني قد يقود إلى نتائج أشد خطورة على القدس والمنطقة بأسرها.
لقد أثبت التاريخ أن القدس ليست مدينة عادية، وأن المساس بمقدساتها يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى عمق الهوية الدينية والوطنية والإنسانية. ولذلك فإن حماية الأقصى مسؤولية فلسطينية وعربية وإسلامية ودولية، وحماية الوضع القائم فيه ليست ترفاً سياسياً، بل التزام قانوني وأخلاقي وضرورة لحماية السلم والاستقرار.
وفي ذكرى الحريق، تبقى الرسالة الأوضح أن الأقصى لا يحتاج إلى بيانات تعاطف بقدر ما يحتاج إلى فعل سياسي وقانوني يحول دون تكريس الأمر الواقع. فالقدس جوهر القضية الفلسطينية، والأقصى جزء لا يتجزأ من هويتها العربية والإسلامية، وأي محاولة لفرض التقسيم الزماني أو المكاني عليه يجب أن تواجه برفض حازم وتحرك دولي جاد قبل أن تتحول الإجراءات التدريجية إلى واقع دائم.
المحامي علي أبوحبلة
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
في الحادي والعشرين من آب/أغسطس 1969، أقدم المتطرف الأسترالي مايكل دنيس روهان على إشعال النار في المسجد الأقصى المبارك، فأصاب الحريق المصلى القبلي وأتى على منبر صلاح الدين الأيوبي، في جريمة شكلت صدمة للعالمين العربي والإسلامي، وأطلقت تحذيراً مبكراً من المخاطر التي تستهدف القدس ومقدساتها.
وبعد 57 عاماً، لم تعد المخاطر التي تهدد المسجد الأقصى مقتصرة على الاعتداءات الفردية أو محاولات الحرق، بل تطورت إلى سياسة متدرجة تسعى إلى تغيير قواعد الوضع التاريخي والقانوني القائم، وفرض وقائع جديدة على الأرض، وصولاً إلى محاولة تكريس التقسيم الزماني والمكاني للمسجد.
واللافت في المرحلة الراهنة أن هذه المخاطر تأتي في سياق تصعيد متواصل؛ فقد شهد المسجد خلال الأسابيع الأخيرة اقتحامات متكررة من جماعات المستوطنين بحماية شرطة الاحتلال، وترافق بعضها مع أداء طقوس دينية وصلوات داخل باحات المسجد، وهو ما يمثل تجاوزاً خطيراً للترتيبات التاريخية القائمة التي تسمح لغير المسلمين بالزيارة دون ممارسة الشعائر الدينية داخل الحرم.
وفي 23 تموز/يوليو الماضي، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير باحات المسجد الأقصى، وصدرت عنه تصريحات مؤيدة لممارسة اليهود الصلاة في المكان، الأمر الذي أثار إدانة أردنية وفلسطينية واسعة باعتباره مساساً بالوضع القائم.
كما شهد شهر آب الحالي اقتحامات جديدة، بينها اقتحام نحو مئة مستوطن لباحات المسجد في 12 آب، مع أداء طقوس تلمودية في الجهة الشرقية، بالتزامن مع تشديد القيود على دخول المصلين الفلسطينيين واحتجاز هويات بعضهم.
وهنا تكمن خطورة المشهد: فالتقسيم الزماني والمكاني لا يبدأ بإعلان رسمي يقول إن المسجد سيُقسم، وإنما يبدأ بتغيير تدريجي للوقائع؛ اقتحامات تتكرر، ثم طقوس دينية تُفرض تحت حماية الشرطة، ثم تخصيص أوقات وأماكن للصلاة، ثم تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى ممارسة اعتيادية، وصولاً إلى محاولة تكريس واقع جديد باعتباره أمراً قائماً لا يمكن التراجع عنه.
ولهذا فإن ما يجري في الأقصى يجب ألا يُقرأ باعتباره أحداثاً منفصلة، بل ضمن سياق سياسي واستراتيجي أوسع يستهدف تغيير هوية القدس ومكانتها، بالتوازي مع الاستيطان والتهجير وهدم المنازل ومحاولات تغيير الطابع الديمغرافي للمدينة.
وقد حذرت تقارير وتحليلات حديثة من أن إجراءات الاحتلال في القدس، بما فيها الاقتحامات ومحاولات تثبيت التقسيم الزماني والمكاني، تأتي ضمن منظومة أوسع من فرض الوقائع الجديدة.
ومن الناحية القانونية، فإن المسجد الأقصى يقع في القدس الشرقية المحتلة، ولا يملك الاحتلال، بوصفه قوة قائمة بالاحتلال، حق تغيير الوضع القانوني للمدينة أو فرض ترتيبات أحادية الجانب على مقدساتها. وقد أكد مجلس الأمن في قراره 2334 لعام 2016 عدم شرعية النشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، فيما لا تزال الأمم المتحدة تؤكد ضرورة الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، باعتبارها ركيزة أساسية في حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم. ويؤكد الأردن رسمياً استمرار دوره في حماية المقدسات وتثبيت عروبة القدس، بالتنسيق مع دولة فلسطين.
كما أن التحرك العربي والإسلامي لا ينبغي أن يقتصر على بيانات الإدانة، بل يجب أن يرتقي إلى استراتيجية سياسية وقانونية ودبلوماسية متكاملة، تستند إلى قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في وقف الإجراءات التي تستهدف تغيير هوية القدس ومقدساتها.
إن حريق عام 1969 كان محاولة لإحراق المسجد الأقصى بالنار، أما الخطر اليوم فهو محاولة إحراق هويته بالتدرج السياسي والقانوني والميداني. وإذا كان العالم قد أدرك آنذاك خطورة إشعال النار في المسجد، فإن عليه اليوم أن يدرك أن تغيير وضعه التاريخي والقانوني وفرض التقسيم الزماني والمكاني قد يقود إلى نتائج أشد خطورة على القدس والمنطقة بأسرها.
لقد أثبت التاريخ أن القدس ليست مدينة عادية، وأن المساس بمقدساتها يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى عمق الهوية الدينية والوطنية والإنسانية. ولذلك فإن حماية الأقصى مسؤولية فلسطينية وعربية وإسلامية ودولية، وحماية الوضع القائم فيه ليست ترفاً سياسياً، بل التزام قانوني وأخلاقي وضرورة لحماية السلم والاستقرار.
وفي ذكرى الحريق، تبقى الرسالة الأوضح أن الأقصى لا يحتاج إلى بيانات تعاطف بقدر ما يحتاج إلى فعل سياسي وقانوني يحول دون تكريس الأمر الواقع. فالقدس جوهر القضية الفلسطينية، والأقصى جزء لا يتجزأ من هويتها العربية والإسلامية، وأي محاولة لفرض التقسيم الزماني أو المكاني عليه يجب أن تواجه برفض حازم وتحرك دولي جاد قبل أن تتحول الإجراءات التدريجية إلى واقع دائم.
المحامي علي أبوحبلة