عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

من أجمل ما يمكن أن تهبك الحياة صديقا، أن يكون ذلك الصديق جارا قريبا، وأن يكون قربه من القلب أسبق من قرب البيت.
صديقي وجاري عبد الله بديع واحد من أولئك الأعزاء الخُلَّص الذين أعتز بصداقتهم، وأفرح بصحبتهم ؛ فيه خصلة نادرة، تتدفق منها معاني النبل والكرم في هدوء، حتى إنك تكاد لا تجدها بين الأشقاء ، فكيف بأصدقاء جمعتهم الأيام والمودة؟
بين الفينة والأخرى، يفاجئني بكتاب يعرف أنني أحبه، أو يظن أن صفحاته ستجد عندي قلبا يقرأها، فيمدّه إليّ قائلا ببساطة آسرة: عندي منه نسختان، وهذه زائدة عندي، فخذها لتنتفع بها، بدل أن تبقى مهجورة على الرف.
يا لها من عبارة بسيطة، لكنها عندي أكبر من مجرد إهداء كتاب!
فهو لا يرى الكتاب شيئا فائضا في مكتبته، لكنه يعطيه فرصة أخرى للحياة؛ فإذا تكررت عنده نسخة، بحث لها عن قارئ، وإذا امتلأ رفّه بكتاب لا يحتاجه، فتح له طريقا إلى رف آخر ، وقارئ جديد ، وقلب ثان .
كنت كلما عدت من عنده بكتاب، أقول في نفسي: كم من كتاب في بيوت المثقفين يعيش حياة مؤجلة؟ كتب لها نسخ مكررة، وأخرى قرئت مرة ثم نامت طويلا، وثالثة لم تُفتح أصلا، ومع ذلك تظل حبيسة الخزانات، تتراكم عليها السنوات، ويأكل بعضها الغبار، وربما جاءت الأرضة يوما لتقرأها بطريقتها!
ليتنا نؤسس بيننا عادة جميلة اسمها:( لدي نسخة فائضة من هذا الكتاب، فلا حاجة لي به )، أن يفتش كل واحد منا مكتبته، لا عن الكتب التي يريد الاحتفاظ بها، وإنما عن تلك التي يستطيع أن يمنحها فرصة ثانية ، أن يخرج الكتاب من عزلته، ومن صمته الطويل، ليمضي إلى قارئ جديد ، فالكتاب في اعتقادي ، لا يليق به أن يعيش وحيدا مهجورا .
إن أجمل ما يمكن أن يحدث لكتاب قرأناه، أن نمنحه قارئا آخر، وأجمل ما يمكن أن نفعله بمكتباتنا، ألاّ نجعلها مقابر للكتب ؛ أما الأخ العزيز عبد الله، فقد علّمني، دون أن يقصد، أن بعض الهدايا لا تُقاس بثمنها، وإنما بعدد الأرواح التي يمكن أن تصل إليها ، وكلما قال لي: هذه النسخة زائدة عندي، خذها... كنت أسمع في العبارة شيئا آخر لا يقوله: لا تترك كتابا وحيدا، ما دام في الدنيا قارئ ينتظره.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى