أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٦ آب من كل عام

١
يوسف شحدة الكحلوت ومحمود درويش وحماس ومحمود درويش :

أنا مشغول هذه الأيام بقراءة دراسات ومقالات عن محمود درويش وصورته في الوعي الشعبي الفلسطيني .
الموضوع لافت وبدأ يروق لي أكثر وأكثر . أحد طلابي سألني إن كنت قرأت دراسة يوسف شحدة الكحلوت عن الانحراف الديني والخلقي في أشعار درويش . طلبت من طالبي أن يصور لي الدراسة وانشغلت بقراءتها الأسبوع الماضي .
هل تذكرت رأي القاضي الجرجاني أو رأي عبد القاهر الجرجاني في محاكمة الشعر من وجهة نظر الدين؟
لقد بدا درويش من وجهة نظر يوسف الكحلوت منحرفا دينيا وأخلاقيا أيضا .
لم يدرس الدارس مواقف الشاعر دراسة تعاقبية . أخذ أشعار درويش التي تدينه وجردها من لحظتها الزمنية ومن الحالة التي كان الشاعر عليها وأمعن فيه جلدا وتكفيرا .
الأسوأ من هذا كله أن الدارس أمي في قراءة النصوص - نعم أمي ورب الكعبة .
لماذا أخذ الدارس المقاطع التي تدين الشاعر ولم يتوقف أمام أسطر شعرية تضع درويش في عداد المؤمنين مثلا ؟
لماذا لم يدرس أشعار الشاعر دراسة تعاقبية توضح اختلاف مواقفه الأخيرة عن مواقفه المبكرة ؟
لماذا لم يلاحظ الأثر التوراتي في أشعار الشاعر؟
ألم يلفت نظره السطر ( سيضيئك القرآن ) أو السطر ( وسنعتمد على القرآن في تفسير ما يجري )؟
ألم تلفت قصيدة " في القدس " نظر الشاعر ليدرس ما كتبه الشاعر عن النبي محمد( ص ) ؟ثم لماذا لم يدرس موقف درويش من الماضي في فترات لاحقة للفترة التي كتب فيها سطره ( من يشتري تاريخ أجدادي بيوم حرية ) ؟
إن موقف الشاعر من الماضي والحاضر موقف متغير في الزمان ويحتاج لوقفة متعمقة لا لوقفة سريعة متعجلة كما هو الحال في دراسة الكحلوت .
كثيرون ممن كتبوا عن درويش كتبوا كتابة فقيرة لأن أصحابها فقراء منهجيا وفقراء في قراءة النصوص أو أنهم لم يعيشوا مع أشعار الشاعر إلا عاما أو عامين على أكثر تقدير - عاشوها لكتابة رسالة ماجستير أو دكتوراه ليس إلا ! وهذا لا يكفي أطلاقا ولا يجعل منهم متخصصين في درويش .
٢٠١٣

٢
كل عام جامعي ونحن بخير :

ها نحن سنبدأ عامنا الدراسي الجامعي الجديد .
سنعود إلى التصحيح والقراءة و ..و ..
رحم الله ابراهيم طوقان الذي قال :

" حسب المعلم غمة وكآبة

مراى الدفاتر بكرة وأصيلا

مائة على مائة إذا هي صلحت

وجد العمى نحو العيون سبيلا

ولو أن في التعليم نفعا يرتجى

وابيك لم أك بالعيون بخيلا "

هل التعليم لا نفع فيه ؟
ربما في الامر وجهة نظر.
هل سيكون العمى - لا سمح الله - من تصحيح الأوراق أم من مرض داء السكري؟
ليس أمامي إلا أن أواصل العمل والتدريس ، فالعمل حياة .
كل عام ونحن بخير \
كل عام دراسي ونحن بخير \بعيون ترى وبارجل قوية و..و..
٢٠١٢

٣
مقالي اليوم في الأيام الفلسطينية هو

" عارف الحسيني....كافر سبت "

وأما مقالي الأحد الماضي فكان عنوانه : " العيد من النافذة الغربية" عن العيد والقاصة سميرة عزام وللأسف لم تدرجه الصحيفة على الانترنت فعذرا للقراء .
٢٠١٢

٤
محمود درويش و ناجي العلي :

هل ترك كاريكاتور ناجي العلي المشهور تأثيره على صورة محمود درويش في الوعي الشعبي الفلسطيني ؟
كثيرون من قراء درويش راق لهم المقطع الذي قاله في قصيدته " بيروت " " بيروت خيمتنا الأخيرة * فهل را ق لهم التحوير الذي أجراه ناجي العلي
" محمود خيبتنا الاخيرة " ؟
وما اثر ذلك على صورة محمود في الوعي الشعبي الفلسطيني ؟
الموضوع يحتاج إلى مساءلة .
٢٠١٣

٥
عائدة فحماوي وكتابها عن محمود درويش " الحضور في غيابه " (2013)

الكتاب الجيد في منهجه وإفادته من المصادر والمراجع يجعلني أتساءل
- ماذا يضيف الدارسون الجدد من الدراسات السابقة؟
مع ان الباحثة اعتمدت على ثلاثة مراجع لي إلا أنها لم تلتفت إلى تحليلي لقصيدة " أنا من هناك " لمنشورة في مجلة الأسوار في عكا ، وإلى كتابي " أدب المقاومة" ( 1998 ) وفيه حللت العناوين ودرست خواتم قصائد ( أحد عشر كوكبا ) .
بم اختلف منهج الباحثة عما قمت به؟

٦
حياة معلقة " لعاطف أبو سيف :

قرأت 78 صفحة من رواية عاطف أبو سيف " حياة معلقة " التي كانت مرشحة لجائزة بوكر لهذا العام ووصلت إلى القائمة القصيرة .
لا شك أن عاطف أبو سيف يمتلك قدرة سردية كبيرة تحث القاريء على متابعة القراءة .
مكان الرواية غزة ، ويمتد هذا المكان ويتسع ليشمل أماكن أخرى كثيرة ، فالفلسطينيون غدوا ملح اﻷرض منذ 1948 ، وعائلة نعيم الذي ولد في عام النكبة واستقر في غزة لاجئا تواصل هجراتها وتسيح في هذا العالم المترامي . إن حرب 1967تدفع من استقر من إخوة نعيم إلى الهجرة إلى اﻷردن وأماكن أخرى ولن تتصل ببعضها إلا في فترة متأخرة وعبر وسائل الاتصال الحديثة ، بل إن أبناء نعيم يثفرقون أيدي سبأ : سالم في السجن وسليم في بريطانيا ثم في ايطاليا وإحدى البنتين تتزوج في السعودية والثانية تدرس في غزة وتظل مع أبيها الذي فقد زوجته ثم اغتاله قناص إسرائيلي على باب مطبعته ولم يتحقق حلمه باجتماع العائلة على طاولة طعام واحدة ، ويوم استشهد لم يكن بقي من عائلته الصغيرة في غزة إلا ابنته ، ويعود ابنه د.سليم ليشارك في الجنازة عبر أنفاق معبر رفح .
الصفحات التي قرأتها وصورت رحلة الشتات الفلسطيني منذ 1948 ويرويها سارد شبه كلي المعرفة قالت لي إن رواية عاطف تقول بلغة سردية وبقدرة على السرد كبيرة إن اﻷفكار في اﻷدب الفلسطيني تتناص مع أفكار الروائيين المؤسسين وأفكار الشعراء المعروفين ، وأخص هنا غسان كنفاني ومحمود درويش . إن أعمال هذين تتغلغل في كتاباتنا وتتمكن منها بشكل لافت .
أﻷن الواقع يكرر نفسه ؟ أم ﻷننا ما زلنا منذ 50 ق 20 نعيش التجربة نفسها وذيولها ؟
إن هجرة عائلة نعيم من يافا تشبه هجرة عائلة حامد في رواية كنفاني " ما تبقى لكم " 1966 واﻷفكار في حياة معلقة حول العمل الفردي والعمل الجماعي وتحقيق اﻷحلام الفردية أو اﻷحلام الجماعية هي من أساسيات رواية " رجال في الشمس " وإن اختلف المنظور قليلا ، وعلينا ألا ننسى قصة كنفاني " ورقة من غزة " 1956. إنها تأتي على فكرة السفر من أجل التعلم في أميركا والتردد فيه والبقاء في غزة .
محمود درويش سرعان ما يحضر إلى ذهن القاريء المتابع ﻷشعاره ،والفصل الثاني من الرواية ( البوستر ) هو تجسيد مفصل لسطر شعري ورد في إحدى قصائد ديوان " ورد أقل " 1986 ، وإن لم تخني الذاكرة فالقصيدة هي " صهيل على السفح " ونص السطر يتمحور حول استشهاد أنا المتكلم وصورته :
" أعد لسيدتي صورتي : علقيها إذا مت فوق الجدار .
وهل من جدار لها ؟ "
طبعا إن سطر " ونحن نحب الحياة " سيحضر بشكل لافت . إن محمود درويش وكنفاني حاضران بقوة وبكثرة في نصوصنا اﻷدبية والروائية وكنت أتيت على هذا وأنا أدرس زياد عبد الفتاح " ما علينا " 2005 ولا ننسى رواية عباد يحيى " رام الله الشقراء ".
الموضوع يحتاج حقا إلى دراسة .
أنا أقرأ في رواية " حياة معلقة " .
٢٠١٥

٧
الصديق ابراهيم نصرالله ورثاء النقاد :

كتب الصديق ابراهيم نصرالله مقالا نشره ، في آب ، في القدس العربي تحت عنوان " خفة الناقد التي لا تحتمل " ، مستعيرا عنوان سلسلة نصوص كتبتها تحت عنوان " خفة الكائنات غير المحتملة " ، وكنت أنا متأثرا بعنوان إحدى روايات الكاتب التشيكي المنشق ( ميلان كونديرا ) : " كائن لا تحتمل خفته " أو " خفة الكائنات غير المحتملة ".
Izzeddin Araj حول إلي المقال وكتب إلي أن الصديق ابراهيم يلمح إلي في بعض سطور المقال ، فقد استعار مني العنوان .
أعدت نشر المقال على صفحتي ، فعقبت الصديقة عفاف عقال متسائلة إن كنت أنا المقصود .
لقد خمنت أنا من هم المقصودون ، ثم أعدت قراءة مقالي الوحيد عن روايات الصديق ، وتحديدا عن رواية " قناديل ملك الجليل " ووجدت أن بعض ما ورد في المقال يخص بعض أرائي ، بخاصة ما يخص الرواية التاريخية والكتابة عن زمن لم يكن الكاتب شاهدا عليه .
لا بأس .
للصديق اجتهاده ، ولنا كذلك اجتهادنا ، وهي وجهات نظر .
ولكني أستطيع أن أشير إلى أخطاء شنيعة وقع فيها الكتاب الذين كتبوا عن اماكن لم يعيشوا فيها أو في أزمنة لم يكونوا شهودا عليها ، ومنها بالطبع روايات الصديق وأخص رواية " زمن الخيول البيضاء ". في هذه الرواية يتوقف الزمن الروائي عند العام 1948 ولم يكن الدينار الأردني صك ، ومع ذلك يتعامل شخوص الرواية بالدينار ، والطريف أنه في الصفحة المقابلة كانوا يتعاملون بالجنيه الفلسطيني .
الأهم مما سبق انني وأنا أقرأ روايات تاريخية لروائيينا أو روايات عن أمكنة لم يقيموا فيها ، كنت أقرأ روايات أفكارها أفكار زماننا ، أو روايات تكتب عن أمكنة لا صلة لها بالمكان المكتوب عنه .
الصديق ابراهيم نصرالله له اجتهاده ولنا اجتهادنا .
نابلس حزينة .
الناس ب ( ايش ) و Adel Mustafa Osta الاسطة ب ( ايش ).
الله المستعان به .
26 /8 / 2016

٨
كتابة التاريخ على الطريقة الاميركية :

في العام 2003 نشر الروائي صنع الله ابراهيم رواية (امريكانلي: أمري كان لي )،ويسردها شكري أستاذ التاريخ المصري الذي يزور كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية، ليدرس في جامعتها فصلا دراسيا واحدا، في حلقة دراسية.
يقول شكري عما سيقوم به وينجزه: " إن حلقتنا قد تبدو غير مألوفة، لأن موضوعها ليس حقبة معينة من التاريخ أو قضية من قضاياه الشائكة، وإنما الموضوع هو التاريخ الشخصي للمحاضر ، وليس الأمر بالطبع سيرة ذاتية، فهذه لا تهم أحدا غير صاحبها . إنما الفكرة هي محاولة دراسة نشاط مؤرخ عربي معاصر ...." .
هذا المؤرخ العربي لا بد أن يكون أنفق سنوات طويلة في المهنة ، وهذا ما تحقق لشكري، فقد أنفق ما يزيد على الثلاثين عاما، ولا بد من تتبع العوامل التي ساهمت في توجيهه إلى دراسة التاريخ، وإلى اعتماده منهجا معينا في أبحاثه، ثم محاولة تقويم هذا المنهج وتقدير نصيبه من النجاح أو الفشل....تلخ .ص34.
يتذكر قاريء رواية (أولاد الغيتو ) رواية صنع الله....
بقية المقال يوم الأحد في جريدة الايام الفلسطينية 28/8/2016

٩
فصاحتنا الزائدة :

لفصاحتنا الزائدة عن حدها لم تنجح الحركة الصهيونية في تحقيق ما نشدته وتطلعت إليه . فقط أنجزت دولة في غزة وأريحا ، وأما نحن فقد أقمنا دولتنا على كامل ترابنا من رفح حتى الناقورة ومن البحر إلى النهر ، وحتى غزة وأريحا لن يفرح الإسرائيليون بها .
تذكرت هذا ، اليوم ، وأنا أشاهد برنامج على فضائية الجزيرة عن ميناء غزة ومطارها .
كان الرئيس أبو عمار يسير شامخا فوق السجاد الأحمر و .. .
في البلدة القديمة في نابلس كان بضعة شباب وشابات أوروبيين يرتدون الملابس السود ويحمل بعضهم بعضا . وحمل أحدهم فتى فلسطينيا سمينا كما لو أنه عجل .
الصحيح نقصني الذكاء فلم أدرك المغزى ولم يفصح لي بعض من سألتهم .
حالة من البلادة تلبستني وتلبست ، كما تلبستني ، بعض من سألت .
الحركة التجارية كانت ضعيفة ولا أدري ما السبب .
هل يوفر الناس نقودهم لكي يستمتعوا بإجازة العيد في فلسطين 1948 أم أنهم متعاطفون مع إخوانهم في سورية والعراق واليمن وليبيا ولبنان وهلم جرا ؟
أحيانا ينقص المرء الذكاء .
ح . خ .
( حط بالخرج ) فالدولة تفكر نيابة عنك .
ح . خ .
26 / 8 / 2017

١٠
الست كورونا : تزوير في سبب الوفاة والكورونا تزور غزة ( 58 )

هل حقا ثمة تزوير في تسجيل أسباب الوفاة في كثير من دول العالم في الأشهر الأخيرة لم تشهد وسائل التواصل الاجتماعي ، ومن قبل الصحافة وكتب المذكرات وبعض التقارير في أفلام سينمائية ، مثله ؟
ما سبب وفاة جمال عبد الناصر ، وكيف كانت نهاية هتلر؟ ، وما سبب موت كثير من الخلفاء المسلمين في زمن العباسيين أو الأمراء المماليك و ... الخ .
أمس قرأت كتابة لشابة من غزة تعافت من الكورونا ، فحولت الكتابة إلى صديق لا يؤمن بوجود الكورونا ويرى أنها خدعة وكذبة كبيرة ويعزو سببها إلى مؤامرة ، فما كان منه إلا أن حول إلي شريط فيديو لشابة أجنبية تتحدث عن أبيها المصاب بالزهايمر والمتوفى حديثا .
الشابة قالت إن ما سجله المسؤولون عن سبب وفاة أبيها ، وهو الكورونا ، ليس صحيحا ، ولما راجعت في الموضوع أخبرها الأطباء أن الجهات المسؤولة هي التي طلبت منهم أن يسجلوا الكورونا سببا للوفاة .
ما قالته الشابة في الشريط ليس جديدا ، فقد أصغينا ، قبل أشهر ، إلى أشرطة فيديو لفلسطينيين تحدثوا عن إجبار جهات مسؤولة للأطباء لتسجيل الكورونا سببا لموت المتوفين دون أن يكونوا ماتوا فيها .
من المصيب ومن المخطيء ؟
وأنا أصغي إلى إذاعة " أجيال " الآن سمعت أن عدد المتوفين بالكورونا في دولة إسرائيل بلغ أمس ١٤ حالة . هل دولة الاحتلال أيضا لا تقول الحقيقة ؟ هل مات هؤلاء مثلا بهجوم صاروخي من غزة أو من جنوب لبنان ، وأن دولة الاحتلال تخاف من إعلان سبب الوفاة خوفا من أن يهاجر سكانها ؟
ظلت غزة محصنة من الكورونا حتى عهد قريب ، ومنذ يومين ثلاثة بدأ الحديث عن حالات إصابة . أكان ما ينقص غزة هو هذا ؟ وإذا ما أردت أن تعرف ما ينقص أهلها فاقرأ الفقرة التي كتبها بشار المصري كإعلان ممول على صفحته ، واقرأ التعليقات عليها إن كان لديك وقت . وما كتبه بشار يقول من أنه لا يعقل أن يعيش أهل غزة بلا كهرباء .
أهل غزة مصابون بكورونا الكهرباء والحصار والفقر وقلة فرص العمل وعدم نظافة الشواطيء و ... .
٢٦ آب ٢٠٢٠

١١
لكل زمان مقاهيه وتلك الأيام دول :

أمس ظهرا جلست في مقهى الرشيد في نابلس .
يقع المقهى في شارع غرناطة المعروف جيدا ، ففيه كانت تقع سينما غرناطة التي لا يمكن أن ينساها جيلي وجيل أبي وما بينهما ؛ سينما غرناطة التي كنا نزورها ونسأل عن أفلامها المعروضة والقادمة ، دون أن تخطر على بالنا ، على الإطلاق ، مدينة غرناطة الأندلسية .
لقد كانت السينما أندلسنا غير المفقودة ، أو أن الأندلس في تلك السنوات لم تكن ذات أهمية كبيرة ، فقد كنا نتطلع إلى مشاهدة الأفلام المعروضة أكثر مما كنا نتطلع إلى تحرير فلسطين ، ولم يخطر كثيرا ببالنا استعادة الأندلس .
هل كنا نكرر سطر محمود درويش :
- من يشتري تاريخ أجدادي بيوم حرية ؟ ( بفيلم سينما ) .
ومع مرور الأيام وتضاؤل الأمل بالعودة إلى حيفا ويافا ازداد تعلقنا بهما وبالأندلس معا .
لماذا كتب محمود درويش " أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي " في العام ١٩٩١ ولم يكتب عن الأندلس في ٦٠ القرن العشرين مثلا ؟
يبدو أنني شططت بعيدا !
كان مقهى الرشيد في ٦٠ القرن ٢٠ مقهى مزدهرا جدا ، لموقعه ولكونه كان مقهى حديثا ، وكنت أتردد عليه في الليالي مع أبي ، فأراه مكتظا بالرواد ، إذ بالكاد تجد فيه طاولة واحدة غير مشغولة . في هذه الأيام ، حين تتردد عليه ، بالكاد ترى عشرة أشخاص . أمس ظهرا مثلا لم يزد عدد الرواد على عدد أصابع اليدين ، وجلهم من المتقاعدين أو العاطلين عن العمل من كبار السن . هل تحسرت على الماضي الذهبي للمقهى ولهارون الرشيد الخليفة العباسي ؟
في مقهى الرشيد تعرفت إلى صاحب الباص الذي كان أبي يسوقه ، وهو أبو مرزوق ، وأبو مرزوق من اللد أو من رنتيس ، فما أذكره أنه كان يقال له أبو مرزوق الرنتيسي ، وكان سمى شركة باصاته باسم " شركة العودة " على أمل العودة إلى اللد .
لم يقطن أبو مرزوق في مخيمات اللاجئين ، شأنه شأن العائلات اللاجئة الثرية من سكان يافا وحيفا . لقد استأجر هؤلاء لهم بيوتا في المدينة أو في البلدة القديمة التي كان لها عز ومجد ، وآثروا أن يعيشوا كما كانوا يعيشون في مدنهم ؛ مرفهين مدللين منعمين منفصلين عن عامة الشعب .
في ٦٠ القرن ٢٠ عرف سكان الأردن بضفتيه ثلاثة أنواع من الدخان ؛ الريم والكمال واللولو . بيع الأول بسبعة قروش والثالث بأربعة وأظن أن الكمال بيع بستة قروش . وكان تدخين سجائر الريم يعد امتيازا ، فالقروش الثلاثة في الفارق في السعر كانت مبلغا محترما ، ولما كان أبو مرزوق غنيا وصاحب شركة باصات ، فقد كان يدخن الريم ويعد تدخينه امتيازا ودليلا على طبقته ، وكان يفخر بأنه صاحب ذائقة .
مرة أعطاه صديق له سيجارة لولو زاعما أنها سيجارة ريم ، ولما أخذ أبو مرزوق يدخن بدأ يكح ، ثم التفت إلى السيجارة ولاحظ أنها " لولو " لا " ريم " وأخذ يضحك ويخاطب موجبه :
- كحكحتني يا شيخ . تنطيني / تعطيني " لولو " وتقول لي " ريم " .
وياما سخرت نسوة المدينة الخبيثات من النسوة حديثات النعمة وهن يقدمن لهن التمباك العادي على أنه تمباك عجمي دون أن تميز المؤرجلات الطعم .
- كحكحتني يا شيخ . تنطيني " لولو " وتقول لي " ريم " .
نوينا التزهزه .
شاخ المقهى وشاخ الطفل أيضا وما زال يتذكر قصة أبو مرزوق وباص العودة و ...
٢٦ آب ٢٠٢١

١٢
تماثل الجلاد الصهيوني مع حياة الضحية الفلسطيني :

غالبا ما قرأنا عن تبادل دور الضحية والجلاد . غدت هذه لازمة في أدبياتنا منذ قصيدة راشد حسين " الحب والغيتو / يافا والغيتو " وقصة سميح القاسم " الصورة الأخيرة في الألبوم " وقصيدة محمود درويش " مديح الظل العالي " التي شاع سطرها وانتشر أكثر من شيوع قصيدة راشد أو أي سطر فيها وأكثر من شيوع قصة سميح :
" ضحية قتلت ضحيتها وصارت لي هويتها " ( محمود درويش )
وتكررت الفكرة في رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو " بجزئيها ، ولست هنا بصدد كتابة إحصائية تعاقبية .
سرق الإسرائيليون في فترات لاحقة لإقامة دولتهم التراث الفلسطيني واعتبروه تراثا خاصا بهم ، من الثوب إلى الفلافل فالحمص ... إلخ .
في رواية أحمد رفيق عوض الأخيرة " الحياة كما ينبغي " صفحات عن رجل مخابرات إسرائيلي شرقي متزوج من يهودية اشكنازية ، ولكثرة ملاحقته المقاومين والاختلاط بأهلهم يعجب بطعامهم وشرابهم وشغفهم بزراعة أشجار جميلة ويصبح يشرب الشاي بالميرمية ، ولا يختلف ابنه عنه ، خلافا لزوجته الاشكنازية التي لا يروق لها هذا ، بل وتستاء منه .
فكرة الانغماس ؛ انغماس المحتل بحياة الضحية ، وتغلغله فيها تحتل صفحات عديدة من رواية أحمد ، وهي فكرة حضرت في رواية ( ديفيد غروسمان ) " ابتسامة الجدي " التي نقلها حسن خضر إلى العربية عن الانجليزية .
هل تتذكرون رواية ( جوزيف كونراد )" قلب الظلام " التي ترجمها صلاح حزين عن الإنجليزية . هل تتذكرون الشخصية الرئيسة فيها ( كروتسة/ كورتيز ) ؟ وهل تتذكرون ما ألم به في النهاية ؟
٢٦ / ٨ / ٢٠٢٢ .

١٣
" سنوات العذاب " للفلسطينيين ل هارون هاشم رشيد :

في العام ١٩٨٨ كنت أكتب رسالة الدكتوراه " اليهود في الأدب الفلسطيني بين ١٩١٣ - ١٩٨٧ " ، فقرأت مما قرأته الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الغزي الفلسطيني هارون هاشم رشيد ، ولما عرفت أنه أصدر رواية " سنوات العذاب " ( ١٩٧٠ ) عبثا نجحت في الحصول على نسخة منها ، وهكذا اكتفيت بالكتابة عن صورتهم في شعره .
منذ ١٩٩١ تاريخ حصولي على الدكتوراه حتى خمسة أيام خلت لم أقرأ الرواية التي لفتت مراجعة الكاتب رائد محمد الحواري مؤخرا نظري إلى الرواية ، فسألته من أين حصل على نسخة منها . أجابني رائد بأنه أحضر معه نسخته من خارج الوطن ، وهكذا استعرتها منه لأقرأها .
هل ستضيف صورة اليهود فيها شيئا جديدا إلى الصورة التي ظهرت في أشعاره ؟
اليهود في الرواية كما كتب عنهم في قصائده . مكارون غدارون قساة الذين يقتلون الفلسطيني بلا رحمة ويطرودونه من أرضه ، من يافا وحيفا واللد وبئر السبع ويحتلون قطاع غزة في ١٩٥٦ .
إن الفترة الزمنية التي تسرد عنها اليافاوية منى تمتد من ١٩٤٨ حين كان عمرها ٤ سنوات حتى العام ١٩٥٦ وتنتهي برحيل الغزة وكنسهم من قطاع غزة .
الخطاب الروائي الظاهر في الرواية هو الخطاب الناصري تماما ، والصورة التي تظهر للفلسطيني هي صورة الضحية التي لا تستكين فتقرر حمل السلاح للمقاومة ، وهكذا تظهر صورة الفدائي البطل معبود الشعب الفلسطيني في أبهى صوره .
يهدي الشاعر هارون هاشم رشيد روايته إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر البطل الراشد " إليه من أعطى فلسطين الفكر والجهد والعمر ... باقة حب وتقدير واعتزاز " .
لعل ما يستحق الكتابة ، عدا صورة اليهودي ، هو صورة الفدائي ومقارنتها بصورته في أشعار إبراهيم طوقان وفي رواية إلياس خوري " الوجوه البيضاء " ورواية فواز حداد " المترجم الخائن " . لعلني أنجز مقال الأحد ٣ / ٩ / ٢٠٢٣ في الموضوع .
٢٦ / ٨ / ٢٠٢٣

١٤
يوميات غزة ( ٣٢٥ ) :
يحيى السنوار يصارع دولة عظمى

في الأيام الثلاثة الأخيرة قرأت خبرين عن جهود إسرائيل الحثيثة للوصول إلى يحيى السنوار واعتقاله أو قتله ، حتى يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي ويعلن عن نصر فتنتهي الحرب . الخبر الأول قرأته في صفحة اخبار غزة أول بأول وقد أتى على ادعاءات إسرائيل المتكررة بالعثور على أثر من آثار السنوار كفردة حذائه أو فنجان قهوته أو حقيبته وفيها الدولارات أو ظله ، وبقي أن يعثروا على بصقته ، والخبر الثاني قرأته أمس في صفحة الناشط المعارض للحرب وللسنوار تيسير عبد Taysir Abd حيث أورد ما أورده موقع "واللا " الإسرائيلي بهذا الخصوص ينعت فيه السنوار بأنه شبح وأن ملاحقته أشبه بملاحقة شبح لم تنجح القوات الإسرائيلية حتى اللحظة بالقبض عليه على الرغم من تقديم أمريكا لإسرائيل مساعدات بالغة التطور في مجال التجسس .
يذكر البحث عن السنوار في هذه الحرب بملاحقة الطائرات الإسرائيلية للمرحوم ياسر عرفات في العام ١٩٨٢ وهو ما كتب عنه في حينه محمود درويش في كتابه " ذاكرة للنسيان " ( ١٩٨٦ ) .
هل يصارع يحيى السنوار دولة عظمى ؟
بعض أبناء قطاع غزة ممن لا يؤيدون ٧ أكتوبر تندروا مرارا على تشدد حماس والسنوار في المفاوضات قائلين إن الاتحاد السوفيتي في غزة يملك أسلحة نووية ولهذا يتم التشدد .
ذاكرتي أعادتني إلى قصيدة كتبها شاعر قصيدة نثر فلسطيني هو طه محمد علي عنوانها " عبد الهادي يصارع دولة عظمى " وقد كتبها في العام ١٩٧٣ ، وقد قرأتها أول مرة في ديوان المرحوم عبد اللطيف عقل " هي أو الموت " ونصها :
" في حياته
ما قرأ ولا كتب
في حياته
ما قطع شجرة
ولا طعن بقرة
في حياته ما جاب سيرة النيويورك تايمز
بغيابها
في حياته
ما رفع صوته على أحد
إلا بقوله :
" تفضل "
" والله العظيم غير تتفضل "

***

ومع ذلك
فهو يحيا قضية خاسرة
حالته ميؤوس منها
وحقه ذرة ملح
سقطت في المحيط

***

أيها السادة !
إن موكلي لا يعرف شيئا عن عدوه !!
وأؤكد لكم
أنه لو رأى بحارة الانتربرايز
لقدم لهم البيض المقلي
ولبن الكيس !! " .

هل تصلح القصيدة لأن يجرى فيها استعارة تمثيلية ؟
أمس رأى كاتب عربي في رد حزب الله ما ينطبق عليه المثل " تمخض الجبل فولد فأرا " ، وأما أنا فتذكرت بيت الشعر :
" لا تحقرن صغيرا في مخاصمة إن البعوضة تدمي مقلة الأسد " .
هل أدمت غزة عين إسرائيل أم لما ... ؟!
٢٦ / ٨ / ٢٠٢٤

١٥
"- ما الفرق بين أهل الكهف وأهل غزة ؟
- أهل الكهف كان الكلب صاحبهم فخلد الله ذكره في القرآن إلى يوم القيامة ، أما أهل غزة فلم يبق كلب ابن كلب إلا حاربهم "
الفقرة المدرجة قالها شيخ يبدو يمنيا في خطبة جمعة . وقد أصغيت إليها في شريط أدرجه الكاتب شجاع الصفدي .
شو رأي القراء بهذا ؟

١٦
غزة 690 :
خيام النازحين يبتلعها البحر وغزة كلها جنائز مؤجلة :

أمس كان يوما آخر من أيام مجازر الصحفيين ، فقد تم استهداف ستة منهم ارتقوا . فالدولة الإسرائيلية لا تريد من يشهد على المجزرة وينشر أخبارها ويريها ، بالصورة والصوت ، للعالم . لقد انقلبت صورة اليهودي الضحية وحلت محلها صورة اليهودي الإسرائيلي القاتل المتوحش .
أمس لفت محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal انتباهنا إلى خطر مد بحري قد يبتلع خيام النازحين على الشاطيء ، وفي فجر هذا اليوم كتب أسامة ابو الجود في صفحة مخيم النصيرات :
" غرق خيام النازحين الموجودة على شاطيء بحر خانيونس ، من مياه البحر " .
في صفحة أشرف نصر تقرأ عن الموت الذي يحدث على غير توقع . غزة كلها " جنائز مؤجلة " . تودع الشخص ثم فجأة يأتي نعيه :
" كل قصص الأصدقاء صور عليها أنشودة " مع السلامة يا مسك فايح " بدل ما نكون نهنيء ونبارك لإخوتنا وأصدقائنا بالنجاح والزواج والتفوق ، ننعى أحبابنا وأصدقاءنا وجيراننا لمثواهم الأخير .
المشكلة أن القهر والخوف والقرف لا نهاية له .. لهذا الحياة صعبة . نلتقي مع أحبابنا صباحا ونسمع خبر موتهم مساء . كأننا واقفون على طابور الذبح .. الذي ينجو اليوم لا ينجو غدا ..
كلنا جنائز مؤجلة " ( بتصرف لغوي فقط ) . .
وصية الصحفية مريم أبو دقة لابنها غيث ؛ ولدها الوحيد ، ورثاء معارفها لها وللصحفي أستاذ الجامعة ومراسل جريدة الحياة الجديدة الدكتور حسن دوحان حضرت أمس في وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة لافتة .
أما الشاعر عثمان حسين فكتب عن تشابه الأيام في غزة :
'" لا أستطيع أن أصف يوما من أيامنا أنه يوم حزين ، فأيامنا تتسابق أيها أكثر حزنا " .
حالة تعبانة يا الله !
٢٦ / ٨ / ٢٠٢٥

١٧
" لا تنكسر ! لا تنتصر . كن بين -
بين معلقا ، فإذا انكسرت كسرتنا . وإذا
انتصرت كسرتنا ، وهدمت هيكلنا . إذن .
كن ميتا _ حيا وحيا _ ميتا ، ليواصل الكهان مهنتهم ، وكن طيفا خفيا

ولتبق وحدك عاليا ، لا يلمس الزمن
الثقيل مجالك الحيوي . فاصعد ما استطعت ،فأنت اجملنا شهيدا. كن بعيدا ما استطعت
لكي نرى في الوحي ظلك أرجواني الخريطة .
فالسلام عليك يوم ولدت في بلد السلام ،
ويوم مت ، ويوم تبعث من ظلام الموت
حيا !"
( محمود درويش من قصيدة " القربان " / الكرمل 66 ، ٢٠٠١ )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى