رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل
-الحلقة السابعة-
قوة معلقة في الهواء
-يحيى بركات –
-مخرج وكاتب سينمائي-
في الحلقة الماضية، تركنا الفلسطيني وقد أصبح له بيت سياسي. بيت لا يقوم على أرض فلسطينية، لكنه يمتد من المخيم إلى الجامعة، ومن الاتحاد إلى مكتب التمثيل، ومن الداخل المحتل إلى عواصم العالم.
وفي عام 1974، وصل ذلك البيت إلى لحظة بدت كأنها تتويج لرحلة طويلة: اعترف به العرب في الرباط، وفتحت له الأمم المتحدة أبوابها، ودخل ياسر عرفات قاعتها باسم فلسطين.
لكن الاعتراف لم يكن نهاية الرحلة.
كان بداية امتحان جديد.
فالبيت الذي صنعه المجتمع ومنحه شرعيته بدأ يكبر بسرعة. وكبرت معه مؤسساته، وأمواله، وسلاحه، وتحالفاته، ونفوذه.
وكان السؤال الذي تركناه في نهاية الحلقة السادسة:
ماذا تفعل القوة بالبيت... وبالعلاقة بين من يسكنه ومن يقوده؟
ولكي أستعيد حجم تلك القوة، لا أحتاج اليوم إلى وثيقة سياسية أو أرقام ميزانية.
تكفيني لقطة ما زالت في ذاكرتي.
في موسكو...
كنت ضمن الوفد السينمائي الفلسطيني المشارك في مهرجان موسكو السينمائي. كنا سينمائيين نحمل أفلامنا وكاميراتنا، لكن الاستقبال لم يكن استقبال مجموعة من الفنانين جاءت إلى مهرجان.
استُقبلنا في الكرملين.
لم أكن رئيس دولة، ولا وزيرًا، ولا دبلوماسيًا. كنت مخرجًا فلسطينيًا شابًا. لكننا، منذ اللحظة التي دخلنا فيها، لم نُعامل كأفراد جاء كل منهم باسمه.
كان أمامهم وفد يمثل فلسطين.
وكان الاسم الذي يسبق أسماءنا جميعًا:
منظمة التحرير الفلسطينية.
هذه التفاصيل الصغيرة كانت تقول شيئًا أكبر من البروتوكول.
شعب لا دولة له على الخريطة...
كان له وفد يدخل الكرملين.
وفي لايبزغ، في ألمانيا الشرقية، عشت الشعور نفسه. وفي الكويت وقطر، حين شاركت في الوفود الثقافية برفقة أبو إياد، لم نكن نُستقبل كجماعة لاجئين جاءت لعرض فيلم أو تقديم أمسية ثقافية.
كان هناك اسم يسبق أسماءنا جميعًا:
فلسطين.
كانت فلسطين حاضرة في العلم، وفي المقعد، وفي اسم الوفد، وفي طريقة الاستقبال.
وكأن شعبًا بلا دولة استطاع أن يجعل العالم يعامله، في كثير من الأماكن، كما لو أن دولته موجودة بالفعل.
لكن الصورة الأكثر دفئًا لم تكن في الكرملين ولا في قاعة رسمية.
كانت بين الناس.
في الكويت، لم يكن الفلسطينيون ينتظروننا لأننا وفد رسمي. كانوا ينتظرون فلسطين التي تأتي معنا.
أتذكر محمود درويش في الجامعة.
امتلأت القاعة، ثم الممرات، ثم الأبواب، وبقي كثيرون في الخارج.
آلاف جاءوا ليستمعوا إلى شاعر.
لكنني حين أستعيد الصورة اليوم، لا أعتقد أنهم جاءوا إلى محمود درويش وحده.
كانوا يأتون إلى فلسطين.
الفلسطيني الذي يعمل طوال الأسبوع كان يجد في تلك الأمسية مكانًا يلتقي فيه بفلسطيني آخر. في الفيلم يرى حكايته، وفي الأغنية يسمع ذاكرته، وفي الدبكة يستعيد وقع قرية ربما لم يرها أبناؤه، وفي القصيدة يعود الوطن الذي غاب عن الخريطة إلى القاعة.
لم تكن الثقافة هامشًا في الثورة.
كانت واحدة من الطرق التي ظل بها المجتمع الفلسطيني مجتمعًا.
ولهذا لم تكن بيروت يومها مجرد مقر لقيادة سياسية وعسكرية.
كانت شيئًا أكبر.
كانت عاصمة فلسطينية بلا إعلان.
فيها الصحيفة والمجلة ومركز الأبحاث، والسينما والمسرح والفن التشكيلي، والكاتب والشاعر والصحفي، والطبيب والباحث، والاتحاد والنقابة، والمستشفى والمؤسسة الاجتماعية.
وكان المثقف الفلسطيني، مثل المقاتل، يشعر أنه يعمل في جبهة.
الكاميرا جبهة. والقصيدة جبهة. والملصق جبهة. والكتاب جبهة. والصحيفة جبهة.
وأصبحت بيروت، في الوقت نفسه، فضاءً عربيًا للثقافة الثورية. جاء إليها مثقفون وكتاب وشعراء ومناضلون ومعارضون من أكثر من بلد عربي، يبحث بعضهم عن منبر، وبعضهم عن حماية، وبعضهم عن مساحة لا يجدها في بلده.
وهنا بدأت المفارقة.
فكلما كبرت الثورة الفلسطينية، لم تعد تجذب الفلسطينيين وحدهم. أصبحت قبلة لثوريين عرب، ومعارضين لأنظمتهم، وحركات تحرر، وصحفيين ومثقفين ودبلوماسيين.
لكن القوة تجذب شيئًا آخر أيضًا.
العيون.
أجهزة عربية. وأجهزة غربية. واستخبارات إسرائيلية. وأصدقاء وخصوم وعملاء يتحرك بعضهم في المدينة نفسها التي يتحرك فيها المقاتل والشاعر والصحفي.
كانت بيروت تستطيع أن تجمع، في مساحة صغيرة، فدائيًا فلسطينيًا، وشاعرًا عربيًا، ومعارضًا سياسيًا، ودبلوماسيًا أوروبيًا، ورجل استخبارات يراقب الجميع.
كانت الثورة تكبر...
وكانت العيون التي تراقبها تكبر معها.
ولم تكن دولة الاحتلال تنتظر من بعيد.
كانت الحرب على منظمة التحرير تجري على أكثر من جبهة: عمليات عسكرية، واغتيالات، واختراقات، وملاحقة للقادة والكوادر في لبنان وخارجه.
في بيروت نفسها، وصلت قوة إسرائيلية إلى قلب المدينة في عملية فردان عام 1973، واغتالت كمال عدوان، وكمال ناصر، ومحمد يوسف النجار، أبو يوسف.
ثلاثة قادة في ليلة واحدة.
وفي كانون الثاني 1979، اغتيل علي حسن سلامة، أبو حسن، بتفجير سيارة مفخخة في بيروت.
لم تكن القيادة تتحدث عن التضحية من وراء مكتب آمن.
كان المكتب نفسه قد يصبح هدفًا. والبيت هدفًا. والسيارة هدفًا.
وهذا مهم في فهم علاقتها بالمجتمع في تلك السنوات.
فالمجتمع كان يرى قادته يُقتلون كما يُقتل أبناؤه. وكان يرى أن من يقوده ليس خارج دائرة الخطر.
وكان هذا الاشتراك في الثمن جزءًا من الشرعية.
لكن القوة الفلسطينية في لبنان لم تكن تُقاس فقط بعدد المؤسسات والمقاتلين.
كانت تُقاس أيضًا بمن يأتي للدفاع عنها.
حين اشتدت الحرب الأهلية اللبنانية، وحين دخل الجيش السوري إلى لبنان، لم يبق الفلسطينيون في الخارج متفرجين على الثورة وهي تواجه واحدًا من أخطر امتحاناتها.
بدأ الناس يأتون.
طلاب تركوا جامعاتهم. أطباء ومهندسون. معلمون وعمال. إعلاميون وكتاب. ومثقفون ثوريون.
جاء فلسطينيون من دول الخليج، وجاء آخرون من أماكن أبعد، حتى من أميركا اللاتينية. بعضهم لم يكن قد حمل بندقية من قبل، لكنه شعر أن البيت الذي بناه الفلسطينيون أصبح مهددًا، وأن عليه أن يكون هناك.
ودخل مئات منهم معسكرات الثورة.
ومن أبرز صور تلك الظاهرة الكتيبة الطلابية.
شبان كان يمكن أن يبقوا في جامعاتهم، يكملون دراستهم ويحملون شهاداتهم، اختاروا أن يذهبوا إلى لبنان، وأن يحمل بعضهم السلاح، وأن يعيشوا بين المقاتلين.
لم تكن تلك مجرد تعبئة عسكرية.
كانت صورة لعلاقة المجتمع بالثورة.
حين شعر المجتمع أن البيت مهدد...
جاء للدفاع عنه.
لكن البيت الذي جاء الناس للدفاع عنه كان قد دخل، في الوقت نفسه، إلى قلب صراع شديد التعقيد.
كان التحالف مع الحركة الوطنية اللبنانية مفهومًا في سياقه. قوى لبنانية رأت في القضية الفلسطينية جزءًا من معركتها السياسية والاجتماعية، وقوى أخرى رأت في الوجود الفلسطيني المسلح تهديدًا للدولة وللتوازن الداخلي.
لكن ما بدأ تحالفًا سياسيًا دخل تدريجيًا في الحرب الأهلية.
والفلسطيني الذي جاء إلى لبنان لاجئًا، ثم أصبح فدائيًا يقاتل من أجل فلسطين، وجد نفسه طرفًا أصيلًا في صراع لبناني.
وهنا يجب أن نقرأ تاريخنا بلا خوف من أنفسنا.
ليس كل ما فعلته الثورة الفلسطينية في لبنان كان صوابًا.
لكن تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية الحرب الأهلية تزوير للتاريخ أيضًا.
للحرب جذورها اللبنانية الطائفية والسياسية والاجتماعية، ولها امتداداتها العربية والإقليمية والدولية. لكن وجودنا المسلح وتحالفاتنا وحجم قوتنا جعلنا جزءًا من معادلتها.
وأحيانًا...
لم يعد السلاح يتجه إلى الاحتلال وحده.
وهنا كان ينبغي أن يبقى السؤال حاضرًا أمام كل قرار:
هل تخدم هذه المعركة فلسطين... أم تجعل فلسطين طرفًا في معركة ليست معركتها؟
ثم جاء عام 1976.
ولم يعد السؤال نظريًا.
أصبح له اسم:
تل الزعتر.
مخيم محاصر.
الماء يقل. والطعام ينفد. والقذائف تسقط. والناس ينتظرون.
تشابكت الحرب اللبنانية مع التدخل السوري والصراع بين القوى اللبنانية والحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية.
ثم سقط المخيم.
لم يكن تل الزعتر مجرد معركة أخرى في الحرب الأهلية.
كان إنذارًا.
لأن المجتمع الذي منح الثورة أبناءه وشرعيته وجد نفسه، مرة أخرى، يدفع ثمن معادلات أكبر منه.
وهنا بدأ سؤال العلاقة بين المجتمع والقيادة يتغير.
لم يعد السؤال فقط: هل تمثلني القيادة؟
ظهر سؤال أشد قسوة:
هل تستطيع القوة التي بنيتها باسمي أن تحميني؟
لم تكن الإجابة سهلة، ولم تكن المسؤولية فلسطينية وحدها.
لكن تل الزعتر ترك على جدار البيت علامة لم يكن ينبغي تجاهلها.
وفي تلك السنوات كانت علامة أخرى تظهر.
المال.
رأينا في الحلقة الماضية كيف تدفقت الموارد إلى منظمة التحرير وفصائلها، وكيف كان المال ضروريًا لبناء المؤسسات، ودفع الرواتب، ورعاية أسر الشهداء والأسرى، وتمويل العمل العسكري والسياسي والثقافي والاجتماعي.
لكن ما كان وسيلة لبناء الثورة بدأ، في بعض المواقع، يتحول إلى مصدر قوة قائم بذاته.
كبرت الأجهزة. وكبرت الموازنات. وتعددت مصادر التمويل. وأصبحت للفصائل شبكاتها ومكاتبها ومؤسساتها الأمنية.
والمال لا يشتري السلاح وحده.
قد يشتري النفوذ. والولاء. والصمت. وأحيانًا... الوهم.
ودخلت بعض الأجهزة الفلسطينية في علاقات وتشابكات تجاوزت الوظيفة الأصلية لحركة تحرر وطني إلى ملفات وصراعات وحسابات عربية لم تكن فلسطين دائمًا في مركزها.
وهنا كان الخطر أعمق من فساد فرد أو راتب زائد.
كان السؤال:
هل بدأت بعض أدوات الثورة تتحول من وسائل لخدمة المشروع الوطني إلى مراكز قوة لها مصالحها الخاصة؟
لم تكن هذه صورة الثورة كلها.
كان فيها آلاف المناضلين الذين عاشوا ببساطة، وقاتلوا واستشهدوا ولم يملكوا شيئًا.
لكن الصورة لم تعد واحدة.
كان هناك الفدائي في الخندق. والموظف في المكتب. والمثقف الذي يكتب. والطبيب الذي يعالج. والجهاز الذي تكبر موازنته. ومن بدأ يكتشف أن الثورة يمكن أن تكون أيضًا وظيفة.
هنا بدأت تظهر مسافة القوة.
ليست المسافة التي صنعتها النكبة، وليست المسافة التي صنعتها الحدود.
هذه المرة...
كانت المؤسسة نفسها قادرة على إنتاج المسافة.
فالقيادة التي خرجت من المخيم أصبحت تدير مؤسسات كبيرة. والفصيل الذي بدأ بعدد قليل من الشبان أصبح يملك آلاف المقاتلين، ومكاتب وميزانيات وأجهزة وعلاقات عربية ودولية.
والثورة التي كانت تبحث عمن يعترف بها...
أصبح الآخرون يبحثون عن موقفها.
لم يعد السؤال فقط: ماذا يريد المجتمع الفلسطيني؟
دخلت أسئلة أخرى.
ماذا تريد هذه الدولة العربية؟ وماذا يريد ذلك الحليف؟ وما موقف الاتحاد السوفييتي؟ وما حسابات سوريا؟ وماذا يحدث داخل لبنان؟ وكيف نحمي وجودنا؟ وكيف نحافظ على تحالفاتنا؟
لم تختف فلسطين من البوصلة.
لكن حول البوصلة... ازدحمت الاتجاهات.
ومع ذلك، سيكون ظلمًا لتلك المرحلة أن نقرأها من أخطائها وحدها.
فالثورة التي كانت تكبر مؤسساتها وأجهزتها في بيروت، كانت تقاتل أيضًا.
وفي آذار 1978، اجتاح جيش الاحتلال جنوب لبنان في عملية الليطاني.
تقدمت الدبابات تحت غطاء الطائرات والمدفعية، لكن المقاتلين الفلسطينيين ومقاتلي الحركة الوطنية اللبنانية تصدوا للقوات المتقدمة، وخاضوا معها معارك قاسية.
لم تكن الأرض مفتوحة أمام جيش يدخل فينتهي كل شيء.
كانت هناك مقاومة تقاتل.
وبعد أيام من المواجهات، نقل الوسطاء إلى القيادة الفلسطينية أن إسرائيل وافقت على وقف إطلاق النار والانسحاب. ثم صدر قرار مجلس الأمن 425 مطالبًا بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية.
لم تُسحق المقاومة.
ولم ينته الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان.
بل خرجت الثورة من معركة 1978 أكثر ثقة بقوتها، بينما خرجت إسرائيل منها وهي تعرف أن المشكلة، بالنسبة إليها، لم تعد مجموعة قواعد فدائية على الحدود.
المشكلة أصبحت البيت الفلسطيني كله في لبنان.
وما لم تستطع عملية 1978 أن تنهيه...
بقي قائمًا، يكبر، ويتحول إلى قوة سيكون الصدام معها أكبر بكثير في المرة القادمة.
وبين 1978 و1982 لم تتوقف المواجهة.
قصف. وغارات. واغتيالات. وعمليات. ومواجهات على الحدود.
وفي عام 1981، اشتعل الجنوب مرة أخرى. دخلت الصواريخ والطائرات والمدفعية في دورة مواجهة واسعة، ثم تحركت الوساطة الأميركية عبر فيليب حبيب، وتم التوصل في تموز إلى وقف لإطلاق النار.
سكتت المدافع.
وعادت بيروت إلى إيقاعها.
الصحف تصدر. والمكاتب تعمل. والاجتماعات مستمرة. والوفود تصل. والمؤسسات تكبر. والشعراء يكتبون. والسينمائيون يصورون. والمقاتلون في مواقعهم.
وبدا للحظة أن البيت الكبير يستطيع أن يستمر هكذا طويلًا.
لكن خلف الحدود...
كان هناك من يقرأ الصمت استعدادًا للحرب التالية.
وفي الوقت نفسه، كانت الخريطة العربية تتغير.
فبعد حرب تشرين 1973 دخلت المنطقة مسارًا سياسيًا جديدًا، ثم جاءت زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس عام 1977، وخطابه أمام الكنيست، وبعدها اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.
خرجت مصر، بثقلها العسكري والسياسي، من معادلة الحرب العربية مع دولة الاحتلال.
وبالنسبة إلى منظمة التحرير، لم يكن ذلك خبرًا دبلوماسيًا.
كان تغيرًا في ميزان المنطقة كلها.
الثورة التي قامت داخل فضاء عربي، واعتمدت في جزء من قوتها على عمق عربي، بدأت ترى هذا العمق نفسه يتغير.
وتزايدت الخلافات العربية، والاصطفافات، والضغوط، والمبادرات السياسية.
وكان على القيادة الفلسطينية أن تقرأ في الوقت نفسه خريطة لبنان، وخريطة الجنوب، وخريطة العلاقات العربية، وخريطة موسكو، وخريطة واشنطن.
وكان عليها، وسط كل تلك الخرائط...
ألا تضيع خريطة فلسطين.
هنا تكمن المفارقة الكبرى في تجربة لبنان.
كانت منظمة التحرير في أوج حضورها.
لها مقاتلون، ومؤسسات، ومال، وإعلام، وثقافة، وعلاقات دولية، ومكاتب في العالم، واعتراف سياسي متزايد.
وفي مناطق وجودها، مارست بعض وظائف الدولة إلى درجة أن الحدود كانت تلتبس أحيانًا بين حركة تحرر وكيان سياسي قائم فوق أرض دولة أخرى.
كانت تستطيع أن تؤثر في السياسة اللبنانية.
لكنها لا تستطيع أن تقرر مصير لبنان.
تستطيع أن تبني قوة عسكرية.
لكن لا دولة لها تحمي ظهر هذه القوة.
تستطيع أن تفتح مكتبًا في موسكو أو باريس.
لكنها لا تستطيع أن تمنع عاصمة عربية من تغيير سياستها غدًا.
تستطيع أن تجمع آلاف المقاتلين.
لكن الأرض التي يقفون عليها...
ليست أرضهم.
كانت القوة حقيقية.
لكنها كانت معلقة في الهواء.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، كان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يبني أدواته تحت الاحتلال: الجامعات، والنقابات، والبلديات، والحركة الطلابية، وحركة الأسرى، واللجان والقوى الوطنية والاجتماعية.
وكانت الصلات بين الداخل والخارج تتعمق.
وكان داخل قيادة فتح مستوى يهتم بالأرض المحتلة، وكان أبو جهاد، خليل الوزير، من أبرز الذين حملوا هذا الملف، إلى جانب قادة وكوادر أدركوا أن الثورة لا تستطيع أن تبقى على الحدود بينما مجتمعها يعيش المواجهة كل يوم.
كان الداخل يتغير.
وكان الخارج يكبر.
وكان الخيط بينهما يصبح أكثر أهمية.
لكن دولة الاحتلال كانت ترى هذا الخيط أيضًا.
وتواصلت حرب الاغتيالات ضد الكوادر الفلسطينية في الخارج.
في لندن، اغتيل سعيد حمامي.
وفي باريس، اغتيل عز الدين القلق.
وفي بروكسل، اغتيل نعيم خضر.
وفي روما عام 1981، اغتيل ماجد أبو شرار، الكاتب والمناضل وعضو قيادة فتح، الذي كان حاضرًا في العمل المتصل بالأرض المحتلة.
كان القائد، والمثقف، وممثل المنظمة، والمناضل...
جميعهم داخل دائرة النار.
وهذا يعيدنا إلى ما رأيناه في الحلقة السادسة.
لم يكن المجتمع وحده يدفع الثمن.
كان كثير من قادته وكوادره في مقدمة من يدفعونه.
ولهذا، رغم الأخطاء التي بدأت تظهر، ورغم المال والأجهزة والتحالفات وتعقيد المؤسسة، بقيت العلاقة بين المجتمع ومنظمة التحرير قوية.
كان الفلسطيني ينتقد فصيلًا، ويغضب من قائد، ويرفض قرارًا.
لكنه، عندما يشعر أن البيت كله مهدد، كان يعود إليه.
وهذا ربما يفسر لماذا جاء الطلاب والمتطوعون إلى لبنان. ولماذا بقي الفلسطيني في الكويت وقطر ودمشق وأوروبا وأميركا اللاتينية يرى في المنظمة عنوانه الوطني. ولماذا بقي الفلسطيني تحت الاحتلال يرى العلم نفسه.
فالبيت كان يحمل عيوبه.
لكنه ظل...
البيت.
ثم جاء حزيران 1982.
دخل جيش الاحتلال لبنان بقوة هائلة، وتقدم شمالًا حتى وصل إلى بيروت.
لكن الوصول إلى المدينة لم يكن نهاية المعركة.
هناك بدأت معركة أخرى.
عند المتحف، وعلى المداخل والمحاور التي حاولت الدبابات التقدم منها، كانت أمتار قليلة تُدفع أثمانها من الحديد والدم.
دبابات تُصاب. ومقاتلون فلسطينيون ولبنانيون يتمسكون بمواقعهم. ومدينة ترفض أن تتحول إلى طريق مفتوح أمام الجيش القادم من الجنوب.
لم تكن بيروت مدينة سقطت عسكريًا ثم خرج منها الفلسطينيون.
بيروت صمدت.
وصمد المقاتلون الفلسطينيون واللبنانيون معها.
أسابيع من الحصار والقصف والقتال، ولم يستطع التفوق العسكري الإسرائيلي أن يحول المدينة إلى نزهة عسكرية، ولا أن يفرض على المقاتلين مشهد الاستسلام الذي أراده.
لكن الاحتلال كان يملك سلاحًا آخر.
بيروت نفسها.
الطائرات تقصف. والمدفعية تقصف. والبحر يقصف.
وفي الأسفل...
مدينة كاملة تعيش.
أطفال ونساء وشيوخ. بيوت ومستشفيات وشوارع. وفلسطينيون ولبنانيون يختبئون من الموت نفسه.
وهنا اصطدمت القوة الفلسطينية بالحقيقة التي ظلت مؤجلة منذ خرجت المقاومة من الأردن إلى لبنان:
هذه ليست أرضنا.
بيروت احتضنت الثورة، لكنها ليست عاصمة الفلسطينيين.
هي عاصمة لبنان.
وللبنان شعبه ودولته ومجتمعه وحساباته ومستقبله.
وكل قنبلة إسرائيلية كانت تسقط على بيروت لم تكن تضغط على المقاتل الفلسطيني وحده. كانت تسقط فوق اللبناني أيضًا، وتهدم بيته، وتقتل أبناءه، وتدفع المجتمع اللبناني كله إلى قلب معركة لم يكن الفلسطيني وحده يملك حق تقرير نهايتها.
وهنا وجد الاحتلال الثغرة التي لم يستطع أن يفتحها بالدبابة وحدها.
لم يكن عليه فقط أن يهزم المقاتل الفلسطيني.
كان يستطيع أن يجعل بقاء المقاتل نفسه ثمنًا تدفعه المدينة.
وهذه كانت المعضلة.
يستطيع المقاتل أن يقرر أن يموت في موقعه.
ويستطيع القائد أن يقرر أن يقاتل حتى النهاية.
لكن هل يستطيع أن يقرر أن تموت مدينة أخرى معه؟
هنا لم تعد المسألة شجاعة.
ولم يعد السؤال من يستطيع الصمود أكثر.
أصبح السؤال سياسيًا وأخلاقيًا ووطنيًا في آن واحد.
منظمة التحرير كانت قوية.
مقاتلوها صمدوا.
وبيروت صمدت.
وشعب بيروت دفع ثمنًا هائلًا من دمه وبيوته وحياته اليومية.
لكن المنظمة اكتشفت، في أكثر لحظات قوتها، الحقيقة التي كان تاريخها كله يؤجل مواجهتها:
يمكنك أن تبني جيشًا على أرض الآخرين.
ويمكنك أن تبني مؤسسات.
ويمكنك أن تصنع شيئًا يشبه الدولة.
لكن الأرض التي تقف عليها تبقى لها شعبها ودولتها وسيادتها.
ولهذا لم يكن اتفاق الخروج من بيروت مجرد نتيجة عسكرية.
كان لحظة اصطدمت فيها القوة الفلسطينية بحدودها.
لم يكن المقاتل قد ألقى سلاحه. ولم تكن القيادة قد رفعت راية بيضاء. ولم تكن بيروت قد انكسرت.
لكن السؤال لم يعد:
هل نستطيع أن نقاتل؟
فقد قاتلوا.
ولم يعد:
هل نستطيع أن نصمد؟
فقد صمدوا.
أصبح السؤال أكثر قسوة:
إلى متى يستطيع الفلسطيني أن يواصل حربه فوق أرض شعب آخر، حين يصبح هذا الشعب نفسه هدفًا للقصف من أجل إخراجه؟
هنا ظهرت الحقيقة التي ظلت الثورة تؤجل مواجهتها منذ خروجها من الأردن.
كان لها سلاح...
ولم تكن لها أرض.
كان لها مقاتلون...
ولم تكن لها حدود.
كان لها مؤسسات تكاد تشبه مؤسسات الدولة...
لكنها لم تكن دولة.
وكان لها بيت سياسي كبير...
لكن مفتاح الأرض التي يقوم عليها البيت لم يكن في يدها.
عند هذه النقطة لم تعد البطولة وحدها كافية.
دخلت السياسة. ودخل الوسطاء. ودخلت حسابات الدولة اللبنانية. وضغط الدم الذي يسيل في شوارع بيروت.
وبدأ التفاوض على الخروج.
وفي آب 1982، أصبح ما كان يبدو قبل أسابيع مستحيلًا اتفاقًا مكتوبًا: تخرج قيادة منظمة التحرير ومكاتبها ومقاتلوها من بيروت إلى بلدان متفرقة، تحت ترتيبات دولية تضمن خروجهم.
هنا فقط ظهرت المفارقة كاملة.
طوال سنوات، كان السؤال:
كيف يبني شعب بلا دولة قوة تستطيع أن تمثله وتحمي قراره؟
أما الآن، وبعد أن بنى تلك القوة فعلًا، ظهر السؤال الذي لم يكن أحد يريد الوصول إليه:
أين تذهب القوة عندما تفقد المكان الذي جمعها؟
إلى أين يذهب المقاتل؟
وأين تذهب المؤسسة؟
وأين تذهب القيادة؟
والأهم...
ماذا يحدث للمجتمع الذي يبقى؟
فالمقاتلون سيغادرون.
والقيادة ستغادر.
وستتوزع القوة التي كانت مجتمعة في بيروت على أكثر من منفى.
لكن المخيمات ستبقى.
والفلسطيني تحت الاحتلال سيبقى.
والأرض التي من أجلها بدأت الحكاية...
ستبقى حيث كانت.
وهنا يبدأ امتحان مختلف تمامًا للشرعية.
فحتى هذه اللحظة، كان المجتمع يسأل قيادته:
كيف تقودون قوتنا؟
بعد بيروت سيبدأ سؤال آخر:
كيف تقودوننا وأنتم بعيدون عنا؟
وماذا يحدث لبيت وطني حين لا يعود له مركز واحد، وتتوزع غرفه بين تونس والجزائر والسودان واليمن وسوريا، بينما يبقى شعبه موزعًا بين المخيم والمنفى والأرض المحتلة؟
وهل تبقى المسافة مجرد جغرافيا...
أم تبدأ الجغرافيا، ببطء، في تغيير العلاقة بين المجتمع وقيادته؟
لم تكن الإجابة على شاطئ بيروت.
كانت تنتظر في المنافي الجديدة...
وفي المخيمات التي بقيت بلا مقاتليها...
وفي الأرض المحتلة، حيث كان مجتمع آخر يبني، بصمت، أدواته الخاصة.
وهناك تبدأ الحلقة الثامنة.
يحيى بركات
28/8/2026
-الحلقة السابعة-
قوة معلقة في الهواء
-يحيى بركات –
-مخرج وكاتب سينمائي-
في الحلقة الماضية، تركنا الفلسطيني وقد أصبح له بيت سياسي. بيت لا يقوم على أرض فلسطينية، لكنه يمتد من المخيم إلى الجامعة، ومن الاتحاد إلى مكتب التمثيل، ومن الداخل المحتل إلى عواصم العالم.
وفي عام 1974، وصل ذلك البيت إلى لحظة بدت كأنها تتويج لرحلة طويلة: اعترف به العرب في الرباط، وفتحت له الأمم المتحدة أبوابها، ودخل ياسر عرفات قاعتها باسم فلسطين.
لكن الاعتراف لم يكن نهاية الرحلة.
كان بداية امتحان جديد.
فالبيت الذي صنعه المجتمع ومنحه شرعيته بدأ يكبر بسرعة. وكبرت معه مؤسساته، وأمواله، وسلاحه، وتحالفاته، ونفوذه.
وكان السؤال الذي تركناه في نهاية الحلقة السادسة:
ماذا تفعل القوة بالبيت... وبالعلاقة بين من يسكنه ومن يقوده؟
ولكي أستعيد حجم تلك القوة، لا أحتاج اليوم إلى وثيقة سياسية أو أرقام ميزانية.
تكفيني لقطة ما زالت في ذاكرتي.
في موسكو...
كنت ضمن الوفد السينمائي الفلسطيني المشارك في مهرجان موسكو السينمائي. كنا سينمائيين نحمل أفلامنا وكاميراتنا، لكن الاستقبال لم يكن استقبال مجموعة من الفنانين جاءت إلى مهرجان.
استُقبلنا في الكرملين.
لم أكن رئيس دولة، ولا وزيرًا، ولا دبلوماسيًا. كنت مخرجًا فلسطينيًا شابًا. لكننا، منذ اللحظة التي دخلنا فيها، لم نُعامل كأفراد جاء كل منهم باسمه.
كان أمامهم وفد يمثل فلسطين.
وكان الاسم الذي يسبق أسماءنا جميعًا:
منظمة التحرير الفلسطينية.
هذه التفاصيل الصغيرة كانت تقول شيئًا أكبر من البروتوكول.
شعب لا دولة له على الخريطة...
كان له وفد يدخل الكرملين.
وفي لايبزغ، في ألمانيا الشرقية، عشت الشعور نفسه. وفي الكويت وقطر، حين شاركت في الوفود الثقافية برفقة أبو إياد، لم نكن نُستقبل كجماعة لاجئين جاءت لعرض فيلم أو تقديم أمسية ثقافية.
كان هناك اسم يسبق أسماءنا جميعًا:
فلسطين.
كانت فلسطين حاضرة في العلم، وفي المقعد، وفي اسم الوفد، وفي طريقة الاستقبال.
وكأن شعبًا بلا دولة استطاع أن يجعل العالم يعامله، في كثير من الأماكن، كما لو أن دولته موجودة بالفعل.
لكن الصورة الأكثر دفئًا لم تكن في الكرملين ولا في قاعة رسمية.
كانت بين الناس.
في الكويت، لم يكن الفلسطينيون ينتظروننا لأننا وفد رسمي. كانوا ينتظرون فلسطين التي تأتي معنا.
أتذكر محمود درويش في الجامعة.
امتلأت القاعة، ثم الممرات، ثم الأبواب، وبقي كثيرون في الخارج.
آلاف جاءوا ليستمعوا إلى شاعر.
لكنني حين أستعيد الصورة اليوم، لا أعتقد أنهم جاءوا إلى محمود درويش وحده.
كانوا يأتون إلى فلسطين.
الفلسطيني الذي يعمل طوال الأسبوع كان يجد في تلك الأمسية مكانًا يلتقي فيه بفلسطيني آخر. في الفيلم يرى حكايته، وفي الأغنية يسمع ذاكرته، وفي الدبكة يستعيد وقع قرية ربما لم يرها أبناؤه، وفي القصيدة يعود الوطن الذي غاب عن الخريطة إلى القاعة.
لم تكن الثقافة هامشًا في الثورة.
كانت واحدة من الطرق التي ظل بها المجتمع الفلسطيني مجتمعًا.
ولهذا لم تكن بيروت يومها مجرد مقر لقيادة سياسية وعسكرية.
كانت شيئًا أكبر.
كانت عاصمة فلسطينية بلا إعلان.
فيها الصحيفة والمجلة ومركز الأبحاث، والسينما والمسرح والفن التشكيلي، والكاتب والشاعر والصحفي، والطبيب والباحث، والاتحاد والنقابة، والمستشفى والمؤسسة الاجتماعية.
وكان المثقف الفلسطيني، مثل المقاتل، يشعر أنه يعمل في جبهة.
الكاميرا جبهة. والقصيدة جبهة. والملصق جبهة. والكتاب جبهة. والصحيفة جبهة.
وأصبحت بيروت، في الوقت نفسه، فضاءً عربيًا للثقافة الثورية. جاء إليها مثقفون وكتاب وشعراء ومناضلون ومعارضون من أكثر من بلد عربي، يبحث بعضهم عن منبر، وبعضهم عن حماية، وبعضهم عن مساحة لا يجدها في بلده.
وهنا بدأت المفارقة.
فكلما كبرت الثورة الفلسطينية، لم تعد تجذب الفلسطينيين وحدهم. أصبحت قبلة لثوريين عرب، ومعارضين لأنظمتهم، وحركات تحرر، وصحفيين ومثقفين ودبلوماسيين.
لكن القوة تجذب شيئًا آخر أيضًا.
العيون.
أجهزة عربية. وأجهزة غربية. واستخبارات إسرائيلية. وأصدقاء وخصوم وعملاء يتحرك بعضهم في المدينة نفسها التي يتحرك فيها المقاتل والشاعر والصحفي.
كانت بيروت تستطيع أن تجمع، في مساحة صغيرة، فدائيًا فلسطينيًا، وشاعرًا عربيًا، ومعارضًا سياسيًا، ودبلوماسيًا أوروبيًا، ورجل استخبارات يراقب الجميع.
كانت الثورة تكبر...
وكانت العيون التي تراقبها تكبر معها.
ولم تكن دولة الاحتلال تنتظر من بعيد.
كانت الحرب على منظمة التحرير تجري على أكثر من جبهة: عمليات عسكرية، واغتيالات، واختراقات، وملاحقة للقادة والكوادر في لبنان وخارجه.
في بيروت نفسها، وصلت قوة إسرائيلية إلى قلب المدينة في عملية فردان عام 1973، واغتالت كمال عدوان، وكمال ناصر، ومحمد يوسف النجار، أبو يوسف.
ثلاثة قادة في ليلة واحدة.
وفي كانون الثاني 1979، اغتيل علي حسن سلامة، أبو حسن، بتفجير سيارة مفخخة في بيروت.
لم تكن القيادة تتحدث عن التضحية من وراء مكتب آمن.
كان المكتب نفسه قد يصبح هدفًا. والبيت هدفًا. والسيارة هدفًا.
وهذا مهم في فهم علاقتها بالمجتمع في تلك السنوات.
فالمجتمع كان يرى قادته يُقتلون كما يُقتل أبناؤه. وكان يرى أن من يقوده ليس خارج دائرة الخطر.
وكان هذا الاشتراك في الثمن جزءًا من الشرعية.
لكن القوة الفلسطينية في لبنان لم تكن تُقاس فقط بعدد المؤسسات والمقاتلين.
كانت تُقاس أيضًا بمن يأتي للدفاع عنها.
حين اشتدت الحرب الأهلية اللبنانية، وحين دخل الجيش السوري إلى لبنان، لم يبق الفلسطينيون في الخارج متفرجين على الثورة وهي تواجه واحدًا من أخطر امتحاناتها.
بدأ الناس يأتون.
طلاب تركوا جامعاتهم. أطباء ومهندسون. معلمون وعمال. إعلاميون وكتاب. ومثقفون ثوريون.
جاء فلسطينيون من دول الخليج، وجاء آخرون من أماكن أبعد، حتى من أميركا اللاتينية. بعضهم لم يكن قد حمل بندقية من قبل، لكنه شعر أن البيت الذي بناه الفلسطينيون أصبح مهددًا، وأن عليه أن يكون هناك.
ودخل مئات منهم معسكرات الثورة.
ومن أبرز صور تلك الظاهرة الكتيبة الطلابية.
شبان كان يمكن أن يبقوا في جامعاتهم، يكملون دراستهم ويحملون شهاداتهم، اختاروا أن يذهبوا إلى لبنان، وأن يحمل بعضهم السلاح، وأن يعيشوا بين المقاتلين.
لم تكن تلك مجرد تعبئة عسكرية.
كانت صورة لعلاقة المجتمع بالثورة.
حين شعر المجتمع أن البيت مهدد...
جاء للدفاع عنه.
لكن البيت الذي جاء الناس للدفاع عنه كان قد دخل، في الوقت نفسه، إلى قلب صراع شديد التعقيد.
كان التحالف مع الحركة الوطنية اللبنانية مفهومًا في سياقه. قوى لبنانية رأت في القضية الفلسطينية جزءًا من معركتها السياسية والاجتماعية، وقوى أخرى رأت في الوجود الفلسطيني المسلح تهديدًا للدولة وللتوازن الداخلي.
لكن ما بدأ تحالفًا سياسيًا دخل تدريجيًا في الحرب الأهلية.
والفلسطيني الذي جاء إلى لبنان لاجئًا، ثم أصبح فدائيًا يقاتل من أجل فلسطين، وجد نفسه طرفًا أصيلًا في صراع لبناني.
وهنا يجب أن نقرأ تاريخنا بلا خوف من أنفسنا.
ليس كل ما فعلته الثورة الفلسطينية في لبنان كان صوابًا.
لكن تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية الحرب الأهلية تزوير للتاريخ أيضًا.
للحرب جذورها اللبنانية الطائفية والسياسية والاجتماعية، ولها امتداداتها العربية والإقليمية والدولية. لكن وجودنا المسلح وتحالفاتنا وحجم قوتنا جعلنا جزءًا من معادلتها.
وأحيانًا...
لم يعد السلاح يتجه إلى الاحتلال وحده.
وهنا كان ينبغي أن يبقى السؤال حاضرًا أمام كل قرار:
هل تخدم هذه المعركة فلسطين... أم تجعل فلسطين طرفًا في معركة ليست معركتها؟
ثم جاء عام 1976.
ولم يعد السؤال نظريًا.
أصبح له اسم:
تل الزعتر.
مخيم محاصر.
الماء يقل. والطعام ينفد. والقذائف تسقط. والناس ينتظرون.
تشابكت الحرب اللبنانية مع التدخل السوري والصراع بين القوى اللبنانية والحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية.
ثم سقط المخيم.
لم يكن تل الزعتر مجرد معركة أخرى في الحرب الأهلية.
كان إنذارًا.
لأن المجتمع الذي منح الثورة أبناءه وشرعيته وجد نفسه، مرة أخرى، يدفع ثمن معادلات أكبر منه.
وهنا بدأ سؤال العلاقة بين المجتمع والقيادة يتغير.
لم يعد السؤال فقط: هل تمثلني القيادة؟
ظهر سؤال أشد قسوة:
هل تستطيع القوة التي بنيتها باسمي أن تحميني؟
لم تكن الإجابة سهلة، ولم تكن المسؤولية فلسطينية وحدها.
لكن تل الزعتر ترك على جدار البيت علامة لم يكن ينبغي تجاهلها.
وفي تلك السنوات كانت علامة أخرى تظهر.
المال.
رأينا في الحلقة الماضية كيف تدفقت الموارد إلى منظمة التحرير وفصائلها، وكيف كان المال ضروريًا لبناء المؤسسات، ودفع الرواتب، ورعاية أسر الشهداء والأسرى، وتمويل العمل العسكري والسياسي والثقافي والاجتماعي.
لكن ما كان وسيلة لبناء الثورة بدأ، في بعض المواقع، يتحول إلى مصدر قوة قائم بذاته.
كبرت الأجهزة. وكبرت الموازنات. وتعددت مصادر التمويل. وأصبحت للفصائل شبكاتها ومكاتبها ومؤسساتها الأمنية.
والمال لا يشتري السلاح وحده.
قد يشتري النفوذ. والولاء. والصمت. وأحيانًا... الوهم.
ودخلت بعض الأجهزة الفلسطينية في علاقات وتشابكات تجاوزت الوظيفة الأصلية لحركة تحرر وطني إلى ملفات وصراعات وحسابات عربية لم تكن فلسطين دائمًا في مركزها.
وهنا كان الخطر أعمق من فساد فرد أو راتب زائد.
كان السؤال:
هل بدأت بعض أدوات الثورة تتحول من وسائل لخدمة المشروع الوطني إلى مراكز قوة لها مصالحها الخاصة؟
لم تكن هذه صورة الثورة كلها.
كان فيها آلاف المناضلين الذين عاشوا ببساطة، وقاتلوا واستشهدوا ولم يملكوا شيئًا.
لكن الصورة لم تعد واحدة.
كان هناك الفدائي في الخندق. والموظف في المكتب. والمثقف الذي يكتب. والطبيب الذي يعالج. والجهاز الذي تكبر موازنته. ومن بدأ يكتشف أن الثورة يمكن أن تكون أيضًا وظيفة.
هنا بدأت تظهر مسافة القوة.
ليست المسافة التي صنعتها النكبة، وليست المسافة التي صنعتها الحدود.
هذه المرة...
كانت المؤسسة نفسها قادرة على إنتاج المسافة.
فالقيادة التي خرجت من المخيم أصبحت تدير مؤسسات كبيرة. والفصيل الذي بدأ بعدد قليل من الشبان أصبح يملك آلاف المقاتلين، ومكاتب وميزانيات وأجهزة وعلاقات عربية ودولية.
والثورة التي كانت تبحث عمن يعترف بها...
أصبح الآخرون يبحثون عن موقفها.
لم يعد السؤال فقط: ماذا يريد المجتمع الفلسطيني؟
دخلت أسئلة أخرى.
ماذا تريد هذه الدولة العربية؟ وماذا يريد ذلك الحليف؟ وما موقف الاتحاد السوفييتي؟ وما حسابات سوريا؟ وماذا يحدث داخل لبنان؟ وكيف نحمي وجودنا؟ وكيف نحافظ على تحالفاتنا؟
لم تختف فلسطين من البوصلة.
لكن حول البوصلة... ازدحمت الاتجاهات.
ومع ذلك، سيكون ظلمًا لتلك المرحلة أن نقرأها من أخطائها وحدها.
فالثورة التي كانت تكبر مؤسساتها وأجهزتها في بيروت، كانت تقاتل أيضًا.
وفي آذار 1978، اجتاح جيش الاحتلال جنوب لبنان في عملية الليطاني.
تقدمت الدبابات تحت غطاء الطائرات والمدفعية، لكن المقاتلين الفلسطينيين ومقاتلي الحركة الوطنية اللبنانية تصدوا للقوات المتقدمة، وخاضوا معها معارك قاسية.
لم تكن الأرض مفتوحة أمام جيش يدخل فينتهي كل شيء.
كانت هناك مقاومة تقاتل.
وبعد أيام من المواجهات، نقل الوسطاء إلى القيادة الفلسطينية أن إسرائيل وافقت على وقف إطلاق النار والانسحاب. ثم صدر قرار مجلس الأمن 425 مطالبًا بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية.
لم تُسحق المقاومة.
ولم ينته الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان.
بل خرجت الثورة من معركة 1978 أكثر ثقة بقوتها، بينما خرجت إسرائيل منها وهي تعرف أن المشكلة، بالنسبة إليها، لم تعد مجموعة قواعد فدائية على الحدود.
المشكلة أصبحت البيت الفلسطيني كله في لبنان.
وما لم تستطع عملية 1978 أن تنهيه...
بقي قائمًا، يكبر، ويتحول إلى قوة سيكون الصدام معها أكبر بكثير في المرة القادمة.
وبين 1978 و1982 لم تتوقف المواجهة.
قصف. وغارات. واغتيالات. وعمليات. ومواجهات على الحدود.
وفي عام 1981، اشتعل الجنوب مرة أخرى. دخلت الصواريخ والطائرات والمدفعية في دورة مواجهة واسعة، ثم تحركت الوساطة الأميركية عبر فيليب حبيب، وتم التوصل في تموز إلى وقف لإطلاق النار.
سكتت المدافع.
وعادت بيروت إلى إيقاعها.
الصحف تصدر. والمكاتب تعمل. والاجتماعات مستمرة. والوفود تصل. والمؤسسات تكبر. والشعراء يكتبون. والسينمائيون يصورون. والمقاتلون في مواقعهم.
وبدا للحظة أن البيت الكبير يستطيع أن يستمر هكذا طويلًا.
لكن خلف الحدود...
كان هناك من يقرأ الصمت استعدادًا للحرب التالية.
وفي الوقت نفسه، كانت الخريطة العربية تتغير.
فبعد حرب تشرين 1973 دخلت المنطقة مسارًا سياسيًا جديدًا، ثم جاءت زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس عام 1977، وخطابه أمام الكنيست، وبعدها اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.
خرجت مصر، بثقلها العسكري والسياسي، من معادلة الحرب العربية مع دولة الاحتلال.
وبالنسبة إلى منظمة التحرير، لم يكن ذلك خبرًا دبلوماسيًا.
كان تغيرًا في ميزان المنطقة كلها.
الثورة التي قامت داخل فضاء عربي، واعتمدت في جزء من قوتها على عمق عربي، بدأت ترى هذا العمق نفسه يتغير.
وتزايدت الخلافات العربية، والاصطفافات، والضغوط، والمبادرات السياسية.
وكان على القيادة الفلسطينية أن تقرأ في الوقت نفسه خريطة لبنان، وخريطة الجنوب، وخريطة العلاقات العربية، وخريطة موسكو، وخريطة واشنطن.
وكان عليها، وسط كل تلك الخرائط...
ألا تضيع خريطة فلسطين.
هنا تكمن المفارقة الكبرى في تجربة لبنان.
كانت منظمة التحرير في أوج حضورها.
لها مقاتلون، ومؤسسات، ومال، وإعلام، وثقافة، وعلاقات دولية، ومكاتب في العالم، واعتراف سياسي متزايد.
وفي مناطق وجودها، مارست بعض وظائف الدولة إلى درجة أن الحدود كانت تلتبس أحيانًا بين حركة تحرر وكيان سياسي قائم فوق أرض دولة أخرى.
كانت تستطيع أن تؤثر في السياسة اللبنانية.
لكنها لا تستطيع أن تقرر مصير لبنان.
تستطيع أن تبني قوة عسكرية.
لكن لا دولة لها تحمي ظهر هذه القوة.
تستطيع أن تفتح مكتبًا في موسكو أو باريس.
لكنها لا تستطيع أن تمنع عاصمة عربية من تغيير سياستها غدًا.
تستطيع أن تجمع آلاف المقاتلين.
لكن الأرض التي يقفون عليها...
ليست أرضهم.
كانت القوة حقيقية.
لكنها كانت معلقة في الهواء.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، كان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يبني أدواته تحت الاحتلال: الجامعات، والنقابات، والبلديات، والحركة الطلابية، وحركة الأسرى، واللجان والقوى الوطنية والاجتماعية.
وكانت الصلات بين الداخل والخارج تتعمق.
وكان داخل قيادة فتح مستوى يهتم بالأرض المحتلة، وكان أبو جهاد، خليل الوزير، من أبرز الذين حملوا هذا الملف، إلى جانب قادة وكوادر أدركوا أن الثورة لا تستطيع أن تبقى على الحدود بينما مجتمعها يعيش المواجهة كل يوم.
كان الداخل يتغير.
وكان الخارج يكبر.
وكان الخيط بينهما يصبح أكثر أهمية.
لكن دولة الاحتلال كانت ترى هذا الخيط أيضًا.
وتواصلت حرب الاغتيالات ضد الكوادر الفلسطينية في الخارج.
في لندن، اغتيل سعيد حمامي.
وفي باريس، اغتيل عز الدين القلق.
وفي بروكسل، اغتيل نعيم خضر.
وفي روما عام 1981، اغتيل ماجد أبو شرار، الكاتب والمناضل وعضو قيادة فتح، الذي كان حاضرًا في العمل المتصل بالأرض المحتلة.
كان القائد، والمثقف، وممثل المنظمة، والمناضل...
جميعهم داخل دائرة النار.
وهذا يعيدنا إلى ما رأيناه في الحلقة السادسة.
لم يكن المجتمع وحده يدفع الثمن.
كان كثير من قادته وكوادره في مقدمة من يدفعونه.
ولهذا، رغم الأخطاء التي بدأت تظهر، ورغم المال والأجهزة والتحالفات وتعقيد المؤسسة، بقيت العلاقة بين المجتمع ومنظمة التحرير قوية.
كان الفلسطيني ينتقد فصيلًا، ويغضب من قائد، ويرفض قرارًا.
لكنه، عندما يشعر أن البيت كله مهدد، كان يعود إليه.
وهذا ربما يفسر لماذا جاء الطلاب والمتطوعون إلى لبنان. ولماذا بقي الفلسطيني في الكويت وقطر ودمشق وأوروبا وأميركا اللاتينية يرى في المنظمة عنوانه الوطني. ولماذا بقي الفلسطيني تحت الاحتلال يرى العلم نفسه.
فالبيت كان يحمل عيوبه.
لكنه ظل...
البيت.
ثم جاء حزيران 1982.
دخل جيش الاحتلال لبنان بقوة هائلة، وتقدم شمالًا حتى وصل إلى بيروت.
لكن الوصول إلى المدينة لم يكن نهاية المعركة.
هناك بدأت معركة أخرى.
عند المتحف، وعلى المداخل والمحاور التي حاولت الدبابات التقدم منها، كانت أمتار قليلة تُدفع أثمانها من الحديد والدم.
دبابات تُصاب. ومقاتلون فلسطينيون ولبنانيون يتمسكون بمواقعهم. ومدينة ترفض أن تتحول إلى طريق مفتوح أمام الجيش القادم من الجنوب.
لم تكن بيروت مدينة سقطت عسكريًا ثم خرج منها الفلسطينيون.
بيروت صمدت.
وصمد المقاتلون الفلسطينيون واللبنانيون معها.
أسابيع من الحصار والقصف والقتال، ولم يستطع التفوق العسكري الإسرائيلي أن يحول المدينة إلى نزهة عسكرية، ولا أن يفرض على المقاتلين مشهد الاستسلام الذي أراده.
لكن الاحتلال كان يملك سلاحًا آخر.
بيروت نفسها.
الطائرات تقصف. والمدفعية تقصف. والبحر يقصف.
وفي الأسفل...
مدينة كاملة تعيش.
أطفال ونساء وشيوخ. بيوت ومستشفيات وشوارع. وفلسطينيون ولبنانيون يختبئون من الموت نفسه.
وهنا اصطدمت القوة الفلسطينية بالحقيقة التي ظلت مؤجلة منذ خرجت المقاومة من الأردن إلى لبنان:
هذه ليست أرضنا.
بيروت احتضنت الثورة، لكنها ليست عاصمة الفلسطينيين.
هي عاصمة لبنان.
وللبنان شعبه ودولته ومجتمعه وحساباته ومستقبله.
وكل قنبلة إسرائيلية كانت تسقط على بيروت لم تكن تضغط على المقاتل الفلسطيني وحده. كانت تسقط فوق اللبناني أيضًا، وتهدم بيته، وتقتل أبناءه، وتدفع المجتمع اللبناني كله إلى قلب معركة لم يكن الفلسطيني وحده يملك حق تقرير نهايتها.
وهنا وجد الاحتلال الثغرة التي لم يستطع أن يفتحها بالدبابة وحدها.
لم يكن عليه فقط أن يهزم المقاتل الفلسطيني.
كان يستطيع أن يجعل بقاء المقاتل نفسه ثمنًا تدفعه المدينة.
وهذه كانت المعضلة.
يستطيع المقاتل أن يقرر أن يموت في موقعه.
ويستطيع القائد أن يقرر أن يقاتل حتى النهاية.
لكن هل يستطيع أن يقرر أن تموت مدينة أخرى معه؟
هنا لم تعد المسألة شجاعة.
ولم يعد السؤال من يستطيع الصمود أكثر.
أصبح السؤال سياسيًا وأخلاقيًا ووطنيًا في آن واحد.
منظمة التحرير كانت قوية.
مقاتلوها صمدوا.
وبيروت صمدت.
وشعب بيروت دفع ثمنًا هائلًا من دمه وبيوته وحياته اليومية.
لكن المنظمة اكتشفت، في أكثر لحظات قوتها، الحقيقة التي كان تاريخها كله يؤجل مواجهتها:
يمكنك أن تبني جيشًا على أرض الآخرين.
ويمكنك أن تبني مؤسسات.
ويمكنك أن تصنع شيئًا يشبه الدولة.
لكن الأرض التي تقف عليها تبقى لها شعبها ودولتها وسيادتها.
ولهذا لم يكن اتفاق الخروج من بيروت مجرد نتيجة عسكرية.
كان لحظة اصطدمت فيها القوة الفلسطينية بحدودها.
لم يكن المقاتل قد ألقى سلاحه. ولم تكن القيادة قد رفعت راية بيضاء. ولم تكن بيروت قد انكسرت.
لكن السؤال لم يعد:
هل نستطيع أن نقاتل؟
فقد قاتلوا.
ولم يعد:
هل نستطيع أن نصمد؟
فقد صمدوا.
أصبح السؤال أكثر قسوة:
إلى متى يستطيع الفلسطيني أن يواصل حربه فوق أرض شعب آخر، حين يصبح هذا الشعب نفسه هدفًا للقصف من أجل إخراجه؟
هنا ظهرت الحقيقة التي ظلت الثورة تؤجل مواجهتها منذ خروجها من الأردن.
كان لها سلاح...
ولم تكن لها أرض.
كان لها مقاتلون...
ولم تكن لها حدود.
كان لها مؤسسات تكاد تشبه مؤسسات الدولة...
لكنها لم تكن دولة.
وكان لها بيت سياسي كبير...
لكن مفتاح الأرض التي يقوم عليها البيت لم يكن في يدها.
عند هذه النقطة لم تعد البطولة وحدها كافية.
دخلت السياسة. ودخل الوسطاء. ودخلت حسابات الدولة اللبنانية. وضغط الدم الذي يسيل في شوارع بيروت.
وبدأ التفاوض على الخروج.
وفي آب 1982، أصبح ما كان يبدو قبل أسابيع مستحيلًا اتفاقًا مكتوبًا: تخرج قيادة منظمة التحرير ومكاتبها ومقاتلوها من بيروت إلى بلدان متفرقة، تحت ترتيبات دولية تضمن خروجهم.
هنا فقط ظهرت المفارقة كاملة.
طوال سنوات، كان السؤال:
كيف يبني شعب بلا دولة قوة تستطيع أن تمثله وتحمي قراره؟
أما الآن، وبعد أن بنى تلك القوة فعلًا، ظهر السؤال الذي لم يكن أحد يريد الوصول إليه:
أين تذهب القوة عندما تفقد المكان الذي جمعها؟
إلى أين يذهب المقاتل؟
وأين تذهب المؤسسة؟
وأين تذهب القيادة؟
والأهم...
ماذا يحدث للمجتمع الذي يبقى؟
فالمقاتلون سيغادرون.
والقيادة ستغادر.
وستتوزع القوة التي كانت مجتمعة في بيروت على أكثر من منفى.
لكن المخيمات ستبقى.
والفلسطيني تحت الاحتلال سيبقى.
والأرض التي من أجلها بدأت الحكاية...
ستبقى حيث كانت.
وهنا يبدأ امتحان مختلف تمامًا للشرعية.
فحتى هذه اللحظة، كان المجتمع يسأل قيادته:
كيف تقودون قوتنا؟
بعد بيروت سيبدأ سؤال آخر:
كيف تقودوننا وأنتم بعيدون عنا؟
وماذا يحدث لبيت وطني حين لا يعود له مركز واحد، وتتوزع غرفه بين تونس والجزائر والسودان واليمن وسوريا، بينما يبقى شعبه موزعًا بين المخيم والمنفى والأرض المحتلة؟
وهل تبقى المسافة مجرد جغرافيا...
أم تبدأ الجغرافيا، ببطء، في تغيير العلاقة بين المجتمع وقيادته؟
لم تكن الإجابة على شاطئ بيروت.
كانت تنتظر في المنافي الجديدة...
وفي المخيمات التي بقيت بلا مقاتليها...
وفي الأرض المحتلة، حيث كان مجتمع آخر يبني، بصمت، أدواته الخاصة.
وهناك تبدأ الحلقة الثامنة.
يحيى بركات
28/8/2026