علي سيف الرعيني -| الحق وإن تاخر لايموت !!

قد يمتلك الإنسان كل أسباب القوة لكنه يخسر نفسه حين يستخدمها في ظلم الآخرين وقد يقف إنسان أعزل في وجه الظلم لا يملك إلا كلمة حق وموقفًا نزيها، فيكون أقوى من أولئك الذين تحيط بهم مظاهر القوة من كل جانب.
القوة الحقيقية لا تبدأ من العضلات، ولا من ارتفاع الصوت ولا من كثرة الأتباع، ولا من القدرة على إخافة الآخرين إنها تبدأ من القدرة على أن تكون عادلا حين تستطيع أن تظلم وأن تكون رحيمًا حين تستطيع أن تقسو، وأن تختار الحق حين يكون الباطل أكثر سهولة وأقرب منفعة
فالجبروت يستطيع أن يصنع الخوف، لكنه لا يستطيع أن يصنع الاحترام
والظلم قد يفرض الصمت، لكنه لا يصنع القناعة
والقوة التي تقوم على إخضاع الناس قد تستمر لبعض الوقت، لكنها تظل مهددة من الداخل لأن الإنسان قد يخاف ممن يظلمه، لكنه لا يمنحه بالضرورة قلبه أواحترامه
أما العدل، فله قوة مختلفة قوة لا تحتاج إلى صراخ، ولا إلى استعراض، ولا إلى استحضار الخوف. يكفي أن يشعر الإنسان أن حقه مصون وأن كرامته محفوظة، وأن القانون لا ينحني أمام صاحب النفوذ، حتى تنشأ الثقة، وتستقيم العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الحاكم والمحكوم، وبين القوي والضعيف
ولذلك فإن المجتمعات لا تُقاس فقط بما تمتلكه من جيوش واقتصاد وتقنيات وإنما بما تمتلكه من عدل ومؤسسات وقيم
فما قيمة القوة العسكرية إذا عجزت عن حماية الإنسان؟ وما قيمة السلطة إذا تحولت إلى وسيلة لإذلال الناس؟ وما قيمة المال إذا أصبح طريقًا لشراء الضمائر؟ وما قيمة النفوذ إذا كان ثمنه سحق الضعفاء؟
إن القوة حين تنفصل عن الأخلاق تتحول بسهولة إلى خطر، وحين تنفصل عن العدالة تصبح أداة للهيمنة وحين تفقد إنسانيتها قد تصبح أقرب إلى الضعف منها إلى القوة
ولعل المفارقة الكبرى أن بعض الذين يبدون في قمة القوة يعيشون في الحقيقة أسرى للخوف؛ يخافون من فقدان سلطتهم، ومن انكشاف ظلمهم، ومن لحظة يقول فيها الناس: كفى
بينما قد يبدو المظلوم ضعيفًا لأنه لا يملك أدوات المواجهة لكنه يحتفظ بشيء لا يستطيع الظالم امتلاكه بالقوة الحق والحق وإن تأخر لا يموت قد يمر الظلم في طريقه سريعًا، وقد يبدو في لحظة ما أنه انتصر، وقد ينجح الظالم في إسكات الشهود لكنه لا يستطيع أن يمحو الحقيقة من ذاكرة الزمن فالأيام لا تحفظ أسماء الذين امتلكوا السلطة فقط، بل تحفظ أيضًا مواقف الذين استخدموا ما امتلكوه لصناعة الخير أو صناعة الألم
إننا بحاجة اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم القوة، خصوصًا في زمن تتسع فيه أدوات التأثير، وتتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا، وأصبح من الممكن أن تتحول القوة في لحظات إلى وسيلة للتضليل أو الإقصاء أو التحكم في حياة الآخرين
القوي الحقيقي هو الذي يعرف أن قدرته ليست تفويضًا مفتوحًا لإيذاء الناس
هو المسؤول الذي لا يستغل منصبه، والغني الذي لا يحتقر الفقير، والقادر الذي لا يستقوي على العاجز، والأب الذي لا يجعل سلطته على أسرته بابًا للقسوة، والمجتمع الذي يحمي أفراده حين يضعفون بدل أن يتخلى عنهم.
القوة أن تملك القدرة على الانتقام، ثم تختار التسامح حين يكون التسامح عدلا
والقوة أن تستطيع إسكات الآخرين، ثم تمنحهم حق الكلام.
والقوة أن تكون قادرًا على أخذ حق ليس لك، ثم تتركه لأن ضميرك يقول: ليس هذا حقي والقوة الأكبر أن تنتصر دون أن تتحول إلى نسخة أخرى من الذين هزمتهم.
أما الضعف الحقيقي، فليس في أن تبكي، أو تتراجع، أوتعترف بخطئك أو تطلب المساعدة. الضعف الحقيقي أن يخاف الإنسان من الاعتراف بالحقيقة، وأن يظن أن الاعتذار ينتقص من هيبته، وأن يرى الرحمة عجزًا، والعدل تنازلًا، والاختلاف تهديدًالقد علمتنا الحياة أن أشد الناس قوة ليس بالضرورة أكثرهم قسوة، بل أكثرهم قدرة على ضبط قوته
فمن السهل أن تقسو عندما تمتلك السلطة، لكن الأصعب أن تبقى إنسانا ومن السهل أن تنتصر على الضعيف، لكن البطولة أن تمنحه فرصة للنهوض
ومن السهل أن تستخدم نفوذك لتفرض رأيك، لكن الأصعب أن تستخدم نفوذك لإنصاف من لا صوت له لهذا فإن القوة التي تستحق الاحترام ليست تلك التي تجعل الآخرين يخافون منك، وإنما تلك التي تجعلهم يشعرون بالأمان معك
فحين تقترن القوة بالعدل تتحول إلى حمايةوحين تقترن القوة بالرحمة، تتحول إلى إنسانية
وحين تقترن القوة بالحق، تتحول إلى مسؤولية أما حين تقترن بالغرور والظلم، فإنها مهما بلغت من اتساع تظل قوة ناقصة، لأن صاحبها قد يمتلك العالم من حوله، لكنه يفقد العالم الذي بداخله
قد يستطيع الجبروت أن يؤجل العدالة لكنه لا يستطيع إلغاءها. وقد ينجح الظلم في صناعة الخوف لكنه يعجز عن صناعة المستقبل القوة الحقيقية ليست أن تملك القدرة على كسر الآخرين، بل أن تملك القدرة على حماية حقوقهم وأنت قادر على كسرهم تلك هي القوة التي تبقى
أما الجبروت، فله عمر مهما طال والظلم مهما ارتفع لا يملك السماءويبقى الحق، في نهاية الطريق أكثر الأشياء صلابة لأنه لا يحتاج إلى بطش كي ينتصربل يحتاج إلى أناس يؤمنون به، ويقفون إلى جانبه، ولا يخافون من قول الحقيقة فليست القوة أن تجعل الناس ينحنون أمامك بل أن تجعلهم يرفعون رؤوسهم لأنك مررت من هنا!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى