أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٣١ آب من كل عام

١
يوسف شحدة الكحلوت ومحمود درويش وحماس ومحمود درويش :

أنا مشغول هذه الأيام بقراءة دراسات ومقالات عن محمود درويش وصورته في الوعي الشعبي الفلسطيني .
الموضوع لافت وبدأ يروق لي أكثر وأكثر . أحد طلابي سألني إن كنت قرأت دراسة يوسف شحدة الكحلوت عن الانحراف الديني والخلقي في أشعار درويش . طلبت من طالبي أن يصور لي الدراسة وانشغلت بقراءتها الأسبوع الماضي .
هل تذكرت رأي القاضي الجرجاني أو رأي عبد القاهر الجرجاني في محاكمة الشعر من وجهة نظر الدين؟
لقد بدا درويش من وجهة نظر يوسف الكحلوت منحرفا دينيا وأخلاقيا أيضا .
لم يدرس الدارس مواقف الشاعر دراسة تعاقبية . أخذ أشعار درويش التي تدينه وجردها من لحظتها الزمنية ومن الحالة التي كان الشاعر عليها وأمعن فيه جلدا وتكفيرا .
الأسوأ من هذا كله أن الدارس أمي في قراءة النصوص - نعم أمي ورب الكعبة .
لماذا أخذ الدارس المقاطع التي تدين الشاعر ولم يتوقف أمام أسطر شعرية تضع درويش في عداد المؤمنين مثلا ؟
لماذا لم يدرس أشعار الشاعر دراسة تعاقبية توضح اختلاف مواقفه الأخيرة عن مواقفه المبكرة ؟
لماذا لم يلاحظ الأثر التوراتي في أشعار الشاعر؟
ألم يلفت نظره السطر ( سيضيئك القرآن ) أو السطر ( وسنعتمد على القرآن في تفسير ما يجري )؟
ألم تلفت قصيدة " في القدس " نظر الشاعر ليدرس ما كتبه الشاعر عن النبي محمد( ص ) ؟ثم لماذا لم يدرس موقف درويش من الماضي في فترات لاحقة للفترة التي كتب فيها سطره ( من يشتري تاريخ أجدادي بيوم حرية ) ؟
إن موقف الشاعر من الماضي والحاضر موقف متغير في الزمان ويحتاج لوقفة متعمقة لا لوقفة سريعة متعجلة كما هو الحال في دراسة الكحلوت .
كثيرون ممن كتبوا عن درويش كتبوا كتابة فقيرة لأن أصحابها فقراء منهجيا وفقراء في قراءة النصوص أو أنهم لم يعيشوا مع أشعار الشاعر إلا عاما أو عامين على أكثر تقدير - عاشوها لكتابة رسالة ماجستير أو دكتوراه ليس إلا ! وهذا لا يكفي أطلاقا ولا يجعل منهم متخصصين في درويش .
٢٠١٣

٢
تسكع :

لا بد من التسكع في الشوارع حتى أكتب عن الناس ، وهذا أفضل من الإقامة في قطر وعمان للكتابة عن عوالم أقرأ عنها فقط . لهذا لا أحب الرواية التاريخية كثيرا .
سحر خليفة تقيم في عمان على فراش وثير وهي مناضلة هناك ، ومثلها عزمي بشارة يحرر فلسطين من قطر .
بارك الله في الزنود القوية - على رأي ابراهيم طوقان - ف " بيان " من سحر وعزمي " يعادل جيشا بمعدات زحفه الحربية " .
٢٠١٣

٣
سحر خليفة وعزمي بشارة والسير على خطا محمود درويش :

انشغلت بنهاية الأسبوع بكتابة مقال أرسلته اليوم للأيام لينشر غدا أو يوم الثلاثاء أو الأحد القادم حول سحر خليفة وعزمي بشارة وما قاما به حيث تركا فلسطين وآثرا الإقامة في قطر وعمان .
هل كان في لاوعي الاثنين- أو في وعيهما - أن يقلدا محمود درويش وأن يسلكا سلوكه لعلهما يصيبان من الشهرة والحظوة ما أصاب ؟
الإجابة بالتأكيد - أو النفي - تبقى صعبة والمرء يجتهد وهو يحاول أن يقدم إجابة .
سحر تقيم الآن في عمان وأنجزت ثلاث روايات لا صلة لها بالواقع المعيش ، وعزمي بشارة أخذ يكتب الشعر الذي لم يتلق حتى اللحظة تلقي أشعار درويش بعد خروجه ، ولم ينبيء شعر عزمي بأنه شاعر موهوب ، كما أن روايات سحر العادية جدا لم تنبيء بأنها ستحقق ما حققه درويش .
سحر خليفة وعزمي بشارة يطمحان إلى الوصول إلى ما وصل إليه درويش ، لكنهما حتى اللحظة قدما أعمالا أدبية عادية .
إن ما أشهر سحر في رواياتها السابقة هو موضوعها المعبر عن حياة الناس تحت الاحتلال ، ومنذ أقامت في عمان لم تنجز أية رواية عن الواقع الفلسطيني المعيش إلا رواية " ربيع حار " وهي رواية سريعة بائسة لا تعبر عن واقع الانتفاضة بعمق وصدق ، لأنها ليست أكثر من لملمة حكايا سمعتها الروائية من نسوة حوش العطعوط اللاتي هن المؤلف الضمني للرواية التي لم يكن لسحر نصيب فيها إلا كتابتها بسرعة .
عزمي بشارة أصدر ديوانين شعريين لولا اسمه كمفكر لما نشرتهما له أية دار نشر .
يقيمون في فتادق خمسة نجوم ويعدون أدباء مقاومة أو يريدون أن يعدوا كذلك .
أما كان الأفضل لعزمي بشارة ولسحر خليفة أن يظلا مقيمين في وطنهما الذي منه اكتسبا شهرتهما .
حقا إن عزمي مفكر ، لكنه ليس شاعرا موهوبا . إنه أقل من شاعر متوسط ، أما سحر فلولا ملامستها الموضوع النسوي وتصوير واقع الناس تحت الاحتلال لظلت كاتبة من الدرجة الخامسة .

٤
حديث الصباح :
" سجن العريس وسجن العروس أيضا " :

حوار معاذ شريدة هذا الصباح مع اللواء .
وحديث اللواء أو العقيد ومتدخلين آخرين كان حول إطلاق النار في اﻷعراس .
لا أعرف السيد نصر أو السيد تفاحة . وأعرف بلال الشخشير وتوفيق الطيراوي .
كان هناك استحضار لما يفكر فيه في اﻷردن ، فهناك إن أطلقت النار يجب أن يقضي العريس شهر العسل في السجن .
السيد نصر أضاف :
- وسجن العروس أيضا .
الموضوع طريف ، ولكن هل العريس والعروس كانا أعطيا اﻷوامر للزعران بإطلاق النار ؟
لم لا يسجن مطلق النار ؟
ربما ﻷنه من المناضلين الذين حرروها من شرقها إلى غربها وسافروا إلى أوغندا لا إلى كينيا .
المتحدثون أتوا على سلاح المقاومة ، وبما أنني لست مقاوما ولست بطلا ، وإنما أنا في أعين المناضلين انتهازي وامبريالي و ..و .. وأحيانا أنا صهيوني وموساد ، فلا يحق لي التدخل في الشؤون الوطنية .
للعلم فإن أحد قادة الانتفاضة اﻷولى وكان مطاردا اتصل بي ﻷلتقي به في مخبئه السري ( المخبا السري كان مكتبا في عمارة ، وكان للمطارد بيت مستأجر ) وكان أن التقيت به ، ومنه عرفت أنه يبيع البضاعة الإسرائيلية ورأيت مخازنه والبضاعة فيها ، ولما سألته :
- كيف يحدث هذا ؟بضاعة اسرائيلية ودعوة إلى مقاطعتها وأنت مطارد ؟ وسيجيبني :
- قادة الانتفاضة يريدون البضاعة الإسرائيلية فقط .
و ..و .. خليها على الله . أنا انبطاحي استسلامي ، وأحد الذين اتهموني هذا الاتهام يأتي دائما ليطلب مني مساعدات .
يا أخي كيف !

٥
نابلس :

في الأيام التي تسبق العيد في نابلس تسود أجواء تشبه الأجواء التي تسود في أثناء الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف ورأس السنة الهجرية .
وأنت تسير في شوارع البلدة القديمة تلحظ مجموعات من الناس يمارسون طقوسا وشعائر معينة .
أول أمس صباحا كنت أذرع شوارع البلدة القديمة فإذا بخمسة رجال يضعون أيديهم معا ويتمتمون . لعلهم يقرؤون نصا ما ؛نصا قرآنيا أو ما شابه . دعاني أحدهم كي أقف معهم وأضع يدي . ابتسمت وواصلت سيري .
في شوارع فرعية أخرى كثيرة كان صوت قراء القرآن عاليا .
أجواء دينية بامتياز
أكيد لو عاش ماركس في نابلس لصار الشيخ ماركس .
31/ 8 /2017

٦
الموت في الشعر العربي :

وأنا أشرف على رسالة كامل ياسين " رثاء الذات والأقارب في الشعر الفلسطيني " أخذت أبحث عن حضور الموت في الشعر العربي فلاحظت عشرات الدراسات ومنها :
- خطاب الموت في الشعر الجاهلي / أحمد الحسين / مجلة نزوى ١ نيسان ١٩٩٧ .
- الموت في شعر المعلقات / ابراهيم أبو عواد / مقالة طويلة " رأي اليوم " ١٢ آب ٢٠١٧ .
- الموت وما بعد الموت في الشعر الجاهلي لشاعر وناقد من العراق ١ تموز ٢٠٠٩ .
- الموت في الشعر العربي القديم
- الموت في الشعر الجاهلي / كتاب لحسن أحمد عبد السلام ٢ كانون الثاني ١٩٩١
- الحياة والموت في الشعر الجاهلي للدكتور مصطفى عبد اللطيف / ٣٨٦ صفحة / كتاب pdf
- مفارقة الموت والحياة في الشعر الجاهلي
- الموت في الشعر العباسي / رسالةماجستير / حنان الجمل
- الموت والحياة في شعر الخوارج / رسالة ماجستير / ٢٠١١
- الموت عند شعراء الغزل في العصر الأموي / جاسم عبد الواحد زاهي الحميد
- الموت في الشعر العربي الحديث / أحمد بكري عصلة ٢٠٠٨ ٥٤٣ صفحة جامعة ميشغان.

( - فكرة الموت في الشعر العربي / كفايت الله همداني / مجلة جهات الإسلام / المجلد ٩ يوليو ٢٠١٥ )

- الموت في الشعر العربي المعاصر / محمود درويش نموذجا ١٢ أيار ٢٠٠٩ .
- رمزية الموت في شعر السياب .
إلخ .. إلخ .
هذا غيض من فيض .
-

٧
بين حانا ومانا ضاعت لحانا :

الدكتور محمد اشتية رئيس الوزراء الفلسطيني يحث المواطنين على أخذ اللقاح ، وما كان اختياريا صار إجباريا ، فلا يسمح لمن لم يتطعم البقاء على رأس عمله . اما أن يتطعم المرء أو أن يجلس في البيت بلا راتب ، وهات حلها .
آخر أشرطة الفيديو التي عممت تتحدث عن موت جماعي عما قريب لمن أخذوا اللقاح . لماذا ؟
كما تحدث أحدهم فإن اللقاح في أجساد من تطعموا سيقف عاجزا أمام مقاومة التحولات العديدة للفايروس .
بين حانة ومانا ضاعت لحانا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . إن تطعمنا مش خالصين وإن لم نتطعم مش خالصين ، وصحيح لا تكسري ومكسور لا تاكلي و ...
٣١ آب ٢٠٢١

٨
يوم قتل المواطن إبراهيم الأقرع ... يوم استشهد المواطن إبراهيم النابلسي .

في أثناء الحرب الأخيرة على غزة في الخامس من آب ٢٠٢٢ دار جدل بين كتابنا على صفحات التواصل الاجتماعي تمحور حول ردود أفعال أهل الضفة على الحرب . هل يواصل فلسطينيو الضفة الغربية حياتهم كالمعتاد أم أن عليهم أن يوقفوا مظاهر الحياة متضامنين مع فلسطينيي غزة ؟
كتب الروائي عباد يحيى الآتي :
" إيقاف مظاهر الحياة بما فيها الفرح في ظل المواجهة غير حقيقي ولا عملي وسلبي وصعب ، ولكن بث فعل وطني في أي مظهر من مظاهر الحياة بما فيها الفرح شيء بالمتناول وسهل وحقيقي ... إلخ " .
ما كتبه الروائي لم يرق للناشط والمهندس والفنان التشكيلي الغزي مجدي عاشور فاقتبس ما نشره الروائي وعقب عليه بالآتي :
" اسمعوا بالله عليكم ما كتبه عباد يحيى محرر التراصوت في ظل تعليق بعض الفاعليات الثقافية في الضفة الغربية ، وكأن من واجب أهل غزة الحياة تحت القصف بينما يرقص أهلنا الدبكة وينفخون في الربابة والأرغول في الضفة الغربية . انظروا كيف تتم صياغة المماحكات " .
في ١٣ آب من الشهر نفسه استشهد في نابلس إبراهيم النابلسي واثنان آخران ، فأعلن الحداد العام تضامنا مع أهل الشهداء وحزنا على الشهداء . في اليوم نفسه مساء عرفت من قريبين مني أنهم وعائلاتهم سينفقون يوم غد في أحد الشاليهات في منطقة الأغوار ، وسمعت عن إعدادهم واستعدادهم لما تقتضيه الرحلة وما تتطلبه من طعام وشراب .
لم أبد شخصيا رأيا في الجدل الدائر أو في رحلة معارفي ، ولكني سرعان ما تذكرت قصة الصديق أكرم هنية " يوم قتل المواطن إبراهيم الأقرع " التي نشرها في مجموعته " طقوس ليوم آخر "( ١٩٨٦) ، وبدأت أفكر في نصوص أدبية فلسطينية وعربية أتت من قبل على أحداث شبيهة . تذكرت مثلا رواية الكاتب العربي السوري أديب نحوي " عرس فلسطيني " (١٩٧٠) وتذكرت قصيدة محمود درويش " ونحن نحب الحياة " من مجموعة " ورد أقل "(١٩٨٦) وتذكرت كتابه " ذاكرة للنسيان "(١٩٨٦) الذي كتب فيه عن الحياة في بيروت في أثناء حصارها في العام ١٩٨٢ .
في " عرس فلسطيني " ينتظر الأب عودة ابنه الفدائي سالما من فلسطين ليحتفل به عريسا في الموعد المحدد . في النهار يعد العدة للعرس ليلا ، وفي المساء حيث موعد العرس يأتي نبأ استشهاد ابنه ، فلا يعلنه الأب على الملأ ، ويقرر الاستمرار في مجريات العرس ، فابنه قد يتأخر قليلا في المجيء ويحتفل الحضور .
في حصار بيروت ١٩٨٢ كان أهلها في أثناء اشتداد المعارك يقبعون في الملاجيء ، وما إن يعرفوا عن هدنة حتى يخرجوا ليواصلوا حياتهم ، فيذهب إلى الشاطيء من يريد الاستجمام ويتزوج من كان قرر أن يتزوج ، ولعل هذا ما أوحى لدرويش بكتابة قصيدته " ونحن نحب الحياة " :
" ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا ونرقص بين شهيدين
نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلا " .
وهو ما نقرؤ شبيها له في " ذاكرة للنسيان " حين يكتب عن مشاهدته مباريات كأس العالم لكرة القدم في ١٩٨٢ وعن المظاهرات التي شهدها الشارع العربي في الجزائر ضد الحكم في حين لم يتظاهر الشارع العربي ضد محاصرة عاصمة عربية يتعرض مواطنوها للقتل والتجويع والعطش :
" ولكني لا أغضب ، كما غضب غيري ، من المظاهرات العربية الصاخبة التي خرجت تحتج على حكم منحاز في مباريات كرة القدم تلهب الحماسة أكثر من هذا الصمود الطويل في بيروت ... ونحن نحب كرة القدم . ونحن أيضا يحق لنا أن نحب كرة القدم ، ويحق لنا أن نرى المباراة . لم لا ؟ .. "( أنظر الصفحات ٥٣ إلى ٥٦ من مجلة " الكرمل " عدد ٢١و٢٢ عام ١٩٨٦ ) .
وأعود إلى قصة " يوم قتل المواطن إبراهيم الأقرع " ، فمن هو إبراهيم ؟ وماذا جرى يوم قتله ؟ وكيف كانت الحياة تسير؟ وماذا يرمي القاص من وراء ذلك؟
إبراهيم هو مواطن فلسطيني صودرت أرضه فدافع عنها وقتل في ٢ أيار ١٩٨٣ . هذا ما يقصه علينا رئيس تحرير جريدة يعرف بالخبر ويتابعه ويفكر في كتابة مقال افتتاحي يتمحور حول الحدث الطازج الساخن .
في اليوم الذي استشهد إبراهيم فيه كانت الحياة تسير في الضفة على طبيعتها . كان الناس مشغولين بهمومهم وهي كثيرة وليست متشابهة ، فمنهم من تشغله مصالحه الخاصة ومنهم من هو مهموم بالوطن . منهم من يبيع أشرطة فيديو ومنهم من يبدل العملات في محل الصرافة الخاص به ، ومنهم المعلم الذي يشارك في اجتماع نقابي ، ومنهم من يذهب لقضاء سهرة في نتانيا ... إلخ
وما يرمي إليه السارد ، ومن ورائه الكاتب ، هو أن الحياة لا تتوقف باستشهاد مواطن . الحياة نهر تجري مياهه ولا تتوقف شئنا أم أبينا ، حزنا أو اعتكفنا في بيوتنا حتى يعود الشهيد إلى الأرض .
وليست هذه القصة الوحيدة للقاص التي يصور فيها انعكاس حدث معين على الناس واختلاف ردود أفعالهم . هناك قصة ثانية في المجموعة نفسها عنوانها " عندما أضيء ليل القدس " ، فحين يظهر رجل الضوء يرى فيه كل مواطن من يفتقده ؛ الأب الشهيد أو الحبيب الغائب أو الابن السجين ... إلخ .
في العام ٢٠٠٦ عندما هاجمت إسرائيل لبنان وسوت الضاحية الجنوبية بالأرض كنا نتابع الأخبار ونشاهد أيضا مباريات كرة القدم ، واحتفل جيراننا يومها بنجاح ابنتهم أو خطبتها ، ومن وحي ذلك أظن أنني كتبت مقالا عنوانه " فرح في بيت الجيران " .
هل أتبنى وجهة نظر عباد يحيى أو وجهة نظر مجدي عاشور ؟ وماذا تقدم وجهة نظري أو تؤخر ؟ الحياة منذ الأزل قائمة على ثنائية الحياة والموت والفرح والحزن والربح والخسارة ، وربما ما نحتاج إليه في الأوقات الحرجة والصعبة والمرة هو أن نقنن من مشاعرنا في الفرح والبهجة . الحياة لا بد أن تستمر .

( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ١١ أيلول ٢٠٢٢ ) .
الثلاثاء ٦ أيلول ٢٠٢٢ .

٩
حفيد اللاجيء :
بين غنائية درويش وسردية النواب

لم أقرأ لأحمد العارضة ديوانه الأول ولكني قرأت له ديوانه الثاني " خلل طفيف في السفرجل " الصادرة طبعته الأولى عن دار الفارابي في العام ٢٠٢٢ الذي تأخر إصداره على ما يبدو ثلاثة عشر عاما ، فالإهداء موقع بتاريخ ٢٠٠٩ ، ولا أعرف سبب هذا التأخر . أيعود إلى سوق الشعر في زمن الرواية أم إلى أحمد نفسه مانحا نفسه المزيد من الوقت لإعادة النظر في القصائد .
عنوان الديوان الثالث هو " درج إلى القمر " ، وإذا ما كان الشاعر انتهى من كتابة قصائد الديوان الثاني في ٢٠٠٩ ، فإن بين الديوانين مسافة زمنية واضحة تدفع القاريء إلى إمعان النظر في قصائد الديوانين ، ليلحظ الفرق بينهما من حيث الموضوعات والشكل . هل يعد الديوان الثالث امتدادا للديوان الثاني أم أنه مختلف عنه وبالتالي يشكل قفزة في مسيرة الشاعر . هذا سؤال سيهتم به دارسو الشعر والشاعر بغض النظر عن مراعاة الشاعر السجين منذ عشرين عاما وأكثر .
إن جامل النقاد ولم يرغب أحمد في المجاملة ، فأغلب الظن أنه سيكرر صرخة محمود درويش التي صرخها وهو في حيفا قبل أن يغادرها " أنقذونا من هذا الحب القاسي " ، وإن لم يجامل النقاد فقد يقسون قليلا ويقولون - على الأقل أنا هنا - إن عالم أحمد في الديوانين يكاد يكون متقاربا من حيث الموضوع والشكل أيضا ، بل ومن حيث تأثره بشاعرين كبيرين من شعراء الشعر العربي في القرنين الأخيرين ، وهما محمود درويش ومظفر النواب . كأن شعر هذين هما إنجيل أحمد وقرآنه على صعيد الموضوع والأسلوب .
فعلى صعيد الموضوع يتغنى أحمد بفلسطينيته ، وتحديدا بكونه لاجئا طرد جده من بلدهم يازور ، وبكونه نشأ في مخيمات اللجوء بما ترفد به شخصيته من شعور بالنفي ووسم بصفة اللاجيء ، وهذا كله يجعل حلم العودة إلى يافا ويازور حلمه الأساس الرئيس ، الحلم الذي من أجله قاوم منتميا إلى فصائل المقاومة الفلسطينية . ويتكرر دال اللاجيء ومشتقاته في أكثر من قصيدة أبرزها قصيدة " لاجيء " .
ولأن أحمد كتب أكثر قصائده في السجن ، فإن البعد عن العائلة وندرة التقائه بها شكل لديه هاجسا مهما ، فظل يكتب عن الأم وعن الجدة التي كانت حكاياها عن البلاد أشبه بحليب الطفولة الذي ترضعه الفلسطينيات للأبناء والأحفاد ، ويخصص للجدة قصيدة " فاتحة الجدة رابعة " يخاطبها فيها كما خاطب درويش أمه في قصيدته " تعاليم حورية " .
وإن كان المخيم حضر في أشعار أحمد دحبور ومحمود درويش وغيرهما ، فإنه يحضر ثانية في أشعار حفيدهما الشعري ، فالمخيم ما زال هو المخيم ، بل إن أوضاعه تسوء يوما بعد يوم .
على صعيد بناء القصيدة فإن قصائد " درج إلى القمر " تراوح بين غنائية درويش وسردية النواب . أحيانا تبرز الروح الغنائية في قصيدة وفي قصيدة ثانية تغلب روح السرد . كأنك تقرأ تارة قصيدة درويشية وطورا قصيدة نوابية ، وقد كتب أحمد في رثاء النواب قصيدة تتناص مع أشعار الأخير هي قصيدة " في رثاء شيخ البحارين " التي تذكر قاريء النواب بقصيدته الشهيرة " بحار البحارين " ، كما أن بعض اسطرها - قصيدة أحمد - أسطر نوابية بامتياز ، فمن يقرأ قول أحمد :
" هذا الذي كقصيدة
تهجو البذاءة بالبذاءة "
ولا يتذكر تصدير مظفر لبعض قصائده " بعضكم سيقول بذيئة . لا بأس . أعطوني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه " .
ويعمد أحمد إلى أن تكون قصائده ذات بناء ، مستفيدا من جهود محمود درويش وأمل دنقل في بناء القصيدة . إن قاريء أشعار الأخيرين يلحظ مدى اهتمامهما ببناء قصائدهما ، ويبدو أن هذا أصاب أحمد بالعدوى ، فجهد أن يكتب القصيدة الدائرية الشكل أو الحلزونية الشكل التي تتشكل من مقاطع يبدأ كل مقطع بالعبارة نفسها كما في قصيدة " لاجيء " المذكورة التي تتكون من مقاطع يبدأ كل مقطع منها بدال " لاجيء " . بل إن القصيدة نفسها تبدأ بسطر :
" لاجيء
مذ حدثوني عن بلادي في بلادي "
وتنتهي بالسطرين :
" سأعيش لاجيء
وأموت لاجيء " .
ولأن أحمد يقبع في السجن فإنه يحزن لما يحدث في الوطن المحاصر وما تتعرض له بعض أجزائه من حصار ومضايقات وهجومات وقصف وتدمير ، وهكذا يكتب لغزة قصيدة " أبتثية غزة " يأتي فيها على الثمن الذي لا بد من دفعه من أجل العودة واستعادة الوطن بما فيه يافا ويازور . إن حلم العودة حلم ملح تتكرر الكتابة عنه في غير قصيدة كما هو حال دال اللاجيء .
وأن كان لا بد من اقتراح فأتمنى أن يقرأ أحمد أشعار ناظم حكمت التي كتبها وهو في السجن ، وأن يقرأ أيضا قصائد شعراء المقاومة الفرنسية مثل لويس اراغون وبول ايلوار وغيرهما ، فلعله يكتب لنا عن عالم السجن وينوع في أساليب كتابته وبتحرر من سطوة درويش والنواب .
هناك مقولة نقدية لأصحاب المنهج النفسي تنص " لكي نتذوقه فنانا علينا أن نعرفه إنسانا " وعليه فعلينا ألا نغفل أن الشاعر سجن شابا يافعا وعاش ظروفا ثقافية صعبة قد لا توفر له إمكانية تطوير نفسه شعريا كما ينبغي .
وفي الختام فإنني أتمنى أن يقرأ الديوان شاعر ما ليلحظ إن كان هناك خلل عروضي في بعض القصائد وأن يدققه مدقق لغوي فثمة أخطاء نحوية واملائية لا تخفى .
٣١ / ٨ / ٢٠٢٣

١٠
كميل أبو حنيش " الكبسولة " :
فكرة الرواية

( " - من أين تأتي الشاعرية ؟"
محمود درويش )

" أذكر تلك الأيام أثناء تحضيرنا لإضراب أيلول ٢٠١١ ، وكيف أقبلت بنهم على القراءة باللغة العربية ، وبشغف كبير على الكتابة . كنت حينها لا أزال في سجن ريمون ، وخلال الأربع سنوات السابقة ، وأثناء الانهماك في النشاط التنظيمي كنت قد أرسلت وتلقيت العشرات وربما المئات من الرسائل والتقارير التي كانت تأتي وترسل بطريقة " الكبسولة " الأمر الذي شكل إلهاما وحافزا للمباشرة في العمل على إنجاز رواية سميتها " الكبسولة " . " . ( ص ٦٤ من كتاب " الكتابة والسجن " )
" أما الشرارة التي أشعلت المباشرة في كتابة الرواية ، فقد كانت زيارة والدي لي في السجن بعد أكثر من ثلاثة أعوام على مرور آخر زيارة . ويومها سألت والدي عن الأغوار .... فطفق يومها يحدثني عن المتغيرات التي حدثت ... في السنوات الأخيرة ، وأبرزها اقتلاع المزارعين لمعظم بيارات البرتقال لصالح الزراعة الحديثة ... ولكن أكثر ما أثارني هو خبر جفاف الوادي ... " .
" وفي ذلك المساء بدأت في كتابة الرواية ، وتصادف يومها أنني قد أبلغت بخبر ضياع كبسولة كنت قد أرسلتها لأحد السجون ، وكانت تحمل معطيات هامة ، فولدت هذه الرواية في هذا المناخ " .

اليوم صارت البيارات تقطع أشجارها لإقامة الشاليهات .

١١
يوميات غزة ( ٣٣٠ ) :
صرنا بوجهين

شطرت حرب غزة شخصياتنا شطرين فصرنا ندافع عن الشيء وضده ، لا لإثبات القدرة على الحجاج التي تعلمناها من الجاحظ في كتابه " البخلاء " ، هو ذو العقل الجدلي ، وإنما لأننا ربينا على شعارات فلسطينية تمجد المقاومة وتذهب إلى أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ، وأن الكف تلاطم المخرز ، فسخرنا من دجاجة إسحق موسى الحسيني الحكيمة ، ثم صار ضعفنا الإنساني يناقض ما ربينا عليه ، فما عدنا نلوم من أهل غزة من وقف ضد الحرب ورفع شعار " أوقفوا الحرب " مهما كانت النتيجة .
كادت عبارات غسان كنفاني التي قدسناها ، مثل عبارة " ذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب " أمام قسوة حياة أهل قطاع غزة منذ ٧ أكتوبر تفقد قدسيتها ، ولو كنا نحن مقاومي الكيبورد هناك لربما تحولنا إلى دجاج يشبه دجاجة الحسيني التي خونها كتاب فصائل المقاومة الفلسطينية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين والكتاب الذين كتبوا " مذكرات ديك " مثل عبد الحميد ياسين .
اليوم حول لي صديق شريط فيديو لشابات أنيقات جميلات يافعات من الأردن وتبدو النعمة على محياهن وملابسهن يهتفن للمقاومة وكتب لي :
" مثقفات مشتبكات "
وترك لي أمر التعقيب على المشهد .
هل ترك التعاطف العالمي كله أثرا إيجابيا ما على مجريات الحرب ؟
تجدون الإجابة في مقال نشره خالد الحروب اليوم .
اللافت أن بعض صفحات غزة التفتت اليوم بالدرجة الأولى إلى جنين ورأت فيها أختها التي ساندتها . هدأت الجبهة اللبنانية الإسرائيلية وصارت الأنظار تتجه نحو شمال الضفة الغربية ، والضفة الغربية كلها هي اللقمة التي تريد إسرائيل ابتلاعها .
يبدو أنه من المبكر جدا الحكم على آثار ٧ أكتوبر ، على الرغم من أن أصواتا كثيرة صارت تتعالى تنتقده ، فهناك من كتب " ما لا يؤخذ بالعقل لا يؤخذ بالجنون " . هل قصد بذلك أن عقلانية الرئيس أبو مازن لم توصل إلى حل وأن الضفة إبان حكمه هودت ، وهو العاقل ، فلن يؤخذ بجنون السنوار ؟!
صرنا بوجهين : مع الشيء وضده . نريد المقاومة ونخشى من أن نجد أنفسنا في الخيام .
هل أخطأ مظفر النواب حين قال :
" قتلتنا الردة يا مولاي
قتلتنا أن الواحد فينا
يحمل في الداخل ضده " .
أنا صرت أعاني من الإكتئاب !!
٣١ / ٨ / ٢٠٢٤

١٢
غزة 696 :

صديقي والكلب :

عندما أرسلت إلى صديقي مقالي الأسبوعي رد محييا ومرسلا صورته مع كلبه الذي يبدو أنه اقتناه ورباه في فترة طوفان الأقصى ، وقرن الصورة بعبارة تقول إن الحياة مع الكلب أريح بكثير من الحياة مع البشر .
منذ طوفان الأقصى لم ألتق صديقي إلا مرة واحدة لقاء عابرا صدفة وفي مقهى ، وكنا ، من قبل ، نلتقي مرة في الأسبوع . بم أرد على عبارته ؟
- أسعدكما الله ، وأتمنى لكما حياة هادئة .
وتذكرت قول الشاعر العباسي :

عوى الذئب ، فاستأنست بالذئب إذ عوى
وصوت إنسان ، فكدت أطير

وتذكرت عنوان كتاب " فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب " وكنت كتبت عنه ، قبل سنوات ، مقالا .
كتاب كثيرون صمتوا في مقتلة غزة وإبادتها . كتاب كان يجب أن يكتبوا . خافوا . جبنوا . فضلوا الصمت . تساءلوا عن جدوى الكتابة والناس في غزة تقتل يوميا وتحصد عن بكرة أبيها . لست أدري ، وكان يمكن أن أشتري كلبا أقضي معه الوقت وأنصرف عن متابعة الأحداث والكتابة فيها والاهتمام بكتابات أبناء قطاع غزة . كان يمكن أن أفعل ذلك ، وكان يمكن أن أقول إن الحياة مع الكلاب أفضل من الحياة مع من لبس الثياب .

في متابعة خبر تصفية " أبو عبيدة " قرأت تعليقات الفلسطينيين العجيبة الغريبة المتناقضة التي جعلت منه تارة أسطورة وطورا شيطانا يجب الاحتفال بموته . هنا وجب أن أكرر عبارة سعد زغلول :
- ما فيش فايدة . غط لي رأسي يا صفية .

سؤال واحد راودني :
ما معنى أن يؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس أركان جيشه الخبر ؟
ألهذا الحد هناك تأثير ل " أبو عبيدة " على مجرى المقتلة والمهلكة التي تقترب من نهاية عامها الثاني ؟
عن صفحة تيسير عبد Taysir Abd أدرجت اليوم شريط فيديو لجندي إسرائيلي وراء مدفعه الرشاش يطلق النار على الفلسطينيين بسرور بالغ ، وإذ أنجز مهمته في القتل التفت إلى من يصوره وأعطى إشارة تعبر عن رضاه ، فقد واصل مهمة الرجل الأبيض في أمريكا ؛ الرجل الأبيض الذي قتل الهنود الحمر . ها هو الرجل الأبيض يقتل الفلسطيني الحنطي . يقتله بفرح وسرور . وما الغرابة ؟ ألم يفعل ذلك في العام ١٩٤٨ في دير ياسين ؟ ألم يفعل ذلك في العام ١٩٥٦ في كفر قاسم ؟
احصدوهم !
هل مات الضابط ( شدمي )أم ما زال على قيد الحياة ؟
مات ( جابوتنسكي ) وخلف عطاالله .
حالة تعبانة يا ليلى !
٣١ / ٨ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى