يحيى بركات - حين تدير غانية الكاميرا إلى الداخل قراءة في مقال الصديقة د. غانية ملحيس: «إيلان بابي ه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟»

تبدأ الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس مقالها من نافذة فتحها إيلان بابيه على أزمة إسرائيل. نتنياهو، «دولة يهودا»، التصدعات الداخلية، أزمة النموذج، واحتمالات التفكك.
لكنني، وأنا أقرأ المقال، شعرت أن غانية لا تقف طويلًا أمام هذه النافذة.
تترك بابيه ينظر إلى إسرائيل، وتدير الكاميرا إلى الداخل.
وفجأة يصبح السؤال أكثر صعوبة:
إذا كانت إسرائيل تعيش أزمة في مشروعها، فماذا عن مشروعنا نحن؟
وإذا كان البناء هناك يتصدع، فهل يكفي أن نقف أمامه منتظرين سقوطه، أم أن علينا أن نسأل أولًا: ماذا أعددنا نحن لليوم التالي؟
هنا، في رأيي، يبدأ مقال غانية الحقيقي.
فإيلان بابيه هو المدخل، لكنه ليس الموضوع. الموضوع هو فلسطين، والأدق: من يحمل فلسطين سياسيًا في اللحظة التي يتحرك فيها التاريخ من حولها؟

وهذا السؤال يأخذنا سريعًا إلى منطقة اعتاد الخطاب الفلسطيني أن يقترب من أبوابها ثم يتردد في الدخول.
غانية تدخل.
لا تقول إن مشكلتنا هي الانقسام فقط. ولا تكتفي بالدعوة المألوفة إلى المصالحة بين فتح وحماس. بل تضع أمامنا احتمالًا أكثر إزعاجًا: ماذا لو اتفق الفصيلان غدًا، وجلس الجميع حول طاولة واحدة، وتشكلت حكومة وحدة، وانتهت الخصومة، وبقيت الأزمة؟
ماذا لو كان الانقسام الذي نراه على السطح مجرد شق في جدار، بينما الخلل الحقيقي في أساس البناء؟
هنا تنتقل غانية من أزمة الانقسام إلى أزمة الحامل السياسي.
وهذا، بالنسبة إليّ، أهم ما في المقال.
لأننا اعتدنا طوال عقود أن نناقش الأشخاص والفصائل والحكومات والمقاعد والانتخابات، بينما تطرح غانية سؤالًا يسبق كل ذلك: هل ما تزال لدينا بنية سياسية قادرة فعلًا على حمل شعب موزع بين غزة والضفة والقدس والداخل والشتات، وعلى تحويل هذا الانتشار من جغرافيا ممزقة إلى إرادة سياسية واحدة؟
الصديقة غانية،
هنا تحديدًا شعرت أنك لا تكتبين عن إصلاح النظام السياسي الفلسطيني فقط، بل تقتربين من أحد التابوهات التي يخشى كثيرون الاقتراب منها: هل يجب أن تعني وحدة الشعب بالضرورة مركزية البنية السياسية والقرار؟
لسنوات طويلة تعاملنا مع وحدة الشعب ووحدة التمثيل ومركزية القرار كما لو كانت شيئًا واحدًا.
لكن الواقع الفلسطيني نفسه كسر هذه المعادلة قبل أن نعترف نحن بانكسارها.
الفلسطيني في غزة يعيش تحت شروط مختلفة عن الفلسطيني في الضفة، وكلاهما يعيش واقعًا مختلفًا عن الفلسطيني في القدس أو حيفا، وعن اللاجئ في مخيمات لبنان، وعن الفلسطيني الذي أصبح جزءًا من مجتمع في أوروبا أو أميركا أو العالم العربي.
الجغرافيا تباعدت، والقوانين اختلفت، وشروط الحياة والسياسة تبدلت، لكن الخيط الذي يجعل هؤلاء جميعًا شعبًا واحدًا لم ينقطع.
ومن هنا تأتي واحدة من أكثر أفكار المقال جرأة: ربما لا تكون الإجابة في إعادة الجميع إلى مركز سياسي واحد، بل في بناء صيغة تستطيع أن تجعل تعدد المراكز متوافقًا مع وحدة المصير والمشروع والحقوق.
أي أن ننتقل من وحدة الهيكل إلى وحدة المشروع.
وهنا توقفت طويلًا أمام عبارتك:
«أن نكون شعبًا سياسيًا واحدًا من دون أن نحتاج إلى أن نكون بنية سياسية واحدة».
هذه ليست جملة عابرة
إنها، في رأيي، مفتاح فلسفة سياسية مختلفة.
لأنها لا تقترح تفكيك وحدة الفلسطينيين، كما قد يتسرع البعض في قراءتها، بل تحاول البحث عن شكل جديد يحمي هذه الوحدة من واقع لم يعد يسمح بإنكار تعدده.
وفي هذه النقطة تحديدًا يصبح المقال جريئًا.
فأنت لا تقولين: لنلغِ منظمة التحرير.
ولا تقولين: لنقم بفصيل جديد.
ولا تبحثين عن طاولة أكبر تتسع لعدد إضافي من الكراسي.
بل تضعين المنظمة نفسها، والفصائل، والسلطة، والانتخابات، وكل البنية التي ورثناها، أمام سؤال الوظيفة:
هل ما زالت تؤدي ما يحتاجه الشعب الفلسطيني منها؟
وهذا سؤال أخطر بكثير من سؤال: من يقودها؟
لأن تغيير القائد يبقي البناء كما هو.
أما سؤال الوظيفة فيسمح بالنظر إلى أساس البناء نفسه.
ومن هنا أرى أن المقال يتجاوز مفهوم «الإصلاح» إلى شيء أعمق: إعادة التأسيس.
ليس هدم التاريخ، وإنما تحرير التاريخ من أشكاله حين تصبح هذه الأشكال عاجزة عن حمل معناه.

فمنظمة التحرير كانت في لحظة تاريخية جوابًا فلسطينيًا بالغ الأهمية عن سؤال وجودي: كيف يستعيد شعب شُتت واقتُلع اسمه السياسي ويقول للعالم: نحن هنا، ونحن شعب واحد؟
لكن الوفاء لذلك الإنجاز لا يعني أن نحول الشكل الذي أنتجه إلى أثر مقدس لا يُمس.
ربما يكون الوفاء الحقيقي لفكرة المنظمة هو أن نسأل اليوم السؤال نفسه الذي طرحه جيل تأسيسها، ولكن في عالم مختلف:
ما الإطار القادر الآن على إعادة الفلسطينيين إلى السياسة بوصفهم شعبًا؟
ومن هنا أفهم أيضًا ثلاثية الشرعية التي يطرحها المقال: شرعية التأسيس، وشرعية التمثيل، وشرعية الإنجاز.
فهي تنزع عن الشرعية صفة الإرث.
لا أحد يستطيع أن يضع الشرعية في خزنة ثم يعود إليها بعد ثلاثين عامًا ليخرج الوثيقة نفسها.
الشرعية علاقة حية بين الشعب ومن يمثله.
تبدأ بطريقة التأسيس، وتُختبر بحقيقة التمثيل، وتتجدد بالإنجاز والمساءلة.
وبهذا المعنى، لا تصبح الانتخابات وحدها مصنعًا للشرعية.

قد نضع صندوق اقتراع في منتصف المشهد، وتصطف الطوابير، وترتفع الأصابع بالحبر، وتعلن النتائج، ثم نكتشف أننا انتخبنا داخل البناء نفسه الذي أنتج الأزمة.
وهنا يصبح السؤال الذي تطرحه غانية قبل الانتخابات أكثر أهمية من الانتخابات ذاتها:
ننتخب من؟ ولماذا؟ ولأي مشروع؟ ومن هو الشعب الذي تمثله المؤسسة المنتخبة؟
فالانتخابات تستطيع أن تغير الجالسين على المقاعد، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن سؤال: إلى أين تسير العربة؟
لكن المقال لا يتركنا داخل البيت الفلسطيني وحده.
الكاميرا تعود إلى الخارج.
جامعات وشوارع ومدن في العالم تغيرت فيها صورة فلسطين. أجيال جديدة تنظر إلى إسرائيل بعيون مختلفة. الرواية الفلسطينية خرجت من الحصار الذي فرض عليها طويلًا. القانون والمحاكم والحركات الشعبية والمقاطعة والاحتجاجات والاعترافات السياسية تفتح مساحات لم تكن متاحة بهذه الصورة من قبل.
وهنا تظهر المفارقة القاسية التي يلتقطها المقال:
فلسطين تتقدم في وعي العالم، بينما حاملها السياسي يتراجع في قدرته على استثمار هذا التقدم.
وهذه ربما أخطر صورة في النص كله.
أن تصل القضية إلى أماكن لم يصل إليها الفلسطيني سياسيًا.
أن يصبح العالم أكثر استعدادًا لسماع فلسطين، بينما لا نملك نحن الصوت السياسي الجامع القادر على أن يقول له ماذا تريد فلسطين.
ومن هنا أعود إلى بابيه.
قد يكون محقًا في رؤيته لأزمة إسرائيل، وقد تتعمق تناقضاتها أكثر، وقد يتغير شكل المشروع الذي عرفناه، لكن غانية ترفض أن تجعل الفلسطيني جالسًا في مقعد المتفرج ينتظر المشهد الأخير.
وهذا مهم جدًا، لأن التاريخ لا يعمل بهذه البساطة:
يضعف خصمي، إذن أنا أقوى.
ينهار خصمي، إذن أنا المنتصر.
قد يسقط جدار أمامك ولا تستطيع العبور.
وقد يفتح التاريخ بابًا ثم يدخل منه آخرون لأنهم كانوا أكثر استعدادًا منك.
وهنا تصل غانية إلى صورتها الأجمل: النافذة التاريخية.
الخطر ليس فقط أن تُغلق.
الخطر أن تظل مفتوحة، بينما نحن نتجادل أمامها حول من يحمل المفتاح.
الصديقة غانية،
أعتقد أنك في هذا المقال لم تفتحي نقاشًا حول «ما بعد السابع» فقط، بل فتحتِ سؤالًا أقدم وأعمق بكثير: ماذا يعني اليوم أن يكون الفلسطينيون شعبًا سياسيًا واحدًا
وهذا هو التابو الحقيقي.
لأن الإجابة قد تفرض علينا مراجعة أشياء أحببناها، ومؤسسات صنعناها، وصيغًا اعتقدنا طويلًا أنها نهائية، ومفاهيم للوحدة والشرعية والتمثيل اعتدنا استخدامها حتى أصبحت جزءًا من اللغة أكثر مما بقيت جزءًا من الواقع.
وأهمية المقال أنه لا يدعونا إلى تحطيم المرآة. بل إلى النظر فيها.
في بداية المشهد كان إيلان بابيه يقف أمام إسرائيل ويرى شقوقًا في الجدار
وفي نهاية المقال لم أعد أراه.
رأيت غانية وقد أدارت الكاميرا مئة وثمانين درجة.
وخلف الكاميرا ظهر البيت الفلسطيني بكل غرفه المتباعدة، غزة والضفة والقدس والداخل والمخيم والمنفى، وظهر شعب واحد ما زال يبحث عن الممر الذي يصل بينها.
وعندها لم يعد السؤال:
هل ستنهار إسرائيل؟
بل أصبح السؤال الذي أخشى أن يكون أكثر مصيرية:
إذا تحرك التاريخ فعلًا… هل سنبقى نتفرج عليه، أم سنستعيد أخيرًا حقنا في أن نكون من صانعيه؟
يحيى بركات
29/8/2026

غانية ملحيس
يحيى العزيز

لا أظن أن أحدا يماثلك في القدرة على الإمساك بالإطار العام للنقاش؛ فقدرتك كمخرج مبدع وكاتب سياسي متميز على تدوير الكاميرا في كل الزوايا تمنح كتاباتك فرادتها وقوتها.
شعرت وأنا أقرأ قراءتك هذه المرة أنك لم تكن تقرأ المقال بقدر ما كنت تواصل السؤال معي.
أنت يا يحيى لست قارئا يقف خارج النص ليرى ما فيه، بل شريك في ذلك القلق الذي يدفعنا إلى الكتابة أصلا: ماذا يحدث لنا نحن، ونحن نقف أمام لحظة تاريخية تبدو أكبر من قدرتنا السياسية الراهنة على استيعابها؟
ولهذا أسعدني جدا أنك التقطت لحظة «إدارة الكاميرا إلى الداخل». فإيلان بابيه كان مدخلا للسؤال، لكنه لم يكن غايته. السؤال الذي يشغلني، كما يشغلك منذ فترة، هو: ماذا يحدث لفلسطين حين يتحرك التاريخ من حولها، بينما ما يزال حاملها السياسي أسيرا لبنى تشكلت في زمن آخر؟
وربما كان الأهم في قراءتك أنك لم تتعامل مع «الحامل السياسي» باعتباره اقتراحا مؤسسيا جاهزا، بل باعتباره سؤالا في معنى أن يكون الفلسطينيون شعبا سياسيا واحدا، رغم كل هذا التوزع الجغرافي والسياسي والتاريخي.
وعبارتك عن الانتقال من «وحدة الهيكل» إلى «وحدة المشروع» لامست بالضبط المنطقة التي أحاول أن أفكر فيها. وكذلك سؤالك: هل تحتاج وحدة الشعب بالضرورة إلى مركزية البنية السياسية والقرار؟ أظن أن هذا السؤال يستحق أن نذهب فيه أبعد، لأنه يفتح بابا مختلفا تماما في التفكير في مستقبل التمثيل الفلسطيني.
ولعل ما يجمعنا في هذا القلق هو أننا لا نريد أن نكتفي بتشخيص ما انتهى، ولا أن نقف في انتظار ما قد ينهار، وإنما نحاول أن نسأل: ما الذي ينبغي أن نبنيه نحن؟
لذلك قرأت قراءتك بوصفها امتدادا للنص، لا تعليقا عليه. وربما لهذا السبب كان وقع عبارتك الأخيرة قويا:
«هل سنبقى نتفرج على التاريخ، أم سنستعيد أخيرًا حقنا في أن نكون من صانعيه؟»
هذا بالضبط هو القلق الذي يجمعنا، وربما يكون هو ما يستحق أن نواصل التفكير والبحث فيه معا.
شكرا لك يا يحيى، شريكا في التفكير والسؤال قبل أن تكون قارئا للنص.
غانية ملحيس

يحيى بركات
غانية العزيزة،

أسعدتني كلماتك، والأكثر منها أنك قرأتِ قراءتي كما أردتها فعلًا: لا تعليقًا على نصك، بل دخولًا معه إلى السؤال ومواصلةً له.
وربما لأن السؤال لم يعد يحتمل أن يبقى ملكًا لكاتب واحد.
حين أدرتِ الكاميرا من أزمة إسرائيل إلى أزمة فلسطين، شعرت أن المشهد الذي ظهر أمامنا أكبر من أن ينتهي بانتهاء المقال. فالسؤال لم يعد فقط: ما الحامل السياسي الذي نحتاجه؟ بل: كيف نبنيه من دون أن نعيد، تحت أسماء جديدة، إنتاج البنية التي ننتقدها؟ وكيف ننتقل فعلًا من «وحدة الهيكل» إلى «وحدة المشروع»، من دون أن يتحول تعدد المراكز إلى تعدد في فلسطين نفسها؟
وهنا أعتقد أن الطريق أمام السؤال ما زال طويلًا، وربما أكثر صعوبة من تشخيص الأزمة؛ لأن كسر المقدس السياسي أسهل من منع أنفسنا من صناعة مقدس جديد مكانه.
وأضيف إلى قلقك قلقًا يشغلني منذ مدة: أين المجتمع في كل هذا؟
لا أريد أن نصل إلى صيغة أكثر حداثة للحامل السياسي، ثم نكتشف أن النخب هي التي صممته واختارت مفاتيحه وسلمته للشعب جاهزًا. إذا كنا نريد شرعية مختلفة، فلا بد أن يكون المجتمع شريكًا في التأسيس، لا جمهورًا يُستدعى لاحقًا للتصفيق أو التصويت.
لذلك أتفق معك أن علينا أن نذهب بالسؤال أبعد.
ربما لم تعد مهمتنا أن نصف الشروخ في الجدار؛ أصبحت واضحة. وربما حان الوقت لأن نضع أمام أنفسنا الورقة البيضاء الأصعب:

إذا لم نكن أسرى لما كان، فما الذي نريد أن نبنيه؟ وكيف نجعل الشعب، لا المؤسسة ولا الفصيل ولا النخبة، حاضرًا منذ الخط الأول في رسمه؟
عندها فقط، يا غانية، لن نكون واقفين أمام التاريخ ننتظر فتح النافذة؛ سنكون قد بدأنا، بأيدينا، صناعة الباب.
شكرًا لكِ، شريكةً في القلق والسؤال والبحث عن الطريق.
يحيى بركات


غانية ملحيس

أظن أن ردك هذه المرة لم يكتفِ بمواصلة السؤال، بل أضاف إليه طبقة جديدة لا تقل أهمية عن السؤال الأصلي: أين المجتمع في كل ما نفكر فيه حول إعادة بناء الحامل السياسي؟
وهذا سؤال أجدني أتوقف عنده طويلا.
فإذا كنا ننتقد بنية سياسية انفصلت، بدرجات مختلفة، عن المجتمع الذي يفترض أن تستمد منه شرعيتها، فإن الخطر الحقيقي أن نعيد إنتاج المشكلة نفسها ونحن نحاول تجاوزها؛ أي أن تقوم النخب بتصميم «الحامل الجديد»، ثم تقدمه للشعب بوصفه صيغة مكتملة، ونطلب منه لاحقا أن يمنحه الشرعية.
هنا تصبح عبارتك: «أن يكون المجتمع شريكا في التأسيس، لا جمهورا يستدعى لاحقا للتصفيق أو التصويت» أكثر من مجرد ملاحظة؛ أظنها شرطا من شروط إعادة التأسيس نفسها.
وربما هذا يعيدنا إلى سؤال الشرعية الذي توقفنا عنده: الشرعية لا تبدأ من الانتخابات، بل من المشاركة في إنتاج الإطار الذي ستجري داخله الانتخابات. ولا تبدأ من المؤسسة، بل من العلاقة التي تنشأ بين المجتمع والمشروع والمؤسسة.
لكنني أضيف إلى سؤالك سؤالا آخر: كيف نجعل المجتمع شريكا فعليا في التأسيس، لا مجرد اسم آخر لنخب جديدة تتحدث باسمه؟
فالمجتمع الفلسطيني ليس كتلة واحدة متجانسة. هو غزة والضفة والقدس والداخل والمخيمات والشتات، وأجيال وتجارب اجتماعية وسياسية مختلفة، ومراكز فعل متعددة نشأت خلال عقود من التشتت القسري. لذلك فإن إشراك المجتمع لا يمكن أن يعني فقط استطلاع رأيه أو دعوته إلى مؤتمر، وإنما يحتاج إلى التفكير في آليات تجعل هذه التعددية نفسها مصدرا للتأسيس.
وهنا أجد أن سؤالك عن «الورقة البيضاء» يلامس جوهر ما نحاول الوصول إليه. ربما لا ينبغي أن نبدأ بالسؤال: ما المؤسسة التي نريدها؟ بل أن نضع فعلا هذه الورقة البيضاء أمام الفلسطينيين ونبدأ بأسئلة أبسط وأعمق:
ما فلسطين التي نريدها؟
ما الذي نريد تحريره واستعادته وبناءه؟
ما الحقوق التي لا نقبل التنازل عنها؟
ما مصادر قوتنا التي نملكها فعلا؟
كيف نريد إدارة اختلافاتنا؟
وما الذي نحتاجه سياسيا لكي يصبح الشعب الفلسطيني، بكل تعدده، قادرا على التأثير في مسار تاريخه؟
بعد ذلك فقط يمكن أن نسأل عن المؤسسة، وعن شكل التمثيل، وعن آليات اتخاذ القرار.
ولعل هذا هو الفارق بين إصلاح بنية قائمة وإعادة التأسيس: في الإصلاح نبدأ غالبا من المؤسسة ونحاول تحسينها؛ أما في إعادة التأسيس فنبدأ من الشعب والمشروع والوظيفة، ثم نبحث عن الشكل الذي يخدمها.
لفتني كثيرا انتقالك في النهاية من «فتح النافذة» إلى «صناعة الباب». لكن ربما علينا أن ننتبه إلى أن الباب الذي نصنعه لا ينبغي أن يكون بابا جديدا تعبر منه النخب وحدها، بل بابا يشارك الشعب نفسه في تحديد موضعه، واتجاهه، والجهة التي يريد أن يفتح عليها.
لذلك أشعر أن حوارنا بدأ ينتقل فعلا من سؤال «ما الحامل السياسي؟» إلى سؤال أعمق: كيف يبدأ الفلسطينيون بأنفسهم عملية إعادة تأسيس السياسة، ومن أين يستمدون حقهم في صياغة مستقبلهم؟
وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي يستحق أن نواصل الاشتباك معه معا.
شكرا لك يا يحيى، شريكا في القلق والسؤال، والأهم في محاولة تحويل السؤال إلى طريق.

يحيى بركات

غانية العزيزة،
وأنا أكتب لكِ الآن، خطر لي سؤال آخر ربما ينبغي ألا يبقى بيني وبينك:
هل آن لهذا الحوار أن يخرج من المسافة بين نصين، وأن يصبح مساحة أوسع للتفكير الفلسطيني؟
فنحن لم نبدأ وفي أيدينا إجابة، ولم نتفق مسبقًا على خارطة طريق. بدأنا بسؤال، وكلما أضاف أحدنا إليه فكرة تغيّر السؤال نفسه واتسعت دائرته: من أزمة الحامل السياسي، إلى المجتمع، إلى الشرعية، إلى إعادة التأسيس، ثم إلى السؤال الأصعب: كيف يصبح المجتمع شريكًا في إنتاج المجال السياسي نفسه، لا مجرد ناخب داخله؟
ولا أعرف إلى أين سيقودنا هذا الحوار، وهذا ربما أحد أسباب أهميته.
لذلك أتمنى على الأصدقاء، وعلى كل من يقرأ هذا النقاش، ألا يكتفوا بمراقبته من الخارج. نحتاج إلى من يختلف معنا بقدر حاجتنا إلى من يتفق معنا؛ من يكشف ثغرة لم نرها، أو يضع سؤالًا أغفلناه، أو يهدم فكرة إذا كانت لا تصمد، أو يضيف إليها ما يجعلها أكثر قدرة على الحياة.
فربما لا تولد خارطة الطريق الفلسطينية القادمة من ورقة يكتبها شخص واحد، ولا من اجتماع مغلق تقرر فيه مجموعة من النخب ما ينبغي على المجتمع أن يفعله.
ربما تبدأ بطريقة أبسط وأكثر صدقًا: بسؤال يخرج إلى الناس، فتلتقي حوله عقول وتجارب وأجيال وأماكن فلسطينية مختلفة، ويبدأ كل منها بإضافة خط إلى الورقة البيضاء
لا أدّعي أن هذا الحوار سيصنع حاملًا سياسيًا، ولا أريد أن نحمله أكثر مما يحتمل. لكنني أسأل بصدق: إذا واصلناه، واتسعت دائرته، ودخل إليه المختلف قبل المتفق، والمجتمع قبل المؤسسة، فهل يمكن أن تتراكم منه رؤية؟ وهل يمكن للرؤية أن تصبح نهجًا؟ وهل يمكن للنهج، ذات يوم، أن يرسم معالم طريق يستطيع المجتمع الفلسطيني أن يحملها لأنها لم تُصنع بعيدًا عنه؟
لهذا أتمنى أن يدخل الأصدقاء إلى هذا الحوار، لا ليحكموا بين رأيين، بل ليصبحوا شركاء في السؤال.
فإذا كنا نقول إن المجتمع يجب أن يشارك في صناعة الباب، فلنبدأ من هنا:
لنفتح الحوار نفسه، قبل أن ندّعي أننا عرفنا أين يجب أن يُفتح الباب.
يحيى بركات

غانية ملحيس

يحيى العزيز
أظن أنك التقطت في ردك هذه المرة لحظة كنا نقترب منها منذ زمن، وربما آن لنا أن نسميها: أن يخرج هذا الحوار من المسافة بين النصوص، ليصبح مساحة أوسع للتفكير الفلسطيني.
وأقول «هذا الحوار» لأنني لا أراه حوارا ثنائيا، ولا حتى حوارا بين مجموعة محددة من الكتّاب، وإنما أراه تراكما تشكل عبر سنوات من الكتابة والقراءة والتعليق والاختلاف والسؤال.
خالد عطية، عريب الرنتاوي، إياد البرغوثي، مروان طوباسي، وليد عبد الحي، هاني المصري، غسان جابر، عبد الرحمن بسيسو، المتوكل طه، عبد المجيد سويلم، معين الطاهر، حسن أبو لبدة، محمد مشارقة، محمد قاروط أبو رحمة، سمير حليلة، وغيرهم كثيرون، لم «ينضموا» إلى الحوار الآن، هم شركاء فيه منذ زمن، وكل واحد منهم، من موقعه وتجربته، كان يضيف سؤالا أو اعتراضا أو فكرة أو زاوية جديدة.
وربما ما يحدث الآن هو أننا بدأنا نرى الخيط الذي يصل بين هذه الأسئلة المتفرقة.
وهذا ما يجعل اقتراحك مهمًا بالنسبة لي.
فنحن لم نبدأ وفي أيدينا إجابة، ولم نتفق مسبقا على خارطة طريق. بدأنا من أسئلة مختلفة، لكن الأسئلة أخذت تتقاطع وتتوالد: من أزمة المشروع الوطني، إلى أزمة الحامل السياسي، إلى العلاقة بين الحامل الوطني والحامل السياسي، إلى الشرعية والتمثيل ووحدة المشروع وإدارة الاختلاف، إلى الأزمات الأمنية والاقتصادية والمالية، ثم إلى سؤال المجتمع ودوره في إنتاج المجال السياسي نفسه.
كل سؤال جديد لم يُغلق ما قبله، بل أعاد فتحه من زاوية أخرى.
وهذا، في رأيي، هو ما ينبغي أن نحافظ عليه.
فإذا أردنا أن ننتقل إلى مجال فكري فلسطيني أوسع، فلا ينبغي أن يكون الهدف إنتاج إجماع سريع، ولا صياغة وثيقة جاهزة، ولا الاتفاق على «الحل»، بل أن نخلق مساحة يستطيع فيها المختلفون أن يفكروا معا، من دون أن يضطروا إلى إخفاء اختلافاتهم.
نحتاج إلى من يتفق، لكننا نحتاج أكثر إلى من يختلف بجدية، من يكشف ثغرة لم نرها، أو يختبر فكرة لا تصمد، أو يقترح طريقا لم نفكر فيه.
فالغاية ليست أن نثبت صحة ما بدأنا به، وإنما أن نعرف ما الذي يمكن أن يصمد أمام أسئلة فلسطين القادمة.
وأجدني أتفق معك تماما في أن المجتمع يجب ألا يأتي في نهاية العملية ليمنح الشرعية لما أنتجته النخب، بل ينبغي أن يكون حاضرا في إنتاج السؤال نفسه.
وهنا ربما يصبح الحوار الذي نشهده الآن تمرينا أوليا على ما ندعو إليه: أن تتعدد الأصوات، وأن تتجاور التجارب، وأن يدخل الاختلاف في عملية إنتاج المعنى، بدل أن يتحول إلى سبب للقطيعة.
ولهذا لا أرى أن المطلوب أن نحمل هذا الحوار أكثر مما يحتمل، أو أن نعلن مبكرا أنه سيصنع «حاملا سياسيا» أو «خارطة طريق». ربما تكون مهمتنا الآن أبسط وأصعب في آن: أن نراكم التفكير.
أن ننتقل من المقال إلى السؤال، ومن السؤال إلى أسئلة أخرى، ومن الأسئلة المتفرقة إلى خيوط يمكن أن تتشكل منها رؤية. ثم نرى إلى أين يقودنا ذلك.
وأظن أن هذا هو الحلم الذي يجمعنا جميعا: أن نستعيد للفلسطينيين مجالا يفكرون فيه بأنفسهم، لا أن يبقوا موضوعا لمشاريع الآخرين، وأن نعيد وصل الفكر بالمجتمع، والسؤال بالفعل، والوعي بإمكان المستقبل.
ولذلك لفتتني جدا خاتمتك: «لنفتح الحوار نفسه، قبل أن ندّعي أننا عرفنا أين يجب أن يُفتح الباب.»
نعم يا يحيى. فلنفتح الحوار. ليس باعتباره حوارا بين أصحاب إجابات، بل بين أصحاب سؤال.
ولا باعتباره مشروع نخبة تريد أن ترسم مستقبل المجتمع، بل محاولة لاستعادة المجال العام الفلسطيني نفسه، المجال الذي يستطيع فيه المجتمع، بكل تعدده واختلافه، أن يشارك في إنتاج الأسئلة التي يتوقف عليها مستقبله.
وربما لا نعرف الآن أين سيفتح هذا الباب.
لكن يكفينا أن نعرف أن الطريق إليه لن يكون بإعادة إنتاج الأبواب القديمة.

تعليقات

غانية ملحيس


يحيى العزيز

لا أظن أن أحدا يماثلك في القدرة على الإمساك بالإطار العام للنقاش؛ فقدرتك كمخرج مبدع وكاتب سياسي متميز على تدوير الكاميرا في كل الزوايا تمنح كتاباتك فرادتها وقوتها.
شعرت وأنا أقرأ قراءتك هذه المرة أنك لم تكن تقرأ المقال بقدر ما كنت تواصل السؤال معي.
أنت يا يحيى لست قارئا يقف خارج النص ليرى ما فيه، بل شريك في ذلك القلق الذي يدفعنا إلى الكتابة أصلا: ماذا يحدث لنا نحن، ونحن نقف أمام لحظة تاريخية تبدو أكبر من قدرتنا السياسية الراهنة على استيعابها؟
ولهذا أسعدني جدا أنك التقطت لحظة «إدارة الكاميرا إلى الداخل». فإيلان بابيه كان مدخلا للسؤال، لكنه لم يكن غايته. السؤال الذي يشغلني، كما يشغلك منذ فترة، هو: ماذا يحدث لفلسطين حين يتحرك التاريخ من حولها، بينما ما يزال حاملها السياسي أسيرا لبنى تشكلت في زمن آخر؟
وربما كان الأهم في قراءتك أنك لم تتعامل مع «الحامل السياسي» باعتباره اقتراحا مؤسسيا جاهزا، بل باعتباره سؤالا في معنى أن يكون الفلسطينيون شعبا سياسيا واحدا، رغم كل هذا التوزع الجغرافي والسياسي والتاريخي.
وعبارتك عن الانتقال من «وحدة الهيكل» إلى «وحدة المشروع» لامست بالضبط المنطقة التي أحاول أن أفكر فيها. وكذلك سؤالك: هل تحتاج وحدة الشعب بالضرورة إلى مركزية البنية السياسية والقرار؟ أظن أن هذا السؤال يستحق أن نذهب فيه أبعد، لأنه يفتح بابا مختلفا تماما في التفكير في مستقبل التمثيل الفلسطيني.
ولعل ما يجمعنا في هذا القلق هو أننا لا نريد أن نكتفي بتشخيص ما انتهى، ولا أن نقف في انتظار ما قد ينهار، وإنما نحاول أن نسأل: ما الذي ينبغي أن نبنيه نحن؟
لذلك قرأت قراءتك بوصفها امتدادا للنص، لا تعليقا عليه. وربما لهذا السبب كان وقع عبارتك الأخيرة قويا:
«هل سنبقى نتفرج على التاريخ، أم سنستعيد أخيرًا حقنا في أن نكون من صانعيه؟»
هذا بالضبط هو القلق الذي يجمعنا، وربما يكون هو ما يستحق أن نواصل التفكير والبحث فيه معا.
شكرا لك يا يحيى، شريكا في التفكير والسؤال قبل أن تكون قارئا للنص.
غانية ملحيس



========



يحيى بركات



غانية العزيزة،

أسعدتني كلماتك، والأكثر منها أنك قرأتِ قراءتي كما أردتها فعلًا: لا تعليقًا على نصك، بل دخولًا معه إلى السؤال ومواصلةً له.
وربما لأن السؤال لم يعد يحتمل أن يبقى ملكًا لكاتب واحد.
حين أدرتِ الكاميرا من أزمة إسرائيل إلى أزمة فلسطين، شعرت أن المشهد الذي ظهر أمامنا أكبر من أن ينتهي بانتهاء المقال. فالسؤال لم يعد فقط: ما الحامل السياسي الذي نحتاجه؟ بل: كيف نبنيه من دون أن نعيد، تحت أسماء جديدة، إنتاج البنية التي ننتقدها؟ وكيف ننتقل فعلًا من «وحدة الهيكل» إلى «وحدة المشروع»، من دون أن يتحول تعدد المراكز إلى تعدد في فلسطين نفسها؟
وهنا أعتقد أن الطريق أمام السؤال ما زال طويلًا، وربما أكثر صعوبة من تشخيص الأزمة؛ لأن كسر المقدس السياسي أسهل من منع أنفسنا من صناعة مقدس جديد مكانه.
وأضيف إلى قلقك قلقًا يشغلني منذ مدة: أين المجتمع في كل هذا؟
لا أريد أن نصل إلى صيغة أكثر حداثة للحامل السياسي، ثم نكتشف أن النخب هي التي صممته واختارت مفاتيحه وسلمته للشعب جاهزًا. إذا كنا نريد شرعية مختلفة، فلا بد أن يكون المجتمع شريكًا في التأسيس، لا جمهورًا يُستدعى لاحقًا للتصفيق أو التصويت.
لذلك أتفق معك أن علينا أن نذهب بالسؤال أبعد.
ربما لم تعد مهمتنا أن نصف الشروخ في الجدار؛ أصبحت واضحة. وربما حان الوقت لأن نضع أمام أنفسنا الورقة البيضاء الأصعب:

إذا لم نكن أسرى لما كان، فما الذي نريد أن نبنيه؟ وكيف نجعل الشعب، لا المؤسسة ولا الفصيل ولا النخبة، حاضرًا منذ الخط الأول في رسمه؟
عندها فقط، يا غانية، لن نكون واقفين أمام التاريخ ننتظر فتح النافذة؛ سنكون قد بدأنا، بأيدينا، صناعة الباب.
شكرًا لكِ، شريكةً في القلق والسؤال والبحث عن الطريق.
يحيى بركات
 
غانية ملحيس
يحيى العزيز

لا أظن أن أحدا يماثلك في القدرة على الإمساك بالإطار العام للنقاش؛ فقدرتك كمخرج مبدع وكاتب سياسي متميز على تدوير الكاميرا في كل الزوايا تمنح كتاباتك فرادتها وقوتها.
شعرت وأنا أقرأ قراءتك هذه المرة أنك لم تكن تقرأ المقال بقدر ما كنت تواصل السؤال معي.
أنت يا يحيى لست قارئا يقف خارج النص ليرى ما فيه، بل شريك في ذلك القلق الذي يدفعنا إلى الكتابة أصلا: ماذا يحدث لنا نحن، ونحن نقف أمام لحظة تاريخية تبدو أكبر من قدرتنا السياسية الراهنة على استيعابها؟
ولهذا أسعدني جدا أنك التقطت لحظة «إدارة الكاميرا إلى الداخل». فإيلان بابيه كان مدخلا للسؤال، لكنه لم يكن غايته. السؤال الذي يشغلني، كما يشغلك منذ فترة، هو: ماذا يحدث لفلسطين حين يتحرك التاريخ من حولها، بينما ما يزال حاملها السياسي أسيرا لبنى تشكلت في زمن آخر؟
وربما كان الأهم في قراءتك أنك لم تتعامل مع «الحامل السياسي» باعتباره اقتراحا مؤسسيا جاهزا، بل باعتباره سؤالا في معنى أن يكون الفلسطينيون شعبا سياسيا واحدا، رغم كل هذا التوزع الجغرافي والسياسي والتاريخي.
وعبارتك عن الانتقال من «وحدة الهيكل» إلى «وحدة المشروع» لامست بالضبط المنطقة التي أحاول أن أفكر فيها. وكذلك سؤالك: هل تحتاج وحدة الشعب بالضرورة إلى مركزية البنية السياسية والقرار؟ أظن أن هذا السؤال يستحق أن نذهب فيه أبعد، لأنه يفتح بابا مختلفا تماما في التفكير في مستقبل التمثيل الفلسطيني.
ولعل ما يجمعنا في هذا القلق هو أننا لا نريد أن نكتفي بتشخيص ما انتهى، ولا أن نقف في انتظار ما قد ينهار، وإنما نحاول أن نسأل: ما الذي ينبغي أن نبنيه نحن؟
لذلك قرأت قراءتك بوصفها امتدادا للنص، لا تعليقا عليه. وربما لهذا السبب كان وقع عبارتك الأخيرة قويا:
«هل سنبقى نتفرج على التاريخ، أم سنستعيد أخيرًا حقنا في أن نكون من صانعيه؟»
هذا بالضبط هو القلق الذي يجمعنا، وربما يكون هو ما يستحق أن نواصل التفكير والبحث فيه معا.
شكرا لك يا يحيى، شريكا في التفكير والسؤال قبل أن تكون قارئا للنص.
غانية ملحيس

يحيى بركات
غانية العزيزة،

أسعدتني كلماتك، والأكثر منها أنك قرأتِ قراءتي كما أردتها فعلًا: لا تعليقًا على نصك، بل دخولًا معه إلى السؤال ومواصلةً له.
وربما لأن السؤال لم يعد يحتمل أن يبقى ملكًا لكاتب واحد.
حين أدرتِ الكاميرا من أزمة إسرائيل إلى أزمة فلسطين، شعرت أن المشهد الذي ظهر أمامنا أكبر من أن ينتهي بانتهاء المقال. فالسؤال لم يعد فقط: ما الحامل السياسي الذي نحتاجه؟ بل: كيف نبنيه من دون أن نعيد، تحت أسماء جديدة، إنتاج البنية التي ننتقدها؟ وكيف ننتقل فعلًا من «وحدة الهيكل» إلى «وحدة المشروع»، من دون أن يتحول تعدد المراكز إلى تعدد في فلسطين نفسها؟
وهنا أعتقد أن الطريق أمام السؤال ما زال طويلًا، وربما أكثر صعوبة من تشخيص الأزمة؛ لأن كسر المقدس السياسي أسهل من منع أنفسنا من صناعة مقدس جديد مكانه.
وأضيف إلى قلقك قلقًا يشغلني منذ مدة: أين المجتمع في كل هذا؟
لا أريد أن نصل إلى صيغة أكثر حداثة للحامل السياسي، ثم نكتشف أن النخب هي التي صممته واختارت مفاتيحه وسلمته للشعب جاهزًا. إذا كنا نريد شرعية مختلفة، فلا بد أن يكون المجتمع شريكًا في التأسيس، لا جمهورًا يُستدعى لاحقًا للتصفيق أو التصويت.
لذلك أتفق معك أن علينا أن نذهب بالسؤال أبعد.
ربما لم تعد مهمتنا أن نصف الشروخ في الجدار؛ أصبحت واضحة. وربما حان الوقت لأن نضع أمام أنفسنا الورقة البيضاء الأصعب:

إذا لم نكن أسرى لما كان، فما الذي نريد أن نبنيه؟ وكيف نجعل الشعب، لا المؤسسة ولا الفصيل ولا النخبة، حاضرًا منذ الخط الأول في رسمه؟
عندها فقط، يا غانية، لن نكون واقفين أمام التاريخ ننتظر فتح النافذة؛ سنكون قد بدأنا، بأيدينا، صناعة الباب.
شكرًا لكِ، شريكةً في القلق والسؤال والبحث عن الطريق.
يحيى بركات


غانية ملحيس

أظن أن ردك هذه المرة لم يكتفِ بمواصلة السؤال، بل أضاف إليه طبقة جديدة لا تقل أهمية عن السؤال الأصلي: أين المجتمع في كل ما نفكر فيه حول إعادة بناء الحامل السياسي؟
وهذا سؤال أجدني أتوقف عنده طويلا.
فإذا كنا ننتقد بنية سياسية انفصلت، بدرجات مختلفة، عن المجتمع الذي يفترض أن تستمد منه شرعيتها، فإن الخطر الحقيقي أن نعيد إنتاج المشكلة نفسها ونحن نحاول تجاوزها؛ أي أن تقوم النخب بتصميم «الحامل الجديد»، ثم تقدمه للشعب بوصفه صيغة مكتملة، ونطلب منه لاحقا أن يمنحه الشرعية.
هنا تصبح عبارتك: «أن يكون المجتمع شريكا في التأسيس، لا جمهورا يستدعى لاحقا للتصفيق أو التصويت» أكثر من مجرد ملاحظة؛ أظنها شرطا من شروط إعادة التأسيس نفسها.
وربما هذا يعيدنا إلى سؤال الشرعية الذي توقفنا عنده: الشرعية لا تبدأ من الانتخابات، بل من المشاركة في إنتاج الإطار الذي ستجري داخله الانتخابات. ولا تبدأ من المؤسسة، بل من العلاقة التي تنشأ بين المجتمع والمشروع والمؤسسة.
لكنني أضيف إلى سؤالك سؤالا آخر: كيف نجعل المجتمع شريكا فعليا في التأسيس، لا مجرد اسم آخر لنخب جديدة تتحدث باسمه؟
فالمجتمع الفلسطيني ليس كتلة واحدة متجانسة. هو غزة والضفة والقدس والداخل والمخيمات والشتات، وأجيال وتجارب اجتماعية وسياسية مختلفة، ومراكز فعل متعددة نشأت خلال عقود من التشتت القسري. لذلك فإن إشراك المجتمع لا يمكن أن يعني فقط استطلاع رأيه أو دعوته إلى مؤتمر، وإنما يحتاج إلى التفكير في آليات تجعل هذه التعددية نفسها مصدرا للتأسيس.
وهنا أجد أن سؤالك عن «الورقة البيضاء» يلامس جوهر ما نحاول الوصول إليه. ربما لا ينبغي أن نبدأ بالسؤال: ما المؤسسة التي نريدها؟ بل أن نضع فعلا هذه الورقة البيضاء أمام الفلسطينيين ونبدأ بأسئلة أبسط وأعمق:
ما فلسطين التي نريدها؟
ما الذي نريد تحريره واستعادته وبناءه؟
ما الحقوق التي لا نقبل التنازل عنها؟
ما مصادر قوتنا التي نملكها فعلا؟
كيف نريد إدارة اختلافاتنا؟
وما الذي نحتاجه سياسيا لكي يصبح الشعب الفلسطيني، بكل تعدده، قادرا على التأثير في مسار تاريخه؟
بعد ذلك فقط يمكن أن نسأل عن المؤسسة، وعن شكل التمثيل، وعن آليات اتخاذ القرار.
ولعل هذا هو الفارق بين إصلاح بنية قائمة وإعادة التأسيس: في الإصلاح نبدأ غالبا من المؤسسة ونحاول تحسينها؛ أما في إعادة التأسيس فنبدأ من الشعب والمشروع والوظيفة، ثم نبحث عن الشكل الذي يخدمها.
لفتني كثيرا انتقالك في النهاية من «فتح النافذة» إلى «صناعة الباب». لكن ربما علينا أن ننتبه إلى أن الباب الذي نصنعه لا ينبغي أن يكون بابا جديدا تعبر منه النخب وحدها، بل بابا يشارك الشعب نفسه في تحديد موضعه، واتجاهه، والجهة التي يريد أن يفتح عليها.
لذلك أشعر أن حوارنا بدأ ينتقل فعلا من سؤال «ما الحامل السياسي؟» إلى سؤال أعمق: كيف يبدأ الفلسطينيون بأنفسهم عملية إعادة تأسيس السياسة، ومن أين يستمدون حقهم في صياغة مستقبلهم؟
وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي يستحق أن نواصل الاشتباك معه معا.
شكرا لك يا يحيى، شريكا في القلق والسؤال، والأهم في محاولة تحويل السؤال إلى طريق.
 
يحيى بركات

غانية العزيزة،
وأنا أكتب لكِ الآن، خطر لي سؤال آخر ربما ينبغي ألا يبقى بيني وبينك:
هل آن لهذا الحوار أن يخرج من المسافة بين نصين، وأن يصبح مساحة أوسع للتفكير الفلسطيني؟
فنحن لم نبدأ وفي أيدينا إجابة، ولم نتفق مسبقًا على خارطة طريق. بدأنا بسؤال، وكلما أضاف أحدنا إليه فكرة تغيّر السؤال نفسه واتسعت دائرته: من أزمة الحامل السياسي، إلى المجتمع، إلى الشرعية، إلى إعادة التأسيس، ثم إلى السؤال الأصعب: كيف يصبح المجتمع شريكًا في إنتاج المجال السياسي نفسه، لا مجرد ناخب داخله؟
ولا أعرف إلى أين سيقودنا هذا الحوار، وهذا ربما أحد أسباب أهميته.
لذلك أتمنى على الأصدقاء، وعلى كل من يقرأ هذا النقاش، ألا يكتفوا بمراقبته من الخارج. نحتاج إلى من يختلف معنا بقدر حاجتنا إلى من يتفق معنا؛ من يكشف ثغرة لم نرها، أو يضع سؤالًا أغفلناه، أو يهدم فكرة إذا كانت لا تصمد، أو يضيف إليها ما يجعلها أكثر قدرة على الحياة.
فربما لا تولد خارطة الطريق الفلسطينية القادمة من ورقة يكتبها شخص واحد، ولا من اجتماع مغلق تقرر فيه مجموعة من النخب ما ينبغي على المجتمع أن يفعله.
ربما تبدأ بطريقة أبسط وأكثر صدقًا: بسؤال يخرج إلى الناس، فتلتقي حوله عقول وتجارب وأجيال وأماكن فلسطينية مختلفة، ويبدأ كل منها بإضافة خط إلى الورقة البيضاء
لا أدّعي أن هذا الحوار سيصنع حاملًا سياسيًا، ولا أريد أن نحمله أكثر مما يحتمل. لكنني أسأل بصدق: إذا واصلناه، واتسعت دائرته، ودخل إليه المختلف قبل المتفق، والمجتمع قبل المؤسسة، فهل يمكن أن تتراكم منه رؤية؟ وهل يمكن للرؤية أن تصبح نهجًا؟ وهل يمكن للنهج، ذات يوم، أن يرسم معالم طريق يستطيع المجتمع الفلسطيني أن يحملها لأنها لم تُصنع بعيدًا عنه؟
لهذا أتمنى أن يدخل الأصدقاء إلى هذا الحوار، لا ليحكموا بين رأيين، بل ليصبحوا شركاء في السؤال.
فإذا كنا نقول إن المجتمع يجب أن يشارك في صناعة الباب، فلنبدأ من هنا:
لنفتح الحوار نفسه، قبل أن ندّعي أننا عرفنا أين يجب أن يُفتح الباب.
يحيى بركات




========


غانية ملحيس

يحيى العزيز
أظن أنك التقطت في ردك هذه المرة لحظة كنا نقترب منها منذ زمن، وربما آن لنا أن نسميها: أن يخرج هذا الحوار من المسافة بين النصوص، ليصبح مساحة أوسع للتفكير الفلسطيني.
وأقول «هذا الحوار» لأنني لا أراه حوارا ثنائيا، ولا حتى حوارا بين مجموعة محددة من الكتّاب، وإنما أراه تراكما تشكل عبر سنوات من الكتابة والقراءة والتعليق والاختلاف والسؤال.
خالد عطية، عريب الرنتاوي، إياد البرغوثي، مروان طوباسي، وليد عبد الحي، هاني المصري، غسان جابر، عبد الرحمن بسيسو، المتوكل طه، عبد المجيد سويلم، معين الطاهر، حسن أبو لبدة، محمد مشارقة، محمد قاروط أبو رحمة، سمير حليلة، وغيرهم كثيرون، لم «ينضموا» إلى الحوار الآن، هم شركاء فيه منذ زمن، وكل واحد منهم، من موقعه وتجربته، كان يضيف سؤالا أو اعتراضا أو فكرة أو زاوية جديدة.
وربما ما يحدث الآن هو أننا بدأنا نرى الخيط الذي يصل بين هذه الأسئلة المتفرقة.
وهذا ما يجعل اقتراحك مهمًا بالنسبة لي.
فنحن لم نبدأ وفي أيدينا إجابة، ولم نتفق مسبقا على خارطة طريق. بدأنا من أسئلة مختلفة، لكن الأسئلة أخذت تتقاطع وتتوالد: من أزمة المشروع الوطني، إلى أزمة الحامل السياسي، إلى العلاقة بين الحامل الوطني والحامل السياسي، إلى الشرعية والتمثيل ووحدة المشروع وإدارة الاختلاف، إلى الأزمات الأمنية والاقتصادية والمالية، ثم إلى سؤال المجتمع ودوره في إنتاج المجال السياسي نفسه.
كل سؤال جديد لم يُغلق ما قبله، بل أعاد فتحه من زاوية أخرى.
وهذا، في رأيي، هو ما ينبغي أن نحافظ عليه.
فإذا أردنا أن ننتقل إلى مجال فكري فلسطيني أوسع، فلا ينبغي أن يكون الهدف إنتاج إجماع سريع، ولا صياغة وثيقة جاهزة، ولا الاتفاق على «الحل»، بل أن نخلق مساحة يستطيع فيها المختلفون أن يفكروا معا، من دون أن يضطروا إلى إخفاء اختلافاتهم.
نحتاج إلى من يتفق، لكننا نحتاج أكثر إلى من يختلف بجدية، من يكشف ثغرة لم نرها، أو يختبر فكرة لا تصمد، أو يقترح طريقا لم نفكر فيه.
فالغاية ليست أن نثبت صحة ما بدأنا به، وإنما أن نعرف ما الذي يمكن أن يصمد أمام أسئلة فلسطين القادمة.
وأجدني أتفق معك تماما في أن المجتمع يجب ألا يأتي في نهاية العملية ليمنح الشرعية لما أنتجته النخب، بل ينبغي أن يكون حاضرا في إنتاج السؤال نفسه.
وهنا ربما يصبح الحوار الذي نشهده الآن تمرينا أوليا على ما ندعو إليه: أن تتعدد الأصوات، وأن تتجاور التجارب، وأن يدخل الاختلاف في عملية إنتاج المعنى، بدل أن يتحول إلى سبب للقطيعة.
ولهذا لا أرى أن المطلوب أن نحمل هذا الحوار أكثر مما يحتمل، أو أن نعلن مبكرا أنه سيصنع «حاملا سياسيا» أو «خارطة طريق». ربما تكون مهمتنا الآن أبسط وأصعب في آن: أن نراكم التفكير.
أن ننتقل من المقال إلى السؤال، ومن السؤال إلى أسئلة أخرى، ومن الأسئلة المتفرقة إلى خيوط يمكن أن تتشكل منها رؤية. ثم نرى إلى أين يقودنا ذلك.
وأظن أن هذا هو الحلم الذي يجمعنا جميعا: أن نستعيد للفلسطينيين مجالا يفكرون فيه بأنفسهم، لا أن يبقوا موضوعا لمشاريع الآخرين، وأن نعيد وصل الفكر بالمجتمع، والسؤال بالفعل، والوعي بإمكان المستقبل.
ولذلك لفتتني جدا خاتمتك: «لنفتح الحوار نفسه، قبل أن ندّعي أننا عرفنا أين يجب أن يُفتح الباب.»
نعم يا يحيى. فلنفتح الحوار. ليس باعتباره حوارا بين أصحاب إجابات، بل بين أصحاب سؤال.
ولا باعتباره مشروع نخبة تريد أن ترسم مستقبل المجتمع، بل محاولة لاستعادة المجال العام الفلسطيني نفسه، المجال الذي يستطيع فيه المجتمع، بكل تعدده واختلافه، أن يشارك في إنتاج الأسئلة التي يتوقف عليها مستقبله.
وربما لا نعرف الآن أين سيفتح هذا الباب.
لكن يكفينا أن نعرف أن الطريق إليه لن يكون بإعادة إنتاج الأبواب القديمة.
ض
 
أعلى