يحيى بركات - انتخابات دولة الاحتلال الحلفة الثانيه ما وراء الـ61... أي إسرائيل ستخرج من صندوق ما بعد السابع من أكتوبر؟

في السابع والعشرين من أكتوبر، ستُفتح صناديق الاقتراع في دولة الاحتلال. مئة وعشرون مقعدًا تنتظر أصحابها. لكن مقعدًا آخر سيكون حاضرًا أكثر من الجميع، مع أنه لن يظهر في أي استطلاع: كرسي رئيس الحكومة في صباح السابع من أكتوبر.
في ذلك الصباح لم يسقط السياج وحده. سقط يقين. دولة جعلت الأمن واحدًا من أهم مبررات قوتها أمام مواطنيها، وجدت الناس، خلال ساعات، يسألون: أين الجيش؟ أين أجهزة الأمن؟ أين الدولة؟
مرت ثلاثة أعوام تقريبًا. دُمّرت غزة، واتسعت الحرب إلى لبنان، وضُربت إيران، وامتدت العمليات إلى سوريا، واغتيل قادة، وتحركت الجيوش، وتغيرت خرائط كثيرة. لكن السؤال الذي ولد في ذلك الصباح لم يمت.
ولهذا لا أرى انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر مجرد منافسة بين نتنياهو وآيزنكوت، ولا بين ائتلاف ومعارضة، ولا حتى بين يمين ويسار. إنها أول انتخابات يُطلب فيها من مواطني دولة الاحتلال أن يقرروا: أي تفسير للسابع من أكتوبر يريدون أن يحكمهم؟
نتنياهو يعرف أين تكمن خطورة السؤال. إذا بقيت الكاميرا في صباح السابع من أكتوبر، فهو رئيس الحكومة الذي كان في الغرفة حين وقع أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل. قيادات عسكرية وأمنية أقرت بمسؤوليتها. رئيس الأركان هرتسي هليفي غادر منصبه بعد تحمله المسؤولية عن إخفاق الجيش. أما المسؤولية السياسية فما زالت معلقة بين لجنة تحقيق لم تحسم معركتها، وروايات متصارعة، وانتخابات تأتي قبل أن تنتهي محاكمة ذلك اليوم سياسيًا.
لهذا يريد نتنياهو أن يحرك الكاميرا. لا تنظروا إلى ما حدث في السابع من أكتوبر. انظروا إلى ما فعلناه بعده. غزة. لبنان. إيران. سوريا. انظروا إلى القوة.
أما خصومه فيريدون إعادة الكاميرا إلى اللقطة الأولى: قبل أن تخبرنا بما فعلت بعد السابع من أكتوبر، أخبرنا لماذا حدث السابع من أكتوبر وأنت تحكم.
وهكذا تصبح الانتخابات، من حيث لا تقول أوراقها: لجنة التحقيق التي لم تُشكَّل بعد.
لكن السابع من أكتوبر لم يخلق إسرائيل جديدة من العدم. ولم يخلق بن غفير. ولم يخلق سموتريتش. ولم يخلق المستوطنين أو الصهيونية الدينية أو اليمين القومي. هذه تيارات لها تاريخ أقدم بكثير من ذلك الصباح.
ما فعله السابع من أكتوبر أنه أعاد ترتيب قوتها، ووسّع المساحة التي تستطيع فيها بعض أكثر الأفكار تطرفًا أن تقول نفسها بلا اعتذار، وأن تقدم نفسها بوصفها جوابًا عن الخوف.
ولهذا لم تنتج الصدمة تفسيرًا واحدًا. لكل إسرائيل تقريبًا سابع أكتوبر خاص بها.
نتنياهو يقول: وقع الإخفاق، لكنني أعدت القوة. آيزنكوت يقول: القوة كانت موجودة، الذي أخفق هو من أدارها. بينيت وليبرمان يقولان، كل بطريقته: يمكن أن تكون يمينيًا من دون أن تكون نتنياهو. أما بن غفير وسموتريتش فاستخلصا نتيجة أخرى: المشكلة ليست أننا ذهبنا بعيدًا. المشكلة أننا لم نذهب بعيدًا بما يكفي.
مزيد من الحسم. مزيد من السيطرة. مزيد من الأرض. وما تبقى من اليسار الصهيوني يحاول أن يسأل عن الطريق الذي تسير فيه الدولة نفسها.
أما الحريديم، فقد وضعتهم الحرب أمام سؤال لم يعد دينيًا فقط: من يحمل السلاح؟ من يذهب إلى الاحتياط؟ ومن يبقى خارجه؟
حدث واحد. لكن كل قوة أخذت منه الدرس الذي يشبهها. وهذه، أكثر من أسماء الأحزاب، هي خريطة الانتخابات الحقيقية.
الأرقام تساعدنا على رؤية الصورة، لكنها لا تفسرها. في متوسطات استطلاعات نهاية أغسطس يتحرك حزب آيزنكوت «ياشار» والليكود في مقدمة الخريطة، من دون أن يبدو الوصول إلى الواحد والستين سهلًا لأي معسكر.
لكن الأهم من فارق مقعد هنا أو مقعدين هناك أن الخريطة تتحرك، في جانب كبير منها، داخل اليمين أكثر مما تتحرك من اليمين إلى اليسار.
وهذا يعني أن خسارة نتنياهو، إن حدثت، لا تعني بالضرورة هزيمة الاتجاه الذي يمثله. قد يخسر الرجل. ويبقى اليمين. وقد يتغير رئيس الحكومة من دون أن تتغير الأسئلة التي تحكم المجتمع. بل قد يخسر نتنياهو من دون أن تخسر البنية السياسية التي جعلت نتنياهو ممكنًا.
خذوا آيزنكوت. رئيس أركان سابق. جنرال. رجل فقد ابنه واثنين من أبناء إخوته في الحرب. وعندما يتحدث عن الجيش، لا يتحدث من خارج الثكنة ولا من خارج المقبرة.
لكنه لا يأتي حاملًا مشروع سلام. ولا يطلب من ناخب اليمين أن يصبح يساريًا. إنه يقدم له عرضًا آخر للأمن: يمكن أن تحصل على القوة من دون نتنياهو.
وهنا تكمن خطورته الحقيقية على الرجل الذي بنى جزءًا كبيرًا من حياته السياسية حول لقب «السيد أمن». فحين اهتزت الثقة بالقوة بعد السابع من أكتوبر، لم يبحث جزء من المجتمع الإسرائيلي عن بديل للقوة. بحث عن قائد آخر لها.
وهكذا يمكن أن يسقط نتنياهو، بينما يبقى المنطق الذي حكم في ظله حاضرًا.
أما سموتريتش فيروي حكاية أخرى. حكاية تقول إن عدد المقاعد لا يساوي دائمًا مقدار القوة. قد تضعه الاستطلاعات عند حافة نسبة الحسم. لكن اخرجوا من قاعة الكنيست إلى الضفة. هناك يتغير حجم الرجل.
بؤرة على تلة. طريق يُفتح. أرض تُصادر. مستوطنة تتوسع. قرار إداري. توقيع. ثم يصبح ما كان قرارًا بالأمس واقعًا على الأرض في الصباح التالي.
قد يكون سموتريتش أضعف من أن يحكم إسرائيل، لكنه قوي بما يكفي للمساهمة في تغيير جغرافية فلسطين.
ولهذا لا أسأل فقط: كم مقعدًا سيربح؟ بل: ماذا لو خسر سموتريتش الانتخابات بينما ربح مشروعه؟
إذا جاءت الحكومة التالية ووجدت أمامها أرضًا تغيرت، وبؤرًا أصبحت أمرًا واقعًا، وطرقًا ومستوطنات وإجراءات إدارية وقانونية يصعب التراجع عنها، فهل يكون الرجل قد خسر فعلًا؟
أما بن غفير، فقصته ليست في عدد المقاعد وحده. قصته في المسافة التي تحركتها اللغة السياسية نحوه. ربما لم يصبح كل الإسرائيليين بن غفير. لكن جزءًا من اللغة التي يمثلها أصبح أقل غرابة على الأذن الإسرائيلية.
والسابع من أكتوبر لم يخلق هذه اللغة؛ لكنه منحها لحظة أصبحت فيها أكثر قدرة على تقديم نفسها باعتبارها جوابًا عن الخوف.
وهنا تدخل الضفة إلى الانتخابات. ليس بوصفها خبرًا فلسطينيًا على هامشها. بل لأنها قد تصبح إحدى ساحاتها الأكثر خطورة.
فوق تلة في الضفة قد تبدأ الحكاية صغيرة. مستوطن يعتدي. فلسطيني يرد. الجيش يدخل. تبدأ المواجهة. يسقط قتلى أو جرحى. ثم تصل الصورة إلى شاشة التلفزيون الإسرائيلية وقد فقدت مشهدها الأول.
تختفي الأرض التي بدأت منها الحكاية. ويبقى العنوان: «تصعيد أمني في الضفة».
ويتغير السؤال من: من بدأ؟ إلى: من يستطيع أن يحميني؟
وهنا تظهر مفارقة قاسية: ماذا لو كانت السياسات التي يقدمها بن غفير وسموتريتش بوصفها طريقًا إلى الأمن هي نفسها التي تساعد على إنتاج الجبهة التي سيطلبان من الناخب، لاحقًا، أن ينتخبهما كي يحمياه منها؟
هناك تلتقي التلة بصندوق الاقتراع.
وهناك أيضًا الحريديم. الحرب جعلت الخلاف حول إعفائهم من الخدمة أقل تجريدًا.
جندي احتياط يعود إلى بيته. يضع حقيبته. ثم يأتيه استدعاء جديد. وفي الشارع نفسه يمر شاب حريدي لا يُستدعى. ينظر أحدهما إلى الآخر. في تلك النظرة يوجد قانون كامل.
لم يعد السؤال فقط عن الدين والدولة. أصبح: من يحمل الدولة حين تصبح ثقيلة؟
الحرب تستطيع أن تغطي الشقوق بالدخان. لكن الدخان لا يصلح إسمنتًا.
ثم نصل إلى الفلسطينيين المواطنين في دولة الاحتلال. القوة التي اعتادت السياسة الإسرائيلية أن تضعها عند حافة الصورة، مع أنها قد تجد نفسها هذه المرة قريبة جدًا من الرقم الذي يقرر من يحكم.
وهنا يعود سؤال قديم طرحه صبري جريس عن الاستخدام السياسي للصوت الفلسطيني، لكنه يعود اليوم في لحظة مختلفة.
إذا أصبحت المقاعد الفلسطينية هي التي تستطيع منع حكومة تضم نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، أو إذا احتاج آيزنكوت أو أي معسكر آخر إليها للوصول إلى الواحد والستين، فهل يكفي أن يكون دورها: منع الأسوأ؟
وهل يصبح السؤال: ندعم أم لا ندعم؟ أم أن اللحظة تسمح بسؤال أكبر: كيف تتحول حاجة الآخرين إلى الصوت الفلسطيني من حساب برلماني إلى فعل سياسي فلسطيني؟
ليس المقصود وظيفة وزارية. ولا ميزانية إضافية. ولا تحسين شروط الحياة داخل واقع سياسي يبقى كما هو.
فإذا كان الصوت الفلسطيني هو الذي سيكمل الواحد والستين، فمن حق صاحبه أن يسأل قبل أن يمنحه: ماذا سيتغير في غزة؟ وماذا سيتغير في الضفة؟ وماذا سيحدث للاستيطان والضم وعنف المستوطنين؟ وهل سيبقى الفلسطيني شعبًا مطلوبًا منه أن يعيش تحت الاحتلال بينما تتغير الحكومات التي تديره؟ وأين حقه في تقرير مصيره؟ وأين المساواة الكاملة للفلسطيني المواطن في دولة تقول إن مواطنيها متساوون؟
وقبل أن يصل الصوت الفلسطيني إلى الصندوق، جاءت لقطة جديدة إلى المشهد.
منصور عباس يضع يوآف سيغلوفيتش في الموقع الثاني على قائمة «راعم».
يهودي قادم من قلب المؤسسة الأمنية، يقف في مقدمة قائمة عربية إسلامية الجذور. صورة تصلح، للوهلة الأولى، عنوانًا للشراكة.
لكن خلف الصورة يقف الرقم 61.
ماذا لو حصل عباس على خمسة أو ستة مقاعد، وكانت هي القطعة الناقصة لتشكيل الحكومة، بينما بقيت سبعة أو ثمانية مقاعد فلسطينية أخرى خارجها؟
عندها قد يدخل إلى الكنيست ثلاثة عشر فلسطينيًا، لكن الحكومة لا تحتاج منهم سوى خمسة.
يقف خمسة عند الباب يحملون المفتاح. ويبقى ثمانية خلفهم، يحملون أصواتًا أكثر... لكن الباب فُتح من دونهم.
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل سيكون الصوت الفلسطيني جسرًا تعبر عليه حكومة إسرائيلية إلى الواحد والستين، أم يصبح الواحد والستون نفسه جسرًا تعبر عليه القضية الفلسطينية إلى قلب القرار؟
فليس المهم فقط من يدخل الحكومة، بل ماذا يدخل معه.
غزة؟
الضفة؟
الاستيطان؟
الضم؟
حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره؟
أم يدخل الوزير، وتبقى القضية خارج الباب؟
قد تختلف القوى الفلسطينية حول المشاركة في حكومة، أو دعمها من الخارج، أو الامتناع عن دعمها. هذا خلاف سياسي مشروع. لكن ما لا ينبغي أن يحدث هو أن يصبح الصوت الفلسطيني مجرد جسر تعبر عليه إسرائيل من نتنياهو إلى حكومة أخرى، ثم يُطلب من الفلسطيني أن يعود إلى الهامش في صباح اليوم التالي.
فليس المهم فقط: من نُسقط؟ بل: ما الذي سيتغير بعد أن نسقطه؟
الحساب لا يعرف الأيديولوجيا. الواحد والستون يبقى واحدًا وستين. لكن الفلسطيني الذي يستطيع أن يمنح هذا الواحد والستين لا ينبغي أن يمنحه مجانًا.
غير أن الذين يدخلون هذه الانتخابات ليسوا جميعًا مسجلين في سجل الناخبين.
هناك دائرة أخرى لا تضع أوراقًا في الصندوق.
واشنطن. ترامب. أيباك. مؤسسات صهيونية. منظمات يهودية مختلفة في الولايات المتحدة وأوروبا. المانحون. الجامعات. الإعلام. وصورة إسرائيل في عالم لم يعد ينظر إليها بالطريقة نفسها بعد غزة.
هذه القوى لا تختار الحكومة الإسرائيلية، وليست كتلة واحدة، ولا تتحرك في اتجاه واحد. لكنها موجودة في الغرفة.
السلاح. الغطاء السياسي. إيران. غزة. لبنان. العلاقة مع واشنطن. الشرعية الدولية. كلها موجودة في الانتخابات، حتى إن لم تكن موجودة على ورقة الاقتراع.
أيباك تريد الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية الأميركية ـ الإسرائيلية بصرف النظر عن اسم الحكومة المقبلة. ترامب ينظر إلى إسرائيل من داخل حسابات أميركية أوسع من حسابات نتنياهو. ويهود الولايات المتحدة وأوروبا ليسوا جمهورًا واحدًا؛ لكن داخل قطاعات منهم، وخصوصًا بين أجيال وتيارات معينة، صار السؤال عن إسرائيل نفسها أكثر حضورًا.
لسنوات طويلة كان السؤال: كيف يحشد يهود العالم دعمهم لإسرائيل؟
أما اليوم فقد بدأ سؤال آخر يظهر إلى جانبه: أي إسرائيل يُطلب منا أن ندافع عنها؟
وهنا يصبح لدينا ناخب آخر لا يظهر في سجل الناخبين: صورة إسرائيل في العالم.
قد يربح سياسي مقعدين داخل إسرائيل، ويخسر لها مساحة خارجها. قد تساعد لغة بن غفير في حشد ناخبين، لكنها تجعل الدفاع عن إسرائيل أصعب في جامعة أميركية. وقد يفرض سموتريتش واقعًا جديدًا فوق أرض فلسطينية، لكنه يضيف حجرًا آخر إلى جدار العزلة التي تواجهها إسرائيل في الخارج.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة أيضًا.
فنحن، الفلسطينيين، قد ننظر إلى ما يحدث في العالم ونقول للإسرائيلي: انظر ماذا فعل الاحتلال، وغزة، والاستيطان، بصورة دولتك.
وقد ينظر الإسرائيلي إلى الوقائع نفسها ويقول: انظروا ماذا يفعل العالم بنا.
نحن نرى العزلة نتيجة. وهو قد يراها حصارًا. نحن نراها دعوة إلى مراجعة الطريق. وهو قد يسمعها دليلًا على أن العالم لن يقبل إسرائيل مهما فعلت.
وهنا لا يصبح الصراع على الواقع فقط. بل على تفسير الواقع.
وقد تكون هذه إحدى أخطر مفارقات الانتخابات. فالضغط الخارجي لا ينتج الاعتدال دائمًا. أحيانًا ينتج مزيدًا من الانغلاق.
والعالم الذي يقول للإسرائيلي: انظر ماذا تفعل دولتكم. قد يسمع من جزء من المجتمع الإسرائيلي جوابًا معاكسًا: انظروا ماذا يفعل العالم بنا.
ومن المسافة بين الجملتين يستطيع اليمين أن يصنع خوفًا جديدًا.
وهكذا نعود مرة أخرى إلى السابع من أكتوبر.
في الداخل ترك سؤالًا: هل ما زالت الدولة قادرة على حمايتي؟
وغزة تركت في الخارج سؤالًا آخر: هل ما زالت هذه هي إسرائيل التي أستطيع الدفاع عنها؟
وبين السؤالين تجري الانتخابات.
وهنا يصبح ترامب حاضرًا من دون أن يكون ناخبًا. قرار أميركي حول إيران، أو غزة، أو لبنان، أو السلاح، أو مسار سياسي، يستطيع أن يغير البيئة التي يدخل فيها الإسرائيلي إلى الصندوق.
لكن نتنياهو يعرف شيئًا أكثر بساطة. الناخب الخائف لا يصوت بالطريقة نفسها التي يصوت بها الناخب الذي يشعر بالأمان.
في الهدوء يستطيع أن يسأل: من أخفق؟ أين التحقيق؟ ماذا حدث للأسرى؟ لماذا أعود إلى الاحتياط بينما يُعفى غيري؟ ماذا فعلت الحرب بالاقتصاد؟ وماذا فعلت بصورة إسرائيل في العالم؟
أما عندما تشتعل الجبهة، تتراجع أسئلة كثيرة أمام سؤال واحد: من يقود الآن؟
ولهذا فالحرب ليست مجرد خلفية للانتخابات. إنها أحد اللاعبين فيها.
لا أقول إن نتنياهو سيشعل حربًا كي يربح الانتخابات؛ فذلك اتهام يحتاج إلى دليل. لكن يمكن قول شيء آخر بثقة أكبر: في الهدوء يعود السابع من أكتوبر ليطارده. وفي الحرب يستطيع أن يقف من جديد أمام الخريطة قائدًا لها.
في السابع والعشرين من أكتوبر سيقف مواطن دولة الاحتلال خلف الستارة.
سيكون وحده. ورقة واحدة في يده. لكن الغرفة ستكون مزدحمة.
سيكون السابع من أكتوبر هناك. والجندي الذي عاد من الاحتياط. والحريدي الذي لم يُستدعَ. والمستوطن فوق التلة. والفلسطيني الذي هوجم في أرضه. وعائلة تنتظر أسيرًا. والفلسطيني المواطن في دولة الاحتلال الذي يحمل ورقة اقتراع قد تصبح جزءًا من الواحد والستين.
وغزة. والضفة. وإيران. وواشنطن. وترامب. ويهودي في نيويورك بدأ يسأل نفسه عن إسرائيل التي يُطلب منه الدفاع عنها. وعالم لم يعد ينظر إلى المشهد بالعين نفسها.
يضع الناخب الورقة في المغلف. تغلق الصناديق. ويبدأ العد.
ثم يبدأ السباق نحو الواحد والستين.
لكن هناك شيئًا لن تستطيع لجنة الانتخابات عده: مقدار السابع من أكتوبر الموجود داخل كل ورقة.
فهذه الانتخابات لا تقرر فقط من سيحكم دولة الاحتلال بعد السابع من أكتوبر. إنها تقرر أي درس سيختار المجتمع الإسرائيلي أن يتعلمه منه.
هل يقول إن ما حدث يعني أنه يحتاج إلى مزيد من القوة؟ مزيد من الأرض؟ مزيد من المستوطنات؟ مزيد من الجدران؟ مزيد من الحرب؟
قد يفعل.
وقد تجمع الحكومة المقبلة الواحد والستين. وقد تخوض حربًا أخرى. وقد تضم أرضًا أخرى. وقد تبني مستوطنة أخرى وجدارًا أعلى. وقد تقنع مواطنيها، لبعض الوقت، بأنها انتصرت.
لكن هناك سؤالًا لن يظهر على شاشة النتائج. وسيبقى بعد أن تنطفئ أضواء الاستديوهات ويغادر المحللون طاولاتهم.
السؤال ليس:
كيف يمكن لشعبين أن يعيشا على هذه الأرض؟
فمثل هذه الصياغة تبدأ الحكاية من منتصفها، وكأن طرفين متساويين وصلا إلى الأرض في اللحظة نفسها واختلفا على طريقة العيش فيها.
السؤال الذي ينتظر المجتمع الإسرائيلي أكثر مباشرة: كيف تستطيع أن تعيش على هذه الأرض وأنت تنفي صاحب الأرض، وتخضعه لاحتلالك، وتصادر حقه في تقرير مصيره، ثم تطلب منه أن يستسلم ويتنازل عن حقوقه؟
ذلك السؤال لا يملك مقعدًا في الكنيست. ولا يظهر في استطلاعات الرأي. ولا يحتاجه أحد للوصول إلى الواحد والستين.
لكنه سيبقى بعد أن يرحل نتنياهو. وبعد أن يرحل آيزنكوت. وبعد أن تتغير الحكومات.
فالانتخابات تستطيع أن تغير من يدير الاحتلال. وقد تغير طريقة إدارته. وقد تغير لغته. لكنها لا تستطيع أن تجعل الاحتلال حلًا.
قد يجمع الفائز الواحد والستين. وقد يشكل حكومة. وقد يملك الجيش. والطائرات. والسلاح. والجدار. والمستوطنة. وقد يستطيع أن يغير شكل الأرض.
لكن هناك شيئًا واحدًا لا تستطيع القوة أن تفعله: أن تجعل الفلسطيني غائبًا عن أرضه وهو ما زال واقفًا عليها.
ولهذا فإن السؤال الذي ستؤجله انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر لن يختفي بتأجيله: هل تستطيع دولة الاحتلال أن تصنع لنفسها مستقبلًا، وهي تصر على أن يكون مستقبل الفلسطيني غيابًا أو خضوعًا؟
إذا كان جواب الصندوق مرة أخرى هو المزيد من القوة، من دون الاعتراف بصاحب الأرض وحقوقه، فقد تختار إسرائيل حكومة جديدة...
لكنها ستبقى تهرب من السؤال الذي لا تستطيع أي حكومة أن تلغيه.
يتبع...
-يحيى بركات –
31 /8/ 2026





FB_IMG_1788217553977.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى