د. حسين عبدالبصير - نجيب محفوظ... الرجل الذي ترك لنا القاهرة

كلما عدت إلى نجيب محفوظ أشعر أنني لا أعود إلى كاتب فقط، وإنما أعود إلى زمن كامل. إلى القاهرة التي عرفها وكتبها وعاش تفاصيلها الصغيرة، وإلى ذلك الإنسان الذي استطاع أن يجعل من الحياة العادية مادة للأدب الكبير. عشرون عامًا مرت على رحيله، ومع ذلك لا يبدو محفوظ بعيدًا. كأن الرجل غاب، لكن صوته ظل في المكان، في الشوارع القديمة، وفي المقاهي، وفي البيوت، وفي الحكايات التي لا تنتهي.

أظن أن سر نجيب محفوظ الحقيقي لم يكن في كثرة ما كتب، ولا في الجوائز التي حصل عليها، ولا حتى في وصوله إلى نوبل. سرّه كان في تلك القدرة النادرة على أن يرى الإنسان كما هو، لا كما يحب أن يظهر أمام الآخرين. كان يرى ضعفه وطموحه وخوفه وغروره وحبه وحيرته، ثم يتركه يمشي أمامنا على الورق من غير أن يصدر عليه حكمًا نهائيًا.

وهذا هو ما يجعل شخصيات محفوظ قريبة منا حتى الآن. نحن لا نشعر أننا نقرأ عن أشخاص انتهوا وانقضى زمنهم. نقرأ عن أنفسنا. عن الأب الذي يخشى على أولاده، والابن الذي يريد أن يثبت نفسه، والمرأة التي تحلم بحياة أفضل، والرجل الذي يكتشف متأخرًا أن العمر مضى أسرع مما تصور. نقرأ عن الإنسان في لحظة ضعفه، ولذلك نصدقه.

كانت القاهرة عند نجيب محفوظ أكثر من مدينة. كانت ذاكرة وحياة ومصيرًا. كان يعرف شوارعها وأزقتها وحاراتها، لكنه لم يكن يكتب المكان لمجرد وصفه. كان يبحث عما يفعله المكان في الإنسان. الحارة عنده ليست مجموعة بيوت متجاورة، وإنما عالم كامل له قوانينه وأحلامه وأسراره وصراعاته. والقاهرة التي كتبها لم تعد بعد محفوظ مجرد مدينة يمكن أن نزورها، وإنما أصبحت مدينة يمكن أن نقرأها.

ولعل أجمل ما في محفوظ أنه لم يتعالَ على الناس الذين كتب عنهم. كان يستطيع أن يجعل من الرجل البسيط بطلًا، ومن الحكاية الصغيرة قضية كبيرة، ومن لحظة عابرة في حياة إنسان سؤالًا عن المصير. لم يكن بحاجة إلى أبطال خارقين. كان يرى البطولة في قدرة الإنسان العادي على الاستمرار.

كان يعرف أن الحياة ليست دائمًا عظيمة، وأن معظم أيامنا تمر من دون أحداث كبيرة. ومع ذلك، فإن هذه الأيام العادية هي التي تصنع أعمارنا في النهاية. ولذلك اهتم محفوظ بالتفاصيل التي قد لا نلتفت إليها ونحن نعيشها، ثم نكتشف قيمتها عندما تتحول إلى ذكرى.

ومن هنا أرى أن محفوظ لم يكن روائي القاهرة فقط، وإنما كان روائي الزمن. كان يعرف أن الزمن هو البطل الخفي في حياة كل إنسان. نولد ونكبر ونحب ونختلف ونحلم ونفقد وننسى، ثم نكتشف فجأة أن سنوات كثيرة مرت من دون أن نشعر. وربما لهذا تبدو أعماله اليوم أكثر قربًا من القلب. كلما تقدم بنا العمر فهمنا محفوظ بطريقة مختلفة.

لقد تغير نجيب محفوظ كثيرًا خلال رحلته الطويلة. تغيرت لغته، وتغيرت أشكال رواياته، وانتقل من التاريخ إلى الواقع، ومن الواقعية إلى الرمز، ومن الرواية الطويلة إلى النصوص المكثفة والأحلام والشذرات. لكنه ظل في كل هذه التحولات يبحث عن الشيء نفسه: الإنسان وهو يحاول أن يجد معنى لحياته.

وهذا في رأيي هو سبب بقاء محفوظ.

فالكاتب الذي يكتب عن عصره قد يعيش معه، لكن الكاتب الذي يكتب عن الإنسان يستطيع أن يعيش بعد عصره. ومحفوظ كتب عن مصر، لكنه في الوقت نفسه كتب عن الإنسان في كل مكان. ولهذا خرجت شخصياته من الحارة المصرية إلى العالم.

ولم تكن نوبل هي التي جعلت نجيب محفوظ عالميًا. نوبل جاءت لتعلن للعالم أن هذا الكاتب الذي عاش معظم حياته في القاهرة استطاع أن يقول شيئًا يفهمه الإنسان في كل مكان. كان محليًا في تفاصيله، لكنه إنساني في جوهره. وهذه هي المعادلة الأصعب في الأدب.

أحيانًا أفكر في محفوظ باعتباره أثرًا من نوع خاص. نحن الأثريين نبحث عن آثار تركها الإنسان القديم وراءه، ونحاول من خلالها أن نفهم كيف عاش، وماذا كان يفكر، وماذا كان يخاف، وماذا كان يحلم. ومحفوظ ترك لنا أثرًا مختلفًا. ترك لنا كلمات تستطيع أن تفعل الشيء نفسه. من خلال كتبه نستطيع أن نرى مصر في أزمنة مختلفة، ونسمع أصوات أهلها، ونقترب من أفراحهم وأحزانهم ومخاوفهم.

الحجر يبقى لأنه يقاوم الزمن، والكلمة تبقى لأنها تقاوم النسيان. وربما كان هذا هو وجه الشبه الأجمل بين الأثر والأدب.

بعد عشرين عامًا من رحيل نجيب محفوظ، لا أظن أننا بحاجة إلى أن نحتفل به بالكلام الكثير. أعماله موجودة، وشخصياته موجودة، والقاهرة التي تركها لنا ما زالت تمشي في كتبه. يكفي أن نفتح إحدى رواياته فنجد أننا لم نكن نقرأ عن الماضي فقط، وإنما كنا نقرأ عن شيء يحدث حولنا الآن.

وهذا هو الكاتب الكبير في النهاية. ليس من نقرأه ثم نضع كتابه جانبًا، وإنما من يجعلنا بعد إغلاق الكتاب ننظر إلى الحياة بطريقة مختلفة.

نجيب محفوظ لم يعد بيننا، لكن شيئًا منه ما زال يمشي في شوارع القاهرة.

ربما نجده في رجل يجلس وحيدًا على مقهى، أو في عجوز يراقب الشارع من شرفته، أو في شاب يطارد حلمًا لا يعرف إن كان سيصل إليه، أو في أم تنتظر عودة ابنها، أو في عاشق يخفي خوفه وراء ابتسامة.

وهنا تكمن عظمة محفوظ.

لقد كتب الناس الذين كانوا حوله، ثم كتبنا نحن معهم من دون أن يقصد.

ولهذا، بعد عشرين عامًا من رحيله، لا أشعر أننا نستعيد ذكرى نجيب محفوظ بقدر ما نستعيد أنفسنا ونحن نقرأه.

رحل الرجل، وبقيت القاهرة.

وبقيت الحكايات.

وبقي السؤال القديم الذي لم يتوقف محفوظ عن طرحه طوال حياته: ماذا يعني أن يكون الإنسان إنسانًا؟

وربما لهذا السبب تحديدًا، كلما عدنا إلى نجيب محفوظ، وجدنا أننا لم نعد إلى الماضي.

وجدنا أنفسنا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى