آصال أبسال - كَالُ الإِنْبَاءِ الثَّقَافِيِّ: وهذا اِقْتِرَابُ التَّبْسِيرِ وذاك اِغْتِرَابُ التَّفْسِيرِ! (2)

(2)

كما جاء في القسم الأول، إنه لَعَيْنُ التَّبْسِـيرِ الاقترابيِّ على كلٍّ من المستويَيْن الكمِّي والكيفي الذي يتبدَّى جليًّا في معنى التفسير الاغترابي بالحرفِ أو بالمجازِ، ممَّا يعكس الواقعَ الفاضحَ للصحافة العربية ‹الرسمية› كمثل صحيفة «القدس العربي» في هذا الأوانِ العصيب من زماننا السليب.. فقد صدر تقريرٌ صحفيٌّ على شاكلة مقال إنبائيٍّ ‹ثقافي› تحت العنوان التعيينيِّ، «رمضان في مواجهة ‹تسليع› الإنسان»، للكاتب الصحافيِّ ‹اللاتقليديِّ› محمد جميح حسبَ ادِّعائهِ.. لٰكنَّ إشكاليَّتَهُ التي لا يظهرُ أنه يُدرِكُهَا فعليًّا هي أنه غالبًا ما يورِّط نفسَهُ في مواضيعَ ليست من اختصاصِهِ العلميِّ ولا حتى من اقتنائِهِ المعرفيِّ، مِمَّا يُوقِعُهُ في الكثيرِ من أشراكِ الخلطِ والالتباسِ والمغالطة.. من هنا، يَبْدَأُ بالكلام الحماسيِّ على فكرةِ البحثِ الدؤوبِ عن نموذجٍ مَنْعِيٍّ أو رَدْعِيٍّ إزاءَ تعرُّضِ الإنسانِ لِبرنامجِ مَا يُشَارُ إليهِ وضعًا عربيًّا بـ‹التَّسْلِيع› Commodification، وبخاصّةٍ جَرَّاءَ تأدِيَةِ المؤمنين والمؤمناتِ لتلك الشَّعِيرةِ الخاصَّةِ إبَّانَ شهرِ رمضانَ، كما في الشاهد القرآني: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: 183).. وهكذا، فإن هذا الكلام الحماسيِّ، فيما يبدو، لا يعدو أن يكونَ استعراضًا معجميًّا مكتوبًا بما سمَّاها السياسيُّ الفرنسيُّ، جورج كليمنصوه، سخريةً وتهكُّمًا بـ‹اللغة الخشبية› Langue de Bois.. وبالتنظيرِ النظيرِ في شيءٍ من التَّفَصُّحِ الباطنيِّ ‹لَامُتَخَشِّبًا› مع ذلك، يتبيَّنُ من هذا الاستعراضِ المعجميِّ لاشتقاقِ مفردةِ الشهرِ المعنيِّ ‹رمضان›، أُسْوَةً باشتقاقِ مفردةِ القرينةِ المعنيَّةِ ‹رمضاء›، كيف أن الجذرَ الثلاثيَّ العربيَّ ‹ر م ض› يُحيلُ إلى فحوى ‹الحَرِّ الشديدِ› أو فحواءِ ‹الحَرِيقِ المديدِ› كحَدٍّ دلاليٍّ أدنى في الحرفِ والمجازِ – في الحرفِ تمثيلًا جسديًّا بسببٍ من ‹غَيْهَبَانِ› الغَرَثِ والظَّمَاءَةِ عن طريقِ العِلَّةِ المُثْلَى، من طرفٍ أوَّلَ، وفي المجازِ تمثيلًا روحيًّا بمدعاةٍ من ‹نورانِ› الحكمةِ والبصيرةِ عن سبيلِ المَعْلُولِ الأمْثَلِ، من طرفٍ آخَرَ.. فالغاية المُبْتَغَاةُ، إذن، ليست تكمنُ في التَّغْرِيثِ والتَّظْمِيءِ الجسديَّيْنِ، بقدرِ ما تكمنُ في الإشباعِ والإِرْوَاءِ الروحيَّيْنِ، سعيًا إلى التسلُّحِ الرازي بنوع من الفلسفة ‹المثالية› في إطارِ تجلِّيها المتسامي، وإلى التصدِّي المُوَازي لطغيانِ الفلسفةِ ‹المادِّية› في إسارِ تعدِّيها الرأسمالي-الاستهلاكي مُسَنَّدًا بأنيابِ التكنولوجيا – وتلك هي، بدئيًّا، نقطة الانعطافِ ‹التحليليِّ› الفجائيِّ التي كانَ على الكاتبِ الصحافيِّ ‹اللاتقليديِّ› أن يَثِبَ إليها أو منها عنوةً دونما سابقِ إنذارٍ.. ومن البداهةِ في أوانِ الإجحافِ المادِّي أن يصيرَ الحديثُ عن الإنصافِ الروحيِّ مَهْزَأَة مهزوءَةً في أحسنِ أحوالِهِ، نظرًا لتركيزِ النظامِ الرأسمالي-الاستهلاكي على خَلْقِ فردٍ ‹مُسَلَّعٍ› بكلِّ أهوالِهِ، وعلى تكوينِ مجتمعٍ أو مشتركٍ ‹مُدَجَّنٍ› قابلٍ للتطويعِ حَسْبَ المُرَادِ بأيِّ شكلٍ من أشكالِهِ، بغيةَ إفراغِ الإنسانِ من محتواهُ الإنسانيِّ والأخلاقيٍّ تحتَ نيرِ منظومةٍ ليس لَهَا سوى الاِحتفاءِ مُرَوْسَمًا بما يُسَمَّى بـ‹تقديسِ التفاهةِ› أو حتى بـ‹تَتْفِيهِ القداسةِ›، والمَالُ المَالُ عندَئذٍ إنما هو الآمِرُ والناهي في هكذا عالَمٍ مُصَنَّعٍ مُصْطَنَعٍ إلى حدِّ التسطيحِ الضَّحَالِيِّ أوَّلًا وآخِرًا.. وبالتالي، فإن أدَاءَ الصَّوْمِ هذا إن هو إلَّا ضرورةٌ وُجوديَّةٌ (أو كونيَّةٌ) لَا بُدَّ للإنسانِ الحديثِ منها لكي يتحرَّرَ من رِبَاقِ التسلُّطِ الغَرَزِيِّ الزَّرِيِّ تحرُّرًا يتجلَّى بمثابةِ خطوةٍ استهلاليَّةٍ جَادَّةٍ على دَرْبِ المقاومةِ الحَرُونِ لهكذا تزييفِ مُخيفِ وهكذا تشنيعِ مُريعِ (يُنظر تقريرُ محمد جميح: «رمضان في مواجهة ‹تسليع› الإنسان»، من إصدار «القدس العربي» يوم 5 آذار (مارس) عام 2025)..

يستتبع ممَّا تقدَّم أن إجراءَ الصيامِ، كنهجٍ فلسفيٍّ مناهضٍ لاستبدادِ النظامِ الرأسمالي-الاستهلاكي، ليسَ مجرَّدَ إجراءٍ امتناعيٍّ عن الغذاءِ والماءِ بينَ الشرُوقِ والغرُوبِ (ومَا أكثرَ الدُّرَيْغِيمَاتِ النُّقَطَاءَ المُتَأَسْلِمِينَ الأَفَّاكِينَ مِمَّنْ يمتنعونَ عنهمَا فحسبُ)، بلْ إجراءٌ رُوحِيٌّ يُمَكِّنُ الإنسانَ من التسيَارِ الدَّؤُوبِ على دَرْبِ المقاومةِ الحَرُونِ تَحَاشِيًا لِسَيْرُورَةِ استحالتِهِ إلى ‹سِلْعَةٍ› بَخِيسةٍ ضِمْنَ برنامجِ ‹التَّسْلِيعِ› المَعْنِيِّ – تمامًا مثلَما هي الحالُ في ذلك الإجراءِ الرُّوحِيِّ الذي كانَ الرَّسُولُ الكريمُ يتَّخِذُهُ لنفسِهِ قبلَ أيِّ امرئٍ آخَرَ، وذلك ممَّا قد يُدْرَك من قولِهِ في الحديثِ المعلومِ بأن «الصَّوْمَ جُنَّةٌ» أوَّلًا وآخِرًا.. ومن هنا، يُشْرِعُ الكاتبُ الصحافيُّ ‹اللاتقليديُّ› في الوقوعِ في أشراكِ الالتباسِ وسُوءِ الإدراكِ حينما يحشكُ في السياقِ عِلًَةَ مَا يفكِّر فيهِ فيلسُوفُ الاجتماعِ الألمانيُّ كارل ماركسُ (1818-1883) من مَسَاقِ تفسيرِهِ المادِّيِّ للتاريخِ تحديدًا.. يقولُ الكاتبُ الصحافيُّ ‹اللاتقليديُّ›، مع إحداثِ شيءٍ من التعديلِ لاتِّسَاقِ الكلامِ: «وعلى الرَّغمِ من أن [الرَّسُولَ الكريمَ] قد مرَّت عليهِ سنواتُ رخاءٍ، بعد توسُّعِ دولتِهِ، إلَّا أنه ظلَّ يصومُ عن الدنيا لكيمَا يملكَهَا كليًّا، حيث يكونُ حظُّ الكُمَّلِ من الكبارِ أن يعيشوا معَ المعاني العظيمةِ والقيمِ النبيلةِ والمبادئِ الخالدةِ والعقائدِ الراسخةِ، وهي المعاني والقيمُ والمبادئُ والعقائدُ التي لا يؤثِّرُ فيها الوجودُ المادِّيُّ، إذ يتكثَّفُ الزمنُ في اللحظةِ التاريخيةِ التي يبدو أن المستوى الأعلى (الروحيَّ المجرَّدَ) هو الذي يؤثِّرُ في المستوى الأدنى (المادِّيِّ الملموسِ) على عكسِ التصوُّراتِ المادِّيةِ التي بَلْوَرَهَا كارل ماركس في أفكارِهِ عن التفسيرِ المادِّيِّ للتاريخِ». فمن هذا التصريح الالتباسيِّ الصريحِ، إذن، يتجلَّى سُوءُ فَهْمِ الكاتبِ الصحافيِّ ‹اللاتقليديِّ› صَارخًا فيمَا يخصُّ التفسيرَ المادِّيَّ للتاريخِ عندَ ماركس، إذ يمكنُ رصدُهَا في ثلاثِ نِقاطِ رئيسيَّةٍ، هكذا – أوَّلًا، ثمَّةَ خلطٌ سافرٌ بينَ الجَانِبِ الفرديِّ، متمثلًا في رُوحَانيةِ الرَّسُولِ الكريمِ، وبينَ الجَانِبِ المجتمعيِّ، متمثلًا في مَادِّيَّةِ الجَدَلِ المُرَادِ جَرَّاءَ تطبيقِهِ المنطقيِّ على سَيْرِ الحضارةِ الإنسانيةِ بأن على الناسِ أن تُسَاهِمَ في سَيْرُورَةِ النشاطِ الاقتصاديِّ لأجلِ ضروراتِ الحياةِ وتبعًا لوسائلِ الإنتاجِ.. ثانيًا، يتبدَّى من فَحْوَاءِ التصريحِ الالتباسيِّ جَلِيًّا أَخْذُ مصطلحِ ‹المَادِّيِّ› بمعناهُ الحرفيِّ كليًّا، فيتبدَّى منهُ بجلاءٍ أشدَّ كذاك أَخْذُ مصطلحِ ‹الرُّوحِيِّ› النقيضِ على أنهُ المحرِّكُ الأسَاسِيُّ للتاريخ، كما فعلَ قبلًا فيلسوفُ التاريخِ الإنكليزيُّ آرنولد توينبي (1889-1975) الذي انتقدَهُ بشدَّةٍ كثيرٌ من فلاسفةِ التاريخِ وعلماءِ السياسةِ، وبخاصَّةِ مَنْ يؤمنونَ إيمانًا عميقًا بنظرية التطوُّرِ.. ثالثًا، وخلافًا لِمَا ذهبَ إليهِ التصريحُ الالتباسيُّ عَيْنًا، فإن نظريةَ ماركس المُسَمَّاةَ بـ‹المَادِّيَّة التاريخيَّة› Historischer Materialismus تسعى سَعْيًا علميًّا إلى تفسيرِ كلٍّ من التاريخِ والتطوُّرِ الإنسانيَّيْنِ على أساسِ الشروطِ المادِّيَّةِ (أي الاقتصاديَّة) للوُجُودِ الإنسانيِّ، ولهذا فإن أهمَّ أشكالِ النشاطِ الإنسانيِّ يقينًاِ إنما هو النشاطُ الإنتاجيُّ من سبيلِ عاملِ ‹العملِ› في حَدِّ ذاتِهِ.. هذا فضلًا عن أن هناك في الواقعِ الكثيرَ الجَمَّ من التفصيلِ العلميِّ الدقيقِِ والعَوِيصِ حَوْلَ موضوعٍ من الأهمِّيَّةِ والخُطُورَةِ بمكانٍ كهذا، مِمَّا يستوجبُ الاكتفاءَ بمِيدَاءٍ محدودٍ دَالٍّ في هكذا حَيِّزٍ إنْبَائِيٍّ ثقافيٍّ.. إنَّ مَا يَهُمُّ أكثرَ من حيثُ الطابِعُ النقديُّ الكشفيُّ المُبْتَغَى، إذن، إنما هو التنويهُ اللَّحُوحِ إلى مَدَى التناقضِ الذاتيِّ الفاضِحِ، مَرَّةً أُخرى، من هكذا كاتبٍ صحافيٍّ ‹لاتقليديٍّ› فوقَ هذا وذاك.. فمن جِهَةِ أُولى، يُصَرِّحُ الكاتبُ الصحافيُّ ‹اللاتقليديُّ› بأن العيشَ معَ تيك المعاني والقِيَمِ والمبادئِ والعقائدِ التي لَا يؤثِّرُ فيهَا الوُجُودُ المادِّيُّ فعليًّا، بحيثُ يبدو أن أَعْلَوِيَّةَ المستوَى الرُّوحيِّ (المُجَرَّدِ) حَدًّا لَهِيَ التي تؤثِّرُ في أَدْنَوِيَّةِ المستوَى المَادِّيِّ (المَلْمُوسِ) بذاتِ الحَدِّ – مُعْتَرِفًا بذلك اعترَافًا جَلِيًّا، وهو يدري، بأن العاملَ الرُّوحيَّ (المُجَرَّدَ) بالذاتِ لَهو المُحَرِّكُ الرَّئيسِيُّ للتاريخِ من منظورِهِ العِلِّيِّ.. ومن جِهَةِ أُخرى، يُدْلِي الكاتبُ الصحافيُّ ‹اللاتقليديُّ› بأن الفلسفةَ الرأسماليَّةَ-الاستهلاكيَّةَ قد قَسَّمَتْ هذا العَالَمَ الدُّنْيَوِيَّ إلى عَالَمَيْنِ متنافِرَيْنِ: عَالَمٍ ينتمي إلى نيويورك ولندن وطوكيو ومَا شَاكَلَ، وعَالَمٍ ينتمي إلى مَدَائِنِ الصَّفِيحِ وأحيَاءِ الهَامِشِ بُدًّا إذ تعصفُ منهَا شَتَّى الاضطراباتِ السياسيَّةِ والعرقيَّةِ النَّاتِجِ عن مَدَى اختلالِ الميزانِ الاقتصَاديِّ بعَيْنِ البُدِّ – مُقِرًّا بذاك إقرَارًا أشدَّ جَلَاءً، دونَ أن يدري، بأن العاملَ الاقتصَاديَّ أو العاملَ المَادِّيَّ (المَلْمُوسَ) لَهُوَ المُحَرِّكُ الأسَاسِيُّ للتاريخِ على النقيضِ!!..

وماذا أيضا في هذهِ القرينةِ، فإن الكاتبَ الصحافيَّ ‹اللاتقليديَّ›، في معرض كلامه عن المسألة اليهودية من المنظور الماركسي كذلك، يبدو في ظاهر الأمر أنه يشرح جادًّا ما جاء في الكتاب المعنيِّ «حول المسألة اليهودية» On the Jewish Question، في حين أن هكذا شرحًا لا يعدو أن يكون اجترارًا مبتسَرًا لما هو منشور هنا وهناك في هذا الفضاء الرقميِّ، وبغضِّ الطرف عن مدى صَحَاح أو عدم صَحَاح هذا المنشور على وجه التحديد.. يقول الكاتبُ الصحافيُّ ‹اللاتقليديُّ› في هذا الصَّدد: «وفي حين يرجع برونو باور عزلة اليهود إلى العوامل الدينية والثقافية، فإن كارل ماركس، في كتابه [المعنيِّ]، يرجع ذلك إلى الرأسمالية التي رآها الأساس المادي لليهودية، وهو ما يعني أن العوامل الاقتصادية هي المؤثرة في هذه العزلة، وبما أن اليهود أصحاب مال فإن ذلك دفعهم لشيء من العزلة، كأي رأسمالي يريد أن يعيش بعيدًا عن الآخرين، على طريقة ماركس في تغليب العوامل المادية على العوامل الروحية والثقافية في تفسير حركة التاريخ والمجتمع». واضحٌ من هذا القول الاجتراري إذن، وكما لاحظت كذاك إحدى المُعَقِّبَات النبيهات آنئذٍ، أن الكاتبَ الصحافيَّ ‹اللاتقليديَّ› يسيءُ فهمَ التفسير المادي (أو الاقتصادي) لحركة التاريخ أيَّما إساءةٍ من ذلك المنظور الماركسي ذاتهِ تحديدًا، خالطًا ها هنا بينَ التمثيلِ الفرديِّ والتمثيل المجتمعي تارةً، وبينَ التدليلِ الحرفيِّ والتدليل المجازي تارةً أخرى – كما رأينا بذاك شيئًا من إساءة الفهمِ هذه بشيءٍ من التفصيل النقدي الصحفيِّ أعلاه، وكما رأينا كذاك في مَتْنِ القسم الأول من هذا المقال (يُنظر أيضًا تقريرُ محمد جميح: «المسألة اليهودية بين الحلين: النازي والصهيوني»، من إصدار «القدس العربي» يوم 19 آذار (مارس) عام 2025).. وهكذا، في سياقِ التقابُلِ المفهوميِّ بين التَّحَرُّرِ السياسيِّ والتَّحَرُّرِ الإنسانيِّ، يساجلُ ماركس بأن الدولة الليبراليةَ والعلمانيةَ التي تمنح مواطنيها ومواطناتِها حِصَصًا وَافِيَةً من الحقوقِ السياسيَّةِ لا تعني بالضرورةِ أنَّ هكذا دولةً تمنحُهُم وتمنحُهُنَّ حِصَصًا نَظَائِرَ من الحُرِّيَّاتِ الإنسانيَّةِ الحقيقيَّةِ، وعلى الأخصِّ في حالِ بقاءِ كلٍّ من الانتهازِ الاقتصاديِّ والاستغلالِ الطبقيِّ في المجتمعِ أو المُشْتَرَكِ البشريِّ المعنيِّ.. من هنا، يتبدَّى ماركس مُفْصِحًا بهذا عن رَدِّهِ النقديِّ (والموضوعيِّ) على تصريحاتِ زميلِهِ الهيغليِّ الشَّابِّ، فيلسُوفِ اللاهوتِ الألمانيِّ برونو باور (1809-1882)، ولا سِيَّمَا تصريحُ هذا الأخيرِ بأنَّ اليهودَ ينبغي لَهُمْ أَنْ يتخلَّوْا كلَّ التخلِّي عن دِينِهِمِ (اليهوديِّ) لكي يتمَّ إدماجُهُم كليًّا في المجتمعِ أو المُشْتَرَكِ المدنيِّ الذين عاشوا، أو يعيشونَ، فيه – ومن هنا أيضًا، يبدو أنَّ الكاتبَ الصحافيَّ ‹اللاتقليديَّ› واقعٌ عن وَعْيٍ أو حتى عن لَاوَعْيٍ في أشراكِ الخلطِ السَّافرِ بين مُبْتَنَى ‹الدِّينِ› كمُعْتَقَدٍ من المعتقداتِ وبين مُبْتَنَى ‹العِرْقِ› كمَحْتِدٍ من المَحَاتِدِ، وذاك بإزاءِ الحديثِ القَهْرِيِّ نازيًّا عن فكرةِ ‹الوطن القوميِّ لليهودِ› وإنشائهِ بذرائعِ تلك الخرافةِ المُفْتَرَاةِ قولًا صارخًا بأنَّ أولئكَ / هؤلاءِ اليهودَ إنمَّا هم ‹شعبُ اللهِ المُخْتَارُ›، ممَّا أدَّى في الأخيرِ إلى التجسيدِ الاستعماريِّ الافترائيِّ لفحوى الفكرةِ ذاتِها على حسابِ فلسطينَ التاريخيةِ أرضًا وشعْبًا في إطار افتراءِ النزعةِ ‹الصهيونيةِ› من كُلٍّ من جانبَيْها المسيحيِّ واليهوديِّ على حدٍّ سَوَاءٍ (يُرَاجَعُ كذلك نصُّ التقريرِ المدوَّنُ بالمصدرِ الموثَّقِ عينًا قبلَ قليلٍ).. على الخلافِ من كلِّ ذلك، يساجلُ ماركس من طَرَفِهِ كذلك بأن المجتمعَ أو المُشْتَرَكَ المعنيَّ بالذاتِ ينبغي عليه أن يتحرَّرَ من شتَّى القيودِ التي تفرضُها بِنَى النظامِ الرأسماليِّ قبلَ كلِّ شيءٍ، لأن الدولةَ الليبراليةَ والعلمانيةَ المُتَحَدَّثَ عنها في هذِهِ القرينةِ يمكنُ لهَا أن تكونَ دولةً ‹دينيَّةً› في الآنِ ذاتِهِ، بحيث تتحوَّلُ قضايا الدِّينِ كلُّهَا إلى نطاقِ التجربةِ الفرديَّةِ، من جانبٍ أوَّلَ، بينما القضايا الاقتصاديَّةُ والاجتماعيَّةُ جُلُّهَا أَقَلًّا تبقى في مضمار التجلِّي الجَمْعِيِّ، من جانبٍ آخَرَ!!..

[انتهى القسم الثاني من هذا المقال ويليه القسم الثالث]

***

كوبنهاغن (الدنمارك)،
29 آب (أغسطس) 2026

------------

ملاحظة هامة


هذه المقالات التي يتمُّ إعدادُها في مجال النقد الإعلامي والصحافي تحديدا إنما كانت، وما زالت، تصدر تباعا في المركز الإعلامي الفلسطيني المتميِّز باسمِ «الإعلام الحقيقي» Real Media، هذا المركزِ الكائنِ أصلا في حيِّ الرمالِ من مدينةِ غَزَّةَ الأَبِيَّةِ بالذات.. ولكنْ، إذْ يعترينا القلقُ الشديدُ والحزنُ الأشدُّ من هول القتل والدمار اللذين يُمَارَسَا بحقِّ أخواتنا وإخوتنا من الشعب الغَزِّيِّ الكُمَيْتِ والهُمَامِ من طرف أنجاس العدو الصهيوني الفاشي العنصري الإجرامي والهمجي والبربري هو الآخَرُ على مدى زمان ليس بالقصير الآن، يبدو أن مركز «الإعلام الحقيقي» هذا قد توقَّف و/أو تباطأ عن المسَار المعتاد لإصدار موادِّهِ الإعلامية والصحافية، وذاك منذ اندلاع الحدثِ المُزَلْزِلِ لما سُمِّيَ بـ«طوفان الأقصى» في اليوم السابع من شهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2023 (وهذه الأيام بالذواتِ قد شهدتِ الذكرى السنوية الثالثة لهذا الحدث الجلل في الأسبوعين الأول والثاني من شهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام الجاري 2026).. وكلُّنا، في هذا، أملٌ وتطلُّعٌ وتشوُّفٌ على أحرّ من الجَمْرِ في عودة هذا المركز الفريد إلى نشاطه المعتاد في المستقبل القريب – وإنَّهُ لَسَمِيعٌ مُجِيب.

آصال أبسال

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى