الدكتور حسين عبدالبصير - الرجل الذي يبحث عن التاريخ في الأماكن التي نسيها المؤرخون

هناك باحثون يذهبون إلى التاريخ من أبوابه الكبيرة. يفتحون الوثائق ويطاردون التواريخ والأسماء ويضعون الأحداث في ترتيبها ثم يعودون إلينا بما وجدوه. وهناك باحثون آخرون يفضلون الأبواب الصغيرة. الأبواب التي لا يلتفت إليها أحد كثيرًا. خلف هذه الأبواب توجد الحكايات الشعبية والسير والأساطير والشخصيات التي اختلف الناس حولها والنصوص التي عاشت طويلًا على هامش اهتمام المؤرخين.

من هذا النوع أرى الدكتور عمرو عبد العزيز منير.

وأنا أكتب عنه لا أريد أن أقدم سيرة علمية تقليدية ولا أن أعدد عناوين كتبه وأبحاثه. ما يهمني هو الفكرة التي تقف وراء تجربته كلها. ماذا لو كان التاريخ أوسع بكثير مما اعتدنا أن نسميه تاريخًا؟

هذا السؤال هو المدخل الحقيقي لفهم تجربة عمرو منير.

عرفت خلال سنوات طويلة من الاشتغال بالآثار والتاريخ أن أصعب شيء ليس العثور على المصدر. الأصعب هو أن تعرف ماذا تفعل بهذا المصدر. فالوثيقة لا تتكلم وحدها. نحن الذين نستجوبها ونضعها في سياقها ونقارنها بغيرها ونحاول أن نعرف ما تقوله وما لا تقوله.

والحكاية الشعبية ليست مختلفة كثيرًا.

هي أيضًا شهادة ولكنها شهادة من نوع آخر. شهادة الذاكرة. شهادة الناس. شهادة الخيال الجمعي. شهادة مجتمع لم يكتب تاريخه كله في السجلات الرسمية.

وهنا تأتي قيمة عمرو منير.

هو لا يدخل الحكاية الشعبية ليصدقها كما هي ولا يدخل الأسطورة ليحولها إلى حقيقة تاريخية. يدخل إليها ليسألها. من صنعها؟ ومتى ظهرت؟ ولماذا بقيت؟ ولماذا تغيرت؟ وما الذي أخفته؟ وما الذي حافظت عليه من الواقع؟

وهذه في رأيي هي لحظة البحث الحقيقية.

لأن الباحث عندما يدرس الحكاية لا يدرس الحكاية وحدها. إنه يدرس المجتمع الذي صنعها.

تخيل شخصية تاريخية ماتت منذ مئات السنين. انتهت حياتها لكن صورتها لم تنته. تبدأ بعد ذلك حياة أخرى للشخصية في الذاكرة. تتغير ملامحها وتضاف إليها صفات وتحذف منها صفات وتدخل إليها السخرية والخوف والخيال والسياسة حتى تصبح في النهاية شخصية جديدة.

أي الشخصيتين أهم؟

الرجل الذي عاش فعلًا أم الرجل الذي بقي في ذاكرة الناس؟

السؤال ليس بسيطًا.

وربما لهذا السبب يصبح عمل عمرو منير مهمًا.

لأنه لا ينظر إلى الشخصية التاريخية وحدها وإنما ينظر إلى ظلها أيضًا.

وأحيانًا يكون ظل الإنسان في الذاكرة أطول من حياته.

قراقوش مثال شديد الدلالة. الرجل التاريخي شيء وقراقوش الذي صنعته الذاكرة الشعبية شيء آخر. لكن السؤال الأكثر إثارة ليس فقط أيهما الحقيقي. السؤال هو لماذا احتاج المجتمع إلى قراقوش بهذه الصورة؟ ولماذا تحول اسمه إلى رمز؟ ولماذا بقي الاسم بينما اختفت تفاصيل كثيرة من حياته؟

عندما نطرح هذه الأسئلة نغادر التاريخ التقليدي وندخل إلى تاريخ أعمق. تاريخ الإنسان.

والشيء نفسه يمكن أن نراه في الحاكم بأمر الله وفي شخصيات أخرى كثيرة وقفت طويلًا على الحدود بين التاريخ والأسطورة. الشخصية تموت ولكن صورتها تبدأ حياة جديدة. وكل جيل يضيف إليها شيئًا ويحذف منها شيئًا.

وهنا يصبح الباحث أمام مهمة شديدة الحساسية. عليه أن يفرق بين ما وقع بالفعل وما صنعته الذاكرة لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يتجاهل ما صنعته الذاكرة لأن الذاكرة نفسها أصبحت جزءًا من التاريخ.

هذه هي المنطقة التي يعمل فيها عمرو منير.

منطقة لا تقدم إجابات سهلة.

وأنا أحب في الباحث الحقيقي أنه لا يبحث عن الإجابة المريحة. يبحث عن السؤال الذي يزعجنا ويجبرنا على إعادة النظر في الأشياء التي اعتقدنا أننا نعرفها.

عمرو منير لا يقتل الحكاية باسم العلم. وهذه نقطة أراها مهمة للغاية.

العلم لا يحتاج إلى قتل الحكاية.

العلم يحتاج إلى فهمها.

الأسطورة ليست وثيقة تاريخية حرفية وهذا أمر واضح لكن هذا لا يعني أنها بلا قيمة. قد لا تخبرنا الأسطورة بما حدث لكنها قد تخبرنا بما كان الناس يخافون منه. وقد لا تخبرنا السيرة الشعبية بما فعله البطل فعلًا لكنها قد تكشف لنا كيف أراد المجتمع أن يرى البطولة.

وهنا تتحول الحكاية إلى مرآة.

والمرآة أحيانًا تقول عن الذي ينظر إليها أكثر مما تقول عن الشخص الذي يقف أمامها.

هذه هي القيمة التي أراها في تجربة عمرو عبد العزيز منير.

إنه لا يكتب عن الهامش بالمعنى التقليدي. إنه يعيد تعريف الهامش.

فما نسميه هامشًا قد يكون في الحقيقة قلب التجربة الإنسانية.

الحكاية الصغيرة يمكن أن تكشف مجتمعًا كاملًا. والشخصية التي نعتبرها أسطورية يمكن أن تكشف خوفًا تاريخيًا. والسيرة التي نعاملها باعتبارها أدبًا شعبيًا يمكن أن تفتح نافذة على تصور الناس للسلطة والعدل والظلم والبطولة والموت.

والأسطورة التي نعتقد أنها هروب من الواقع قد تكون واحدة من أكثر الطرق التي واجه بها الإنسان واقعه.

لهذا أرى أن مشروع عمرو منير يتجاوز دراسة السير الشعبية والأساطير والشخصيات الجدلية.

إنه بحث عن الإنسان الذي يكتب تاريخه دون أن يعرف أنه يكتبه.

كل حكاية تنتقل من جيل إلى جيل تحمل شيئًا من الذاكرة. وكل شخصية تتحول إلى مثل شعبي تترك أثرًا. وكل مرة نعيد فيها رواية قصة قديمة فإننا لا ننقل الماضي فقط وإنما نعيد صياغته.

وهذا هو الجانب الذي يجعل هذا النوع من البحث شديد الأهمية بالنسبة إلى فهم مصر.

مصر ليست فقط ما تركه ملوكها على الحجر. مصر أيضًا ما تركه ناسها في الذاكرة.

المعبد وثيقة.

والتمثال وثيقة.

والنقش وثيقة.

لكن الحكاية أيضًا وثيقة من نوع مختلف.

وهنا أجد نفسي قريبًا جدًا من تجربة عمرو منير.

فأنا أتعامل مع الأثر باعتباره شهادة تحتاج إلى قراءة واستجواب ومقارنة. وهو يتعامل مع النص الشعبي والحكاية والأسطورة بالطريقة نفسها تقريبًا. الفارق أنني أحفر في الحجر بينما هو يحفر في الذاكرة.

والاثنان يبحثان في النهاية عن الإنسان.

لهذا أرى في تجربته مشروعًا مفتوحًا على آفاق أكبر بكثير. يمكن أن يقودنا إلى تاريخ المخيلة المصرية وتاريخ الخوف وتاريخ السخرية وتاريخ العلاقة بالسلطة وتاريخ الشخصيات التي اخترعها المجتمع لكي يفهم بها العالم من حوله.

وقد يقودنا أيضًا إلى سؤال أكبر.

كيف يصنع المجتمع ذاكرته؟

هذا السؤال في رأيي أهم من كثير من الأسئلة التي تبدو أكثر تاريخية.

لأن الأمم لا تعيش بما حدث لها فقط. إنها تعيش بالطريقة التي تتذكر بها ما حدث.

والذاكرة لا تحفظ الماضي كما هو.

إنها تعيد كتابته.

كل جيل يكتب ماضيه من جديد.

وهنا تصبح مهمة الباحث أكثر صعوبة وأكثر جمالًا.

أن يعرف ما الذي حدث وأن يعرف في الوقت نفسه كيف تذكر الناس ما حدث.

أن يفرق بين الواقعة والأسطورة دون أن يلغي قيمة الأسطورة.

أن يضع الوثيقة بجوار الحكاية.

وأن يترك بينهما مساحة للأسئلة.

هذا هو النوع من الباحثين الذي أقدره.

باحث لا يخاف من المنطقة الرمادية.

ولا يشعر أن كل ما لا يدخل بسهولة في التصنيفات الأكاديمية يجب أن يظل خارج التاريخ.

بل يقترب منه بحذر ومنهج ويقول لنا إن الماضي أكبر من أرشيفه.

وأنا أكتب عن عمرو منير اليوم لأنني أراه واحدًا من الباحثين الذين يحاولون توسيع مساحة التاريخ المصري لتشمل أصواتًا ظلت طويلًا بعيدة عن مركز المشهد.

وهذا عمل يحتاج إلى شجاعة.

ليس من السهل أن تعمل في منطقة يختلط فيها التاريخ بالأدب والأسطورة بالذاكرة والواقع بالخيال.

لكن ربما تكون أجمل مناطق المعرفة هي تلك التي لا توجد فيها حدود واضحة.

هناك فقط سؤال وباحث ومصدر ومسافة طويلة بين الحقيقة وما تذكرناه عنها.

وأقول لعمرو منير إن الطريق الذي اخترته يستحق أن يستمر.

لا تخف من الحكاية.

ولا تصدقها بالكامل.

ولا ترفضها بسهولة.

استمع إليها.

استجوبها.

ضعها أمام الوثيقة.

ثم اسأل السؤال الذي قد يكون أهم من كل شيء آخر

لماذا قال الناس هذا؟

فأحيانًا تكون الإجابة عن هذا السؤال أكثر أهمية من الإجابة عن سؤال هل حدث هذا فعلًا؟

لأن الواقعة قد تنتهي في يوم من الأيام.

أما الطريقة التي يتذكر بها الناس الواقعة فقد تعيش مئات السنين.

وهنا يكمن أحد أسرار التاريخ.

أن ما يبقى ليس دائمًا ما حدث فقط.

بل ما استطاع الإنسان أن يمنحه معنى.

وهذا في تقديري هو جوهر تجربة الدكتور عمرو عبد العزيز منير.

إنه لا يبحث عن الماضي فقط.

إنه يبحث عن الإنسان الذي اختبأ داخل الماضي.

وهذا هو النوع من البحث الذي يبقى.

لأن التاريخ في النهاية ليس مقبرة للوقائع.

إنه حياة أخرى للإنسان.

وربما كان التاريخ موجودًا طوال الوقت في الحكاية التي سمعناها ونحن أطفال ولم نتوقف أمامها.

في اسم تحول إلى مثل.

في شخصية أصبحت أسطورة.

في قصة رواها الناس مئات المرات دون أن يسألوا لماذا بقيت.

ثم يأتي باحث مثل عمرو منير ويفتح الباب من جديد.

لا ليهدم الحكاية.

ولا ليصدقها.

وإنما ليعرف ماذا تخفي.

وهنا يبدأ التاريخ من جديد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى