د. حسين عبد البصير - حارس سطح العالم: حين يخاف السجّان من الكتاب

أخطر ما يمكن أن يحدث للسجّان ليس أن يهرب السجين من الزنزانة، وإنما أن يخرج من رأسه.

هذه الفكرة هي التي ظلت تطاردني وأنا أقرأ حكاية وصول رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى إلى سجون أمريكية، وقراءتها من جانب سجناء أصبحوا، للمفارقة، هم أنفسهم لجنة التحكيم. قرأ نحو مئتي سجين الأعمال الخمسة المتأهلة، ناقشوها، ثم اختاروا رواية بثينة العيسى لتفوز بجائزة «إنسايد» الأدبية لعام 2026.

لكن المفارقة هنا أكبر من جائزة.

فالرواية التي اختارها سجناء للانتصار هي رواية عن رجل مهمته أن يمنع الآخرين من الوصول إلى الكتب.

وهنا تبدأ لعبة بثينة العيسى الحقيقية.

بثينة لا تكتب عن الرقابة باعتبارها إجراءً إداريًا باردًا، ولا تقدم لنا الرقيب بوصفه شريرًا تقليديًا يقف في الجانب الآخر من الرواية. إنها تفعل شيئًا أكثر تعقيدًا. تضعه داخل ماكينة الرقابة نفسها، ثم تتركه يكتشف، خطوة بعد أخرى، أنه ليس خارج ما يراقبه.

الرقيب يقرأ.

وهذه هي نقطة الانهيار الأولى.

يقرأ لأنه موظف، ثم يكتشف أنه يقرأ بوصفه إنسانًا.

والفرق بين الأمرين هو المسافة كلها بين المؤسسة والروح.

حين يكون الكتاب مجرد مادة تخضع للفحص، يستطيع الرقيب أن يتعامل معه كما يتعامل مع أي ملف. لكن حين يصبح الكتاب تجربة، تتحول المهمة نفسها إلى مأزق. فالذي يقرأ لا يستطيع أن يضمن أن القراءة ستتوقف عند حدود التعليمات.

الكتاب لا يعرف حدود الوظيفة.

وهذا ما تدركه بثينة العيسى بوضوح.

إنها لا تجعل الثورة تأتي من الخارج. لا يأتي شخص ليهدم المؤسسة، ولا يظهر بطل خارق يواجه السلطة من موقع آمن. التغيير يبدأ من المكان الأكثر غرابة: من داخل عقل الرقيب نفسه.

وهنا تكمن قوة الرواية.

فالسلطة تستطيع أن تضع رقيبًا على الكتاب، لكنها لا تستطيع أن تضع رقيبًا على ما يفعله الكتاب بالرقيب.

وحين يقرأ «زوربا اليوناني»، لا يكون قد قرأ رواية أخرى فحسب؛ لقد دخل إلى منطقة لم تعد فيها حياته محكومة بالكامل بالتعليمات. تبدأ شخصية أخرى في الظهور من خلف الموظف، ويبدأ الإنسان في استعادة نفسه من وراء الدور الذي فُرض عليه.

كأن الكتاب يقول له: أنت لست وظيفتك.

وهذه ربما تكون الجملة الأكثر خطورة في أي نظام مغلق.

لأن الأنظمة لا تحب الإنسان المتعدد. تفضل أن تعرفه في خانة واحدة: موظف، سجين، مخالف، رقيب، مذنب، صالح، خطر، آمن.

أما الرواية فتكره الخانات.

إنها تعيد الإنسان إلى تعقيده.

وهذا بالضبط ما تفعله بثينة العيسى في «حارس سطح العالم». لا تكتفي بأن تجعل الرقيب يغيّر موقفه من الكتب، بل تجعلنا نراه وهو يتغير من الداخل. يصبح الكتاب شريكًا في إعادة تشكيل وعيه، ويصبح الخيال قوة لا يمكن التعامل معها بالمنطق الإداري نفسه الذي يحكم عملية المنع والمصادرة.

ولذلك فإن عنوان الرواية نفسه يستحق التوقف.

«حارس سطح العالم».

من هو الحارس؟

وماذا يعني أن نحرس «سطح العالم»؟

ربما يبدو العالم، في البداية، شيئًا يمكن حراسته: الكتب، الأفكار، الكلمات، الصور، المعاني. لكن الرواية تدفعنا إلى اكتشاف أن ما يبدو سطحًا يخفي تحته عالمًا آخر. وأن حراسة السطح لا تعني السيطرة على العمق.

يمكنك أن تمنع الكتاب من الوصول إلى اليد.

لكن هل تستطيع أن تمنع السؤال الذي ولّده الكتاب؟

يمكنك أن تصادر الرواية.

لكن ماذا تفعل بالخيال الذي سبق أن صنعته في عقل قارئ؟

هنا تنتقل بثينة العيسى من الحديث عن الرقابة إلى الحديث عن طبيعة السلطة نفسها.

فالسلطة لا تريد دائمًا أن تمنع الإنسان من معرفة شيء بعينه؛ أحيانًا تريد أن تتحكم في الحدود التي يستطيع الإنسان أن يتخيل العالم داخلها.

وهذا أخطر.

لأن الإنسان إذا مُنع من معلومة يمكنه أن يظل كما هو.

أما إذا مُنع من الخيال، فإنه يُمنع من احتمال أن يكون شخصًا آخر.

وهنا تصبح شخصية ابنة الرقيب في الرواية ذات أهمية خاصة. فالطفل أو الابنة، في مثل هذه الحكايات، ليس مجرد عنصر سردي يضيف دفئًا إلى القصة. إنه يمثل الخيال قبل أن تتعلم السلطة كيف تراقبه. يمثل العقل حين لا يكون قد اقتنع بعد بأن العالم له شكل واحد.

ولهذا يصبح «مركز إعادة التأهيل» أكثر من مكان داخل الرواية. العبارة نفسها تحمل مفارقة قاسية، خصوصًا إذا قرأناها من موقع السجين الذي يعيش بالفعل داخل مؤسسة تُقدّم نفسها باعتبارها مؤسسة إصلاحية.

ما معنى أن تعيد تأهيل الإنسان؟

ومن يحدد أنه يحتاج إلى إعادة التأهيل؟

وهل يمكن أن تتحول فكرة الإصلاح نفسها إلى وسيلة لإعادة الإنسان إلى النموذج الذي تريده المؤسسة؟

هنا تصبح الرواية أكثر ذكاءً من مجرد رواية عن منع الكتب.

إنها تسأل عن اللحظة التي تتحول فيها الرعاية إلى وصاية، والإصلاح إلى إخضاع، والحماية إلى رقابة.

وهذه أسئلة لا تخص السجون وحدها.

إنها أسئلة تخص المدرسة والأسرة والمجتمع والدولة وكل مؤسسة تعتقد أنها تعرف مصلحة الإنسان أكثر من الإنسان نفسه.

وهنا أفهم أكثر لماذا وجد السجناء في الرواية شيئًا يخصهم.

السجين يعرف معنى أن تتحدث المؤسسة باسمه.

يعرف كيف يصبح الإنسان موضوعًا لتقارير الآخرين، وكيف تتحول شخصيته إلى وصف رسمي، وكيف يمكن لواقعة واحدة أن تظل تطارده حتى تكاد تحجب بقية حياته.

لكن بثينة العيسى تقدم له شخصية رقيب لا تبقى أسيرة تعريفها الأول.

الرقيب نفسه يتغير.

وهذه إمكانية شديدة الأهمية بالنسبة إلى قارئ داخل السجن.

إذا كان الرقيب يستطيع أن يتغير، فلماذا لا يكون السجين قادرًا على التغير؟

إذا كانت المؤسسة نفسها ليست قدرًا نهائيًا، فلماذا يكون الماضي قدرًا نهائيًا للإنسان؟

الرواية، من هذه الزاوية، لا تمنح السجين عزاءً رومانسيًا، وإنما تمنحه شيئًا أكثر أهمية: إمكانية النظر إلى الإنسان باعتباره مشروعًا مفتوحًا.

وهذه واحدة من أهم وظائف الأدب.

الأدب لا يلغي ما حدث.

لكنه يرفض أن يجعل ما حدث هو الشيء الوحيد الذي يمكن معرفته عن الإنسان.

لذلك فإن وصول «حارس سطح العالم» إلى أحد عشر سجنًا أمريكيًا يبدو لي امتدادًا طبيعيًا لفكرة الرواية، وليس مجرد مصادفة جميلة تصلح للاحتفاء الإعلامي.

لقد خرج الكتاب من عالمه السردي ودخل إلى المكان الذي تصبح فيه أسئلته أكثر حدة.

رواية عن الرقابة دخلت مؤسسة مغلقة.

رواية عن الرقيب وصلت إلى سجناء.

رواية عن الخيال وجدت قراءً يعيشون في مكان تُفرض فيه حدود شديدة على الحركة.

ثم حدث ما هو أجمل:

السجناء لم يكتفوا بقراءتها.

حكموا لها.

في لحظة واحدة انقلبت العلاقة كلها.

الذين كانوا موضوعًا للحكم أصبحوا أصحاب الحكم.

وهذه المفارقة هي، في رأيي، أجمل ما في قصة الجائزة.

لكنني لا أريد أن أقرأ نجاح بثينة العيسى من زاوية «الاعتراف الأمريكي» فقط. هذا سيكون ظلمًا للرواية وللكاتبة معًا.

قيمة بثينة العيسى لا تبدأ من لحظة وصولها إلى القارئ الأمريكي، كما أن الأدب العربي لا يحتاج إلى شهادة من الخارج لكي يكتسب شرعيته.

الأهم أن الرواية أثبتت أن موضوعًا شديد الخصوصية يمكن أن يتحول إلى سؤال إنساني عام.

الرقابة عربية في سياقها، لكنها ليست عربية في جوهرها.

الخوف من الكتاب ليس له جنسية.

والرغبة في السيطرة على الخيال ليست حكرًا على نظام أو ثقافة.

وكذلك الرغبة في الحرية.

وهنا تظهر قوة الرواية في عبورها من سياقها الأول إلى سياق مختلف تمامًا، من دون أن تفقد جوهرها.

بثينة العيسى كتبت عن الرقيب، لكن الرواية انتهت إلى محاكمة فكرة الرقابة نفسها.

وكتبت عن الكتاب، فإذا بالكتاب يصبح شخصية غير مرئية تحرك الشخصيات من الداخل.

وكتبت عن الخيال، فإذا بالخيال يتحول إلى قوة تقاوم المؤسسة من دون أن ترفع صوتها.

وهذه هي قوة الرواية حين تكون رواية فعلًا: ألا تقدم لك الفكرة في صورة أطروحة جاهزة، وإنما تجعلك تعيشها مع الشخصيات.

لهذا لا أظن أن أهم سؤال في هذه الحكاية هو: لماذا فازت «حارس سطح العالم»؟

السؤال الأهم هو: ماذا وجد فيها هؤلاء السجناء؟

ربما وجدوا رقيبًا يمكن أن يتغير.

وربما وجدوا في الابنة التي تقاوم حدود العالم الرسمي صورة للخيال الذي لا يزال حيًا.

وربما وجدوا في الكتب شيئًا يعرفونه جيدًا: أن الإنسان يستطيع أن يكون محاصرًا من الخارج، لكنه يظل قادرًا على أن يبني مساحة أخرى في داخله.

وربما وجدوا أنفسهم.

وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها الأدب أكبر من الجائزة.

حين يجد القارئ نفسه في كتاب لم يُكتب عنه مباشرة.

عندها لا تعود المسألة كويتية أو أمريكية، ولا عربية أو غربية.

تصبح إنسانية.

وهذا، في النهاية، هو ما يجعل الأدب يعيش.

الجائزة قد تمنح الرواية لحظة في الأخبار، لكن قارئًا واحدًا قد يمنحها عمرًا كاملًا.

وأظن أن أجمل ما حدث لـ«حارس سطح العالم» أنها لم تصل فقط إلى السجن.

لقد وصلت إلى المكان الذي كانت الرواية تبحث عنه منذ البداية: إلى الإنسان الذي يعرف أن هناك فرقًا بين أن تحرس جسدك، وأن تحرس روحك.

فالكتاب لا يكسر الباب الحديدي.

ولا يفتح الزنزانة.

ولا يلغي الحكم.

لكنه يفعل شيئًا أكثر هدوءًا وأشد خطورة: يذكّر الإنسان بأن داخله مساحة لا ينبغي لأحد أن يصادرها.

مساحة اسمها الخيال.

ومن يملك خياله، لم يُسجن كله بعد.

وربما لهذا السبب تحديدًا كان «حارس سطح العالم» في المكان الصحيح.

فالرواية التي بدأت بحارس يراقب الكتب انتهت بسجناء يحرسون الرواية باختيارهم.

تلك ليست نهاية سيئة لكتاب عن الرقابة.

بل ربما تكون أكثر النهايات عدلًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى