عبد الرحمن بسيسو يقود النَّشر العربيَّ في "العفو الدولية"، وفلسطين بوصلته
بقلم: إلهامي المليجي
ثمة أصدقاء يصبح حضورهم جزءًا من طمأنينتنا إلى العالم؛ نعرف أنهم فيه، فنشعر أن للمحبة سندًا، وللفكرة رفيقًا، وأن ما بعثرته الأيام يمكن أن يجتمع من جديد فى جلسة معهم. وكان عبد الرحمن بسيسو من هؤلاء فى حياتي؛ كلما التقينا، استأنفنا ألفتنا من حيث تركناها، وجاء الحديث بما يجعل الوقت أضيق من أن يتسع لما نريد قوله.
وراء هذا الدفء الإنسانى عقل لا يكف عن العمل. تتزاحم لديه الأفكار، ويمنح كلًّا منها نصيبها من التأمل والترتيب، ثم يصبر عليها حتى تتخذ شكلًا يمكن أن يراه الآخرون وينتفعوا به. ولطالما استوقفنى فيه هذا التآلف بين رهافة المبدع ودقة المؤسس؛ يحلم باتساع، ويتابع بعناية، ويهب التفاصيل الصغيرة من احترامه ما يمنحه للفكرة التى أنشأتها. لذلك كانت مشروعاته تحمل شيئًا من روحه، ويجد من يعملون معه مكانًا لقدراتهم داخل ما يسعى إلى بنائه.
وكانت فلسطين تسكن هذا كله. تسكن اختياراته، وصلاته بالناس، وإيمانه بأن للكلمة عملًا تؤديه فى حياة أصحابها. ومنها اتسع أفقه العربي، وتوثقت علاقته بمثقفين ومبدعين، رأى فى اختلاف تجاربهم غنى لأى مشروع يجمعهم. وكلما تأملت مسيرته، وجدت أن الوطن الذى حمله فى المنافى قد علّمه أن يصغى إلى الإنسان؛ أن يرى خلف القضية وجوهًا، وخلف الألم حيوات تستحق أن تُصان.
أما أنا، فقد عرفت هذه المعانى أولًا فى الصديق: فى قربه من النفس، وثراء مجالسته، والثقة التى نمت بيننا حتى اتسعت للعمل المشترك. ثم جعلتنى الأيام أراه فى ميادين جديدة، فأكتشف كم بقى فى صورته ما لم أعرفه بعد. وكان لقاؤنا، بعد غياب تجاوز العام، واحدًا من تلك اللقاءات التى تضيف إلى معرفتك بإنسان عزيز فصلًا كاملًا.
المشهد الثالث: عاد من غزة بمفاجأة
غاب عبد الرحمن عن لقاءاتنا ما يزيد على عام، ثم التقينا مجددًا فى عام 1996. أخبرنى أنه قادم من غزة، وأخذ يحدثنى عن جديد أحواله، فإذا به يكشف عن مفاجأة لم أتوقعها: أصبح مدير وحدة الترجمة والنشر العربية «عرباى» فى منظمة العفو الدولية.
كان وقع الخبر علىّ صادمًا. أحمل لصديقى محبة وثقة عميقتين، وأحمل عن المنظمة رؤية سلبية؛ كنت أعتقد آنذاك أنها تؤدى دورًا يصب فى مصلحة الولايات المتحدة. ولهذا بدا لى اختياره بعيدًا عما تصورت لمسيرته، وأثار فى نفسى أسئلة عن الطريق الذى قاده إلى هذه المؤسسة.
وخلف المسمى الوظيفى الجديد كانت حكاية، تبدأ من تعثر مشروع عرفت مقدار ما وضعه فيه من نفسه: «مؤسسة فرح لصحافة وثقافة الطفل».
فقد تعذر عليه ماليًا الاستمرار فى تشغيلها، جراء تداعيات الحرب الأمريكية على العراق، ووجد نفسه بلا عمل. وأستعيد هنا إصدارات «فرح» التى وصلتنى إلى «دار النديم»، وما حملته من جمال وعناية واحترام لعقل الطفل، لذلك أستطيع أن أتصور ما يعنيه لصاحبها أن تضيق الإمكانات عن مواصلة مشروع منحه كل هذا الجهد.
وبحسب ما رواه عن تلك المرحلة، قرأ إعلانًا فى صحيفتى «الجارديان» و«قبرص ميل» عن وظيفة تأسيسية لدى منظمة العفو الدولية، وشعر بأنها قد «قُدّت له». تقدم بطلبه، وبدأت إجراءات دقيقة: وثائق، وامتحانان تحريرى وشفهى، ثم مقابلة أمام هيئة ضمت مسئولين فى الإدارة العليا للأمانة الدولية ورؤساء فروع.
وبعد نحو أسبوعين، دُعى مجددًا إلى لندن لمقابلة الأمين العام. امتد الحوار بينهما إلى حقوق الإنسان فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والقضية الفلسطينية، والانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين. ثم جاء السؤال الذى يستوقفنى أكثر من سائر تفاصيل المقابلة: ما طبيعة صلته بمنظمة التحرير الفلسطينية؟
أكد عبد الرحمن، كما يروي، أنه عضو عامل فيها، لأنه فلسطينى يناضل لتحرير وطنه المسروق، وأضاف أنها «وطن الفلسطينيين القومى حتى يستعيدوا الوطن».
فى هذه الإجابة أرى الرجل الذى أعرفه. كان يحتاج إلى العمل، ويخوض منافسة على وظيفة دولية، وحين سُئل عن انتمائه أفصح عنه بهذا الوضوح. حمل فلسطين معه إلى مقابلة التوظيف، مثلما حملها إلى مؤسساته وكتبه وعلاقاته.
وفى مساء اليوم نفسه، زاره فى الفندق نائب رئيس المنظمة ونائبة الأمين العام، ودار بينهم حوار طويل تخلله العشاء. وفى الصباح، تلقى اتصالًا يعرض عليه الوظيفة التى تنافس عليها مئات المتقدمين، بينهم عاملون فى هيئات دولية، قبل العرض، وبدأ عام 1995 تجربة استمرت حتى عام 2000.
كانت مهمته بناء وحدة من أساسها فى نيقوسيا: تأسيسها قانونيًا وإداريًا، واختيار مقرها والعاملين فيها، ووضع إستراتيجية للنشر فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ثم تتسع المسئوليات للترجمة والتوزيع، وتدريب الموظفين، وإدارة الميزانية، ومراقبة جودة النصوص والمطبوعات، والتواصل مع فروع المنظمة وأمانتها الدولية.
كلما عرفت تفاصيل هذا العمل، استعدت صورة عبد الرحمن أمام صفحات أطروحته للدكتوراه، يراجع ويعدل ويتابع. تلك الدقة التى جعلت أسبوع التنضيد يمتد أسابيع، وجدت هنا مجالًا أرحب؛ فريقًا كاملًا، وخططًا للنشر، وقراء موزعين على بلدان كثيرة. وأدركت لماذا شعر، حين قرأ الإعلان، بأن المهمة قد صيغت على مقاس خبرته.
ومع زياراته المتكررة للقاهرة، ومتابعتى لنشاطه، أخذت أرى بصمته فى «عرباى»، وأثر ما تنجزه الوحدة فى عمل المنظمة. وجدته شخصية دولية بامتياز؛ تتسع علاقاته ومسئولياته، ويعرف كيف يحول أفكاره إلى عمل. وكان يكشف لى عن جوانب من نشاطه لخدمة فلسطين، قضيتنا المركزية، فتتضح أمامى أبعاد غابت عنى لحظة المفاجأة الأولى.
ومن الوقائع الدالة التى أوردها فى شهادته انعقاد أول اجتماع سنوى للجنة «عرباي» الاستشارية، التى تضم أمناء فروع المنظمة فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فى غزة عام 1996. ثم توالت الاجتماعات فى نيقوسيا، بينما كان هناك سعى هادئ لنقل المقر الدائم للوحدة إلى القدس، عند تجسيد قيام الدولة الفلسطينية,
كان المقر فى قبرص، والاجتماع الأول فى غزة، والعين على القدس. وفى هذه المسافة تتضح بوصلة عبد الرحمن؛ يكتسب خبرة دولية، ويفكر كيف تجد مكانها فى خدمة شعبه ومستقبله.
وفى القاهرة، كان ينزل غالبًا فى فندق «كوزموبوليتان» بوسط البلد، ذلك الفندق التاريخى الذى يستبقى فى عمارته شيئًا من أناقة المدينة وذاكرتها. وبعدما استعرضنا تاريخه، سألته إن كان ذلك وراء حرصه على الإقامة فيه.
أجاب بالإيجاب، ثم أضاف سببًا عمليًا: أسعاره أقل من أسعار الفنادق ذات النجوم الخمس. وعلمت منه أن الاقتصاد فى النفقات والابتعاد عن البذخ نهج تتبعه المنظمة.
بقى هذا التفصيل فى ذاكرتي. كنت منشغلًا بتاريخ الفندق، فلفتنى إلى كلفه الإقامة، وفى إجابته اجتمعت ذائقة المثقف وحسابات المسئول. ومن هذه التفاصيل الصغيرة كنت أقترب من تجربته الجديدة، وأرى كيف يمارس مسئولياته فى الحياة اليومية.
وظلت صلتنا تحتفظ بدفئها الأول. يعود محملًا بالتجارب والأفكار، فأجد الصديق الذى ألفته، وقد اتسع عالمه. وكانت أحاديثنا تمنحنى فرصة لمتابعة هذه التحولات من قرب، عبر إنسان أعرف جديته، وأطمئن إلى صدق انشغاله بما يفعل.
ومن أجمل ما رواه عن تلك المرحلة صدور العدد التجريبى من «السندباد الجديد»، مجلة المنظمة للأطفال والفتيان. تولى رئاسة تحريره، وأسهم فيه بقصة عنوانها «الحصان الأبيض»، وكان المشروع يستهدف إصدار مجلة نصف شهرية للتثقيف بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، لكنه لم يستمر على النحو المخطط له.
هنا عاد صاحب «فرح» يطل من داخل تجربته الدولية. ظل الطفل حاضرًا فى تفكيره، ووجدت خبرته فى الأدب والنشر سبيلًا جديدًا إلى القارئ الصغير. بدت لى تجاربه كأنها تتبادل العطاء؛ يحمل من كل واحدة إلى الأخرى ما اكتسبه من معرفة، وما بقى لديه من أحلام تستحق المحاولة.
وفى إحدى زياراته للقاهرة، أواخر عام 2000، أطلعنى على مشروع «المركز الفلسطينى للدراسات البرلمانية وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان ـ شموس».
استوقفنى اجتماع هذه المعانى فى اسم المركز: فلسطين، والديمقراطية، وحقوق الإنسان. ورأيت فى المشروع محاولة لمنح خبرته صيغة فلسطينية، ومجالًا للعمل فى حياة شعبه ومؤسساته. كان عبد الرحمن، كعادته، يفكر فيما يستطيع أن يبنيه.
حين أستعيد تلك السنوات، أجد أن مفاجأة الوظيفة صارت مدخلًا إلى معرفة أعمق بصديقي. عرفت كيف يحمل انتماءه إلى مؤسسة دولية، وكيف يمنح العمل من روحه، وكيف تظل فلسطين قريبة من يده مهما اتسع العالم أمامه. وبقيت بيننا تلك المحبة التى تجعل اختلاف الأسئلة بابًا للحديث، وتمنح الصداقة عمرًا يتجدد مع كل لقاء.
الخاتمة
كان لا يزال فى جعبته ما يفاجئنى: التحاقه بالسلك الدبلوماسى ضمن فريق وزارة الخارجية فى السلطة الفلسطينية. هناك نلقاه فى الجزء المقبلة، فى مشهد آخر من سيرة صديق كلما ظننت أننى أحطت بملامحه، أضاءت التجربة وجهًا جديدًا فيه.
ملاحظة. نشرت هذه الحلقة من "وجوه عبر الزمن" في مجلة "الأهرام العربي" في ٢٦ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦. وهي بمثابة "سيرة غيرية" يكتبها صديق عن صديق عرفه عن قربٍ، وعلى مدى سنوات عديدة.