مفتتح: اتِّسَاع الهوَّة بين فلسطين: الوطن، والشعب، والقضيَّة وتمثيلها السِّياسيِّ
فيما هي تُبلور أطروحتها التَّأسيسيَّةَ البالغة الأهمية، المُضَمَّنة في مقالها المعنون: "قبل أن نبني الحامل السَّياسي: كيف نبدأ؟"، لا تَكُفُّ غانية ملحيس عن قرع جدران الخزان المعرفيِّ، الفكريِّ والسياسي، للحركة الوطنية التحرُّريَّة النهضويَّة الفلسطينية في أدق لحظاتها التاريخية وأكثرها سيولة وسُخونةً، وخشونةً وخطورة، وتأسيساً حاسماً لمستقبلٍ فلسطينيٍّ وإنسانيٍّ سيأتي.
ولنبدأ بتأكيد استخلاص أوَّليٍّ مُؤداه أنَّ القيمة المعرفية التي يكتسبها هذا النَّص الفكري السياسيِّ التَّأسيسيِّ لا تكمن في انشغاله بهجاء البنى السياسية المتآكلة - وهو هجاء بات متوفراً بكثرةٍ قلَّ نظيرها - وإنما تكْمُنُ في نجاحه الصَّارم في نقل مركز ثقل السُّؤال الفلسطيني من فضاء المراقبة والانفعال بمآلاتِ "تحولات المحتل" الجارية والممكنة وتأثيرها على "الواقع القائم في فلسطين"، إلى فضاء المُسَاءلة البنيوية الصارمة لقدرة "الذَّات الفلسطينيَّة" على الفعل داخل التاريخ، وعبر مدارات ومواقع وأحياز الوجود الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية المحتلَّة بأسرها، وفي مخيمات اللجوء القسري في بلاد الطَّوق (الأردن، سوريا، لبنان، مصر)، وفي غيرها من أماكن المنفى في البلاد القريبة والبعيدة، وفي شَتَّى بلاد الشَّتات الفلسطيني التي تكادُ تشملُ كُلَّ بقاع العالم.
لقد وضعت الدُّكتورة غانية يدها على العِلّة البنيوية الجذرية؛ حيث يتبدى أمامنا، بسطوعٍ قاهرٍ ذلك الانفصال المرير بين "الحامل الوطنيِّ الفلسطينيِّ" المتدفق بالوعي الفلسطيني الإنساني الرَّصين الوهاج، والراسخة أقدامهُ في الأرضِ الفلسطينية: حضارةً وتاريخاً وثباتاً وصموداً، في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية، وهي الأراضي الفلسطينية التي تحتلها "دولة إسرائيل" منذ مطلع حزيران من العام ١٩٦٧، وفي الأراضي الفلسطينية التي سبق أن احتلها"دولة إسرائيل" منذ منتصف أيار من العام 1948، وفي مخيمات اللجوء القسري القريبة من فلسطين والبعيدة عنها، وفي شَتَّى بقاع "منافي الشَّتات الفلسطينيّ الكونيُّ، وبين "الحَاملِ السِّياسيِّ الفلسطينيِّ" الذي أصابه التَّكَلُّسُ والجُمُودُ والتَّمَأْسُسِ البيروقراطيُّ، والذي انكفأ على نفسه متمترساً خلف مصالح فئوية، ومُحاصصاتٍ فصائلية عقيمة، وامتيازات شخصية أو عائلية أو أسرية رخيصة، جعلت الأعم الأغلب من الآليات التي يعتمدها هذا الحامل السياسي لتكريس، أو ربما لتأبيد، بقائه الذَّاتيِّ، جزءاً لا يتجزأ من المشكلة التي يفترض به، وطنياً وإنسانياً وَنِضَاليَّاً تحررياً نهضوياً، أنْ يتصدَّى لها بكل بسالة وقُوَّةٍ ليَجْتَثها من جذورها وينفي وجودها!
غير أن التثمين الحقيقي لهذا الجهد المعرفيِّ التأسيسيِّ لا يتضحُ ولا يتجلَّى، ولا يكونُ ذا مغزىً ونفعٍ، إلا بإخضاع النَّصِّ الفكري السياسي الذي استوجب التثمين العالي، لمنهجية "التفكيك وإعادة التركيب النَّقدية"؛ ذلك أَنَّ "الورقة البيضاء" التي دعت الدكتورة غانية، متضَافرةً مع دعوة يحيى بركات، إلى فتحها وبناء المشروع الفلسطيني فوقها، لا تتحرك في فراغ مادي، وهي ليست تمريناً ديمقراطياً معزولاً في مختبر فكريٍّ مُتَعَالٍ، وإنما هي اشتباك معقد مع شروخ تاريخية، وجغرافيات ممزقة، وعقائد سياسية متناحرة، فضلاً عن كون "الورقة البيضاء" التي أمسكت الدكتورة غانية بها، ستكونُ مستهدفةً، من اللَّحظة الأولى لإطلاقها في أي مدارٍ من مدارات الوجود الفلسطينيِّ بـ "تَخْيِيلُوجْيَا تَوَحُّشٍ صُهيونيٍّ استعماري" يسعى للمحو الديموغرافي الإبادي الشّّامل.
ومن هنا، يصبحُ السُّؤالُ الوطنيُّ الفلسطينيُّ العمليُّ، الأكثر أهميةً وإلحاحاً: كيف نحمي هذه "الورقة البيضاء" الَّناصعة، من التَّمزيق قبل أن نبدأَ، نحنُ الفلسطينيين جميعاً، بالكتابة عليها؟
وكيف نتضافرُ، ونعملُ بلا مللٍ معاً، لنردم الهوة الشاسعة الفاصلة بين طاقة الشَّارع الوطني الفلسطيني المتدفقة، وعجز الهيكل السِّياسي الرَّسمي، وجموده، وتكلُّسه؟ وهي الهوةُ الفاتكةُ التي لا تزالُ فاغرة الفًاهِ تتهيَّأُ لابتلاعِ فلسطين، وتذويب وجودها: وطناً وشعباً وقضيَّةً، وحضارةً وتاريخاً، وماضياً وحاضراً، وممكنات مستقبلٍ وآفاق وجود.
أوَّلاً: زمكانُ الحَقِّ والحقيقة الفِلَسْطينيِّ المُلْتَحِمِ في مواجهة تشظِّي "الأَحْيازِ الزَّمَكَانِيَّة" المُتَغَايرة الأحوال
تتخوف القراءاتُ الواقعية الصَّادمة، على غرار ما عبرت عنه فاتن جرار، من طوباوية صيغة "القرار الواحد" لشعب مشتت، فهي ترى أنَّ الخلاف الفلسطيني ليس خلافاً إدارياً على مقاعد، بل هو انقسامٌ وجوديٌّ، وتناقضٌ جذريٌّ عميقٌ في المشاريع والبرامج والخيارات الاستراتيجية الكبرى، وفي حدود الممكنِ المقبول، وغير الممكن المرفوض بإطلاق.
وإذا أضفنا إلى توصيف فاتن جرار ما أبصرتهُ عدسةُ المخرجُ السينمائي يحيى بركاتِ المُتَبَصِّرة التي نبهتنا إلى فداحة الانعكاسات الفيزيائية الخانقة للحصار الصهيوني الاستعماري التَّوحُّشيِّ الشَّامل المضروب منذُ أمدٍ بعيدٍ على فلسطين، والذي يعزل قطاع غزة، ويقضم الضفة الغربية، ويحاصر القدس ويبتلعها، فإننا نجِدُ أنفسنا أمام جدارِ تَشْظِيَةٍ وتفتيت، وتقطيع أوصالٍ وعَزلٍ مزدوج ومتداخل، وذلك على نحوٍ جسَّدَ مفارقة التقاء غايات "دولة إسرائيل" مع تصورات ومَسْلكيات طرفٍ أو آخر من طرفيِّ "الحامل السِّياسي الفلسطيني المُنْقَسِم"، في تكريس التَّفتتِ الجغرافيِّ السَّياسيِّ المُهْلِك، والانقسام الأيديولوجي البرامِجيِّ الحَاد، اللَّذين أنهكا "الوطنيَّة الفلسطينيَّة" ووفَّرا لإسرائيل أبلغ الحُجَجِ الدِّعائيَّة إقناعاً للدول، وللرأي العام العالمي، باستحالة تطبيق "حلِّ الدولتين" بسبب عدم وجود "طرفٍ سياسيٍّ فلسطينيٍّ تمثيليٍّ شرعيٍّ، أو متوافَق فلسطينيَّاً عليه!
نعم، هذا ما تقوله "دولة إسرائيل"، باستمرار لا ينقطع، وذلك علماً بأنها لم تتعامل مع "حلِّ الدَّولتين"، في أيِّ وقتٍ من الأوقات، إلَّا كـ"خِدعةٍ سياسيةٍ دعائيةٍ"، فهي لم تلتزم به، عن حقٍّ، أبداً، ولم تكُفَّ عن رفضِ فكرة مناقشة فكرته مع أي طرفٍ كان إلَّا في سياق كونه محض خِدعةٍ يُمكنها توظيفها واستثمارها دعائياً على نحو يُدين الطرف الفلسطيني المنقسم، وغير المُهَيََأ لتطبيق هذا الحلِّ السياسيِّ السلميِّ الذي ترحبُ "دولة إسرائيل" الإنسانيَّة، المسالمة، الساعية بإخلاص لإقامة السلام، به!
هنا، بالضبط، وتوظيفاً لما تراكم لديَّ من معرفة نقدية، رُؤْيويَّة جماليةٍ، وفكرية سياسية، ودبلوماسيَّة، نجمت في أعمها الأغلب عن عيشِ وقراءة مسارات الواقع الفلسطيني في صيرورتها وتحولاتها التاريخية، التي تكتنزها وتقولها وقائعُ الحياة وسجلاتُ التاريخُ الحقِّ، أو تلك المُجَسَّدة، بحيوية إبداعية لافتةٍ، في الرواية الفلسطينية المعاصرة منذ نشأتها في العصر الحديث حتى هذه اللحظة من زمننا الراهن، أجدني مهيئاً لأنْ أتقدمَ باقتراحٍ أراه ملائماً لجسر الهُوَّاتِ المكانيَّة، مهما اتَّسعت، بين أماكن وجود الشعب الفلسطيني المعزولة، والمتباعدة، والمتباينة الشروط السياسية الحاكمة والأحوال الاقتصادية والاجتماعية سواء داخل فلسطين المحتلَّة بأسرها، أو في مخيمات اللُّجوء القسري، أو في المنافيالقسرية المتباعدة في شتَى بلاد "الشتات الفلسطيني الكونيَّ"
يَتَجسَّدُ هذا الاقتراحُ الذي أتوخَّاه جاسراً لتلك الهُواتِِ، ومزيلاً للمخاوف الناجمة عن شساعتها وصعوبة ردمها، في المُكَوِّنات المفهومية للمصطلح الجمالي النقديِّ المنبثق صَوْغُهُ عن قراءاتي النقدية لبنيتي الزَّمان والمكان في الرواية الفلسطينية، وهو: "الزَّمَكَانِيَّة الفِلَسْطِينيّّة المُلْتَحِمة".
إن الوُجُودَ الفلسطينيَّ القَسْريَّ في "أزمنةِ الحَقِّ الفِلَسْطينيِّ اللَّامَكَانِيَّة"، لكون المكان الفلسطينيِّ المحتلِّ مسلوباً، وصار في حقيقته وجدانياً يقيم في أعماق الكينونة الفلسطينية الفرديّة والجمعيَّة مُعَزَّزاً بالحقِّ الراسخ في استعادته، فيما الزَّمانُ الفلسطينيِّ لم يُسلبْ ولعله لا يُسلبُ، ولن يُسلب إلا بالإبادة الجماعيَّة، ليسَ مجرد شتات ديموغرافي مبعثرٍ ومقيد بقوانين الجغرافيا الطارئة، وقوانين الحكومات والدول والكيانات والمنظمات والوكالات المُسْتَضيفة لمخيمات اللُّجوءِ القسري، وللجاليات الفلسطينية الموجودة في بلاد المنافي، وفي شتَّى أحياز الشتات الفلسطينيِّ الكونيِّ، وإنما هو كينونةٌ إنسانيَّةٌ وطنيةٌ حَضاريةٌ ثقافيَّةٌ تَاريخيَّة، وجدانية وهُوِيَّاتِيَّةٌ واحِدَةٌ ملتحمةٌ، وراسخة الارتباط، على نحوٍ صميمِيٍّ لا ينفصمُ، بأرض الوطنِ الذي منحهُ بُناةُ حضارته، وصُنَّاع تاريخيه، ومانحوهُ جوهر هُوِيَّتِه الكُلِّيَّةِ المُتَحَوِّلة الذين هُم الفلسطينيون الاسم: "فلسطين"، ناسبينَهُ إلى أنفُسهم، فيما هُم يَنْسِبُون أنفسهم إليه.
وما هؤلاء إلًا اللاجئًونَ الفلسطينيون في وطنهم الذي احتلته عصابات الإرهاب الصُّهيونيِّ التَّوحُّشيِّ المُسَلَّحِ، والمُعزَّز بدعمٍ شاملٍ من قبل الاستعمار الرأسمالي الغربي الصُّهيونيِّ الأنجلوسكسونيِّ، والذي أسمته بدعمهم، وربما بطلبٍ صريح ذي غايات ليست خفيةً منهم، "دولة إسرائيل" التي هي محضُ مستعمرة احتلالية إحلالية استيطانية، يعاني الفلسطينيون المتشبثون بأرضِ وطنهم المحتَلِّ، منذ العام 1948، والذي صارت هي إيَّاهُ من كل ما يفرضه، ويُفاقمُ وجودَهُ، نظام التمييز العنصري الصُّهيونيُّ من أوضاع مأساوية تنتهك كل حقوق الإنسان، وكل حرياته الأساسية، وتجعل من الفلسطيني صاحب الأرض الأصلي الذي لم يزل مقيماً فيها، كائناً مُسْتَلباً، مسلوبَ الحقوق، غريباً عن أرض وطنة التي يعرفها حقَّ المعرفة، لاجئاً فيها، وفاقداً، في الواقع الظاهري، حقيقة كونها وطنه الذي لا يَسُكُنهُ عن تمام حقٍّ، بل يعيشُ لاجئاً مسلوبَ الحقوق فيه، وساعياً، قدر وسعه، إلى تخليصه من الاحتلال وإكمال خطوات استعادته، ليتطابق وجوده الحيويُّ في الوجدان الفلسطينيِّ الجمعيِّ العميق مع وجوده الحيويِّ في واقع الحياة الوطنية الإنسانية الفلسطينية المنشودة؛
وما هؤلاء إلَّا الفلسطينيون الواقعون، منذُ العاشر من حزيران (يونيو) 1967، تحتَ نير "احتلالٍ صهيونيٍّ نجمَ عن حربٍ عدوانية خاطفةٍ شنَّتها العصابات الإرهابية الصُّهيونية المُسلَّحةِ التي صارت تُسَمَّى "جيش إسرائيل"، في الرابع من ذلك الشهر واستغرقت ستة أيامٍ أسفرت، ضمن أمور أخرى، عن توحيد فلسطين بأسرها تحت نير الاحتلال الصُّهيوني الإسرائيلي، وذلك باحتلال قطاع غزة، والضفة الغربية وضمنها ما لم تتمكن العصابات الصهيونية قد تمكنت من احتلاله في العام 1948 من أراضٍ تتبعُ مدينةَ القُدس وصارت تُسَمَّى، فيما بعد، "القُدس الشرقيَّة".
ومعلوم أنَّ قاطني الأراضي الفلسطينية التي جرى احتلالها من قبل إسرائيل في العام 1967، والذين قارب تعدادهم المليون مواطناً فلسطينياً()، أعدادٌ غفيرةٌ منهم بلغت نحو نصف هذا المليون "لاجئون فلسطينيون داخل وطنهم"، أو منفيون عنه وهم فيه،عبر إبعادهم القسريِّ عن "مساقط رؤوسهم ورؤوس أسلافهم"() وذلك لكونِ العصابات الصُّهيونية الإرهابية المُدجَّجة بأسلحة فتَّاكة قد اقتلعتهم من مدنهم وبلداتهم وقراهم وحقولهم ومزارعهم وبيوتهم التي هي مجالات عيشهم الإنسانيِّ الهَانئ، ووجودهم الحياتيِّ الحيويَّة، وطردتهم منها، وهجَّرتهم بعيداً عنها، أو شردتهم داخل ما كان قد بقي غير مُحْتلٍ من وطنهم، أو خارجه فيما عُرف ببلاد الطَّوق، وبلاد أخرى غيرها، ليتوزعوا في "منافي الشَّتات"، و"بلاد المَهْجَر"، أو ليقطنوا خياماً، قماشيةً أو قشِّيَّةً أو صفيحيَّةً أو قصبيَّة أو من جرود النخيل، داخل مخيمات لجوءٍ قَسْريٍّ أُنْشِئت على عَجَلٍ، داخل الأراضي الفلسطينية التي لم تكن قد احتُليتْ بَعْدُ، وفي بلاد اللُّجوء القسريِّ المُجَاورة، لتكريس لجوء الفلسطينيين المقتلعين المطرودين المُهَجَّرين قسراً، وإغلاق منافذ عودتهم إلى أراضيهم وبيوتهم التي اقتلعهم الإرهابُ الصُّهيوني الاستعماريُّ الاستيطاني الاقتلاعيِّ الإحلاليِّ، بالقوَّة الغاشمة، منها.
وما هؤلاء إلََا أبناءُ وأحفادُ، وأبناءُ أحفادِ كُلِّ الفلسطينيين، على توالي أجيالهم منذُ العام 1948، وفي صُلْبِ صُلْبِهم اللاجئون الفلسطينيون على تشتت أماكن لجوئهم القَسريَّ داخل فلسطين المُوحَّدة تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، أو خارجها، سواءٌ في جميع مخيمات اللجوء المُقامة في بلاد الطَّوق والتي صار بعضُها، مع تصاعد نسب التكاثر الفلسطينيِّ، وتوالي الأجيال، وتمدد الزمن دون إدراك عودةٍ إلى مساقط رؤوس الآباء والأجداد في أرضِ الوطن الأصلي "فلسطين"، مدناً كبيرةً، أو في بلاد "المَهْجَر الطَّوعيِّ"، أو "الهجرة القسريّة"، أو "منافي الشَّتات"، أو "المنافي المتعاقبة في المنافي"، المنتشرة في شتَّى بقاع الأرض.
إنَّ التَّعدُّد في الوسائل والأساليب والأدوات والمشاريعِ السِّياسية، الذي تراه "فاتن جرار" مانعاً للاتفاق، نراه من منظورنا "مصدر إثراءٍ وتكامُل استراتيجيٍّ مَرِنٍ"، شريطة صرامة المرجعية؛ فما تقتضيه شروطُ النِّضال الوطني التَّحرُّريِّ الشَّعبي الشَّامل المُتَكامل، وما تُلزمُ هذه المقتضياتُ بإطلاقه من مُقاومة شعبية شاملة لا تنفصمُ عن تعزيز مقومات الصُّمود والثبات وترسيخ الأقدام، في حيزيِّ الضفة الغربية وقطاع غزة الواقعين طوال الوقت تحت نيران التَّوحُّش الصُّهيوني الإسرائيلي: تجَمُّعاً استيطانياً عنصرياً فاشياً متطرفاً يُدْعى، بلا أي مُسَوِّغٍ علميٍّ أو معرفيٍّ، "المجتمع الإسرائيلي أو اليهودي أو الصهيوني"، وحُكُومَةً، وجيشاً، وعصاباتِ مستوطنين، إنَّمَا يختلف، بالضرورة، ويفترق افتراقاً موضوعيَّاً وعَمَليَِّاتِياً، عما تمليه مقتضياتُ العمل النِّضالي، المَطلبيِّ، والحقوقي، والسِّياسي، والدُّبلوماسي، والثقافيِّ والإعلاميِّ في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ العام 1948.
وكذلك يختلفُ، على نحو أو آخر، َما تمليه مقتضيات العمل النضالي الفلسطيني المتشعب، والمتنوِّع المجالات، والمفتوح على التعاون التَّضَافُريِّ الوثيق مع الشُّعوب، من أساليب ووسائل وأدوات ومجالات عملٍ نضاليٍّ، في "مخيمات اللُّجوء القسريِّ" في أيِّ دولةٍ من "دول الطَّوق"، وفي أي بلدٍ من بلاد الجِوار العربيِّ، أو في غيرها من بلاد العرب، والمسلمين، أو في أي دولة من "دول الخليج" السِّت، أو في أيِّ منفىً من منافي الشَّتات الفلسطيني البعيدة، المُوزَّعة على قارات العالم المختلفة، والتي تضمُّ جالياتٍ فلسطينيَّة فاعلة ومؤثرة أو قابلة لأن تكون كذلك، ولا سيما في قارتي أمريكا الشمالية وضمنها الولايات المتحدة (ثلاثمائة ألف فلسطيني على الأقل) وكندا (مائة ألف فلسطيني على الأقل)، وأمريكا اللاتينية وضمنها تشيلي (نصف مليون فلسطيني الأصل على الأقل) وهندوراس (نحو مائتي ألف فلسطيني الأصل على الأقل) وفي بعض الدول الأوربية المؤثرة كالمملكة المتحدة (خمسون ألف فلسطيني على الأقل) وألمانيا (مائتي ألف فلسطيني على الأقل).
إن الاعتراف بـ "خُصوصيَّة كُلِّ حَيِّز ٍجغرافيٍّ" والاستقلال العملياتي لكل تجمع فلسطينيٍّ، إنما هُما معاً، الممر الإجباري الوحيد لكسر قيد الاحتلال، بحيث يتحول التَّباين في وسائل النِّضال الوطني التَّحَرُّري، وتغاير أهدافه التمكينيَّة المنشود تحقيقها في هذا الحيز المكاني أو ذاك إلى شبكة متكاملة المراكز، شبكةٍ تعبرُ، مسلحةً بميراث حضاري تاريخيٍّ فلسطيني شامل وراسخٍ، وموروثاثٍ شعبية متنوعةٍ ومتشعبة المجالات، وتعكسُ حميمية الصلة الأزلية الأبدية بين الفلسطيني وأرض وطنه السليب، أي عائق، وتخترق أيَّ جدار عازلٍ، وتصون لُحْمَة الشعب، والوطن، والوجدان، والهويَّة، والقضية، والسَّرديَّة، والأهداف الوطنية الحياتية الوجودية المنشودة، وذلك على نحوٍ يؤكِّدُ رسوخ، واستحالة تفكيك، لُحْمَة المصير الوطني والإنساني الفلسطيني العام المشترك بين جميع مكونات وساحات وجود الشَّعب الفلسطيني. ولعلَّ لهذا أنْ يُنْقذ طاقة الوعي الشَّعبي الفلسطيني، التي راهن خالد عطية على استمرار تدفقها، من استنزاف بيولوجي مجاني، أو سواه، فيما هو يبرزُ الأهمية القصوى للثقافة الوطنية الفلسطينية في خوض الصراع الوجودي ضدَّ الغزاة الصهاينة والغرب الرأسمالي المتوحش، وتحقيق الانتصار الحاسم عليهما.
ثانياً: تفكيك "تَخْييلُوجيا التَّوحش" الصُّهيوني وتحصين بوصلة الرَّافعة التَّنظيمية
في هذا السِّياق الحواريَِ المفتوح، يتقدمُ الدكتور محمد قاروط أبو رحمة بمقاربته الحركيَّة الصَّارمة، محذراً من "العدميَّة المؤسساتِيَّة" وداعياً إلى "التَّحرُّك بما هو موجود وإصلاح ما يمكن اصلاحه" من داخل النِّوى والشَّرعيات القائمة، مستنداً إلى أنَّ الحركة، والعمل المشترك في الميدان، هما اللَّذان يصنعان الثقة ويُوَِّلدانِ الحاملَِ السياسيِّ على نحوٍ تدريجيٍّ.
ومع تثميننا لواقعية أبو رحمة التَّنظيميَّة في تسيير الشأن اليومي، إلا أننا نشتبك معه، بنيوياً، عند فحص "طبيعة المحتل" وطبيعة اللَّحظة التاريخية الراهنة".
إنَّ أبحاثنا المعمقة في تفكيك "تَخْييلُوجيا التَّوحُّش الصُّهيوني، وجمرات التِّقانة الخبيثة، وخيار شمشون العنصريِّ الإباديِّ الاستعماريِّ" إنَّما تبرهنُ، بلا مواربة، على أن الكيان الصهيوني المُسَمَّى "دولة إسرائيل، هو في حقيقته الجوهريَّة، بنية فاشية استعمارية استيطانية احتلاليَّةٍ إحلاليَّةٍ قائمةٍ على التدمير الشامل والتخريب، الكُلِّيِّ، والإبادةِ الحماعيَّة، والتطهير العرقيِّ الكاملِ، والمحو الشَّامل للآخر الفلسطيني، ولشتَّى "الأغيار" من غير الصهاينة، ولا سيما اليهود منهم، إنْ هم لم يخضعوا لأوامره، ومُطلق استعباده، وكمالِ تَسَيُّدِهِ ومطلقِ هيمنته على العالم، وهو إلى ذلك، كيانٌ لا يمتلكُ، في جيناته الآيديولوجية والسيِّاسية، أيَّ أفق للتَّسويَّة السِّلٍميَّة العادلة، أو التَّعايش السِّلمي، أو الحِوار الدِّيمقراطي، أو التعاون التبادلي التَّماثلي النِّديِّ، حتّّى آخر ما ماثل كل ما سبق ذكره أو ارتبط به، لأنَّه، في البدء والمُنْتَهَى، كيانٌ عنصريٌّ توحُّشيٌّ مُعَادٍ للإنسانيَّة بإطلاقٍ.
وإني لأحسبُ أنَّ لهذا التَّشْريح الموضوعيِّ، المُؤصَّلِ المُوَثَّق، والصَّارم أنْ يحسم التنازع الأخلاقي والسياسي بين "أطروحة الإصلاح التَّدريجي" التي يتبنَّاها محمد قاروط أبو رحمة، ويدعو للأخذ بها، وبين المخاوف التي تعكسها كلماتُ فاتن جرار الواردة في تعليقها المُوجز على مقالِ الدكتورة غانية الذي نناقشه، ونتحاور معه؛ فإذا كان جوهرُ، وأُسُّ استمرارِ وجُود،الكيان الصُّهيونيِّ العنصريِّ الاستعماري القائم الآن فوق أرض فلسطين المحتلة، والمُسمَّى منذ سبعين عاماً وإلى بعض حينٍ قريبٍ:، "دولة إسرائيل"، هو المَحْو الكُلِّيَ، والتطهير العرقيِّ، والإبادة الجماعيَّة للشعب الفلسطينيِّ ولغيره من "الأغيار"، فإن أي حوار يدورُ حول "مساومات، أو "تسويات" تحت سقف اتفاق "أوسلو" المُنْتهك، وغير ذي الوجود بالنسبة لحكومة إسرائيل إلا بما يخدم مصالحها ويحول دون تجسيد قيام دولة فلسطينية في فلسطين، مثلما أنَّ أي مراهنةٍ على مراسيم انتخابات ترقيعيةٍ، جافة وخرقاء، تصدُرُ عن سلطة فلسطينيَّةٍ، يُقِرُّ رئيسها، ويُعلنُ باستمرار، أنها "سلطةٌ منزوعةُ السِّيادة" بفعل الهيمنة التَّوحشية الإجراميَّة الإسرائيلية التي توظِّفها لتحقيق مصالح إسرائيلية، سوف لن يعدو أنْ يكونَ إلَّا سقوطاً مدوياً خارج السِّياق الوطني، التاريخي والموضوعيِّ، وانحرافاً فادحاً عما تُوجبه إنسانيَّةُ الإنسان، وتواطؤاً مكشوفاً في تفعيل عمليَّة إعادة إنتاج تكلس البنية السياسية الفلسطينية التي تحتكرُ تمثيل الشعب الفلسطيني ووطنه وقضيته، وتقوية هذا التَّكلس وتعميقه وترسيخ وجوده حتى تتم تصفية القضية الفلسطينية، المشروطة تصفيتها، في هذه اللحظة، باستمرار تكلس تلك البنية التي فقدت، بتكلسها، كونها بنية لتصبح محضَ قلمٍ في يدِ زعيمٍ فلسطينيٍّ مُصطَنَعٍ، وعلى الأغلبِ مُصَهْيَنٍ، موهومٌ جاهزٍ، بأمر صانعيه ومروجِه الصهاينة والمتصهينين، للتوقيع على ما يمحو فلسطين، بكل متعلقاتها، من شَتَّى خرائط العالم الجغرافي، ومدارات الوجود الإنسانيّ!
بناءً على ذلك، فإننا نلتقي مع أبو رحمة في وجوب "العمل والحركة دون إبطاء"، ولكننا نفترض وجوب إعادة توجيه بوصلتيِّ الرافعة التنظيمية، والعمل الميداني صوب هدف استراتيجيٍَ نهائيٍّ، وربما وحيد، وذي شقين متشابكين، في هذه المرحلة:
الشِّق الأوَّل: جعل الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين بأسرها، احتلالاً باهظَ الأثمان، عالِيَ الكُلْفة، وغير قابلً للاستدامة لكون توحشُه لم يعد فاتكاً بالفلسطينيين وحدهم، بل أصبح فاتكاً بالمحتلين أنفسهم، ومُهدداً لاستمرارية وجودهم الآمن في فلسطين بأسرها.
الشِّق الثَّاني: تحرير المؤسسات الوطنية الفلسطينية التاريخية، ولا سيَّما "منظمة التحرير الفلسطينية" من القيود البيروقراطية، وإجبارها على العودة لوظيفتها الكفاحية الأصلية عبر انتخاب "مجلس وطني فلسطيني جديد عابر للأجيال، ولجميع الأحياز الجغرافية للوجود الفلسطيني في فلسطين وفي جميع أرجاء العالم.
ثالثاً: عولمة القضية وأنسنة الخطاب التَّحرُّري
إذا كانت الدكتورة غانية قد تساءلت في مقالها الأم: "كيف نبدأ؟"، وإذا كان يحيى بركات قد اقترح في مقالاته اللاحقة توظيف الفضاء الرقمي والاتصال الشعبي الميداني كوسيلة لاكتشاف من يثق بهم الناس وصياغة الأسئلة من القاع؛ فإننا نرى أن "أداة البدء الفعلي ومفتاح التنفيذ الجدولي للخطط" يكمنان في عولمة القضية الفلسطينية والارتقاء بها إلى مصاف المعركة الإنسانية الكونية الشََاملة التي تتلخصُ في الصراع الوجودي بين الإنسانية الجوهرية وفي صلب أصلابها فلسطين وشعبها، والتوحش البشريِّ الرأسمالي الاستعماري الصهيوني الغربي الأوروبي الأمريكي.
إِنَّ قضية فلسطين اليوم، ولا سيما في ضوء التحولات الوجدانية والسياسية العميقة في الرأي العام العالمي التي أعقبت حرب الإبادة الإسرائيلية الحالية التي تستهدف الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وكل فلسطين، لم تعد مجرد نزاع حدودي أو قضية إقليمية ضيقة؛ بل أصبحتْ البوصلة الأخلاقية الكبرى للإنسانية الحرة في مواجهة تمظهرات التوحش البشري، والعنصرية الصهيونية، والرأسمالية الجشعة الفاشية المتوحشة.
إن "الورقة البيضاء" التي تبنَّتها الدكتورة غانية ملحيس، وفصَّلت في كيفِيَّة إعمالها، والفضاء الرقمي الذي دعا يحيى بركات إلى توظيفه واستثمار إمكانياته إنما يتحولان من خلال منظور الأنسنة إلى "منصات كفاحية عالمية"؛ يتشارك فيها الوعي الفلسطيني الجمعي مع القوى الإنسانية الحية التي تماهت مع فلسطين لتفكيك المنظومة الاستعمارية، متفاعلةً في ذلك مع السعيِّ اللاهب لتعميق صلة الإنسانيَّة الجوهرية بجوهرها الكامن في فلسطين عبر تجليات مصطلح الـ"فلسطينزم Falastinizm" الذي صاغه المفكر السياسي الصديق إياد البرغوثي كنقيضٍ إنسانيٍّ وجوديٍّ حاسمٍ وقابل للتعميق والشمول، بحسب تصورنا، للـ"زيونيزم Zionism” كإديولوجيَّة عنصرية توحشيَّة تدميرية إباديَّة، وتمظهرات وُجُودٍ، وتجليات سلوكٍ إرهابيٍّ فاشيٍّ، مُعادية للإنسانية.
والحقُّ أننا لن نشرعَ في التَّحرك في التاريخ، عن حقٍّ، إلا لحظة تمكننا من جعل الخطاب الوطنيِّ التحرريِّ الفلسطينيِّ خطاباً تحررياً نهضوياً إنسانياً كونياً، يُواجه ازدواجية المعايير التي تعتمدها الدول الرأسمالية الاستعمارية الجشعة المتوحشة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، المُستلبة الآن من قبل الصهيونية وحاملها السياسي العسكري الإرهابي: "دولة إسرائيل" ، ويوظف أدوات الضغط المتنوعة وفي مقدمتها الحقوقية والقانونية والاقتصاديَّة والثقافية (BDS)، في جميع أحياز الشتات الفلسطيني والمنافي، لتطويق الصهيوني الاستعماري المحتل، وعزله عزلاً كلياً ومطلقاً، كمنظومة تمييزٍ وفصل عنصريٍّ "أبارتهايد" ساقطة أخلاقياً، وتاريخياً، وإنسانيَّاً.
خلاصةٌ أخيرةٌ: أَشَبَكةٌ مرنةٌ أمْ صَنَمٌ بيروقراطيٌّ؟!
تأسيساً على ما تقدم، فإننا نخلصُ، متفاعلين مع الدكتورة غانية، ومع غيرها من الأخوات والأخوة أصحاب المقالات والتعليقات والمداخلات والتعقيبات، إلى أنَّ "الحامل السياسي الفلسطينيِّ المنشود"، الذي يجبُ أن يُشْرَعَ في بلورته نظرياً، وإعداد هيكليته التنظيمية، وكل وثائقه التَّأسِيْسيَّة ومستلزماته، قبل الشُّروع العملي في بنائه، والاستمرار في العمل على ترسيخ وجوده، وتقوية فاعليته "ليس حزباً جديداً"، ولا "فصيلاً يضاف لقائمة الفصائل" المُتَكلِّسة عديمة الشعبية والوجود، ولا وثيقة معلقة في فضاءٍ بلا هُوِيَّة؛ وإنَّما هو "شبكة مرنة متعدِّدة الوحدات والمراكز، عابرة لجميع الأحياز المكانية الفلسطينيَّة، ومتوافرة على جميع الشروط والمقتضيات والمعايير الوطنية الفلسطينية والإنسانيَّة الجوهرية. إنَّهَا شبكةٌ تتكامل فيها الوظائفُ النِّضَالية وتتصلُ اتِّصَالاً عضوياً وثيقاً بشتَّى مكونات المجتمع الفلسطيني في كل حيِّزٍ من الأحياز الزَّمَكانية الفلسطينية الملتحمة، داخل فلسطين المحتلَّة وخارجها، وذلك عبر ارتباطها التفاعليِّ الخَلَّاق بنشطائه الدَّؤوبين، ومثقفيه العضويين الجمعيين الإنسانيين، ومؤسساته المدنية، وكل قواه الفعَّالة الحَيَّة.
فهل نقولُ إنَّ البداية الحقيقية لإنهاء التَّكَلُّس السياسيِّ الفلسطيني قد انطلقت بالفعل؛ ذلك أنها عبرت عتبات السِّجال الفكريِّ المُتَبَصِّر لحظَةَ أنْ تجسَّدت في السَّعي الدؤوب المُثَابر إلى إدراك جوهر "السُّؤال الجوهريِّ المشترك" المعمق والمسؤول، الذي نتبادلُ تحولات صيغه، وردائفه، ونسعى بدأبٍ مثابرٍ، ودون إطالة أو تأخير، إلى إحكام صوغه والتَّوافق عليه.
وإلى ذلك، فإنَّ الخطوة الإجرائية القادمة، وفق ما تمليه الجداول الزمنية والمسؤوليات الوطنية والإنسانية التاريخية، وما يستوجبُهُ الوفاءً لدماء شعبنا الباسل الجدير بالحياة الحُرَّة السعيدة الزاهرة في وطنه الحُرِّ السَّيِّد المُسْتَقِل، إنما هي الشروع الفوريِّ في مأسسةُ هذا الحوار الحيوي الخَلَّاق في نوى تفكيرٍ وعملٍ تخصصية، نضاليَّةٍ كفاحية، تنتشرُ في كل مكان من أماكن الوجود الفلسطيني داخل الوطن الفلسطينيِّ المحتل، وخارجه، وتكرس جهدها، على نحو تكامليٍّ مدروسٍ، للعمل على أداء وظائف ومهمات نضالية محددة ومقيدة بقواعد شراكة صلبة ونزيهة تُحَرِّرُ الغايَاتِ والأهداف والخُطوات الفلسطينية التحرُّريَّة النهضويَّة من عجز الأشكال والفصائل والهياكل الرَّسمية المُتَكَلِّسة الفارغة القائمة في الواقع الفلسطينيِّ المأساوي القائم، لتمضي بمسيراتِ شعبنا قدماً نحو التَّحرُّر الوطني الناجز، والانعتاق الشعبي الشامل، والعودة الظافرة إلى الوطنِ التي نراها عودةً تكللها أقواسُ النَّصرِ والحرية المطلقة، فوق تراب وطننا الأزلي الأبدي المقدس: فلسطين، الذَّاهب وشعبه صوب مستقبلٍ لن يكُفَّ أبداً عن المجيء من المستقبل.
فيما هي تُبلور أطروحتها التَّأسيسيَّةَ البالغة الأهمية، المُضَمَّنة في مقالها المعنون: "قبل أن نبني الحامل السَّياسي: كيف نبدأ؟"، لا تَكُفُّ غانية ملحيس عن قرع جدران الخزان المعرفيِّ، الفكريِّ والسياسي، للحركة الوطنية التحرُّريَّة النهضويَّة الفلسطينية في أدق لحظاتها التاريخية وأكثرها سيولة وسُخونةً، وخشونةً وخطورة، وتأسيساً حاسماً لمستقبلٍ فلسطينيٍّ وإنسانيٍّ سيأتي.
ولنبدأ بتأكيد استخلاص أوَّليٍّ مُؤداه أنَّ القيمة المعرفية التي يكتسبها هذا النَّص الفكري السياسيِّ التَّأسيسيِّ لا تكمن في انشغاله بهجاء البنى السياسية المتآكلة - وهو هجاء بات متوفراً بكثرةٍ قلَّ نظيرها - وإنما تكْمُنُ في نجاحه الصَّارم في نقل مركز ثقل السُّؤال الفلسطيني من فضاء المراقبة والانفعال بمآلاتِ "تحولات المحتل" الجارية والممكنة وتأثيرها على "الواقع القائم في فلسطين"، إلى فضاء المُسَاءلة البنيوية الصارمة لقدرة "الذَّات الفلسطينيَّة" على الفعل داخل التاريخ، وعبر مدارات ومواقع وأحياز الوجود الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية المحتلَّة بأسرها، وفي مخيمات اللجوء القسري في بلاد الطَّوق (الأردن، سوريا، لبنان، مصر)، وفي غيرها من أماكن المنفى في البلاد القريبة والبعيدة، وفي شَتَّى بلاد الشَّتات الفلسطيني التي تكادُ تشملُ كُلَّ بقاع العالم.
لقد وضعت الدُّكتورة غانية يدها على العِلّة البنيوية الجذرية؛ حيث يتبدى أمامنا، بسطوعٍ قاهرٍ ذلك الانفصال المرير بين "الحامل الوطنيِّ الفلسطينيِّ" المتدفق بالوعي الفلسطيني الإنساني الرَّصين الوهاج، والراسخة أقدامهُ في الأرضِ الفلسطينية: حضارةً وتاريخاً وثباتاً وصموداً، في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية، وهي الأراضي الفلسطينية التي تحتلها "دولة إسرائيل" منذ مطلع حزيران من العام ١٩٦٧، وفي الأراضي الفلسطينية التي سبق أن احتلها"دولة إسرائيل" منذ منتصف أيار من العام 1948، وفي مخيمات اللجوء القسري القريبة من فلسطين والبعيدة عنها، وفي شَتَّى بقاع "منافي الشَّتات الفلسطينيّ الكونيُّ، وبين "الحَاملِ السِّياسيِّ الفلسطينيِّ" الذي أصابه التَّكَلُّسُ والجُمُودُ والتَّمَأْسُسِ البيروقراطيُّ، والذي انكفأ على نفسه متمترساً خلف مصالح فئوية، ومُحاصصاتٍ فصائلية عقيمة، وامتيازات شخصية أو عائلية أو أسرية رخيصة، جعلت الأعم الأغلب من الآليات التي يعتمدها هذا الحامل السياسي لتكريس، أو ربما لتأبيد، بقائه الذَّاتيِّ، جزءاً لا يتجزأ من المشكلة التي يفترض به، وطنياً وإنسانياً وَنِضَاليَّاً تحررياً نهضوياً، أنْ يتصدَّى لها بكل بسالة وقُوَّةٍ ليَجْتَثها من جذورها وينفي وجودها!
غير أن التثمين الحقيقي لهذا الجهد المعرفيِّ التأسيسيِّ لا يتضحُ ولا يتجلَّى، ولا يكونُ ذا مغزىً ونفعٍ، إلا بإخضاع النَّصِّ الفكري السياسي الذي استوجب التثمين العالي، لمنهجية "التفكيك وإعادة التركيب النَّقدية"؛ ذلك أَنَّ "الورقة البيضاء" التي دعت الدكتورة غانية، متضَافرةً مع دعوة يحيى بركات، إلى فتحها وبناء المشروع الفلسطيني فوقها، لا تتحرك في فراغ مادي، وهي ليست تمريناً ديمقراطياً معزولاً في مختبر فكريٍّ مُتَعَالٍ، وإنما هي اشتباك معقد مع شروخ تاريخية، وجغرافيات ممزقة، وعقائد سياسية متناحرة، فضلاً عن كون "الورقة البيضاء" التي أمسكت الدكتورة غانية بها، ستكونُ مستهدفةً، من اللَّحظة الأولى لإطلاقها في أي مدارٍ من مدارات الوجود الفلسطينيِّ بـ "تَخْيِيلُوجْيَا تَوَحُّشٍ صُهيونيٍّ استعماري" يسعى للمحو الديموغرافي الإبادي الشّّامل.
ومن هنا، يصبحُ السُّؤالُ الوطنيُّ الفلسطينيُّ العمليُّ، الأكثر أهميةً وإلحاحاً: كيف نحمي هذه "الورقة البيضاء" الَّناصعة، من التَّمزيق قبل أن نبدأَ، نحنُ الفلسطينيين جميعاً، بالكتابة عليها؟
وكيف نتضافرُ، ونعملُ بلا مللٍ معاً، لنردم الهوة الشاسعة الفاصلة بين طاقة الشَّارع الوطني الفلسطيني المتدفقة، وعجز الهيكل السِّياسي الرَّسمي، وجموده، وتكلُّسه؟ وهي الهوةُ الفاتكةُ التي لا تزالُ فاغرة الفًاهِ تتهيَّأُ لابتلاعِ فلسطين، وتذويب وجودها: وطناً وشعباً وقضيَّةً، وحضارةً وتاريخاً، وماضياً وحاضراً، وممكنات مستقبلٍ وآفاق وجود.
أوَّلاً: زمكانُ الحَقِّ والحقيقة الفِلَسْطينيِّ المُلْتَحِمِ في مواجهة تشظِّي "الأَحْيازِ الزَّمَكَانِيَّة" المُتَغَايرة الأحوال
تتخوف القراءاتُ الواقعية الصَّادمة، على غرار ما عبرت عنه فاتن جرار، من طوباوية صيغة "القرار الواحد" لشعب مشتت، فهي ترى أنَّ الخلاف الفلسطيني ليس خلافاً إدارياً على مقاعد، بل هو انقسامٌ وجوديٌّ، وتناقضٌ جذريٌّ عميقٌ في المشاريع والبرامج والخيارات الاستراتيجية الكبرى، وفي حدود الممكنِ المقبول، وغير الممكن المرفوض بإطلاق.
وإذا أضفنا إلى توصيف فاتن جرار ما أبصرتهُ عدسةُ المخرجُ السينمائي يحيى بركاتِ المُتَبَصِّرة التي نبهتنا إلى فداحة الانعكاسات الفيزيائية الخانقة للحصار الصهيوني الاستعماري التَّوحُّشيِّ الشَّامل المضروب منذُ أمدٍ بعيدٍ على فلسطين، والذي يعزل قطاع غزة، ويقضم الضفة الغربية، ويحاصر القدس ويبتلعها، فإننا نجِدُ أنفسنا أمام جدارِ تَشْظِيَةٍ وتفتيت، وتقطيع أوصالٍ وعَزلٍ مزدوج ومتداخل، وذلك على نحوٍ جسَّدَ مفارقة التقاء غايات "دولة إسرائيل" مع تصورات ومَسْلكيات طرفٍ أو آخر من طرفيِّ "الحامل السِّياسي الفلسطيني المُنْقَسِم"، في تكريس التَّفتتِ الجغرافيِّ السَّياسيِّ المُهْلِك، والانقسام الأيديولوجي البرامِجيِّ الحَاد، اللَّذين أنهكا "الوطنيَّة الفلسطينيَّة" ووفَّرا لإسرائيل أبلغ الحُجَجِ الدِّعائيَّة إقناعاً للدول، وللرأي العام العالمي، باستحالة تطبيق "حلِّ الدولتين" بسبب عدم وجود "طرفٍ سياسيٍّ فلسطينيٍّ تمثيليٍّ شرعيٍّ، أو متوافَق فلسطينيَّاً عليه!
نعم، هذا ما تقوله "دولة إسرائيل"، باستمرار لا ينقطع، وذلك علماً بأنها لم تتعامل مع "حلِّ الدَّولتين"، في أيِّ وقتٍ من الأوقات، إلَّا كـ"خِدعةٍ سياسيةٍ دعائيةٍ"، فهي لم تلتزم به، عن حقٍّ، أبداً، ولم تكُفَّ عن رفضِ فكرة مناقشة فكرته مع أي طرفٍ كان إلَّا في سياق كونه محض خِدعةٍ يُمكنها توظيفها واستثمارها دعائياً على نحو يُدين الطرف الفلسطيني المنقسم، وغير المُهَيََأ لتطبيق هذا الحلِّ السياسيِّ السلميِّ الذي ترحبُ "دولة إسرائيل" الإنسانيَّة، المسالمة، الساعية بإخلاص لإقامة السلام، به!
هنا، بالضبط، وتوظيفاً لما تراكم لديَّ من معرفة نقدية، رُؤْيويَّة جماليةٍ، وفكرية سياسية، ودبلوماسيَّة، نجمت في أعمها الأغلب عن عيشِ وقراءة مسارات الواقع الفلسطيني في صيرورتها وتحولاتها التاريخية، التي تكتنزها وتقولها وقائعُ الحياة وسجلاتُ التاريخُ الحقِّ، أو تلك المُجَسَّدة، بحيوية إبداعية لافتةٍ، في الرواية الفلسطينية المعاصرة منذ نشأتها في العصر الحديث حتى هذه اللحظة من زمننا الراهن، أجدني مهيئاً لأنْ أتقدمَ باقتراحٍ أراه ملائماً لجسر الهُوَّاتِ المكانيَّة، مهما اتَّسعت، بين أماكن وجود الشعب الفلسطيني المعزولة، والمتباعدة، والمتباينة الشروط السياسية الحاكمة والأحوال الاقتصادية والاجتماعية سواء داخل فلسطين المحتلَّة بأسرها، أو في مخيمات اللُّجوء القسري، أو في المنافيالقسرية المتباعدة في شتَى بلاد "الشتات الفلسطيني الكونيَّ"
يَتَجسَّدُ هذا الاقتراحُ الذي أتوخَّاه جاسراً لتلك الهُواتِِ، ومزيلاً للمخاوف الناجمة عن شساعتها وصعوبة ردمها، في المُكَوِّنات المفهومية للمصطلح الجمالي النقديِّ المنبثق صَوْغُهُ عن قراءاتي النقدية لبنيتي الزَّمان والمكان في الرواية الفلسطينية، وهو: "الزَّمَكَانِيَّة الفِلَسْطِينيّّة المُلْتَحِمة".
إن الوُجُودَ الفلسطينيَّ القَسْريَّ في "أزمنةِ الحَقِّ الفِلَسْطينيِّ اللَّامَكَانِيَّة"، لكون المكان الفلسطينيِّ المحتلِّ مسلوباً، وصار في حقيقته وجدانياً يقيم في أعماق الكينونة الفلسطينية الفرديّة والجمعيَّة مُعَزَّزاً بالحقِّ الراسخ في استعادته، فيما الزَّمانُ الفلسطينيِّ لم يُسلبْ ولعله لا يُسلبُ، ولن يُسلب إلا بالإبادة الجماعيَّة، ليسَ مجرد شتات ديموغرافي مبعثرٍ ومقيد بقوانين الجغرافيا الطارئة، وقوانين الحكومات والدول والكيانات والمنظمات والوكالات المُسْتَضيفة لمخيمات اللُّجوءِ القسري، وللجاليات الفلسطينية الموجودة في بلاد المنافي، وفي شتَّى أحياز الشتات الفلسطينيِّ الكونيِّ، وإنما هو كينونةٌ إنسانيَّةٌ وطنيةٌ حَضاريةٌ ثقافيَّةٌ تَاريخيَّة، وجدانية وهُوِيَّاتِيَّةٌ واحِدَةٌ ملتحمةٌ، وراسخة الارتباط، على نحوٍ صميمِيٍّ لا ينفصمُ، بأرض الوطنِ الذي منحهُ بُناةُ حضارته، وصُنَّاع تاريخيه، ومانحوهُ جوهر هُوِيَّتِه الكُلِّيَّةِ المُتَحَوِّلة الذين هُم الفلسطينيون الاسم: "فلسطين"، ناسبينَهُ إلى أنفُسهم، فيما هُم يَنْسِبُون أنفسهم إليه.
وما هؤلاء إلًا اللاجئًونَ الفلسطينيون في وطنهم الذي احتلته عصابات الإرهاب الصُّهيونيِّ التَّوحُّشيِّ المُسَلَّحِ، والمُعزَّز بدعمٍ شاملٍ من قبل الاستعمار الرأسمالي الغربي الصُّهيونيِّ الأنجلوسكسونيِّ، والذي أسمته بدعمهم، وربما بطلبٍ صريح ذي غايات ليست خفيةً منهم، "دولة إسرائيل" التي هي محضُ مستعمرة احتلالية إحلالية استيطانية، يعاني الفلسطينيون المتشبثون بأرضِ وطنهم المحتَلِّ، منذ العام 1948، والذي صارت هي إيَّاهُ من كل ما يفرضه، ويُفاقمُ وجودَهُ، نظام التمييز العنصري الصُّهيونيُّ من أوضاع مأساوية تنتهك كل حقوق الإنسان، وكل حرياته الأساسية، وتجعل من الفلسطيني صاحب الأرض الأصلي الذي لم يزل مقيماً فيها، كائناً مُسْتَلباً، مسلوبَ الحقوق، غريباً عن أرض وطنة التي يعرفها حقَّ المعرفة، لاجئاً فيها، وفاقداً، في الواقع الظاهري، حقيقة كونها وطنه الذي لا يَسُكُنهُ عن تمام حقٍّ، بل يعيشُ لاجئاً مسلوبَ الحقوق فيه، وساعياً، قدر وسعه، إلى تخليصه من الاحتلال وإكمال خطوات استعادته، ليتطابق وجوده الحيويُّ في الوجدان الفلسطينيِّ الجمعيِّ العميق مع وجوده الحيويِّ في واقع الحياة الوطنية الإنسانية الفلسطينية المنشودة؛
وما هؤلاء إلَّا الفلسطينيون الواقعون، منذُ العاشر من حزيران (يونيو) 1967، تحتَ نير "احتلالٍ صهيونيٍّ نجمَ عن حربٍ عدوانية خاطفةٍ شنَّتها العصابات الإرهابية الصُّهيونية المُسلَّحةِ التي صارت تُسَمَّى "جيش إسرائيل"، في الرابع من ذلك الشهر واستغرقت ستة أيامٍ أسفرت، ضمن أمور أخرى، عن توحيد فلسطين بأسرها تحت نير الاحتلال الصُّهيوني الإسرائيلي، وذلك باحتلال قطاع غزة، والضفة الغربية وضمنها ما لم تتمكن العصابات الصهيونية قد تمكنت من احتلاله في العام 1948 من أراضٍ تتبعُ مدينةَ القُدس وصارت تُسَمَّى، فيما بعد، "القُدس الشرقيَّة".
ومعلوم أنَّ قاطني الأراضي الفلسطينية التي جرى احتلالها من قبل إسرائيل في العام 1967، والذين قارب تعدادهم المليون مواطناً فلسطينياً()، أعدادٌ غفيرةٌ منهم بلغت نحو نصف هذا المليون "لاجئون فلسطينيون داخل وطنهم"، أو منفيون عنه وهم فيه،عبر إبعادهم القسريِّ عن "مساقط رؤوسهم ورؤوس أسلافهم"() وذلك لكونِ العصابات الصُّهيونية الإرهابية المُدجَّجة بأسلحة فتَّاكة قد اقتلعتهم من مدنهم وبلداتهم وقراهم وحقولهم ومزارعهم وبيوتهم التي هي مجالات عيشهم الإنسانيِّ الهَانئ، ووجودهم الحياتيِّ الحيويَّة، وطردتهم منها، وهجَّرتهم بعيداً عنها، أو شردتهم داخل ما كان قد بقي غير مُحْتلٍ من وطنهم، أو خارجه فيما عُرف ببلاد الطَّوق، وبلاد أخرى غيرها، ليتوزعوا في "منافي الشَّتات"، و"بلاد المَهْجَر"، أو ليقطنوا خياماً، قماشيةً أو قشِّيَّةً أو صفيحيَّةً أو قصبيَّة أو من جرود النخيل، داخل مخيمات لجوءٍ قَسْريٍّ أُنْشِئت على عَجَلٍ، داخل الأراضي الفلسطينية التي لم تكن قد احتُليتْ بَعْدُ، وفي بلاد اللُّجوء القسريِّ المُجَاورة، لتكريس لجوء الفلسطينيين المقتلعين المطرودين المُهَجَّرين قسراً، وإغلاق منافذ عودتهم إلى أراضيهم وبيوتهم التي اقتلعهم الإرهابُ الصُّهيوني الاستعماريُّ الاستيطاني الاقتلاعيِّ الإحلاليِّ، بالقوَّة الغاشمة، منها.
وما هؤلاء إلََا أبناءُ وأحفادُ، وأبناءُ أحفادِ كُلِّ الفلسطينيين، على توالي أجيالهم منذُ العام 1948، وفي صُلْبِ صُلْبِهم اللاجئون الفلسطينيون على تشتت أماكن لجوئهم القَسريَّ داخل فلسطين المُوحَّدة تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، أو خارجها، سواءٌ في جميع مخيمات اللجوء المُقامة في بلاد الطَّوق والتي صار بعضُها، مع تصاعد نسب التكاثر الفلسطينيِّ، وتوالي الأجيال، وتمدد الزمن دون إدراك عودةٍ إلى مساقط رؤوس الآباء والأجداد في أرضِ الوطن الأصلي "فلسطين"، مدناً كبيرةً، أو في بلاد "المَهْجَر الطَّوعيِّ"، أو "الهجرة القسريّة"، أو "منافي الشَّتات"، أو "المنافي المتعاقبة في المنافي"، المنتشرة في شتَّى بقاع الأرض.
إنَّ التَّعدُّد في الوسائل والأساليب والأدوات والمشاريعِ السِّياسية، الذي تراه "فاتن جرار" مانعاً للاتفاق، نراه من منظورنا "مصدر إثراءٍ وتكامُل استراتيجيٍّ مَرِنٍ"، شريطة صرامة المرجعية؛ فما تقتضيه شروطُ النِّضال الوطني التَّحرُّريِّ الشَّعبي الشَّامل المُتَكامل، وما تُلزمُ هذه المقتضياتُ بإطلاقه من مُقاومة شعبية شاملة لا تنفصمُ عن تعزيز مقومات الصُّمود والثبات وترسيخ الأقدام، في حيزيِّ الضفة الغربية وقطاع غزة الواقعين طوال الوقت تحت نيران التَّوحُّش الصُّهيوني الإسرائيلي: تجَمُّعاً استيطانياً عنصرياً فاشياً متطرفاً يُدْعى، بلا أي مُسَوِّغٍ علميٍّ أو معرفيٍّ، "المجتمع الإسرائيلي أو اليهودي أو الصهيوني"، وحُكُومَةً، وجيشاً، وعصاباتِ مستوطنين، إنَّمَا يختلف، بالضرورة، ويفترق افتراقاً موضوعيَّاً وعَمَليَِّاتِياً، عما تمليه مقتضياتُ العمل النِّضالي، المَطلبيِّ، والحقوقي، والسِّياسي، والدُّبلوماسي، والثقافيِّ والإعلاميِّ في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ العام 1948.
وكذلك يختلفُ، على نحو أو آخر، َما تمليه مقتضيات العمل النضالي الفلسطيني المتشعب، والمتنوِّع المجالات، والمفتوح على التعاون التَّضَافُريِّ الوثيق مع الشُّعوب، من أساليب ووسائل وأدوات ومجالات عملٍ نضاليٍّ، في "مخيمات اللُّجوء القسريِّ" في أيِّ دولةٍ من "دول الطَّوق"، وفي أي بلدٍ من بلاد الجِوار العربيِّ، أو في غيرها من بلاد العرب، والمسلمين، أو في أي دولة من "دول الخليج" السِّت، أو في أيِّ منفىً من منافي الشَّتات الفلسطيني البعيدة، المُوزَّعة على قارات العالم المختلفة، والتي تضمُّ جالياتٍ فلسطينيَّة فاعلة ومؤثرة أو قابلة لأن تكون كذلك، ولا سيما في قارتي أمريكا الشمالية وضمنها الولايات المتحدة (ثلاثمائة ألف فلسطيني على الأقل) وكندا (مائة ألف فلسطيني على الأقل)، وأمريكا اللاتينية وضمنها تشيلي (نصف مليون فلسطيني الأصل على الأقل) وهندوراس (نحو مائتي ألف فلسطيني الأصل على الأقل) وفي بعض الدول الأوربية المؤثرة كالمملكة المتحدة (خمسون ألف فلسطيني على الأقل) وألمانيا (مائتي ألف فلسطيني على الأقل).
إن الاعتراف بـ "خُصوصيَّة كُلِّ حَيِّز ٍجغرافيٍّ" والاستقلال العملياتي لكل تجمع فلسطينيٍّ، إنما هُما معاً، الممر الإجباري الوحيد لكسر قيد الاحتلال، بحيث يتحول التَّباين في وسائل النِّضال الوطني التَّحَرُّري، وتغاير أهدافه التمكينيَّة المنشود تحقيقها في هذا الحيز المكاني أو ذاك إلى شبكة متكاملة المراكز، شبكةٍ تعبرُ، مسلحةً بميراث حضاري تاريخيٍّ فلسطيني شامل وراسخٍ، وموروثاثٍ شعبية متنوعةٍ ومتشعبة المجالات، وتعكسُ حميمية الصلة الأزلية الأبدية بين الفلسطيني وأرض وطنه السليب، أي عائق، وتخترق أيَّ جدار عازلٍ، وتصون لُحْمَة الشعب، والوطن، والوجدان، والهويَّة، والقضية، والسَّرديَّة، والأهداف الوطنية الحياتية الوجودية المنشودة، وذلك على نحوٍ يؤكِّدُ رسوخ، واستحالة تفكيك، لُحْمَة المصير الوطني والإنساني الفلسطيني العام المشترك بين جميع مكونات وساحات وجود الشَّعب الفلسطيني. ولعلَّ لهذا أنْ يُنْقذ طاقة الوعي الشَّعبي الفلسطيني، التي راهن خالد عطية على استمرار تدفقها، من استنزاف بيولوجي مجاني، أو سواه، فيما هو يبرزُ الأهمية القصوى للثقافة الوطنية الفلسطينية في خوض الصراع الوجودي ضدَّ الغزاة الصهاينة والغرب الرأسمالي المتوحش، وتحقيق الانتصار الحاسم عليهما.
ثانياً: تفكيك "تَخْييلُوجيا التَّوحش" الصُّهيوني وتحصين بوصلة الرَّافعة التَّنظيمية
في هذا السِّياق الحواريَِ المفتوح، يتقدمُ الدكتور محمد قاروط أبو رحمة بمقاربته الحركيَّة الصَّارمة، محذراً من "العدميَّة المؤسساتِيَّة" وداعياً إلى "التَّحرُّك بما هو موجود وإصلاح ما يمكن اصلاحه" من داخل النِّوى والشَّرعيات القائمة، مستنداً إلى أنَّ الحركة، والعمل المشترك في الميدان، هما اللَّذان يصنعان الثقة ويُوَِّلدانِ الحاملَِ السياسيِّ على نحوٍ تدريجيٍّ.
ومع تثميننا لواقعية أبو رحمة التَّنظيميَّة في تسيير الشأن اليومي، إلا أننا نشتبك معه، بنيوياً، عند فحص "طبيعة المحتل" وطبيعة اللَّحظة التاريخية الراهنة".
إنَّ أبحاثنا المعمقة في تفكيك "تَخْييلُوجيا التَّوحُّش الصُّهيوني، وجمرات التِّقانة الخبيثة، وخيار شمشون العنصريِّ الإباديِّ الاستعماريِّ" إنَّما تبرهنُ، بلا مواربة، على أن الكيان الصهيوني المُسَمَّى "دولة إسرائيل، هو في حقيقته الجوهريَّة، بنية فاشية استعمارية استيطانية احتلاليَّةٍ إحلاليَّةٍ قائمةٍ على التدمير الشامل والتخريب، الكُلِّيِّ، والإبادةِ الحماعيَّة، والتطهير العرقيِّ الكاملِ، والمحو الشَّامل للآخر الفلسطيني، ولشتَّى "الأغيار" من غير الصهاينة، ولا سيما اليهود منهم، إنْ هم لم يخضعوا لأوامره، ومُطلق استعباده، وكمالِ تَسَيُّدِهِ ومطلقِ هيمنته على العالم، وهو إلى ذلك، كيانٌ لا يمتلكُ، في جيناته الآيديولوجية والسيِّاسية، أيَّ أفق للتَّسويَّة السِّلٍميَّة العادلة، أو التَّعايش السِّلمي، أو الحِوار الدِّيمقراطي، أو التعاون التبادلي التَّماثلي النِّديِّ، حتّّى آخر ما ماثل كل ما سبق ذكره أو ارتبط به، لأنَّه، في البدء والمُنْتَهَى، كيانٌ عنصريٌّ توحُّشيٌّ مُعَادٍ للإنسانيَّة بإطلاقٍ.
وإني لأحسبُ أنَّ لهذا التَّشْريح الموضوعيِّ، المُؤصَّلِ المُوَثَّق، والصَّارم أنْ يحسم التنازع الأخلاقي والسياسي بين "أطروحة الإصلاح التَّدريجي" التي يتبنَّاها محمد قاروط أبو رحمة، ويدعو للأخذ بها، وبين المخاوف التي تعكسها كلماتُ فاتن جرار الواردة في تعليقها المُوجز على مقالِ الدكتورة غانية الذي نناقشه، ونتحاور معه؛ فإذا كان جوهرُ، وأُسُّ استمرارِ وجُود،الكيان الصُّهيونيِّ العنصريِّ الاستعماري القائم الآن فوق أرض فلسطين المحتلة، والمُسمَّى منذ سبعين عاماً وإلى بعض حينٍ قريبٍ:، "دولة إسرائيل"، هو المَحْو الكُلِّيَ، والتطهير العرقيِّ، والإبادة الجماعيَّة للشعب الفلسطينيِّ ولغيره من "الأغيار"، فإن أي حوار يدورُ حول "مساومات، أو "تسويات" تحت سقف اتفاق "أوسلو" المُنْتهك، وغير ذي الوجود بالنسبة لحكومة إسرائيل إلا بما يخدم مصالحها ويحول دون تجسيد قيام دولة فلسطينية في فلسطين، مثلما أنَّ أي مراهنةٍ على مراسيم انتخابات ترقيعيةٍ، جافة وخرقاء، تصدُرُ عن سلطة فلسطينيَّةٍ، يُقِرُّ رئيسها، ويُعلنُ باستمرار، أنها "سلطةٌ منزوعةُ السِّيادة" بفعل الهيمنة التَّوحشية الإجراميَّة الإسرائيلية التي توظِّفها لتحقيق مصالح إسرائيلية، سوف لن يعدو أنْ يكونَ إلَّا سقوطاً مدوياً خارج السِّياق الوطني، التاريخي والموضوعيِّ، وانحرافاً فادحاً عما تُوجبه إنسانيَّةُ الإنسان، وتواطؤاً مكشوفاً في تفعيل عمليَّة إعادة إنتاج تكلس البنية السياسية الفلسطينية التي تحتكرُ تمثيل الشعب الفلسطيني ووطنه وقضيته، وتقوية هذا التَّكلس وتعميقه وترسيخ وجوده حتى تتم تصفية القضية الفلسطينية، المشروطة تصفيتها، في هذه اللحظة، باستمرار تكلس تلك البنية التي فقدت، بتكلسها، كونها بنية لتصبح محضَ قلمٍ في يدِ زعيمٍ فلسطينيٍّ مُصطَنَعٍ، وعلى الأغلبِ مُصَهْيَنٍ، موهومٌ جاهزٍ، بأمر صانعيه ومروجِه الصهاينة والمتصهينين، للتوقيع على ما يمحو فلسطين، بكل متعلقاتها، من شَتَّى خرائط العالم الجغرافي، ومدارات الوجود الإنسانيّ!
بناءً على ذلك، فإننا نلتقي مع أبو رحمة في وجوب "العمل والحركة دون إبطاء"، ولكننا نفترض وجوب إعادة توجيه بوصلتيِّ الرافعة التنظيمية، والعمل الميداني صوب هدف استراتيجيٍَ نهائيٍّ، وربما وحيد، وذي شقين متشابكين، في هذه المرحلة:
الشِّق الأوَّل: جعل الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين بأسرها، احتلالاً باهظَ الأثمان، عالِيَ الكُلْفة، وغير قابلً للاستدامة لكون توحشُه لم يعد فاتكاً بالفلسطينيين وحدهم، بل أصبح فاتكاً بالمحتلين أنفسهم، ومُهدداً لاستمرارية وجودهم الآمن في فلسطين بأسرها.
الشِّق الثَّاني: تحرير المؤسسات الوطنية الفلسطينية التاريخية، ولا سيَّما "منظمة التحرير الفلسطينية" من القيود البيروقراطية، وإجبارها على العودة لوظيفتها الكفاحية الأصلية عبر انتخاب "مجلس وطني فلسطيني جديد عابر للأجيال، ولجميع الأحياز الجغرافية للوجود الفلسطيني في فلسطين وفي جميع أرجاء العالم.
ثالثاً: عولمة القضية وأنسنة الخطاب التَّحرُّري
إذا كانت الدكتورة غانية قد تساءلت في مقالها الأم: "كيف نبدأ؟"، وإذا كان يحيى بركات قد اقترح في مقالاته اللاحقة توظيف الفضاء الرقمي والاتصال الشعبي الميداني كوسيلة لاكتشاف من يثق بهم الناس وصياغة الأسئلة من القاع؛ فإننا نرى أن "أداة البدء الفعلي ومفتاح التنفيذ الجدولي للخطط" يكمنان في عولمة القضية الفلسطينية والارتقاء بها إلى مصاف المعركة الإنسانية الكونية الشََاملة التي تتلخصُ في الصراع الوجودي بين الإنسانية الجوهرية وفي صلب أصلابها فلسطين وشعبها، والتوحش البشريِّ الرأسمالي الاستعماري الصهيوني الغربي الأوروبي الأمريكي.
إِنَّ قضية فلسطين اليوم، ولا سيما في ضوء التحولات الوجدانية والسياسية العميقة في الرأي العام العالمي التي أعقبت حرب الإبادة الإسرائيلية الحالية التي تستهدف الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وكل فلسطين، لم تعد مجرد نزاع حدودي أو قضية إقليمية ضيقة؛ بل أصبحتْ البوصلة الأخلاقية الكبرى للإنسانية الحرة في مواجهة تمظهرات التوحش البشري، والعنصرية الصهيونية، والرأسمالية الجشعة الفاشية المتوحشة.
إن "الورقة البيضاء" التي تبنَّتها الدكتورة غانية ملحيس، وفصَّلت في كيفِيَّة إعمالها، والفضاء الرقمي الذي دعا يحيى بركات إلى توظيفه واستثمار إمكانياته إنما يتحولان من خلال منظور الأنسنة إلى "منصات كفاحية عالمية"؛ يتشارك فيها الوعي الفلسطيني الجمعي مع القوى الإنسانية الحية التي تماهت مع فلسطين لتفكيك المنظومة الاستعمارية، متفاعلةً في ذلك مع السعيِّ اللاهب لتعميق صلة الإنسانيَّة الجوهرية بجوهرها الكامن في فلسطين عبر تجليات مصطلح الـ"فلسطينزم Falastinizm" الذي صاغه المفكر السياسي الصديق إياد البرغوثي كنقيضٍ إنسانيٍّ وجوديٍّ حاسمٍ وقابل للتعميق والشمول، بحسب تصورنا، للـ"زيونيزم Zionism” كإديولوجيَّة عنصرية توحشيَّة تدميرية إباديَّة، وتمظهرات وُجُودٍ، وتجليات سلوكٍ إرهابيٍّ فاشيٍّ، مُعادية للإنسانية.
والحقُّ أننا لن نشرعَ في التَّحرك في التاريخ، عن حقٍّ، إلا لحظة تمكننا من جعل الخطاب الوطنيِّ التحرريِّ الفلسطينيِّ خطاباً تحررياً نهضوياً إنسانياً كونياً، يُواجه ازدواجية المعايير التي تعتمدها الدول الرأسمالية الاستعمارية الجشعة المتوحشة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، المُستلبة الآن من قبل الصهيونية وحاملها السياسي العسكري الإرهابي: "دولة إسرائيل" ، ويوظف أدوات الضغط المتنوعة وفي مقدمتها الحقوقية والقانونية والاقتصاديَّة والثقافية (BDS)، في جميع أحياز الشتات الفلسطيني والمنافي، لتطويق الصهيوني الاستعماري المحتل، وعزله عزلاً كلياً ومطلقاً، كمنظومة تمييزٍ وفصل عنصريٍّ "أبارتهايد" ساقطة أخلاقياً، وتاريخياً، وإنسانيَّاً.
خلاصةٌ أخيرةٌ: أَشَبَكةٌ مرنةٌ أمْ صَنَمٌ بيروقراطيٌّ؟!
تأسيساً على ما تقدم، فإننا نخلصُ، متفاعلين مع الدكتورة غانية، ومع غيرها من الأخوات والأخوة أصحاب المقالات والتعليقات والمداخلات والتعقيبات، إلى أنَّ "الحامل السياسي الفلسطينيِّ المنشود"، الذي يجبُ أن يُشْرَعَ في بلورته نظرياً، وإعداد هيكليته التنظيمية، وكل وثائقه التَّأسِيْسيَّة ومستلزماته، قبل الشُّروع العملي في بنائه، والاستمرار في العمل على ترسيخ وجوده، وتقوية فاعليته "ليس حزباً جديداً"، ولا "فصيلاً يضاف لقائمة الفصائل" المُتَكلِّسة عديمة الشعبية والوجود، ولا وثيقة معلقة في فضاءٍ بلا هُوِيَّة؛ وإنَّما هو "شبكة مرنة متعدِّدة الوحدات والمراكز، عابرة لجميع الأحياز المكانية الفلسطينيَّة، ومتوافرة على جميع الشروط والمقتضيات والمعايير الوطنية الفلسطينية والإنسانيَّة الجوهرية. إنَّهَا شبكةٌ تتكامل فيها الوظائفُ النِّضَالية وتتصلُ اتِّصَالاً عضوياً وثيقاً بشتَّى مكونات المجتمع الفلسطيني في كل حيِّزٍ من الأحياز الزَّمَكانية الفلسطينية الملتحمة، داخل فلسطين المحتلَّة وخارجها، وذلك عبر ارتباطها التفاعليِّ الخَلَّاق بنشطائه الدَّؤوبين، ومثقفيه العضويين الجمعيين الإنسانيين، ومؤسساته المدنية، وكل قواه الفعَّالة الحَيَّة.
فهل نقولُ إنَّ البداية الحقيقية لإنهاء التَّكَلُّس السياسيِّ الفلسطيني قد انطلقت بالفعل؛ ذلك أنها عبرت عتبات السِّجال الفكريِّ المُتَبَصِّر لحظَةَ أنْ تجسَّدت في السَّعي الدؤوب المُثَابر إلى إدراك جوهر "السُّؤال الجوهريِّ المشترك" المعمق والمسؤول، الذي نتبادلُ تحولات صيغه، وردائفه، ونسعى بدأبٍ مثابرٍ، ودون إطالة أو تأخير، إلى إحكام صوغه والتَّوافق عليه.
وإلى ذلك، فإنَّ الخطوة الإجرائية القادمة، وفق ما تمليه الجداول الزمنية والمسؤوليات الوطنية والإنسانية التاريخية، وما يستوجبُهُ الوفاءً لدماء شعبنا الباسل الجدير بالحياة الحُرَّة السعيدة الزاهرة في وطنه الحُرِّ السَّيِّد المُسْتَقِل، إنما هي الشروع الفوريِّ في مأسسةُ هذا الحوار الحيوي الخَلَّاق في نوى تفكيرٍ وعملٍ تخصصية، نضاليَّةٍ كفاحية، تنتشرُ في كل مكان من أماكن الوجود الفلسطيني داخل الوطن الفلسطينيِّ المحتل، وخارجه، وتكرس جهدها، على نحو تكامليٍّ مدروسٍ، للعمل على أداء وظائف ومهمات نضالية محددة ومقيدة بقواعد شراكة صلبة ونزيهة تُحَرِّرُ الغايَاتِ والأهداف والخُطوات الفلسطينية التحرُّريَّة النهضويَّة من عجز الأشكال والفصائل والهياكل الرَّسمية المُتَكَلِّسة الفارغة القائمة في الواقع الفلسطينيِّ المأساوي القائم، لتمضي بمسيراتِ شعبنا قدماً نحو التَّحرُّر الوطني الناجز، والانعتاق الشعبي الشامل، والعودة الظافرة إلى الوطنِ التي نراها عودةً تكللها أقواسُ النَّصرِ والحرية المطلقة، فوق تراب وطننا الأزلي الأبدي المقدس: فلسطين، الذَّاهب وشعبه صوب مستقبلٍ لن يكُفَّ أبداً عن المجيء من المستقبل.